الإرادة الخيِّرة أساس تحقيق المؤتلف الإنساني

أيمن بن عبدالله البيماني

ظهرتْ فلسفة الأخلاق ولاقت رواجا منذ قرون خلت، وتشهد حاليا تجددا ملحوظا في جميع تفاصيلها كالمباحث والنظريات. ومما لا شك فيه أن للعديد من الفلاسفة دورا مباشرا في ذلك في الوقت الحالي، وحيث اختلفت المسائل الأخلاقية في مختلف مجالات الحياة كالتطور الصناعي والعلمي والاقتصادي والنظم البيئية. وهذا ما سوف نناقشه حول مقال الزواوي بغوره "أخلاق الواجب والمؤتلف الإنساني في الفلسفة المعاصرة" -والمنشور في مجلة "التفاهم".

تلعبُ أخلاق الواجب دورا كبيرا في تشكيل توجهات النقاش الأخلاقي المعاصر، ورغم ارتباط مفهوم الواجب بالفلسفة المعاصرة؛ إلا أنه مصطلح يعود للقرن الرابع قبل الميلاد، ويُقصد به ما يجب القيام به ويتناسب مع الطبيعة. لقد أثار نقاش "إمكانية وضع مبادئ أخلاقية" نقاشا معرفيا مثيرا وشكّل أهمية معاصرة للغاية، وجسّد نظرية الواجب الأخلاقي التي أرسى دعائمها الفيلسوف الألماني (كانط)، والتي تتقدّمها مفاهيم أساسية؛ أهمها: الإرادة الخيّرة التي لا تستمد خيريّتها من المقاصد أو الغايات أو العوامل الخارجية، وإنما هي بذاتها خيرية نفعية، والتي وإنْ انعدمت من أي عمل فقد صبغته الأخلاقية، ولا تشمل الحالات الممتنع عنها بصفة القانون كالسرقة...وغيرها. وهنا، يميّز الواجب بأنه منزه من كل غرض ومقصد أو منفعة، وأنه بحدّ ذاته أساس كل عمل أخلاقي وليس مشروطا بأي شيء آخر.

وقد أوضح "كانط" المبادئ والقيم الخاصة بأخلاق الواجب؛ ومن أهمها: العقل؛ أي أن للواجب طابعا عقليا أساسيا، وكذلك له طابع الكرامة والاحترام، وبالتالي فإن احترام القانون والآخرين هو احترامنا لذواتنا ولكرامتنا، وأن الاحترام دائما ما يذهب للأشخاص لا إلى الأشياء التي هي موضع الاحترام، وهو ما يؤكد صحة عبارة "تنتهي حريتي عندما تبدأ حرية الآخرين"، وبالتالي فإن احترام الشخص إنما هو احترام للقانون الأخلاقي.

وإنَّ من مظاهر تعريف المجتمعات الحديثة للاحترام هو ظهور الفرد الذي يتمتع بالمساواة القانونية مع غيره، وهو اعتراف بالمنزلة القانونية للاحترام، وأن الاحترام هو احترام قيمة في الشخص الآخر، وعدم احترام تلك القيمة يعد ظلما وطمسا للعدل، مما يشير إلى اتساع دائرة الاحترام من الحياة العامة وامتداده للحياة الخاصة.

لقد ظهر العديد من المعالم الحديثة لأخلاق الواجب في الفلسفة المعاصرة، وتعد الكانطية -نسبة إلى كانط- من أهم التيارات الفلسفية المعاصرة التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر، وتميّزت بمحاولتها تطبيق المنهج الكانطي على قضايا المعرفة والقيم. وهنا نذكر مدرسة "ماربورغ" الاتجاه الأكثر عقلانية من سائر فروع الكانطية الحديثة، ومدرسة "كوهين" والتي عملت على إعادة صياغة الفلسفة الكانطية على مستوى نظرية المعرفة والأخلاق بثلاثيتها المشهورة (منطق المعرفة الخالصة - أخلاق الإرادة الخالصة - جمالية الشعور الخالص)، ومن ثم مدرسة "أرنست كاسيرر" الذي أسهب في مفهوم الحرية وعلاقتها بالاستقلال الذاتي، ودورها في التأسيس الحديث لمفهوم الأخلاق مقارنة بالتصورات الأخلاقية القديمة. وقد ذهب العديد من الفلاسفة إلى أن فلسفة كانط لم تقم على فكرة الإرادة الحرة؛ لذلك انتقلت الفلسفات الحديثة من حالة الخضوع إلى حالة الإرادة والحرية ومفهوم الشخص الإنساني الذي يتحكم بالاستقلالية والطابع العقلي.

