هل حُسمت الحدود الزمنية لحقبة الأنثروبوسين؟

وليد العبري

تناقش الباحثة ميرا سوبرامانيان المتخصصة في علم الجيولوجيا، في مقالتها "هل ترجح كفة البشر، أم كفة الأرض؟"، والمنشورة في مجلة "Nature"، في العدد التاسع من عام 2019، المخلفات النووية، والتلوث الناجم عن الزئبق، وغير ذلك من علامات عصر الأنثروبوسين، وهو حقبة جيولوجية جديدة مقترحة، تُقرّ الكيفية التي غير بها البشر وجه الكوكب.

إنّ بحيرة كروفورد صغيرة للغاية، لدرجة أن الوقت الذي يستغرقه المرء للتجول على امتداد شاطئها هو عشر دقائق، لا غير، لكن هذه البحيرة -الواقعة في جنوب أونتاريو في كندا- تخفي أسفل سطحها شيئا مميزا يجذب انتباه العلماء من كل أنحاء الكوكب، إذ يبحث العلماء عن علامة مميزة مدفونة في أعماق الطين؛ عن إشارة تحدد اللحظة التي اكتسب فيها البشر قدرا من القوة؛ مكنَهم من البدء في تغيير الكوكب تغييرا لا رجعة فيه. ومن الممكن أن تكون طبقات الطين في هذه البحيرة نقطة بداية حقبة "الأنثروبوسين"؛ تلك الحقبة الجديدة المحتمَلة من التاريخ الجيولوجي.

وتتسم هذه البحيرة بعمق سحيق، يُعَد مدهشا بالنظر إلى حجمها، وهو ما يمنع اختلاط مياهها بصورة كاملة، وهذا يترك قاعها غير متأثر بالديدان الحفارة، أو التيارات المائية. وتتراكم طبقات الرواسب فيها مثل الحلقات الشجرية، مُشكلةً أرشيفا يمتد إلى حوالي ألف عام مضى. احتفظت هذه البحيرة – بشكل شديد الدقة - بأدلة من حياة قبائل الإيروكواس، التي زرعت الذُّرة على ضفافها قبل ما لا يقل عن 750 عاما، ثم بأدلة من حياة المستوطنين الأوروبيين، الذين بدأوا عملية الزراعة وقطع الأشجار هناك بعدها بأكثر من خمسة قرون. والآن، يبحث العلماء عن آثار أحدث وأبرز بكثير، تدل على الاضطراب البيئي المرتبط بالبشر.

تقول فرانسين ماكارثي - عالِمة الأحافير الدقيقة بجامعة بروك المجاورة للبحيرة في سانت كاثرينز بأونتاريو - إن عينات اللب الصخري المستخرجة من قاع البحيرة "يُفترض أن تُسفر عن علامة شديدة الوضوح"، مضيفة بقولها إنّ تلك العلامة "لن تكون واحدة من تلك العلامات غير الواضحة بسبب سحق المحار لها". وتدرس مكارثي البحيرة منذ ثمانينيات القرن العشرين، لكنها تتطلع إليها الآن من منظور جديد مختلف تماما.

وبحيرة كروفورد هي واحدة من عشرة مواقع حول الأرض، يعكف الباحثون على دراستها، بوصفها معالم قد تدل على بداية حقبة الأنثروبوسين (عصر التأثير البشري على البيئة)، وهو تصنيف غير رسمي حتى الآن، تجرِي دراسة إدراجه ضمن المقياس الزمني الجيولوجي. وعلى أثر ذلك، تشكلت "مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين AWG – " وهي لجنة مؤلفة من 34 باحثًا، أسستها اللجنة الدولية المعنية بعلم طبقات الأرض (ICS) في عام 2009 - وهي تقود الجهود الرامية إلى صياغة مقترح للإقرار رسميا بحقبة الأنثروبوسين. وستشكل هذه الحقبة الجديدة نقطة تحول واضحة من "العصر الهولوسيني Holocene"، الذي بدأ مع نهاية العصر الجليدي الأخير. ومن أجل تحديد حقبة جديدة، يحتاج الباحثون إلى العثور على علامة تعبِر عنها في السجل الصخري، تحدد النقطة التي تعاظم عندها النشاط البشري بصورة واسعة النطاق، لدرجة أنه خلف بصمة لا تمحى على الكوكب.

وبمجرد اختيار العلامة المعبرة عن تلك الحقبة، سيحتاج الباحثون العاملون مع مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين إلى جمع ما يكفي من الأدلة من كل أنحاء العالم، لإقناع هيئات إدارة العلوم الجيولوجية بأنهم قد عثروا على إشارة موثوق في صحتها، تحدد بداية حقبة الأنثروبوسين، غير أن بعض العلماء يحاجون بأن النشاط البشري يشكل الكوكب منذ آلاف السنين، وأن مجموعة العمل قد تسرعت بالاستقرار على عقد الخمسينيات من القرن العشرين على أنه يشكل بداية العصر الجيولوجي المقترح. ومن هنا، قام إيرل إليس - عالم الجغرافيا بجامعة ميريلاند في مقاطعة بلتيمور، وعضو مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين - بانتقاد خطط اللجنة الرامية إلى تحديد بداية حقبة الأنثروبوسين. فعلى حد قوله: "إن مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين حسمت الحدود الزمنية للحقبة، قبل أن تتخذ قرارا بشأن ما يميزها، وليس العكس".

