على السطح- الفلسطينيون: نظرة من الداخل

1.jpg

أوهاد حامو

أحمد أشقر

 

يمكن القول إنَّ مُواجهة المُستعمِر مع المُستعمَر هي أكثر المواجهات قسوة ولا إنسانية في العلاقات البشرية، ليس لأنَّ المُستعمِر يملك الأسلحة وأدوات القمع الجسديّة والمادية، بل لأنه يملك الخطاب واللغة التي تتغلغل إلى وعي المُستعمَر لتصبح جزءاً من وعيه ومسلكياته فتسلب منه صوته الحرّ في التعبير عن نفسه. لقد تحدَّث عن هذه القسوة كل من (فرانز فانون، 1925- 1961) و(ألبير ميمي، 1920- 2020). وتزداد هذه الحالة مأساوية عندما يطول عمر الاستعمار وتنهار قدرة المُجتمع المُستعمَر على المقاومة والتصدي حتى ليبدو أن واقعه المأساوي من إنتاجه ومسؤوليته هو بمعزل عن جريمة ومسؤولية المُستعمِر. هذا ما يُمكن فهمه من الكتاب الذي بين أيدينا على السطح- الفلسطينيون: نظرة من الداخل للصحفي اليهودي (أوهاد حامو) لكن شريطة أن نقرأه بمنهج التكليف وليس كما فعل صاحبه الذي اعتمد منهج السطح.

يعتمد الكاتب على المُقابلة الصحفية والتعقيب عليها منهجاً في كتابه، ويضع فيه أصوات الأشخاص الذين قابلهم في قالبٍ إسرائيليّ التوجه والرؤية، يمنعهم من التعبير بحريّة عن مواقفهم. والمشكلة الأخرى أنَّه لم يحاول أن يُقدم تحليلاً لهذه المقابلات وفقاً لنظريات سلوك المجموعات البشرية، مما أغرقها في المباشرة والتسطيح. تأتي هذه المقابلات على ألسن أشخاص بأسماء مستعارة دون تحديد هويتها الأمر الذي يدعو القارئ الحصيف إلى الشكّ إن كان هؤلاء الأشخاص حقيقيين أم وهميين، أشخاصاً عاديين أم نشطاء سياسيين، أكاديميين أم عملاء. أذكر هذه الشكوك لأنَّ كل من يداوم على قراءة الإعلام الإسرائيلي يعرف أن تعامله مع العرب مقرون بالتعميم والفبركة والتزوير حول الأحداث التي يُغطيها والأشخاص الذين تتم مقابلتهم.

يتكون الكتاب من مُقدمة يصف فيها الكاتب مشاعر الخوف التي انتابته حين كان يعد تقريراً تلفزيونيّاً في منطقة الخليل، وكيف تلاشى خوفه عندما قابل بعض المسلحين المحسوبين على القوى الإسلامية وتصوّر معهم "سِلفي" (ص: 9- 20)، تليها ثمانية فصول تتخللها بعض العناوين الفرعية بدأها بـ غزة- حفرة النار والحديد لحماس- يدين فيه (ج) أحد الشباب الغزّيين مسؤولية واقعهم المأساوي بالقول "نحن نعرف أن الحلّ لن يأتي من إسرائيل، مصر أو رام الله. سيأتي فقط من الداخل، لذلك نبني على أنفسنا في الانتخابات عندما تتجدد إن شاء الله. عملنا يتم أساساً في الميدان حيث نشرح عبر كلّ منصّة ممكنة عن إشكاليّة الواقع، بما في ذلك تحمّل المسؤولية الشخصيّة والتوقف عن اتهام إسرائيل تلقائيّاً. نعمل في مدارس كثيرة [...]. وتحدينا الأكبر هو برنامج التعليم في غزّة، فإنَّ كراهية اليهود والدعوة لقتلهم تعتبر جزءًا لا يتجزأ منه" (ص 21- 55). وفي الفصل التالي بعنوان حماس- رجل أزرق في عالم أخضر- يتحدث الكاتب عن نشوء حركة حماس وكيف تحولت من فصيل "معارض" لتصل إلى السلطة بواسطة أساليب عنيفة لدرجة أنَّه يصف مسلحي حماس بالـ"مستعربين"، ويتحدث عن الخلافات بين حماس غزة وحماس الضفة، التي لا تصل إلى العلن لسبب ما. ويقول أيضاً إن في حماس تيارين، التيار التقليدي الرافض لأية تسوية وآخر تسووي لكنه لا يظهر للعلن. أما القائد يحيى السنوار فيقول بأنَّه شخص ضعيف وصل إلى رئاسة حماس ليس نتيجة عمليات قام بها، بل بضربة حظ كون شقيقه محمود السنوار قائدا عسكريا وكان يشرف على حراسة الجندي الإسرائيلي الأسير (جلعاد شَليط). مثلما وجد الكاتب ضالته في شخص (ج) في الجزء السابق، ها هو يستنطق "أحمد" ليصل إلى جوهر مبتغاه بإدانة المقاومة: "العمليات [الاستشهادية] لن تُحرر فلسطين [...]. ماذا ربحنا من تحويل الانتفاضة إلى عسكريّة؟ لا شيء. لذا لماذا نواصل في طريق لن يحررها". وفي النهاية يصل إلى نتيجة أن إمكانية مشاركة حماس في أيّ حل تسووي يتعلق بتركيا (ص 56- 102). 

