الحقول الدلالية والمعجمية والأسطوريمات في ديوان أدونيس

رقية الكندية

يعرف التجسيد -وفق دراسة أجراها شاهينة علي دندش- في مقاله "الحقول المعجمية والحقول الدلالية المعبرة عن أبعاد تجسيدية"، والمنشور في مجلة العلوم الإنسانية والعربية (الإصدار الرابع 2021)، بأنه تقنية فعالة تستخدم في الكتابات الشعرية والدواوين؛ من أجل دعم الإيحاء الشعوري والحسي؛ وذلك من خلال ارتباطه بالمفاهيم الكونية، والأفكار النقدية. ونظرا لأهميته، نجد أن أدونيس اعتمد عليه في كتاباته -خصوصا في ديوانه "المسرح والمرايا"- قام بتوظيف الحقول المعجمية والدلالية، والأسطورة لبث الأفكار النقدية والشاعرية، والابتعاد عن الواقع، وضمن في أشعاره القيم التعبيرية. من هنا، يتمحور هذا المقال حول انبعاث الطاقة الإيحائية المجسدة في ديوان أدونيس وتضمنها لكسيمات "وحدات معجمية" مختلفة، واستخدام أدونيس للمقابلات الثنائية، وتوظيفه للحقول المعجمية الخيطية والمكثفة، وحذفه لتلك الأخرى، واعتماده على الأسطوريمات، وأخيرا إيجاز السياق في ألفاظه المعجمية.

ونلحظ الكثير من الطاقة الإيحائية في كتابات أدونيس التي تتوافق مع تعدد الألفاظ الشعرية المستخدمة بطريقة مختلفة، وإبداعية، ومتجددة مما يجعلها تجذب انتباه القارئ، وتجعله يعيش شعور المقروء نفسه، ويدعم أدونيس هذه الطاقة باستخدامه لكسيمات مختلفة ذات دلالات تعبيرية متنوعة، وعميقة المعنى، ومثال عليها، لكسيم الماء الذي ورد كوحدة معجمية صادمة في الشطر المركزي التالي: "أقفاص تعلو\ تعبر في غابات الصوت\ في الأفكار وفي الأشياء\ الصخرة ماء\ والأعضاء شتاء بارد...الخ؛ فأوضح أدونيس علاقة الماء بما يجاوره من الصخور، والأغصان، كما نجد أنه عبر عن لكسيم الماء بألفاظ مختلفة كالبحر، والثلج، والسيل، وغيرها مما يبرهن الدراية الأسلوبية والخصوصية الشعرية لديه. كما لجأ إلى المقابلات الثنائية لتقوية اللفظ بالمعنى من خلال تكراره لوقع الألفاظ بطريقة انزياحيه وإبداعية، وبمعاني ودلالات مختلفة مشكلة حقولا معجمية خيطية، أو مكثفة تبرز في الشطور والقافية، ومع ذلك، لم يكتف أدونيس بقافية واحدة بل كان ينتقل من قافية لأخرى - كما قال في هذا المقطع: أدعوك أيامي بلا حارس\ وهذه المسافة المقفره\ وليمه للحلم، عيد من الحنين من أشجاره المثمره\ - فتعبر القافية الأولى عن السلطة ووسائلها، في حين تعبر القافية الثانية عن عدم اكتراث الدول بشؤون الشعب، الخ. ويشترط أدونيس في قوافيه عدم تخلخل المعنى، ويتضمن حلاوة في نطق الألفاظ بطريقة إيقاعية ومتناسقة، ونوع الحقول المعجمية فمنها ما يرمز إلى الطبيعة كلكسيم الماء وما يتدرج منه من دلالات تتضمن البحر، والثلج، والموج، وغيرها، كما ركز على لكسيم النار، والحيوان اللذين بدورهما يجسدان مفهوم، ومعنى العواطف والحواس. ومن هذا المنطلق، فإن هذه الوحدات المعجمية بما تشمله من معاني عميقة عززت علاقة أدونيس بكون الله ومخلوقاته، وقوت ارتباطه بالوحدات الأسطورية، والفلسفية، والصوفية الخ، ولا ننسى اطلاعه وتأثره بكتابات الآخرين من حوله كأورفيوس ونرسيس.

