جدلية: هل العقل هو أساس القيم الأخلاقية؟

أم كلثوم الفارسية

يقول الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه "العقل الأخلاقي العربي" "من المسائل الأساسية التي يهتم بها "مبحث الأخلاق" في الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر، ما يعبر عنه بـ"المشكلة الأخلاقية"، وتتلخص في السؤال التالي: على أي أساس تقوم الأخلاق؟ علام نستند عندما نحكم على هذا السلوك أو ذاك بأنه خير أو شر، حسن أم قبيح؟ هل على مجرد كونه يحقق لنا لذة أو منفعة أو يسبب لنا ألما أو مضرة؟ هل لأنه يتفق أو لا يتفق مع ما تجري به العادة والعرف الاجتماعي؟ هل لأن الدين يأمر به أو ينهى عنه؟ هل لأن العقل يستحسنه أو يوجبه أو يستشنعه أو يمنعه، هل لأن "الضمير" يقبله أو يرفضه، يرتاح إليه أو ينفر منه؟ ومن القضايا المرتبطة بـ "المسألة الأخلاقية" مسألة "نسبية الأخلاق"؛ ذلك أن من المشاهد عبر التاريخ أن السلوك الواحد قد يعتبر حسنا في زمن ومكان، بينما يعتبر بالعكس من ذلك قبيحا في زمان آخر أو مكان آخر. هذا إضافة إلى أن الفضائل التي تعتبر إنسانية تعلو على الزمان والمكان قد يختلف مضمونها قليلا أو كثيرا من مكان أو زمان إلى آخر، أو أنها قد تتبادل المواقع مع أضدادها في ظروف خاصة. أليست هناك حالات يكون فيها "الكذب" مباحا أو مطلوبا أو ربما واجبا؟

كل هذه "العناصر": "اللذة، العرف، الدين، العقل، الضمير..." تصلح بهذه الدرجة أو تلك، لأنها تعتبر أساسا ومحددا للأخلاق والقيم. وقد عرف تاريخ الفكر الأخلاقي (مدارس) تعتمد هذه الأسس: مدرسة سيكولوجية تفسر السلوك الأخلاقي بالعوامل النفسية وفي مقدمتها اللذة والألم، ومدارس اجتماعية ترى أن السلوك الأخلاقي هو عبارة عن عادات اجتماعية، عن أعراف وتقاليد...إلخ. وهناك بالمقابل من يرى أن أصل الأخلاق هو الدين، وآخرون يرون أن "العقل" هو الذي يقف وراء الحكم الأخلاقي، بينما يقرر فريق آخر أن "الضمير" هو منبع الأخلاق".

ويوضح مولاي أحمد مولاي عبد الكريم أستاذ متعاون في قسم الفلسفة بكلّية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة نواكشوط بموريتانيا، في مقاله "أخلاق التعقّل في فلسفة الفارابي وراهنتيها في الفكر الفلسفي العربي المعاصر"، الذي سنتناوله بالتحليل، أن هناك تضايفًا وترابطًا بين الأخلاق والعقل بغض النظر عن سؤال الأسبقية في  العلاقة بينهما. وفي هذا السياق يتنزل مفهوم التعقل عند الفارابي بوصفه مستوى تجلي العلاقة بين العقل النظري والعقل العملي بما يظهر البعد العملي والأخلاقي للعقل؛ فالفارابي يرى أن  التعقل أهمّ شؤون الإنسان الحياتية، فالإنسان المتعقل هو الذي يعتمد العقل في حياته  أداة لكل تفكير عملي؛ وعلى هذا يمكن القول قبل أن توجد الفضائل الأخلاقية لابد أن تكون معقولة أولا.

ولهذا يرى  الفارابي أن  الإنسان "يحتاج في كل ما يعانيه إلى تعقل ما، إما يسيرا وإما كثيرا"، ويتأرجح القول من دون حسم منذ القدم حول علاقة العقل بالأخلاق، فمسألة عد العقل المعيار الأساسي للأخلاق ليست مطلقة، فعلى الرغم من أن العقل له تأثير فاعل وتأسيسي للأخلاق واختيار السلوك الأخلاقي؛ بما يؤكد أن الأخلاق مبنية على معايير عقلانية، فإن للأخلاق أساسا دينيا هو المعتبر في الغالب لأن الأساس العقلي وحده لا يكفي لقيام الأخلاق إلا أنه ومما لا شك فيه أيضا أن العقل يساهم في بناء الأخلاق إلى جانب الدين والمعايير الأخرى. وتقويم مدى مشاركة العقل في بناء الأخلاق في الثقافة العربية يبقى مجال اختلاف بين الأنساق الفكرية، فالجابري يرى أن الأساس الذي يقوم عليه الحكم الأخلاقي في الثقافة العربية الإسلامية هو العقل، وأن الاعتراف بالعقل كأساس للأخلاق في الثقافة العربية الإسلامية قائم بما يشبه الإجماع، بينما يرد طه عبدالرحمن العقلانية إلى الأخلاقية لأن العقل من وجهة نظره فعل مثل الخلق قائم بما يشبه الإجماع.

... إنَّ اتفاق الفلاسفة والمفكرين على أن القيم الأخلاقية ميزة إنسانية، قابله تعارض شديد حول طبيعة وأساس القيم الأخلاقية وتعددت المواقف والآراء حولها، حيث هناك من أرجع أساس الأخلاق إلى العقل ، وهناك من يرى أن أساسها هو اللذة والمنفعة، في حين يذهب طرف آخر للقول بأن المجتمع هو المحدد لقيمنا الأخلاقية، وعلى العكس من ذلك يذهب موقف آخر إلى أن الدين هو أساس الأخلاق. وفي ظل هذا الاختلاف نطرح التساؤل التالي: هل يمكن القول إن العقل هو أساس قيمنا الأخلاقية؟ بعبارة أخرى: كيف يستطيع الإنسان الحكم على فعله الأخلاقي بالخير أو الشر؟

فعلى الرغم من تبني كل موقف رأيه الخاص، إلا أن القيم الأخلاقية لا يمكن تحديدها بأحد هذه الآراء دون غيرها؛ فالفعل الأخلاقي يقوم على الدين الذي يقوم العقل بتأويله وفق ما يحقق غايات في نفسية الإنسان ويقوم بتطبيق قيمه داخل المجتمع الذي يعيش فيه، ونقول إن أساس الأخلاق يتم وفق تكامل الآراء السابقة.

ويُمكن القول في الختام إنَّ الأخلاق لا يمكن التعامل معها بشكل بسيط، بل بتدخل جميع الأسس: العقل، واستجابتنا لقوانين الطبيعة والمجتمع الذي لا يستطيع أي فرد العيش بمعزل عنه، وما جاء في الشرع؛ فكل هذه الأمور تلعب دورا بارزا في تحديد قيمنا الأخلاقية. فلا يمكن أن نبني الأخلاق على مبدأ واحد حتى لو كان العقل أو الدين نظرا إلى أن القيم الأخلاقية نسبية متغيرة عبر الزمان والمكان وهي تابعة لشروط مختلفة تتحكم فيها؛ فالمجتمع الإسلامي يتمسك بالدين أولا وبالعقل ثانيا كمبدأين أساسيين في إقامة الأخلاق دون إهمال باقي المبادئ الأخرى.