غرف الصدى ومنصات التواصل الاجتماعي

ناصر الحارثي

يستعرضُ الباحث ماتيو سينيلي المتخصص في تأثير منصات التواصل الاجتماعي، في بحثه حول مدى انتشار المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي وتأثير غرف الصدى، عن ظاهرة غرفة الصدى أو فقاعات الفلترة المستخدمة في مواقع التواصل الاجتماعي، ولقد نشرت الدراسة في الربع الأول من عام 2021 في مجلة " Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS)"، ويسعى الباحث مع فريق عمله إلى معرفة الاختلافات الرئيسية بين منصات التواصل الاجتماعي من خلال دراسة مدى تشكل ظاهرة غرف الصدى في كل منصة من منصات التواصل الاجتماعي وأثرها على انتشار المعلومات. ويعتمد الباحث في دراسته على قياس مدى التطابق بين المتابعين في الأفكار والتصورات، ومقدار التحيز في نشر المعلومات بين الأقران عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لقد استطاعت وسائل التواصل الاجتماعي خلق آليات جديدة للأفراد من أجل الوصول إلى المعلومات، وهذا التأثير في الوصول إلى مصادر المعلومة يلقي بضلاله بشكل مباشر على قرارات الأفراد وسلوكياتهم، إذ أن الناس أكثر ميلا لتصديق الأخبار الزائفة وتداولها بين أقرانهم من الأخبار الصحيحة، وربما يرتبط هذا الاستعداد بطبيعة الخبر الزائف ومدى استعداد الناس لتصديقه، ولكن الباحث يرى أيضا أن هناك عوامل أخرى تعزز من نشر الأخبار الزائفة من خلال اعتماد هذه المنصات على جعل انتباه المتابع في المنصة مؤطرا بواسطة خوارزميات التغذية التي تقترح محتويات متشابهة مع اهتمام المستخدم في المنصة، إذ يميل المستخدمون عادة إلى تفضيل المعلومات التي تتناسب مع معتقداتهم والانضمام إلى مجموعات تتكون بشكل تلقائي مع أفكارهم، وهذا ما يسميه الباحثون غرف الصدى. ويمكن تعريف غرف الصدى على أنها نطاق يتم تعزيز الآراء والاعتقادات والتوجهات السياسية فيه من خلال التفاعلات المتكررة مع الحسابات أو المصادر التي لها نفس الميول. ويتم تشكل غرف الصدى من خلال خوارزميات تقوم بها مواقع التواصل الاجتماعي من أجل التعرض الانتقائي والتحيز التأكيدي، وعلى الرغم من وجود هذه الظاهرة سابقا في المنتديات إلا أنها صارت أسهل عبر منصات التواصل الاجتماعي مع إدخال خوارزميات تدعم الخيارات التفضيلية، حيث تم تأسيس موقع ريدت "Reddit"، وهو واحد من أكثر مواقع الويب زيارة في العالم وكان يهدف لجمع النقاشات حول مجموعة واسعة بهدف تحقيق حرية التعبير ولكن مع الاستقطاب والخوارزميات المستخدمة انخفض محتوى الخطاب المعتدل وازداد خطاب الكراهية.

وسعى الباحث إلى دراسة مليون نَصٍّ أو قطعة من المحتوى الرقمي المنشور في أربع منصات للتواصل الاجتماعي؛ هي: تويتر، وفيسبوك، وريدت، وجاب، وذلك من خلال تحليل تأثير التقنيات المستخدمة في الربط بين المتابعين على أفكارهم في عدد من المواضيع المثيرة للجدل في الولايات المتحدة الأمريكية مثل الإجهاض، والتلقيح، والتحكم بالسلاح، عند الحديث عن آلية قياس الميول لدى المستخدم فإن الدراسة اعتمدت على تحليل روابط المنافذ الإخبارية لدى المستخدم في منصة تويتر؛ وذلك لقياس درجة الميول السياسية في المحتوى من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وأما في الفيسبوك فعن مدى الحصول على إعجابات في القضايا المثيرة للجدل، وفي ريدت عن طريق المجموعات التي ينظم إليها المستخدم، وبالتالي يتم قياس درجة الميول في كل منصة بمدى ميل المستخدم في كل منصة إلى الآراء المتطرفة ومدى تعرضه للآراء المختلفة. ولقد أظهرت الدراسة ميل الناس للأفكار المتطرفة في الفيسبوك وتويتر أكثر من المناصات الأخرى.

