أمريكا الروسية: من المستوطنات الأولى إلى بيع ألاسكا

Picture1.png

سفيتلانا فيدوروفا

فيكتوريا زاريتوفسكايا*

كانت أمريكا الروسية (وهذا الاسم ينطبق على شبه جزيرة ألاسكا وجزر ألوشيان وبعض الأماكن في ولاية كاليفورنيا العليا مثل فورت روس) جزءًا من الإمبراطورية الروسية لأكثر من مائة عام. ومنذ منتصف القرن الثامن عشر، نشأت في هذه الضواحي الشمالية الغربية للعالم الجديد مستوطنات روسية راحت تتوالد الواحدة تلو الأخرى، حيث انتقل إليها مواطنون روس قدِموا من جميع أنحاء البلاد، وهم من المسؤولين الذين تم إرسالهم لرعاية مصالح الدولة الروسية ومن الصيادين والبحارة والتجار والمبشرين والأقنان الهاربين والمغامرين. يروي كتاب الأكاديمية سفيتلانا فيدوروفا، الرائدة بتخصصها في تاريخ أمريكا الروسية، عن اكتشاف الروس تلك الأراضي الغنية، ثم تخليهم عنهما بسبب موقعها القصيّ الخارج عن حدود بلادهم.

ما يجذبنا إلى عمل البروفيسورة فيدوروفا، أولا وقبل كل شيء، زاويتها الإنسانية والنبيلة في طرح القضايا القومية التي أدت إلى ظهور الروس في الشواطئ الأمريكية، إضافة إلى صعوبات حياتهم آنذاك. نجد أن بحثها يخلو من الشعبوية والسياسة، فيما تركز على القضايا الإنسانية والاجتماعية والقانونية المتعلقة بتجربة فريدة لاستيطان العالم الجديد، وتجربة المستوطنين الروس خارج حدود بلادهم، والتطور الذي نتج عن ذلك لعلوم عدة منها الجغرافيا واللسانيات، والأثر الثقافي الذي تركوه في ثقافات الشعوب المحلية، والبعد الأخلاقي الذي أحاط بحياتهم.

فمن هم المستوطنون الروس في أمريكا، وما الذي دفعهم لعبور بحار مضطربة والانتقال إلى قارة أخرى، وما هو الدور الذي لعبته الشركة الروسية الأمريكية (شركة روسية حكومية)، ولماذا غادرت روسيا القارة الأمريكية في آخر المطاف، وكيف جرت اتفاقية البيع والشراء لهذه الأراضي بين روسيا القيصرية والولايات المتحدة الناشئة من وجهة قانونية وحقوقية، وهل أخذ في الاعتبار مصالح المستوطنين الروس والسكان الأصليين، وكيف استقبل المستوطنون قرار البيع، وما هي الذكرى التي حملوها معهم عن تلك الأرض؟ هذه الأسئلة وغيرها تُشكل مداراً تأملياً للباحثة.

وتنتهج الدراسة وجهة إثنو- سوسيولوجية واضحة، يدلَّ عليها اهتمام المؤلفة بعدة قضايا منها تشكيلة الروس الذين قطنوا أمريكا الشمالية من حيث الفئات والأصل وكذلك أثر التواصل المديد للروس مع الأليوتيين والقبائل المجاورة لهم وأثر ذلك على حياة المحليين من ناحية العقيدة الدينية واللغة والعادات اليومية.

ومن أهم الاكتشافات التي توصلت إليها المؤلفة بناءً على ذكريات المسؤولين والمشاركين المباشرين لتلك الأحداث، أن تبشير الكنيسة الأرثوذكسية الروسية  في الشواطئ الأمريكية لم يلاق نجاحاً مستحقاً البتة، وأن رغبة السكان الأصليين في أن يصبحوا مسيحيين ظلت ضعيفة، وهو ما يتبدى من عدد المعابد الأرثوذكسية التي شيدها الروس في الجانب الآخر من المحيط. تكتب فيدوروفا أن جميع السكان المحليين قد عُمّدوا رسميًا، وفقًا لأسقف ألاسكا، بيتر (1860)، والسبب يكمن في أنهم "وديعون جدًا بطابعهم ومطيعون ويرسمون الصليب عندما تقنعهم بضرورة ذلك، لكنهم عمومًا غير مبالين بالدين" (ص:210). نجد ملاحظات قبطان سفينة جولوفين التي دخلت ألاسكا حول قوم تلينجيت، الذين تم بناء كنيسة منفصلة خصيصًا لهم، وجاء فيها: "لا يزورونها أبدًا تقريبًا، وإذا دخلوها أحيانًا بدافع الفضول، تراهم يجلسون القرفصاء ويدخنون غلايينهم ويخرجون" (ص:210).

