الطريقة الأمثل لتقديم الإسلام

حميد بن نصير الصلتي

لقد امتن الله عزوجل علينا بنعمة الحياة، وإن هذه النعمة من أعظم النعم التي تستحق الشكر والعرفان للخالق جل في علاه، ولو أن كل مخلوق بذل كل جهده في شكر أقل نعمةٍ من نعم الله وساندته مع ذلك جميع المخلوقات الأخرى لما وفّى حق تلك النعمة.

ولا يمكن لإلهٍ بديعٍ في الصنع أن يخلق الخلق ويتركه مهملاً، بل لا بد من أن يضع له قوانينَ وتشريعاتٍ تحكمه وتؤطره وإن المنوط بحمل تلك الرسالة الخالدة هو الإنسان.

وحينما خلق الله الإنسان وأوجده في هذه الحياة، اختار له أناسًا لهم من الذكاء والقدرات والمؤهلات والأخلاق ما يجعلهم قادرين على تقديم الرسالة الملكية على أكمل وجه، وهؤلاء الناس اصطُلِح على إدراج تسميتهم تحت مظلة مسمى الأنبياء والرسل.

وليس من السهل أن تحمل الرسالة العظيمة وتقدمها للناس على طبقٍ من ذهب على مختلف أجناسهم وأعراقهم وطرق تفكيرهم، وفي مقال "رسائل النور أنموذج متكامل لتقديم الإسلام إلى الإنسان المعاصر"، للكاتب إحسان قاسم الصالحي، والمنشور في مجلة النور للدراسات الحضارية والفكرية، العدد (20)، ما يسد حاجة طالب العلم لمعرفة المزيد عن ماهية الحياة والمصير.

فقد أشار الكاتب في مقدمة مقاله إلى أنَّ الأزمة التي يتخبط فيها الإنسان المعاصر هي أزمةٌ إيمانيةٌ أخلاقيةٌ من الدرجة الأولى؛ وذلك كون هذا الإنسان لا يجد أجوبةً لكثيرٍ من الأسئلة التي تدور في دماغه حول معنى الحياة والمصير، وأتفق تمامًا مع الكاتب فيما ذكره إذ أن كثيرًا من الناس اليوم يفتقرون إلى أجوبةٍ كثيرةٍ لأسئلةٍ عديدةٍ مما يؤدي بهم الحال في كثيرٍ من الأوقات إلى الغرق في الأوحال والمستنقعات.

ولا يوجد منقذٌ للمرء بعد الغرق، إلا أن يستكشف بنفسه ويتبحث، فبالبحث تحصل المعرفة وتتأتى الدراية، وإن أهم نقطة رئيسة عند البحث عن الجواب أن تعرف أن المصدر الذي يتأتى منه الجواب هو مصدرٌ موثوقٌ تمامًا أو على الأقل يبعث الطمأنينة في قلبك ويرتاح إليه صدرك وتسكن معه بلابل نفسك.

ويسلط الكاتب الضوء على رسائل النور لمؤلفها الأستاذ النورسي، ويرى أن تلك الرسائل هي رسائل محكمةٌ وذات قيمةٍ عاليةٍ؛ إذ إنها تبصر الإنسان بما لم يبصر، وتجعله يمتطي ركب المتفكرين الناظرين المتأملين والمتبحثين للوصول إلى ما غُمي من الحقائق وما جُهل من المعارف.

ويسوق الكاتب ما ذكره المفكر النصراني بول تليخ في تحليله الفكر العلمي التقني والعقل الحديث اللذين تميزت بهما الحداثة، حيث يقول تليخ إن العقل الأفقي الفاقد للاتجاه العمودي نحو السماء يتميز بتعاطيه السببية في كل دقيقٍ وجليلٍ دون أدنى بحثٍ أو تحليلٍ، وأتفق مع ما قاله تليخ في تصوره إذ إن الإنسان الحديث -إلا من ندر- يفتقد إلى رفع يديه إلى السماء ليدعو ربه عند أي معضلة تعترضه في حياته، فهو اتجه إلى البحث أفقيا حوله ولم يتفكر يومًا في أن الجواب لكل ما يحيره من الممكن أن يكون في اتجاهه اتجاهًا عموديًا، وكذلك فإنه من المؤسف أن كثيرًا من الناس أصبحوا ينجروفون وراء نظرياتٍ وأوهامٍ يسطرها البعض فيؤمنون هم بها دون أدنى تقصٍّ لمنبعها وأصلها وفصلها ومدى صحتها.