وفي الفصل الثالث- سجناء أمنيون- "من جوّا" (كما ترد في المصدر) يبدأ الكاتب الحديث عن دور السجون في صقل وبلورة شخصيات الأسرى. ويصفهم بالقوة الوحيدة القادرة على توحيد الشعب الفلسطيني من غزة جنوباً إلى جنين شمالاً، ومكانتهم العالية في المُجتمع. وينقل عن الأسير المسجون "ياسر" ما يلي: "لو كنت إسرائيليّاً كنت سأمكن السجناء [الأسرى] من الوصول الحرّ إلى التعليم والتربية- هذه مصلحتكم" وأضاف: "كثيرون منِّا أنهوا دراستهم الجامعية في السجن وتحرروا بدأوا حياة مهنيّة ثانية وتحولوا إلى محاضرين في الجامعات في غزة أو الضفة. تذكر- دَرَسْنا الشهادة بالعبرية. المدرسون كانوا إسرائيليين وانكشفنا على مضامين إسرائيليّة". ثم ينقل عن أسرى تراجعهم ورفضهم للكفاح المسلح. وبالنتيجة يقول ليس من المبالغ به أن تنشأ قيادة من الأسرى السابقين يعملون من أجل السلام مع إسرائيل (ص: 103- 128). ينضم الكاتب هنا إلى القيادة والنخب الإسرائيلية الأكثر يمينية التي تدعي عدم وجود شريك فلسطيني "للسلام". فمحاولات أبو عمّار وأبو مازن في المفاوضات لم تكن كافية لأن يعطف عليهما اليهود بشيء. إذاً كيف سيقوم الأسرى السابقون بتحقيق السلام، حسب وجهة نظر الكاتب، مع اليهود؟ فهم لم يطرحوا حلّاً وهو لم يخبرنا بحل. وفي الجزء الرابع- جهاد إسلامي- علم أسود يحاول الكاتب استدراج بعض "محدثيه" للحديث عن الخلافات بين الجهاد وحماس ولماذا لا تفعل حماس معهم مثلما فعلت مع فتح سنة 2006. وعندما يفشل في جرّ مستنطقيه إلى الحرب التي يبدو أنه يريد إشعالها بينهم، يقوم هو بالتحليل بالقول إن حماس بحاجة إلى مجموعات مسلحة أشد وأكثر تطرفاً كي تستخدمها متى شاءت بالضغط على إسرائيل، ولتذكير إسرائيل بوجود فرق وحركات أكثر تطرفاً. ثم يأتي الكاتب على سرد قصة نشوء الجهاد الإسلامي منذ سنة 1992 إلى اليوم. ولا ينسى الكاتب التذكير بأن هدف الجهاد هو إبادة إسرائيل ورفض أية تسوية معها (ص: 129- 152). لا يتم الحديث عن حركتي حماس والجهاد الإسلامي دون التوقف عند العمليات الاستشهادية أو "العمليات الانتحاريّة" كما تسمى في القاموس الإسرائيلي والتي يشرحها الكاتب (حامو) في الفصل الخامس- العمليات الانتحارية- أنهار الحليب والعسل في الجنّة الذي يعتبر عنوانه أكثر إثارة من مضمونه الذي يبدأه بتقييم أحد رجالات حماس القائل "كانت غلطة"، ويضيف أن إيقاف العمليات جاء نتيجة فقدان حماس التأييد الدولي حين بات كل متزنر بحزام ناسف يُقرن مع حركة داعش. هذا التفسير لا يقبله الكاتب ويعطي تفسيرات أكثر معقولية مثل بناء الجدار العازل بين مناطق الضفة الغربية وغّزة وإسرائيل، وتطور قدرة الجيش والاستخبارات الإسرائيلية والتنسيق الأمني الفلسطيني- الإسرائيلي على رصد وإفشال غالبية العمليات التي خُطط لها، ناهيك عن العقاب الشديد والثمن الباهظ الذي تدفعه أسر المنتحرين والمجتمع. ويضيف الكاتب أن سبب بداية العمليات الانتحارية سنة 1992 وتوقفها سنة 2005، هو طرد 450 ناشطاً من حماس والجهاد إلى مرج الزهور في لبنان سنة 1992 ولإفشال اتفاقيات أوسلو لسنة 1993 التي تمت بين (م. ت. ف) وإسرائيل. وعن سبب المشاركة فيها يتبنى الكاتب وجهة النظر الإستشراقية- دون الاكتراث لما قاله محدثوه- فيعزيها إلى المكافأة المالية التي تحصل عليها عائلة المُنتحر والوعد بالجنّة وأنهار العسل والحليب فيها. وفي النهاية يخلص إلى القول بأن هذه العمليات تحولت إلى "انتحارية" فقط دون أي هدف سياسي أو ديني (ص: 153- 170).