وبغض النظر عن النتائج المتواضعة للنشاط التبشيري للكنيسة الأرثوذكسية الروسية ومحاولاتها تحويل سكان أمريكا الشمالية إلى المسيحية، إلا أنه لا يمكن التغاضي عن حقيقة رجال الدين الذين كانوا رواداً في دراسة لغات وتاريخ هذه الشعوب وعن مساهمتهم في هذا المجال مساهمة جادة، بينهم أسقف أمريكا وكامتشاتكا، إيفان فينيامينوف الذي قام بجمع القواعد النحوية لقومية الألوشيان (نُشر عمله في سانت بطرسبرج عام 1846) كما ترجم أجزاءً من الإنجيل إلى اللغة الأليوتية، وألف أعمالاً سياسية وتاريخية وإثنوغرافية للأليوتيين والتلينجيتس، أو رئيس الإرسالية الروحية في ألاسكا الأسقف يواساف الذي ألف أوراقاً علمية عميقة في نهاية القرن الثامن عشر ودرس فيها قبائل تلك البلاد ولخص مسألة الاكتشاف الأول لأمريكا وكيفية استيطانها عبر مضيق بيرينغ.

ولكن الأمر الأمثل والمثير للإعجاب والاهتمام، وفقًا للمؤلفة، هو عناصر الثقافة الروسية التي غرسها المزارعون الروس في سُكناهم الجديدة. فمع أنهم غادروا ألاسكا منذ أكثر من قرن ونصف إلا أن العديد من التقاليد الشعبية الروسية ظلت حاضرة بين السكان الأصليين بصورة مدهشة، لا سيما بين أقوام الأليوتيين والإسكيمو الذين يعيشون على شواطئ خليج بريستول. وبالإضافة إلى عديد الكلمات ذات الأصل الروسي، التي استوطنت لغات أولئك الأقوام، والتزامهم بالطقوس الأرثوذكسية، تشير الدراسة أيضًا إلى بعض أوجه الشبه مع الثقافة المحلية للفلاحين الروس. من بينها استخدام أذرع الروك لحمل الدلاء من قبل النساء والحفاظ على جلسات التجمع وعزف الأكورديون والحمامات الساخنة التي تدفأ بالطريقة السوداء بحيث يظل الدخان في الحمام ولا يُسمح بخروجه. تكتب المؤلفة في هذا الصدد: "على الرغم من حقيقة أن العرقية الروسية، التي تتطورت هنالك خلال 126 عامًا، فقد تم قطعها في عام 1867 عندما باعت روسيا أراضيها في أمريكا، فقد كان النفوذ الروسي ولا يزال قويًا للغاية وأصداؤه تُسمع وتُرى في ألاسكا إلى أيامنا هذه. في عام 1867 تم بيع الممتلكات الروسية للولايات المتحدة، ولكن لا يزال لدى الأسكيمو في جنوب غرب ألاسكا، أسماء روسية، ويطلق على الشخص الروسي اسم "gussuk-piak" – أي الأبيض الحقيقي، على عكس الأمريكي الذي يُسمى في لغتهم بكلمة أبيض فقط: "gussuka" (ص:217).

نعلم أن ذروة تاريخ الروس في أراضي أمريكا الشمالية كانت في عام 1867 - عام بيع ألاسكا والأراضي المجاورة للولايات المتحدة. ولكن المؤلفة لم ترتكن كثيرًا للأهمية التاريخية لهذا الحدث وأسبابه وعواقبه الاقتصادية، والتي تناولها المؤرخون مرارًا وتكراراً، في حين صبّت تركيزها على الجانب النفسي للقضية. فبعد أن حددت مهام بحثها في وصف موقف السكان الروس في الألاسكا من أحداث عام 1867 وقبولهم بالنبأ، أرسلت طلبًا إلى زملائها في سان فرانسيسكو وتلقت مستندات تحتوي على أدلة قيمة من المشاركين المباشرين في عملية نقل الممتلكات الروسية إلى الأمريكان. على سبيل المثال، كتب رقيب  فوج المشاة إدوين، الذي ترأس وحدة من الجنود لرفع العلم الأمريكي في سيتك: "كان الروس في سيتك، أفراداً وجماعة، يتصرفون كما لو كانوا في جنازة القيصر. قليلون منهم غير منشغلين بجمع أمتعتهم، ولا يستعجلون المغادرة إلى روسيا، وكانوا يتجولون في الشوارع في مزاج مكتئب". بناءً على هذا والعديد من الشهادات الأخرى، تخلص فيدوروفا إلى أن "الروس لم يرغبوا في مغادرة المكان الذي اعتادوا على الإقامة فيه أجيالا عديدة، ولكنهم، في الوقت نفسه أنفوا من المظاهر الجديدة التي بدأت تتسرب من الشمال، ولم يعجبهم غزو المضاربين والمرابين الذين طمعوا بالمكان الجديد وجاءوا للإقامة فيه" (ص 216-215).