وستكون للصخور كلمة الفصل في النهاية، فمسألة اتخاذ قرار رسمي بتحديد حقبة الأنثروبوسين ستعتمد - في نهاية المطاف - على أدلة موجودة في طبقات الأرض، ومحفوظة في السجل الجيولوجي. وبعبارة أخرى، أدلة تحسم ما إذا كان البشر قد تركوا مجموعة علامات مميزة محفوظة في الصخور، وفي طين قاع البحار، أو في الجليد، تشير إلى حدوث تغيير جوهري على الكوكب، أم لا.

وفي التصويت الأخير، قرر أعضاء مجموعة العمل -بأغلبية ساحقة- تقصي طفرة ذهبية وقعت في منتصف القرن العشرين، إذ إن هذا الوقت يمثل بداية ما يُعرف بـ«التسارع العظيم»، وهو تحول سريع حدث بعد الحرب العالمية الثانية، حين بدأ العدد المتزايد من السكان في استهلاك الموارد، وتصنيع مواد جديدة بالكامل بمعدلات هائلة تفوقت حتى على معدلات الثورة الصناعية. وكل تلك الأنشطة تسببت في إغراق البيئة بكميات غير مسبوقة من الملوثات العضوية الثابتة، وسرّعت معدل انقراض الحيوانات، وخلقت بعض السمات الجيولوجية التي لم يكن لها وجود من قبل.

وتخوض بحيرة كروفورد منافسة شرسة؛ للإقرار بأنها البقعة التي تجسد الطفرة الذهبية. وينسق كولين ووترز -عالِم الجيولوجيا بجامعة ليستر، وأمين مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين- بين الفرق البحثية التي تعكف على دراسة إحدى البحيرات الصناعية في كاليفورنيا، ولُب جليدي من القارة القطبية الجنوبية، ورواسب من أحد الكهوف في شمال إيطاليا، وشعاب مرجانية في الكاريبي وأستراليا، ومستنقع خث في سويسرا، فضلا عن مواقع أخرى. وكلها ستُجرَى فيها اختبارات؛ للبحث عن إشارات تدل على وجود نويات مشعة، تتمثل -في أغلب الظن- في الكربون 14، والنظير المشع طويل العمر البلوتونيوم-239، إضافة للبحث عن علامات ثانوية، تتراوح من الملوثات العضوية الثابتة، والبلاستيك المجهري، وصولا إلى الرماد المتطاير الناتج عن حرق الفحم.

مثل سجل طبقات الأرض الذي يدرسه الباحثون، فإن القرار الرسمي بتعيين حقبة الأنثروبوسين يتضمن مستويات متعددة. وتهدف مجموعة العمل المعنية بحقبة الأنثروبوسين إلى أنْ تُقَدم بحلول عام 2021 مقترحا نهائيا للكيان الأم لها، وهي اللجنة الفرعية الرباعية التابعة للجنة الدولية المعنية بعلم طبقات الأرض. ويحدد هذا المقترح طفرة ذهبية من منتصف القرن العشرين، وإذا حظي هذا المقترح بالموافقة، فستجري اللجنة الدولية المعنية بعلم طبقات الأرض تصويتا عليه، ثم سيُقدم بعد ذلك إلى اللجنة التنفيذية التابعة لـ "الاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية"؛ من أجل التصديق عليه بصورة نهائية. وفي حال اجتياز عصر الأنثروبوسين لكل هذه العقبات، فإنه سيصبح رسميا وحدة جديدة في المخطط الدولي لتاريخ طبقات الأرض، المعروف أكثر باسم «المقياس الزمني الجيولوجي». وحتى الآن، فإن جميع الطفرات الذهبية الست والخمسين، التي جرى التصديق عليها، تأتي من بيئات بحرية، باستثناء العلامة الوحيدة، التي تحدد بداية العصر الهولوسيني، والتي تعتمد على لب جليدي من جرينلاند.

لا يشعر الجميع بالاقتناع بأن في وسع مجموعة العمل اتخاذ القرار حتى الآن. وتتمثل إحدى النقاط الخلافية في أن مجموعة العمل قد اتخذت قرارا بشأن الحدود الزمنية لهذا العصر، رغم أنها لم تستقر بعد على تحديد الطفرة الذهبية في سجل طبقات الأرض. وحسبما يقول مات إيدجوورث، عالم الآثار بجامعة ليستر، فإن ذلك بمثابة "فَرض للأفكار على المسألة، وقولبة للأدلة؛ كي تصبح مناسبة، لكن ينبغي أن يسير الأمر بشكل معكوس".

أخبار ذات صلة