اكتساب اللغة بين الطبيعة والتنشئة

فيصل الحضرمي

تعدُّ عملية اكتساب اللغة، والدور الذي تلعبه كل من الفطرة والبيئة في هذا الإطار، إحدى أهم القضايا التي عني علماء اللسانيات وعلماء النفس بدراستها. فقد انقسم العلماء في أمر اكتساب اللغة بين مرجح لدور الفطرة ومقللٍ من شأن تأثير البيئة، وبين مرجحٍ لدور الأخيرة ومقللٍ من شأن الأولى. ولإعطاء فكرة مبسطة عن الجدال الدائر حول هذه المسألة، نستعرض في قادم السطور بحثاً مقتضباً نشر مؤخرا في مجلة اللسانيات Linguistics تحت عنوان Nature and Nurture in Language Acquisition، وفيه يبسط الكاتب أبرز النظريات المتعلقة باكتساب اللغة، وموقف هذه النظريات من الطبيعة والتنشئة في علاقتهما باللغة.

يقدم الكاتب لبحثه بتعريف اللغة باعتبارها "مجموعة -متناهية أو لامتناهية- من الجمل المتناهية في الطول، والمكونة بدورها من مجموعة متناهية من العناصر". أو هي، وفق نعوم تشومسكي، مجموعة من الفونيمات (الوحدات الصوتية) محدودة العدد، والتي يمكنها، عبر وضعها في تسلسل محدود، تمثيل كل جملة من الجمل اللغوية. وتعتبر قدرة الأطفال على اكتساب اللغة في سن مبكرة أمراً مذهلاً إذا ما وضعنا في الحسبان التعقيد الهائل الذي تتسم به اللغة، من حيث كثرة قواعدها اللغوية وغنى مفرداتها وتنوع مخارج أصواتها. ويتضح ذلك جلياً فيما يلاقيه البالغون من صعوبات جمة حين يشرعون في تعلم لغةٍ جديدة.

ويرى بعض العلماء أن الأطفال الرضع، مثلاً، مزودون ذهنياً بما يعينهم على استيعاب من الذي قام بالفعل ومن الذي أُدي الفعل ضده في جملة من الجمل، وهو ما يدفع إلى الاعتقاد بأن هناك قدرات متأصلة (فطرية) في الأطفال، وأن هذه القدرات كامنة في الجينات. في المقابل، يذهب علماء آخرون إلى القول بأن اكتساب الطفل للغة يتأتى من احتكاكه بالبيئة المحيطة، وأن البيئة، لا الجينات، هي مصدر جميع المعلومات اللسانية اللازمة لإكساب الطفل ملكة اللغة. وفي المنتصف من هذين الاتجاهين، ثمة فريقٌ آخر يقول بأن الفطرة والبيئة كليهما يتشاطران مهمة تكوين اللغة عند الإنسان. وفي كل الأحوال فإن الآلية التي يتمكن بها الطفل من لملمة المقاطع الصوتية والكلمات من محيطه ليحصل على قواعد تؤسس للغةٍ ما ما زالت غير مفهومة بالكامل.

وبحسب العالم جوردون ويلز، تمر عملية اكتساب اللغة بخمس مراحل، هي: مرحلة المناغاة (من الولادة إلى الشهر الخامس)، مرحلة البأبأة (من الشهر الخامس إلى الشهر الثاني عشر)، مرحلة الأصوات ذات الكلمة الواحدة (من الشهر التاسع إلى الشهر الثامن عشر)، مرحلة التلفظات ذات الكلمتين (من سن السنة والنصف إلى سن الثلاث سنوات والنصف)، وأخيراً مرحلة البنية الأساسية للغة الراشدين (بدءاً من سن الأربع سنوات). وبحلول عامه الخامس يكون الطفل قد امتلك ما يقارب ستة آلاف كلمة في المتوسط. كما يكون قادراً على استعمال 150 كلمة في الدقيقة واحدة، وبأقل قدرٍ من الأخطاء النحوية.