خصت المؤلفة معاهدة عام 1867 الموقعة بين روسيا والولايات المتحدة عنواناً خاصاً، ولكنها عمدت إلى التركيز على الظروف الصعبة التي واجهت السكان الأصليين، مهملة المكاسب والخسائر التي مُنيَ بها الروس والأمريكان. علاوة على ذلك فقد تناولت الكاتبة مسألة حساسة تتعلق بالكريول، وهم المولودون من الرجال الروس، حيث وضعتهم السلطات الأمريكية الجديدة ضمن سكان ألاسكا الأصلين، وكان عددهم كبيرًا، والسبب أن عدد النساء الروسيات اللائي هاجرن إلى أمريكا كان قليلا جدا قياسا بعدد الرجال الذين كانوا يمارسون أعمالهم الشاقة في الحقول المقطوعة. ووفقًا للاتفاقية المبرمة بين الروس والأمريكان، يحق للسكان الروس في الإقليم المتنازل عنه العودة إلى روسيا في غضون ثلاث سنوات، وذلك مع الاحتفاظ بجنسيتهم. في الوقت نفسه، يُسمح لأولئك الذين يرغبون في البقاء بالتمتع بجميع الحقوق والمزايا المقدمة لمواطني الولايات المتحدة، ولهم مطلق الحرية والحق في الملكية وممارسة عقيدتهم. ومع ذلك حُرمت القبائل الأصلية من هذا الحق، بمن فيهم الكريول، حيث خضعوا لقوانين وأنظمة تتعرض للتغيير والتعديل من قبل السلطات الأمريكية، مما يعني أنهم تُركوا عمليًا لتدبر أمورهم بأنفسهم وذلك في ظروف من عدم المساواة والتمييز العرقي.

تنتقد الباحثة وتفضح موقف الشركة الروسية الأمريكية فيما يتعلق بالكريول وما اتسم به من جشع واستغلال لحاجة العمّال وتحميلهم ضرائب باهظة. تقول المؤلفة: "لقد أعفت الشركة الروسية الأمريكية نفسها من الضرائب لفترة جديدة مدتها 20 عامًا، بعد أن كانت مضطرة إلى دفع الضرائب لو أنها أدرجت الكريول في إحدى الفئات الخاضعة للضريبة. في الوقت نفسه بذلت الشركة قصارى جهدها للحفاظ على الكريول في المستعمرات (...) وفقًا للميثاق الجديد للشركة، كان على الكريول الذين درسوا العلوم والحرف في المؤسسات التعليمية على حساب الشركة أن يخدموا الشركة بدءًا من سن 17 عاما ولمدة 15 عامًا يقضونها في المستعمرات" (ص 162-163).

ليس من قبيل المصادفة أن يُخصص جزء كبير من الكتاب لأنشطة الشركة الروسية الأمريكية، التي أصبحت، بموجب مرسوم صادر عن الدولة الروسية، المحتكر للصناعات الروسية في القارة الأمريكية. فتشير المؤلفة في أكثر من موقع إلى أن النهج الذي اتبعته الإمبراطورية الروسية تجاه هذه الأراضي باعتبارها وسيلة للإثراء فقط، كان عائقا أمام الأفراد الروس للاستقرار الحقيقي على الشاطئ المقابل للمحيط. لذلك قطعت الشركة إمكانية تدفق الأعمال الخاصة من روسيا خشية المنافسة، كما تم سد الطريق إلى أمريكا أمام المستوطنين الجدد بشكل اصطناعي من قبل الدولة، حيث لم يكن في مصلحة السلطات القيصرية تدفق المزارعين التابعين لها إلى القارة الأخرى أو هروبهم من الجزء الأوروبي لروسيا إلى العالم الجديد. إضافة إلى ذلك لم تلبث الشركة أن قامت ببيع المواد الغذائية لعمالها بأسعار مضخمة، مما أدى إلى تفاقم الوضع الصعب للمستوطنين الروس وذلك ضمن ظروف طبيعية قاسية.

ويتميز كتاب فيدوروفا بتعدد أوجه قراءته، فيجد فيه كل قارئ ما يشبع فضوله وفقا لاهتماماته. فاللغويون يلمسون تأثير اللغة الروسية على لغة سكان ألاسكا، وعشاق الفولكلور يجدون أساطير البحارة الروس المفقودين الذين استقروا في قارة أخرى، والاقتصاديون ينالون تفاصيل دقيقة ومعطيات إحصائية عن تجارة المستعمرات في ذلك الوقت، وعلماء الآثار يقعون على لغز كيناي حيث عثر على منزل خشبي روسي في أمريكا يعود تاريخه إلى قرنٍ قبل الوجود الرسمي للشركة الروسية الأمريكية في الأراضي الأمريكية. هناك أيضا القيمة الفنية للكتاب الذي يأخذنا إلى زمن ومكان بعيدين، ويشكل لنا فكرة عن الحياة اليومية، الاقتصادية والسياسة الروسية، متتبعاً الأشخاص الذين قادتهم أحلامهم لاكتشاف قارة أخرى: كيف عاشوا وعلى ماذا اقتاتوا وما هي النجاحات التي حققوها والإخفاقات التي منيوا بها، كيف كانت ردة فعلهم على مغادرة المستوطنات التي بنوها، وما هي الذكرى التي تركوها لأنفسهم على الأرض الجديدة.

- الكتاب: "أمريكا الروسية".

- المؤلف: سفيتلانا فيدوروفا.

- الناشر: لومونوسوف، موسكو، 2021، بالروسية.

- عدد الصفحات: 264 صفحة.

 

*أكاديمية ومستعربة روسية