وتعد منصات التواصل الاجتماعي التي تركز على الخوارزميات التفضيلية من أكثر المنصات التي تساعد على تشكل غرف الصدى من خلال توظيف تقنيات تحدد نتائج البحث أو العرض التي تتناسب مع توجهات المستخدم، لذلك عندما يقوم اثنان من الباحثين من نفس المنطقة باستخدام محرك البحث حول قضية اللقاح يجد كل واحد منهما نتائج مختلفة تبعا لطبيعة اهتمامه، وإن كان هذا الأمر يخلق إشكالية، إلا أنه ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات المختصة بالتفضيلات صارت المشكلة أكبر، وتصل إلى حصول كل واحد منهما على نتائج متعارضة. هذه الخصائص وإن كانت تصنع جاذبية أكبر للمستخدم باتجاه المنصة من خلال اختيار التفضيلات التي تتناسب مع ميول المستخدم، إلا أنها تعمق الانحياز التأكيدي؛ فالفرد عادة يتبنى مجموعة من الأفكار والمعتقدات في حياته اليومية إلا أنه معرض بشكل مباشر وغير مباشر للاستماع إلى أفكار وتوجهات أخرى، ومن ثم ظهر التلفاز الذي يسمح لك باختيار قنوات تفضلها ولكنها لا تعرض دائما المحتوى الذي تريده، ومن ثم ظهرت الانترنت ومحركات البحث التي سمحت للشخص بالبحث في المواضيع التي يفضلها، ولكنها في الآن ذاته تطرح المواضيع من مواقع ذات وجهات نظر مختلفة. وعندما جاءت منصات التواصل الاجتماعي أزاحت عن المستخدم هذه الحساسية تجاه الأفكار المزعجة من خلال خلق مجتمع افتراضي تلقائي يشارك المستخدم في الاهتمامات، وتكمن خطورة هذا الانحياز التأكيدي التلقائي في أن أصحاب الفكرة الواحدة يجدون مجتمعا يتطابق مع أفكارهم؛ مما يؤدي لتطرفهم في الفكرة ذاتها وذلك لأنه محاصر مع مجموعة من المؤيدين للفكرة ذاتها، وكأن المستخدم يشارك في حفلات السخط الجماعي تجاه الآخر المختلف. وفي الآن ذاته يصاب بحساسية مفرطة تجاه الأفكار الأخرى تصل إلى العدائية ويجد صعوبة في تقبل الآخر، ودائما ما يفضل اللجوء إلى المنصات الاجتماعية لأنه يشارك فيها أفكاره مع من يتفق معه إلى حد التطابق بل والمساندة في الحفاظ على الأفكار والمعتقدات.

لقد حاول الكاتب توظيف بيانات المستخدمين لتحليل تأثير غرف التواصل على المستخدمين وهي قضية في غاية الأهمية، إذ إنَّ منصات التواصل الاجتماعي تخلق أنماطا اجتماعية مختلفة؛ مما يدفع منظري علم الاجتماع إلى تطوير أدواتهم البحثية والتحليلية، كما نجد تزايد ظاهرة الحركات اليمينية وتنامي القبيلة في مجتمع ما بعد الحداثة، وأصبحت السرديات الكبيرة كالشيوعية والاشتراكية والرأسمالية وحتى الأديان قليلة التأثير، كما أن هذه الأنماط من التوجهات المجتمعية التي تفرزها منصات التواصل الاجتماعي تتشكل بطريقة بنيوية باستخدام الأداة المكونة لها وهي اللوغارتيم ولكن نتائج هذا يصعب التنبؤ بها. أعتقد أن هناك الكثير من العوامل التي يجب إدخالها في هذه الدراسة للتمكن من تحليل ظاهرة غرف الصدى بشكل موسع؛ حيث إن هذه الغرف صارت تؤثر بشكل مباشر على توجهات الشعوب وهذا ما ظهر بشكل واضح عندما اجتاحت جائحة كورونا كوفيد 19 العالم وظهرت معها الكثير من نظريات المؤامرة مما جعل الكثير من الباحثين في المجال العلمي والطبي يرمون بأصابع الاتهام لمنصات التواصل الاجتماعي، في حين قامت مواقع التواصل الاجتماعي بحظر حسابات عدد من الأشخاص وبالتالي ينتقل صخب القضايا الاجتماعية رسميا من الواقع إلى العالم الافتراضي.

أخبار ذات صلة