في الفصل السادس- فتح- السفينة التي تغرق يقول الكاتب أن فتح هي العمود الفقري لـ(م. ت. ف) التي تعتبر جسم الحركة الوطنيّة الفلسطينية. ثم يخبرنا عن نشأتها في ستينيات القرن الماضي وبدايات ضعفها بسبب نشوء حركات المقاومة الإسلامية واتفاقية أوسلو حين "تلاشى كثيراً الماضي المتوهج لـ(م. ت. ف) في السنوات الأخيرة، ويذكر أن الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة باتت في أزمة عميقة وجوهرية، إلى درجة الخطر الوجودي. هنالك أسباب عدّة، لكن حسب فهمي إن المشكلة ذات الأهمية الكبرى التي تتعامل معها حركة فتح هي الأيديولوجيا والحلم اللذان وصلا إلى طريق مسدود". وفي النهاية يقتبس من أحد الفتحاويين أقوالاً لا يمكن لأحد نفيها أو تأكيدها "[...] ماذا سيحصل غداً؟ إذا لم تعترف بي، مستقبلنا ومستقبلكم سيكون أسود، في كل لحظة من الممكن أن يتغير شيء هنا" (ص: 171- 196).

يشتهر الكاتب (حامو) كونه أبرز الصحفيين الذين يغطون مخيمات اللاجئين ولعلاقاته العميقة والوثيقة مع كل الأطراف: الاحتلال، الأجهزة الأمنية الفلسطينيّة، المسلحين في المخيمات والقادة والناس العاديين. يستهل الفصل السابع- مخيمات اللاجئين- أزقة الغضب بالقول "إن مخيمات اللاجئين هي القلب النابض للصراع". ثم يصف البؤس والفقر بالقول: "الإحساس العام [فيها] هو بالفقر والإهمال". ويقوم بتغطية أحداث المخيمات بناء على طلب المسلحين أحياناً لتغطية نشاط أو عرض مشكلة لهم مع السلطة الفلسطينية أو مواجهة مع إسرائيل. كما أنه يبادر إلى إعداد تقارير حول مواضيع يحجم الإعلام الفلسطيني والعربي الخوض فيها مثل الأسلحة غير الشرعية، والصدامات المُسلحة مع أجهزة أمن السلطة، والصدامات بين عناصر حماس وفتح. وينقل عن أبي صالح من مخيم قلنديا شمالي مدينة القدس بأن "الفلسطينيين هم يهود العالم العربي لأنهم "أقليّة مطاردة تعمل في ظروف صعبة". ويلخصّ الموقف الفلسطيني من اللجوء باقتباس ما يقوله أبو حميد من مخيم الأمعري جنوبي مدينة رام الله بالقول: "حتى تفهموا أنتم الإسرائيليون بأننا متساوي الحقوق وتسمحوا لنا بالعودة إلى بيوتنا. دون حقّ العودة لن يكون هناك حل. هذه كرامتنا، التراث، الدين، وفي الأساس الهوية" (ص 197- 224).

