هل تساوي القيم شيئا؟ الرؤساء والسياسة الخارجية من روزفلت إلى ترامب

do-morals-matter-1.jpg

جوزيف ناي

عارف عادل مرشد *

يحتل موضوع التزام الدول بقواعد الأخلاق في العلاقات الدولية، وتقيدها بالسلوك الأخلاقي في مجال السياسة الدولية، اهتمام الكثير من الباحثين منذ أمد بعيد.

إلا أنَّه يُلاحظ في الفترة الأخيرة حضور قوي وكثيف للمسألة الأخلاقية في السياسة الخارجية للدول، وقد يعود ذلك إلى تصاعد قوة وتأثير الرأي العام الشعبي في تحديد السياسة الخارجية.

ويُعد الكتاب المطروح بين أيدينا للمراجعة من أحدث الكتب التي تتناول المسألة الأخلاقية في العلاقات الدولية، تلك المسألة القديمة والحديثة في الوقت نفسة، مؤلفه جوزيف ناي Joseph Nye  (1937) الذي يُعد من أهم علماء السياسة الدولية المعاصرين، وهو أيضاً من أصحاب الخبرة الواسعة في العملين الدبلوماسي والسياسي في وزارتي الخارجية والدفاع في الولايات المتحدة الأمريكية، اشتهر بصياغته لمفاهيم ومقاربات في العلاقات الدولية منها، القوة الناعمة (Soft Power)، والاعتماد المتبادل (Interdependence)، والقوة الذكية (Smart Power).

عنوان الكتاب هو: "هل للقيم أهمية؟ الرؤساء والسياسة الخارجية من روزفلت إلى ترامب" يبحث من خلاله ناي دور الأخلاق-يستعمل المؤلف مفهومي الأخلاق Ethics والقيم Morals بوصفهما مترادفين-بالسياسة الخارجية الأمريكية منذ الرئيس الأمريكي فرانكلين ديلانو روزفلت (FDR) (١٩٤٥-١٩٣٣)، حتى دونالد ترامب (٢٠١٧-٢٠٢١)، عن طريق طرح صورة لأداء كل رئيس في سياق توظيف المعايير الأخلاقية، ومسار تأثيرها في السياسة الخارجية الأمريكية بشكل منهجي، فمن المؤسف- وفق ناي- أن العديد من الأحكام حول الأخلاق والسياسة الخارجية الأمريكية المعاصرة عشوائية أو غير مدروسة. كما يدافع ناي في كتابه هذا -وهو الكتاب الخامس عشر له- عن القيم الليبرالية للولايات المتحدة، تلك القيم التي تشهد تراجعاً حاداً وواضحاً في أطروحاتها على المستوى الداخلي والخارجي.

ويضم الكتاب ٢٥٤ صفحة من القطع العادي، موزعة على تسعة فصول بما فيها مقدمة الكتاب وخاتمته. حملت المقدمة عنوان " الأخلاق الأمريكية " والتي باعتقاد ناي تعود إلى الأفكار الليبرالية.

للآباء المؤسسين مثل حقوق الإنسان، والحريات العامة، بالإضافة إلى العامل الديني، ناهيك عن ما أسماه بـ"الاستثنائية الأمريكية" المتمثلة بالموقع الجغرافي، وبالسكان الذين هربوا من أوروبا، وخصوصاً من بريطانيا، إلى العالم الجديد.

وفي الفصل الثاني والمعنون بـ"هل الأخلاق مهمة في السياسة الخارجية" يقترح ناي مفهوم "ثلاثي الأبعاد للمنطق الأخلاقي"، يشمل البُعد الأول منه الهدف أو البنية للرؤية الأخلاقية لدى صانع القرار للفعل السياسي، والبُعد الثاني الآليات أو الأدوات التي يتم من خلالها تنفيذ الهدف لقياس التناسب بين المكاسب والأضرار، ومدى احترام الحقوق والمؤسسات الداخلية والدولية، أما البُعد الثالث والأخير فهو العواقب أو التبعات التي تحصل نتيجة ذلك الفعل، والتي بواسطتها نقيس درجة ما تحقق من إنجاز للمصالح الأمريكية على المدى البعيد. ويؤكد ناي ضرورة إحداث توازن بين هذه الأبعاد الثلاثة، لمعرفة ما إذا كان السلوك السياسي لصانع القرار أخلاقيا عن عدمه.

