الجدل اللانهائي بين المؤمنين بالعدل الإلهي والمشككين فيه

هاجر السعدية

في صيرورة الحياة الطبيعية، يعترض الفكر الإنساني محن وابتلاءات تقوده إلى التفكير وفق منهج السببية للتعرف على سبب المحنة، وكلما تعاظم أثر المحنة، استغرق الإنسان مزيدا من الوقت في التحليل والتفكير لمعرفة السبب؟ وكيف؟ ولماذا؟ وهنا نجد أن المجتمع البشري يثير مسائل متعلقة بالإيمان والعدل الإلهي، ومسؤولية الإنسان، ووجود الله. ووفقا لهذه القضية، ينقسم الناس إلى فرق ومذاهب. ويمكننا اختزال الفرق المتباينة في التفسير والتأويل لهذه القضية إلى فريقين:

الفريق الأول: يؤمن إيمانا تاما بأنَّ ما حدث هو ابتلاء مباشر من الله تعالى للإنسان، وهي إشارة غضب من الله، ودعوة للإنسان نحو التأمل وإعادة النظر في أفعاله وإيمانه ومسألة قربه من الله.

الفريق الثاني: يؤمن بأن ما حدث لسبب تسبَّب فيه الإنسان ويمكن للإنسان معالجته.

وهنا.. يتجلى الصراع الأزلي والتاريخي بين المؤمنين بوجود الله والعدل الإلهي والمشككين فيه. ولقد يتفاوت شكل وقوة هذا الصراع بناءا على الأحداث في الحياة اليومية، فالعالم اليوم يشهد أزمة مع جائحة "كوفيد 19"، لقد أخذ العالم وقته حتى يستفهم ويستكشف طبيعة ومسببات الفيروس، مما أدى إلى بروز هذا الصراع على السطح نتيجة التحديات التي واجهتها البشرية لمقاومة فيروس كورونا، هناك من ادعى أن الفيروس هو عقاب من الله للبشرية إلخ. ولقد تناول الدكتور إبراهيم الديبو أستاذ العقائد والأديان في بحثه (المحن والابتلاءات بين العدالة الإلهية والمسؤولية الإنسانية)، والمنشور بمجلة "التفاهم" هذه القضية الجدلية، مشيرا إلى أنه نشأت مذاهب وفرق تعبر عن موقفها من المحن والابتلاءات وارتباطها بالفعل الإلهي.

ووفقا لتصنيف دكتور إبراهيم يوجد صنفان من الناس:

الأول: مؤمن بالله، مصدق بعدله وحكمته لكن يريد أن يطمئن من خلال معرفة الحكمة من الابتلاءات والمحن وعلاقتها بعدل الله.

الثاني: منكر ومكذب، يسعى جاهدا إلى عرض نماذج من الابتلاءات والمحن ليجعل منها مادة للتشكيك بعدالة الله.

 

العدالة الإلهية وعلاقتها بالفعل الإنساني

العدل هو إعطاء كل شي حقه من المكانة والمنزلة، وهو ضد الظلم. والله تعالى عادل حكيم، وجاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تؤكد هذه المعلومة، قال الله تعالى" ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ". الأدلة في القرآن الكريم والأحاديث النبوية واضحة وصريحة في إثبات العدالة الإلهية، وأهمية العدل وتحريم الظلم. ولكن هذا يأخذنا إلى استفهام عن كيفية فهم العدالة الإلهية في ظل الظروف التي نرى فيها القتل والجوع والفقر والمرض والآلام؟

فالإجابة عن هذا السؤال وفقا للباحث الدكتور إبراهيم الديبور ترتبط بسنن الله وعقيدة المسلم وموقفه من الصفات الإلهية، وهي كالآتي:

- أبرز مظاهر العدالة الإلهية؛ خلق الإنسان وتزويده بالإرادة الحرة التي هي مناط المسؤولية والمحاسبة. فالجميع يملك حرية الإرادة المؤمن وغير المؤمن.

- وضع الله الإنسان في ميدان الاختبار، ولم يسلب منه أدوات الاختبار؛ فالإنسان يقدر على الكسب والسعي والتمييز. قال الله تعالى: " أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ".

