كيف يحقق الغموض اللغوي مقاصد أفضل في المفاوضات التجارية؟

نادية اللمكية

يطرح الباحث الصيني فانيو مو (Fanyu Mao) في مقالته "تفسير الغموض اللغوي في المفاوضات التجاريّة وفق نظريّة الصلة"، والمنشورة في عدد الربع الأول (مارس 2020) من مجلة البحوث اللغوية الدوليّة "International Linguistics Research"؛ فكرة استخدام الغموض في اللغة أثناء المفاوضات التجاريّة في بيئة الأعمال، ويفترض أنّ الغموض في هذه الحالة لا يكون هدفه إخفاء معلوماتٍ ما، بلى على العكس من ذلك نقل المعلومات بصورةٍ أكثر اتساعًا وبأقل قدرٍ ممكن من الجهد في المعالجة، وهي استراتجيّة لغويّة فسرتها نظريّة الصلة في التواصل والإدراك.

ما نظريّة الصلة؟

وتقدّم نظرية الصلة للأنثروبولوجي الفرنسي دان سبيربر (Dan Sperber) واللغوية البريطانية ديردر ويلسون (Deirdre Wilson) جملةً من الأفكار تقود إلى مبدأ أساس هو أنّ "العمليات الإدراكيّة البشريّة موجّهة لتحقيق أكبر قدرٍ ممكن من التأثير المعرفي بأقل جهدٍ ممكنٍ من المعالجة"، وتنطلق في رؤيتها جامعةً بين بنية اللغة واشتغال الذهن مستفيدة من مجالين هما: فلسفة اللغة، خصوصًا النظرية الحواريّة لغرايس (Grice) التي وضع فيها أسس الأنموذج الاستدلالي بديلا لأنموذج الشفرة. ومجال علم النفس المعرفي، خصوصًا نظرية فودور (Jerry Fodor)، التي فسرت اشتغال الذهن البشري، وعمليات معالجة المعلومات فيه ومراحلها.

وكيف تفسر نظريّة الصلة الغموض في اللغة؟

تتعامل نظريّة الصلة مع التواصل اللغوي على أنّه عمليّة "فهم متبادل"، وتستند إلى مبدأين أساسيين في ذلك هما المبدأ المعرفي: الذي يفترض أنّ العمليات الإدراكيّة البشريّة موجهةٌ دائمًا نحو اختيار الافتراض الأكثر صلةً الذي يكلّف أقل قدرٍ ممكن من الجهد في الفهم. ومبدأ الصلة المثلى: الذي يفترض أن نجاح الفهم مرهونٌ ببذل جهدٍ ذهني قليل مع ربح فائدةٍ كبيرة، وأنّ الفعل التواصلي الذي يحقق ذلك يكون قد حقق الصلة المثلى.

وعلى هذا الأساس، فإنّ المتحدث يجب أن يمنح المستمع دلائل وتلميحات/تلويحاتٍ تقلل الجهد المبذول في فهم الخطاب من جانبٍ، وتجعله يصل إلى الفهم المراد (الصلة المثلى) من جانبٍ آخر، والوصول إلى الفهم لا يعني بالضرورة الوصول إلى الحقيقة الحرفيّة للمعنى الذي قصده المتكلم، بل إلى الاستنتاجات المرتبطة بهذا المعنى، إذ بحسب نظريّة الصلة المستمع يصل في الفهم إلى تأويل فكرة/ أفكار المتكلم، وعلى المتكلم وضع تأثيراتٍ سياقيّة كافية ليوجّه فهم المستمع نحو مجموعة الأفكار التي يريدها. إنّ عملية تواصل المتكلم تعني أن يجعل من الظاهر قصده جعل افتراضٍ ما ظاهرًا للمستمع، وبمعنى آخر أن يؤمّن بيئةً إدراكيّةً متبادلة بينه وبين المستمع، أما اختيار الافتراض الأقوى أو الذي أظهره المتكلّم عن قصد من بين الافتراضات التي من الممكن أن يقدّمها ملفوظٌ ما فهي مهمّة المستمع وتتم عبر عمليّة ذهنيّة مميزة عند البشر هي "الصلة"؛ فالبشر يوجهون انتباههم إلى ما يبدو أكثر صلةً لهم.

وفي الغموض اللغوي، وهو أحد أشكال الخطاب التأويلي بحسب نظرية الصلة، فإنّ السياق المعرفي الذي يستخدمه طرفان متواصلان هو جزء من البيئة المعرفيّة الإدراكيّة المشتركة بينهما، والسياق هنا يسمح بتقاطع البيئة المعرفيّة الإدراكيّة للمتكلم والمستمع، وعند معالجة المستمع لكل معلومة جديدة فهو يحتاج لجمع المعلومة وربطها مع الموسوعة المعرفيّة العامّة لديه، يذكر الكاتب هنا مثالا واضحًا على ذلك:

ج: هل ستقود سيارة مرسيدس؟

ب: لن أقود أي سيارةٍ باهظة الثمن!