فـ"المنطق الأخلاقي" عند ناي لكي يكون فعالاً يجب أن يأخذ بعين الأبعاد الثلاثة بشكل كامل (الهدف، الوسيلة، العواقب)، فهو يضرب مثالاً بجورج بوش الإبن (2001-2009) بأنه كان عنده "هدف أخلاقي" لجلب الديموقراطية للعراق، لكن الآلية لتنفيذ هذا "الهدف الأخلاقي" كانت تفتقر إلى الأخلاق، مما أدى إلى إخفاق الاحتلال الأمريكي للعراق.

وتحت عنوان "الآباء المؤسسون" جاء الفصل الثالث من الكتاب، موضحاً فيه المؤلف دور الأخلاق في السياسة الخارجية عند ثلاثة من الرؤساء الأمريكيين هم: فرانكلين روزفلت، ثم هاري ترومان (١٩٤٥-١٩٥٣)، وبعد ذلك دوايت آيزنهاور (١٩٥٣-١٩٦١)، فبالرغم من تركيز روزفلت على وضع حلول للأزمة الاقتصادية التي عُرفت بالكساد العظيم Great Depression التي حدثت في عام ١٩٢٩، وامتدت إلى بداية عقد الأربعينيات، وعدم إعطائه الأولوية للسياسة الخارجية، إلا أن عودة صعود ألمانيا على المستوى الدولي، كان قد دفع بروزفلت إلى عدم بقاء سياسة الولايات المتحدة بالعزلة، وتهيئة بلاده للدخول في الحرب العالمية الثانية، في الوقت الذي عد فيه ناي فترة حكم ترومان بأنها الأكثر أخلاقية من بين رؤساء الولايات المتحدة من حيث الهدف والوسيلة والعواقب، في حين ساد السلام والاستقرار الدوليان فترة حكم آيزنهاور، مع تركيز ناي على أن آيزنهاور كان يرفض استخدام الأسلحة النووية.

وفي الفصل الرابع المعنون بـ"فترة فيتنام" يناقش ناي الدور الأخلاقي في فترة كل من جون كينيدي (١٩٦١-١٩٦٣)، وليندون جونسون (١٩٦٣-١٩٦٩)، وريتشارد نيكسون (١٩٦٩-١٩٧٤)، فبالرغم من الخوف المشترك عند هؤلاء الرؤساء الثلاثة من خسارة حرب فيتنام، إلا أن كيندي كان ناجحاً في استخدام القوة الناعمة، فيما كان التقييم الأخلاقي لكل من فترة حكم جونسون، وفترة حكم نيكسون متدنياً بسبب ضعفهما بالوسائل والعواقب.

واستكمالاً لما ورد في الفصل الرابع، ينتقل المؤلف إلى التقييم الأخلاقي للسياسة الخارجية لكل من الرئيس جيرالد فورد (١٩٧٤-١٩٧٧)، والرئيس جيمس كارتر (١٩٧٧-١٩٨١)، في الفصل الخامس وهو بعنوان "ما بعد فيتنام"، فبالرغم من دخول السياسة الخارجية الأمريكية في مرحلة تراجع بعد حرب فيتنام، إلا أن كلا من فورد وكارتر قد حصل على تقييم جيد-يتأرجح سلم التقويم عند ناي لكل رئيس بين درجة سيء ومختلط وجيد- بالرغم من دخول الولايات المتحدة في فترة حكم كارتر بتحالفات مع أنظمة استبدادية ضد الاتحاد السوفياتي.

يبدي المؤلف في الفصل السادس وعنوانه "نهاية الحرب الباردة" إعجاباً كبيراً بشخصية جورج بوش الأب (1989-١٩٩٣)، لإيجاده توازناً جيداً بين الوسائل الأخلاقية والعواقب بعد تفكك الاتحاد السوفياتي عام ١٩٩١، حيث لم يسع إلى الانتقام من السوفيات بعد خسارتهم للحرب الباردة، بل بفعل ذكائه العاطفي Emotional Intelligence -أي مدى قدرته على استيعاب طريقة تفكير الأصدقاء والخصوم- استطاع إدارة توحيد ألمانيا وإدخالها في حلف الناتوNato ، والتمهيد لقمة مالطا عام ١٩٨٩، التي أعلنت فيها كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي انتهاء الحرب الباردة.

