حرب كورونا على الاقتصاد

رية بنت سليمان الخزيرية

لقد امتنَّ الله علينا بنعمٍ جسيمة وآلاءٍ عظيمة، ومن أعظم النعم التي امتن الله بها علينا هي نعمة النفط والتنوع في الموارد الاقتصادية، وتدوم النعم بشكرها وتزول بكفرها وكما قال جل في علاه: "لئن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ".

وقد تأتي العقبات لتحول بين الإنسان وطموحاته ورغباته وهذه العقبات إما أن تكون ابتلاءً أو بلاءً ولا يستطيع الكائن البشري أن يجزم بأن ذلك بلاء أو ذاك ابتلاء، فالله هو المصرف لذلك وله الأمر من قبل ومن بعد، وفي كل مصابٍ وخلف كل عقبةٍ حكمةٌ إلهيةٌ قد لا يُدرك كنهها حاليًّا ولكن ربما يتأتى لك فهمها فيما بعد.

وفي مقال دراسة تحليلية وفق نظرة شاملة لأهم آثار جائحة كورونا "كوفيد 19" على الاقتصاد العالمي -الأزمة الاقتصادية العالمية 2020- للكاتبين د.غبولي أحمد ود.توايتية الطاهر، والمنشور في مجلة العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، ما يوضح آثار جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي.

وقد أشارَ الكاتبان في مقدمة المقال إلى التعريف بفيروس كورونا، والذي يعد من سلالة الفيروسات التي تصيب الجهاز التنفسي؛ فتتراوح أعراض المصاب بين نزلات برد بسيطة إلى موت مزهق للأرواح، وقد تم اكتشاف أولى الحالات المصابة في مدينة ووهان الصينية في أواخر ديسمبر الماضي ونتيجة للانتشار المتسارع للفيروس فقد صُنف الوباء على أنه جائحة، فقد كان الوباء محصورًا في الصين وبعض الدول الآسيوية ثم انتقل بعدها ليكتسح أوروبا وأمريكا. ويعزي الكاتبان السبب الرئيس في انتشار هذا الوباء إلى حركة التنقل للأشخاص بين البلدان وهذا ملحوظٌ لا يخفى على ذي لب، إذ إنَّ السفر بين البلدان والتنقل من هنا وهناك كان له دورٌ كبيرٌ وفاعلٌ في انتشار الفيروس ويعد الوسط الهوائي هو الناقل الأهم له ناهيك عن العوامل الأخرى كالاتصال الجسدي والمصافحة وغيرها مما يتسبب في اتساع رقعة الإصابة بالفيروس وزيادة فرص انتشاره.

وكان من الضرروي بمكان أن تتخذ كل الدول بل كل المؤسسات والأفراد احتياطاتها وتبذل قصارى جهدها من أجل سلامة الجميع؛ فكان منع الناقل الرئيس للمرض هدفًا تسعى نحو تحقيقه جميع الدول واتبعوا بذلك طرقا وسياسات شتى ومن بينها العزل والحظر العام والإغلاق الكلي والعمل في المؤسسات بشكل جزئي.

وقد أفاد الكاتبان بأن الإغلاق الكلي والجزئي والعزل والحظر العام الذي انتهجته معظم الدول للحد من تفشي جائحة  كورونا كان له بالغ الأثر على المستوى النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وهذا مما لا شك فيه، إذ إن الجائحة تسببت في إزهاق الملايين من الأرواح فتعطلت بذلك الكثير من المصالح كما قيدت بعضهم أغلال الوساوس والمخاوف فقلت إنتاجيته، علاوةً على أنها تسببت في ركود الأسواق العالمية وتعطل الكثير من الأعمال وزيادة الإنفاق خاصةً على مستوى القطاعات الصحية.

ويُشير الكاتبان إلى أنَّ الاقتصاد العالمي انكمش بواقع 3% في العام المنصرم 2020م مما شكل على الدول عبئًا كبيرًا يصعُب من خلاله المضي على نهج الحياة السابقة؛ وكذلك فالوضع الراهن فرض على الدول إعادة النظر في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ تمت بصلةٍ إلى الاقتصاد.

ويرى الكاتبان أنَّ هذا الوباء ليس أول وباء أطل على الدول وأرهقها ولكن كورونا من الممكن أن يُصنف على أنه أكثر الأوبئة التي اكتسحت العالم وضربت اقتصاده وجعلته على شفا جرفٍ هارٍ، وهذا مما نتفق فيه مع الكاتبين؛ إذ أن العالم أُصيب بوباء أنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير وسارس وإيبولا وغيرها، ولكن الانتشار الأعظم في العالم والنصيب الأكبر كان لفيروس كورونا؛ حيث اكتسح رقعةً شاسعةً من الأرض وأصاب الكثير من الناس ودمر الكثير من البلدان وربما كانت الفترة الزمنية الطويلة التي قضاها الوباء في العيش معنا لها الدور الأعظم في تدمير اقتصاد كثيرٍ من الدول.

وانتقل الكاتبان إلى الحديث عن الآثار التي تركها كورونا على السياحة والنقل والتبادل التجاري والقطاعات الخاصة بالأخص، وهذا مما نلاحظه متمثلاً في ركود الأسواق وقلة البضائع الواردة والصادرة ومنع السفر وقلة السواح مما يعني قلة الأموال التي تجنيها الدول من ثورة السياحة.

واختتم الكاتبان مقالهما بالحديث عن آثار كورونا على الصناعة وعلى أسواق العمل والتشغيل وهذا مما نعايشه في كثيرٍ من البلدان؛ حيث قل الطلب وكثر العمال المسرحون من أعمالهم نتيجةً قلة مصادر الدخل اللازمة لتغطية أجورهم.

وإلى جانب ما خلفته جائحة كورونا من آثار سلبية في مختلف المجالات، وأخص بالذكر المجال الاقتصادي كونه محور حديث المقال، إلا أنَّ الدروس المستفادة من وراء هذا الوباء كانت كثيرةً لا تُعد ولا تُحصى.

فكأن هذا الفيروس أعلن للناس الحرب وكبدها خسائر فادحة ليتعلم بعدها كل فردٍ وكل مؤسسة وكل دولة كيف تحافظ على اقتصادها، وكيف تديره، وما هي التدابير التي يجب عليها أن تضعها في الحسبان في مثل هذه الظروف الاستثنائية.

كما علَّمتنا الجائحة أن نكون يدًا واحدةً في مواجهة الحلوة والمرة، ومن أمثلة التعاون ما ذكره الكاتبان من أن صندوق النقد الدولي قدم مساعدات وتسهيلات مالية تقدر بمئات المليارات للكثير من الدول النامية للخروج من مستنقع الركود الاقتصادي الذي خلفه كورونا ولا يزال يخلفه.

ومع كل نازلةٍ يصاب بها الناس، فإن اللجوء إلى رب السماوات والأرض ومالكهما مما يتوجب على الناس القيام به فيتضرعوا لله ليذهب عنهم البأس ويشفيهم ويعافيهم.

نسأل الله العلي القدير أن يسلم بلادنا والعالم أجمع من شر الأوبئة والأسقام، ولا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، فبشرى للمجاهدين الذين يجاهدون باتباع الإرشادات الصحية لوقاية أنفسهم وأهليهم من شر هذا الوباء المستفحل، وطوبى لمن بذل قصارى جهده صابرًا محتسبًا لأجل حماية نفسه وأبناء وطنه ومجتمعه من هذا الداء العضال الذي بقي العالم أجمع عاجزًا أمامه.

أخبار ذات صلة