قدم علماء اللسانيات وعلماء النفس العديد من النظريات لفهم الكيفية التي تتم بها عملية اكتساب اللغة. ويتناول كاتب البحث ثلاث نظريات بارزة في هذا الشأن، وهي: النظرية الفطرية، والنظرية السلوكية، والنظرية الإدراكية. وتقرر النظرية الفطرية أن قدرة الطفل عل اكتساب اللغة عائدة أساساً إلى امتلاكه قابلية فطرية متأصلة فيه. ولعل أبرز القائلين بهذه النظرية اليوم هو عالم اللسانيات الشهير نعوم تشومسكي الذي طور في الستينيات فرضية مفادها أن الطفل مزود بجهاز اكتساب لغة Language Acquisition Device (LAD) يساعده على تطوير لغة متكاملة انطلاقاً من المعلومات اللغوية القليلة التي يكتسبها من المحيط. وأهم الحجج التي تقوم عليها هذه النظرية هي حجة "فقر المحفز" poverty of stimulus، فبحسب زعم الفطريين فإن محيط الطفل لا يوفر له ما يكفي من التصويبات اللغوية، ولا يعرضه مطلقاً لما يعرف بالشواهد السالبة، أي تلك الشواهد التي من شأنها أن تنبهه إلى ما هو غير صحيح نحوياً. وبناءً على هذا الزعم فإن اكتساب اللغة ما كان له ليتم، في ظل فقر المحفز، لولا امتلاك الطفل لمعرفة متأصلة بالنحو. هذه المعرفة الفطرية هي ما يطلق عليه نعوم تشومسكي "النحو العام"، أو الكلي، وهو عبارة عن مجموعة من المبادئ الموجودة بداخل جهاز اكتساب اللغة الخاص بكل طفل.

أما النظرية السلوكية، فإنها تشدد على أهمية السلوكيات الظاهرة التي تقوم على التكييف، والذي ينقسم إلى نوعين؛ هما: التكييف التقليدي والتكييف الفعال. التكييف التقليدي هو الاستجابة الطبيعية لمحفزٍ من المحفزات، كخوف الطفل مثلاً من الوقوع أثناء تعلمه المشي. في حين أن التكييف الفعال يحدث في ظل وجود نظام للمكافأة والمعاقبة. ويرى عالم النفس الأمريكي بورهوس فردريك سكينر أن الأطفال يتعلمون اللغة بفضل التكييف الفعال. فالأطفال يربطون بين سلوكهم وبين النتيجة، وكلما قوبلوا بتشجيع الأبوين على أحد سلوكياتهم، فإنهم يعمدون إلى تكرار ذلك السلوك للحصول على نفس النتيجة. والأمر نفسه ينطبق على اكتساب الأطفال للغة. فهم يعمدون إلى محاكاة البالغين وتكرار ما يلتقطونه منهم أملاً في نيل تشجيعهم، وعبر المحاكاة والتكرار يصلون لاكتساب اللغة أخيراً.

من جهتها، تطرَح النظرية الإدراكية (المعرفية) فكرة القابلية البيولوجية على التكيف مع البيئة. ومطور هذه النظرية هو عالم النفس السويسري جان بياجيه الذي يرى أن الطفل لديه استعداد وراثي لتطوير ملكة الذكاء واكتساب المعرفة عموماً. وترتكز النظرية الإدراكية على مفاهيم التمثل والمواءمة والذكاء. وينص مفهوم التمثل على أن الطفل يتمتع بالقدرة على استيعاب المعلومات الجديدة وتضمينها في بنى راسخة، فيما يشير مفهوم المواءمة إلى القدرة على تغيير البنى العقلية من أجل اكتساب خبرات جديدة. ويكمن دور الذكاء في كونه يمثل حلقة الوصل بين هذين المفهومين. ويؤكد جان بياجيه أنه لا يمكن فهم تطور الإنسان إلا من خلال مقاربةٍ تضع في اعتبارها العوامل الفطرية والبيئية معاً، وهو الرأي الذي يميل إليه كاتب البحث بدوره.