ويرى النفساني الشهير اليهودي فكتور فرانكل في كتابه "الإنسان ومعضلة الحياة" أن أكثر سؤال يتردد على الأذهان اليوم يتمحور في معنى الوجود وسبب وجوده، ومن وجهة نظري أن هذه أزمةٌ عظيمةٌ لا تورث إلا ضعفًا في العقيدة وتهاونًا في الوصول إلى الحقائق؛ إذ من الصعب أن تجد جوابًا لسبب الوجود ومعنى الحياة إذا وضعت السؤال في رأسك ولم تجتهد في البحث عن الإجابة فحبائل الشيطان كثيرة ومتاهاته ليس من السهل تجاوزها، إذ إنها تحتاج إلى جهادٍ كبيرٍ، فالشيطان يرمي شباكه إلى عقلك وربما كان عقلك قاصرًا فتكون صيدًا سهلًا وفريسةً سهلة المنال.

وانتقل الكاتب بعدها إلى الحديث عن دور الإسلام والمسلمين كمنقذ للبشرية وماذا يمكن أن يقدموا للعالم أجمع من أجل حل لغز الحياة ومعنى الوجود؟!

وترك الكاتب الإجابة للدكتور كولن كولتر -أستاذ في جامعة مانشستر بانجلترا- اهتدى للإسلام، حيث يقول كولن أن حاجة غير المسلمين إلى التعريف بالله أكثر من حاجتهم إلى التعريف بالأنظمة الإسلامية، وهذا ما لا نختلف فيه مع كولن إذ أن الإنسان إذا عرف الله بعد طول تفكرٍ وتبحثٍ سهل عليه استقبال الأنظمة التي يشرعها الله له، أما إن جهل هوية المشرع تمادى في الاستخفاف بتطبيق ما شَرع وبقدر ما يكون للمشرع من وزنٍ في قلبك يكن تطبيق تشريعه سهلاً سلسًا.

فالحاجة إلى التعرف على الخالق عن قرب هو السبيل الأنجح للوصول إلى سر الحياة؛ لذلك تجد الكثير من الناس يتعمقون في التبحث عن علوم الفقه والشريعة، لكنهم لا يجدون تطبيق ذلك في الواقع العملي، والجواب أنهم لو تفكروا في خالق النظام لسهل عليهم تقصي ما يحب وما يكره وما يأمر به وما ينهى عنه.

واختتم الكاتب حديثه عن المؤهلات والمميزات التي تؤهل وتميز رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي لتكون أنموذجًا لتقديم الإسلام إلى البشرية جمعًا ومن ضمن تلك المؤهلات والمزايا ما يلي:

1- رسائل النور هي خطابٌ إلى كل إنسانٍ سواء كان مسلمًا أو غير مسلمٍ: إذ إنها لا تُقصر الخطاب إلى غير المسلم فقط فهناك من المسلمين من هم بحاجة إلى ترسيخ عقائدهم فهي خطابٌ عامٌ يشمل الجميع.

2- رسائل النور تدعو إلى قراءة الكون وهو كتاب الله المفتوح: وبالتأمل في الكون الشاسع يتأتى لك ما لم يتأتّ لغيرك وتتبصر بما لم تبصره من قبل.

3- رسائل النور تهدف إلى امتزاج العقل والقلب معًا: فهي لا تخاطب العقل بحد ذاته بل تخاطب العقل والقلب معًا حتى يذوب القلب في حب موجد الوجود وتترسخ معه عظمة الصانع فينجرف القلب في الطاعة حبًا ورغبةً لا إكراهًا ورهبةً.

4- رسائل النور تنقلك من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة: فهي تبث باعث الأمل في قلبك فتجعل العسير يسيرًا وتربطك بحبل التفاؤل والثقة.

5- رسائل النور يغلب عليها طابع اللين والإقناع: فالرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه ولا يُنزع من شيءٍ إلا شانه.

ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أوجه رسالةً إلى الشباب في كل مكانٍ وزمانٍ؛ ألا وهي: "لا تدع همتك تفتر ولو للحظةٍ واحدةٍ عن البحث والتقصي والمثابرة والجد والاجتهاد والسعي نحو المعرفة وكشف كل ما غمي عليك، ولا تقبل شيئًا إلا بالدليل ولا ترد شيئًا إلا بالدليل".