وعلى العكس من ذلك، يرى ناي في الفصل السابع والمعنون بـ"لحظة الأحادية القطبية" أن جورج بوش الابن كان الأضعف أخلاقياً من ناحية الأداء بين الرؤساء الأمريكيين. فالنيات الحسنة وحدها ليست كافية لإصدار تقويم إيجابي لسلوك خارجي ما، حيث أظهر بوش الابن نيات حسنة عند إرساله القوات الأمريكية إلى العراق عام ٢٠٠٣، لكن من دون استخدام وسائل مناسبة لتحقيق هذه النيات الحسنة.

وفي الفصل الثامن وعنوانه "تحولات القوى في القرن الواحد والعشرين" يرى المؤلف أن مستوى الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة باراك أوباما (٢٠٠٩-٢٠١٧) الأخلاقي كان جيداً على المستوى الشخصي والعملي، حيث كان فترة حكمه تتمتع بمستوى عالٍ من النزاهة، بالرغم من الملفات الشائكة التي ورثها من سلفه بوش الابن، كملف العراق وأفغانستان وإيران وكوريا الشمالية.

أما بالنسبة لدونالد ترامب، فهو وفقاً لناي مثال للقائد الذي لا يكترث لأهمية البعد القيمي والأخلاقي في سياسته الداخلية أو الخارجية، وما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة، إلا أن ناي يرى بأننا في حاجة إلى أن يمر وقت أطول لتقديم تقويم أكثر موضوعية لفترتي أوباما وترامب.

واختتم المؤلف كتابه بالفصل التاسع والمعنون بـ"السياسة الخارجية والخيارات المستقبلية"، والمتضمن تقويماً أخلاقياً شاملاً للسياسة الخارجية الأمريكية  منذ عهد روزفلت إلى إدارة ترامب، محاولاً رصد صعود وهبوط القيم والأخلاق في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى التحديات التي تواجهها السياسة الأخلاقية الأمريكية على المستوى الدولي، تلك التحديات المتمثلة عنده في صعود روسيا، وموازنة القوة الصينية من ناحية، والثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي يشهدها عالم اليوم من ناحية أخرى، ناهيك عن تخوف ناي من التحديات الداخلية كصعود الشعبوية Populism على حساب قيم الديموقراطية، مما يؤدي إلى تهديد الهيمنة الأمريكية، في الوقت الذي يجب فيه على الولايات المتحدة الأخذ بزمام المبادرة في قضايا معاصرة، مثل التغير المناخي، الأمراض المعدية، الاضطراب الناجم عن الثورات التكنولوجية، فهذه قضايا ذات طبيعة أخلاقية عالمية، من شأنها أن تعزز من المكانة العالمية للولايات المتحدة، فالمؤلف لا يكتفي بالتعرض لسجل الرؤساء موضوع الكتاب في اتخاذ القرارات الصعبة، ومدى نفوذ الأخلاق لديهم في هذه القرارات، بل لا بد أيضاً من البحث عن الكيفية التي تجعل السلوك الأخلاقي ممكناً بشكل أكبر مما كان عليه الحال في الماضي.

فمن غير المُجدي  -وفق ناي- أن نقول أن الأخلاق لن تلعب أي دور في مناقشات السياسة الخارجية، بل علينا أن ندرك أننا سنستخدم دوماً التفكير الأخلاقي للحكم على السياسة الخارجية، ويتعين علينا أن نتعلم كيف نقوم بذلك على نحو أفضل، فأغلب قضايا السياسة الخارجية تنطوي على مقايضات بين القيم والتي تتطلب الاختيار، وليس تطبيق صيغة جامدة من المصلحة الوطنية، لكن السؤال المهم هو، كيف يختار القادة تحديد وملاحقة هذه المصلحة الوطنية في ظل ظروف مختلفة؟

-------------------

الكتاب: "هل القيم ذات شأن؟ الرؤساء والسياسة الخارجية الأمريكية من روزفلت إلى ترامب".

- المؤلف: جوزيف ناي.

- الناشر: أكسفورد يونيفرستي برس، ٢٠٢٠.

- عدد الصفحات: ٢٥٤ صفحة.

* أكاديمي أردني