أما الفيلسوف الأمريكي جون رولز، فقد شكّلت بعض مفاهيم الأخلاق لدى كانط عنصرا أساسيا في فلسفته، وكان الاختلاف بينهما في المنهج المستخدم، حيث ركّز كانط على توفير منهج عام لتناول القضايا الأخلاقية ومسائل العدالة، بينما ركّز رولز على أن النظرية الكانطية تستطيع أن تبني رواية فقط لقصة العدالة، نستطيع بناء رواية معللة لقصة الحقّ لكن ليس لقصة الخير، لقصة العدالة لكن ليس لقصة الفضيلة. وما يعنينا هنا هو الإشارة إلى بعض سمات العدل كقيمة أخلاقية أساسية، وإشارة رولز في رأيه أن العدالة هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية، مثلما أن الحقيقة فضيلة الأنساق الفكرية.

لقد أسهم الفيلسوف الألماني "هابرماس" في مجال التواصل المؤسس على نتائج نظرية أفعال الكلام، والتي تميّزت بقدرتها على التفسير الاجتماعي والسياسي والقانوني، وكذلك إمكانية تطبيق نظرية التواصل في ميادين الحياة المختلفة. إن الفعل التواصلي لا يقوم على تبادل المعلومات ضمن سياق محدد، وإنما بتأويل ما يحدث وبلورة القواعد العامة للعيش الجماعي، ومن ثم إسهام التواصل الفعلي في بناء العالم الاجتماعي المشترك، ولذلك فإن تقييم نجاح أو فشل أي تواصل اجتماعي يصبح ضرورة عملية لكل تفكير اجتماعي.

وللتواصل الاجتماعي شروط تحكمه كالحجاج والمناقشة والحق في القبول والرفض، والتي بدونها لا يمكن للتواصل الاجتماعي أن يقوم أصلا. ولذلك أصبح من الضروري قيام نظام معياري أخلاقي مؤسساتي يفرض حدود التوافق لتحقيق التواصل الاجتماعي بكل عدالة وحرية وشفافية، لا سيما بعد تعرض التواصل الاجتماعي لعدة عقبات كالعنف، والخداع، والكذب، وغيرها. وهنا تأتي الأهمية الأخرى لتأسيس قاعدة أخلاق المحادثة بإقامة أسس ومعايير للفعل الأخلاقي والسياسي مستندة إلى اللغة وأفعال الكلام، بحيث أن شروع الإنسان في الكلام يكون قد قبل على ضرورة الاحتكام إلى معيار أخلاقي من أجل تواصل اجتماعي فعال وعادل بين جميع الأطراف.

وشكلت علاقة الفيلسوف الفرنسي "آلان رونو" بكانط ارتباط وثيقا كعلاقة متعددة، وذهب إلى أهم القراءات المعاصرة لكانط، ثم ناقش أوجه الاختلاف الفلسفي بين "هابرماس" و "رولز"، وأن أوجه الاختلاف بينهما ظاهري أكثر منه جوهري، وأن "هابرماس" ذهب إلى اعتماد نموذج جديد في التأويل والتفسير، على حساب الوعي والعقل.

وعليه، يوضّح "رونو" موقفه من المسألة الأخلاقية أن فلسفة الأخلاق لا يمكنها بأي شكل من الأشكال تجنب سؤال كانط: "ما الذي يمكنني القيام به؟"، ناقداً مختلف أشكال النزعات المناهضة للإنسان، وبإثباته أن القيم الليبرالية جزء مهم من الأخلاق العقلية، وأن الأخلاق الكونية قائمة على جملة من الحقوق والواجبات التي تطبق على كل إنسان، وأن الحجاج العام هو أساس العقلانية الأخلاقية بين الناس.

... إنَّ فلسفة الواجب، والقيام بالواجب، واحترام العلاقات الإنسانية بين الإنسان والإنسان؛ سوف تفضي إلى تحقيق المؤتلف الإنساني المستند على الإرادة الخيّرة، والتي تحفظ كرامة الإنسان، وتعطيه الحق في المشاركة، والحوار، والتفاعل مع الآخر بكل استقلالية وحرية.