وأحيانا أخرى، يستثني أدونيس بعض الحقول المعجمية، ليس ضعفا منه بل مرتكزا على الحقول الدلالية؛ التي بدورها تعوض عن تلك الحقول المحذوفة، وتمنح القصيدة قوة وصلابة وحيوية، ولا نعني بذلك تركيز أدونيس على الحقول الدلالية وانحيازه لها، بل إن كلا الحقلين يتشاركان ويسهمان في بناء القصيدة، وتحديد المعنى. ومما لا شك فيه، فإن القارئ يميل إلى تلحين ما يقرأ من الأبيات الشعرية المملوءة بالجماليات اللفظية والدلالية، واستشعارها والعيش فيها، بل ومشاركتها مع أقرانه.

... إنَّ ترابط الأبيات الشعرية فيما بينها يسمى بالربط الضمني "الأسطوريمات"، وهو ما استند إليه أدونيس في لغته الشعرية بجانب الحقول المعجمية؛ فكلاهما يكملان معنى القصيدة وبناءها اللغوي والجمالي، وتخصب الأسطوريمات الرؤية الشعرية التي تمثل قناعات أدونيس الفكرية، والتي تكون أحيانا بعيدة عن الواقع مرتكزة على الرؤى الفلسفية. وتشمل الأسطوريمات أساطير متعددة المعاني كتلك التي وظفها أدونيس في أسطوريم الفينيق في قصائده كالدجاج واليمام، والدلالات المعبرة في أسطوريم الرحيل  كالطريق، والبحار، والأمواج، والسفينة، الخ. وتختلف باختلاف نظرة الشاعر وأسلوبه، وخبرته، والحالة التي يمر بها، وحداثته في الشعر؛ فعلى سبيل المثال ينظر نرسيس للمرآه على أنها الماء، وفي المقابل ينظر لها أدونيس على أنها فناء العمر وانقضاؤه.

... إنَّ مُمارسة كتابة القصائد الشعرية تتطلب مخيلة واسعة، ومحاصيل لغوية، ودلالية متنوعة، وخبرة واسعة في تجسيد الأسطوريمات؛ مما يجعل عقلية القراء تتفاوت في فهم ما يوحي إليه الشاعر؛ وكيف لا وهي تكاد تكون غامضة المعنى خصوصا لذوي المخيلة المحدودة أو العلمية أحيانا.

يكسب الإيجاز الكلمات المعجمية في القصائد الشعرية معاني جديدة مرتبطة بالسياق الذي جاءت فيه. وعليه، نجد أن أدونيس وظف الإيجاز المتجسد في الحقول المعجمية في أبياته الشعرية ليتماشى مع ثقافته، وتفكيره، وثراء تجربته. ومثال ذلك تطرقه المستمر -كما ذكرنا سابقا- لدلالات الطبيعة كالمنارة، والحياة، والطيور الخ. كما اتخذ أدونيس منحنى ميتافيزيقيا "ما وراء الطبيعة" معتمدا على فلسفات مختلفة مثل انبثاق الحياة من الجمر، ونشوء الماء من الدم وغيرها، متميزا عن غيره من الشعراء بقدرته على التعبير بحرية في قصائده الشعرية مستعينا بالأساطير والحقول المعجمية والدلالية، كما أنه تغنى بأشعاره ساحرا للمستمعين من حوله.

وختاما.. نلحظُ أنَّ هناك عوامل نفسية -كالحزن، والفرح، والعتاب- وطبيعية -كالمناخ البيئي- تؤثر على الكاتب وإبداعه في إيصال أبياته لذهن القارئ والمستمع -كما هي الحال عند أدونيس- وإيحاءاته التعبيرية المملوءة بالطاقة التأثيرية، وشمول أشعاره للانزياح الإبداعي في الحقول اللفظية، واهتمامه بالحقول المعجمية والدلالية لتجسد مفهوم العواطف والحواس والتي حصنت علاقته بالكون والخالق، وقناعاته الفكرية المرتبطة بالرؤية المستقبلية، وتوظيفه للأسطورة التي بدورها تبث الأفكار النقدية حول واقع الثقافة العربية.

ونجد أن هناك اختلافات في كتابات الشعراء؛ فمنهم من يميل إلى الحقول المعجمية والدلالية البسيطة، ومنهم من يستند إلى الأسطوريمات أكثر من اعتماده على الحقول وهنا تكمن قوة القصائد الشعرية، وتفاوتها في تذوقها الجمالي من قبل القارئ والمستمع.

أخبار ذات صلة