- قانون العدالة الإلهية لا ينظر إلى الخلق بل إلى الخُلق، لا ينظر إلى الجسد بل إلى القلب، ولا يحاسب الإنسان على شيء لم يفعله أو شيء لا يستطيع فعله "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا".

- إنَّ مظاهر البلاء والحروب والفقر والآلام سُنَّة إلهية، ملازمة لطبيعة الحياة الدنيا التي جعلها الله دار ابتلاء وليست دار قرار وجزاء.

- ليست الحياة الدنيا -بقصر مدتها- هي المعبرة عن كمال العدالة الإلهية، بل هناك حياة أخرى ممتدة تتجلى فيها العدالة الإلهية.

- وجود المجرمين والظالمين لا يتضمن إقرارا بما فعلوه، أو أن العدالة الإلهية غافلة عن ذلك بل سيحاسب ويجازى كل ظالم.

- الجزاء يوم القيامة له ميزان حق وعدل وفق قانون التفاضل بالعمل والسعي والبذل والصبر... إلخ.

 

سنة الابتلاء وارتباطها بالحب أو العقوبة الإلهية

الابتلاءات والمحن عند الإنسان المؤمن عندما تحل عليه مصيبة أو محنة مؤلمة نجده يسأل نفسه: ماذا فعلت في حياتي حتى يحدث هذا الأمر معي؟ وهذا يأخذه إلى إعادة التفكير والنظر في تاريخه لتصحيحه ظنا منه أن الابتلاءات سوف تتوقف في حال أنه قوم سلوكه ونواياه. وكذلك نشهد إذا حل بالآخر مصيبة وهذا الآخر بدا سيئا مع الناس يقال: هذا جزاؤه من الله في الحياة الدنيا، وفي الجانب الآخر هذا الإنسان نفسه من يعتقد أنه إذا فرجت عليه مصيبة أو أزمة أو شفى من مرض ما يفسر الأمر بأنه حب إلهي، نتيجة نواياه الطيبة وقربه من الله.

نجد أن الباحث يشير إلى أن التصورات أعلاه خاطئة عن علاقة الابتلاء بالعقوبة أو الحب. معللا ذلك بـ:

* أن المنع والفقد عقوبة والعطاء إكرام من الله تعالى، وقد صور القرآن صورة الانحراف في هذا الفهم بقوله تعالى:( فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي* وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي).

* أن الابتلاءات نوع من أنواع الحب الإلهي. وهذا تصور خاطئ أن ينظر إلى الابتلاءات على أنها هدايا إلهية، ودلالة على قرب الإنسان من ربه، مفسرا ذلك بواجب النظر إلى الأنبياء عليهم السلام، فهم لم ينالوا المنزلة السامية والرفعة من خلال ابتلائهم فقط بل بسبب صبرهم وإيثارهم، فحب الله يرتبط بمن رضى وصبر وابتغى بذلك وجه الله. أي أن الرضا من الله والجزاء يقترنان بالصبر على الابتلاء، فالمؤمن يقابل البلاء بالصبر والاحتساب، أما الجاحد فلا يصبر ولا يحتسب. فالابتلاءات في حقيقتها تنبيه للفطرة البشرية وتذكيرها. وثمة حكم مرتبطة بها كالآتي:

* أن الله تعالى يعلم من كان صادقا ومؤثرا في طاعته على كل شيء.

* أن يصيب الابتلاء الناس ليتضرعوا إلى ربهم ويقروا بعبوديتهم.

* ليميز الله الخبيث من الطيب، ويظهر فضل المؤمنين.

ونجد أنَّ الباحث في تمحيصه وتحليله لقضية العدالة الإلهية والتكليف البشري مبالغ في الفكرة الرئيسية التي يصبو إليها متجاهلا بذلك تحليل ومنظور المشككين والمنكرين لهذه العدالة الإلهية، ووصفهم بأنهم ضيقوا الأفق والرؤية، كما شكك في نواياهم. والحقيقة أن هذه القضية ستظل محل نقاش وجدل بين تيار المؤمنين والمشككين إلى ما لا نهاية. حيث لا يمكننا الجزم في فلسفة الحياة والعدالة الإلهية والتكليف البشري. فالإنسان حقل من الممكنات ومصنوع من النقائض.

أخبار ذات صلة