إن إجابة المتكلم (ب) قدمت بيئة معرفيّة استنتاجيّة مكّنت المستمع (ج) من الحصول على معلوماتٍ سياقيّة وربطها بالمعلومات الموسوعيّة العامة لديه ليقوم باستنتاجاتٍ متواليةٍ هي: لن يقود (ب) سيارةً باهظة الثمن، مرسيدس هي سيارةٌ باهظة الثمن، إذن (ب) لن يقود سيارة مرسيدس.

كيف يمكن أن تؤدي اللغة الغامضة دورها في المفاوضات التجاريّة ببيئة الأعمال؟

يناقش الكاتب عبر مجموعةٍ من الأمثلة كيف يمكن أن يكون الغموض (عدم الوضوح) في المحاورات والمفاوضات المتعلقة ببيئة الأعمال وسيلةً للوصول إلى تلويحاتٍ أوسع في الفهم؛ فالمتفاوض لا يهدف إلى منح الطرف الآخر معنىً مباشرًا متفقًا مع المعلومات الموسوعيّة العامة لدى المستمع، بل على العكس من ذلك يحاول إجراء تعديلٍ في البيئة الإدراكيّة للمستمع بصورةٍ تجعل مجموعةً من افتراضاتٍ أخرى ظاهرة أمامه، ويؤدي ظهورها إلى عدم التطابق بينها والمعنى الحرفي للملفوظ تطابقًا كليًّا؛ ما يدفعه إلى التأويل الأوسع محققًا بذلك أكبر قدرٍ من الفهم بأقلٍ قدرٍ من الجهد، وهو ما يهدف إليه المتفاوض كما في الأمثلة التي عرضها كاتب المقال:

مثال (1): من المحتمل أن نشتري هذا المنتج من مكانٍ آخر؛ لأنّ منافسيك في السوق يقدمون أسعارًا أقل.

مثال (2): يمكن لمنتجاتنا أن تلبّي استخداماتٍ زراعيّة واسعة، وقد تميزنا منذ زمنٍ طويل بسمعةٍ ممتازة مع عملائنا.

مثال (3): كما ذكرنا سابقًا، نبيع منتجاتنا بشكل جيّد في السوق العالميّة لجودتها العاليّة وأسعارها المعقولة.

اللفظ "من المحتمل" في المثال الأول أنْ يُشير إلى عدم اليقين في نبرة المتفاوض، مما يشعر البائع أنّ هناك متاجر/شركاتٍ تبيع المنتج بذات الجودة وبسعرٍ أقل، وقد توصل البائع لهذه التأويلات بجهدٍ أقل مما لو تطلب الأمر شرحًا دقيقًا "معنى حرفي". وفي المثالين الثاني والثالث فإنّ الألفاظ "سمعة ممتازة" و"جودة عالية" و"أسعار معقولة" تنقل بدقة مقاصد المتفاوض، وفهمها لا يتطلب من المستمع جهدًا كبيرًا، إذ إنّ تحديد السعر أو تحديد طبيعة السمعة أو شرح الجودة يتطلب جهدًا أكبر في الفهم بفائدةٍ واستنتاجاتٍ قد تكون أقل أو مساوية للاستنتاجات السابقة. إنّ عدم الوضوح في النص -بحسب الكاتب- يساعد في تحقيق المرونة الذي يؤدي بدوره إلى الوصول لمستوىً أعمق من المعنى، كما أنّ الغموض يسمح للطرف المتفاوض بتحقيق تأثيراتٍ تواصليّة لا يمكن تحقيقها باللغة الحرفيّة عبر استخدام الدقة في الكلام، ومن تلك التأثيرات: إظهار اللطف في الحديث، وتحقيق الحماية الذاتيّة للمتفاوض، وتعزيز مرونة التعبير اللغوي ليشمل معانيَ أوسع في الفهم، وغيرها من التأثيرات.

إنّ اللغة الغامضة -بحسب الكاتب- شائعة الاستخدام في مفاوضات بيئة الأعمال في الثقافة الإنجليزيّة، وهي تحقق وظيفة تواصلٍ فريدة؛ فالبيئات المعرفيّة الإدراكيّة المختلفة للمتفاوضين، والاختلافات الثقافيّة بينهم تعزز ظهور اللغة الغامضة، لكنها في الوقت نفسه تسمح بتقديم معلوماتٍ أكثر اتساعًا. وإنّ إدراك المتفاوضين لذلك، أي لأهمية استخدام استراتيجيّة الغموض اللغوي في التفاوض بوعيٍ وفعاليّة، يسمح بتحقيق التواصل الناجح بينهم.