يخصص الكاتب الفصل الثامن للحديث عن أكبر الجرائم التي يقترفها الاحتلال بحقّ الناس العاديين بتحويلهم إلى حصان طروادة ومكمن مقتل الشعب الفلسطيني- العملاء- يعيشون بين عالمين. يقرّ بالعدد الهائل من العملاء الذين جندهم الاحتلال لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية وصحيّة وأخلاقية ولم يترك سبباً إلا واستخدمه لتجنيدهم. وينقل عن العميل أبو أكرم الرجوب من دورا الخليل قوله بأن هناك خمسة نماذج من العملاء: الذين يشعرون أنهم أقرب إلى إسرائيل؛ الذين فشلوا في حياتهم ورفضهم المجتمع الفلسطيني؛ و"الطماعون" الذين يحبون المال؛ وأناس "عاديون" تجاوزوا الأخلاق المتعارف عليها [على خلفية خيانة زوجة، ممارسة المرأة الجنس قبل الزواج... أو سفاح محارم. كاتب هذا المقال رصد قبل 30 سنة 21 عميلاً بينهم 19 أدانهم المجتمع بسفاح المحارم!] ونموذج الجيل الشاب الذي ينخرط في حركات المقاومة والنشاط السياسي الذي بات هدفاً هاماً لإسرائيل. يتلقى العميل أبو أكرم حماية خاصة من قوى الأمن الفلسطينية عندما يزور أهله في دورا بصفته ابن إحدى العائلات الكبيرة والقوية. من المعروف أن المقاومة قتلت المئات من العملاء وتعامل سلطة أوسلو بعضهم معاملة عادية، والذين ظلوا منهم على قيد الحياة يعيشون على هامش المجتمع متلحفين بعارهم، وقد هرب بعضهم إلى الداخل المحتل 1948 وهناك شنّ الأهالي حرباً شعواء ضدهم. كذلك يرفضهم اليهود؛ من يحب خائن شعبه؟ وينقل عن أبي أكرم أن نصف البغايا في المناطق الفقيرة في (تل- أبيب) عربيّات. ثم يسرد الكاتب (حامو) بعض جرائم العملاء وأشهرها تسليم خلوي مفخخ إلى المهندس يحيى عيّاش (1966- 1996) الذي كان مسؤولاً عن إعداد الأحزمة الناسفة في حركة حماس. ويلخص بالقول أن العمالة التي يتحدث عنها ليست العمالة التقليدية التي تعرفها الأمم والشعوب، ويصفها بعمالة بنيويّة "تبدأ من فوق، على مجتمعين يمسك الواحد برقبة الآخر، وهي غير قابلة للحلّ" (ص: 225- 254). لكن اليهودي يمكنه خنق العربي.

في الفصل الأخير من الكتاب- العودة إلى 87- تلخيص المسيرة يشرح الكثير عن الصعوبات والعقبات التي يواجهها الفلسطينيون ابتداءً من الانتفاضة الأولى التي اندلعت في ديسمبر 1987 ومواجهة إسرائيل لها بالقمع والتقتيل والسجن ومصادرة الأراضي ومنع العمل في داخل فلسطين 1948 إلى اتفاق أوسلو الذي لم يستجب إلى الحدّ الأدنى من المطالب الفلسطينية بإقامة دولة لهم بجوار دولة إسرائيل وتقطيع أواصر الضفة وغزة بمئات الحواجز تم تتويجها بالجدار الفاصل بين مناطق الأرض المحتلة 1967 و1948 وتحويلها إلى جيتوات باتت الحياة فيها أشبه بسجن كبير. وفي النهاية يخلص الكاتب (حامو) إلى ما يلي: "الحقيقة هي أن غالبية الفلسطينيين يريدون العودة إلى سنة 87 [قبل الانتفاضة الأولى]، إلى واقع تلتحم فيه المناطق [المحتلة 1967] بإسرائيل حتى يعود قسما البلاد ويصبحان واحداً" (ص: 255- 284). بهذا الموقف ينهي الكاتب كتابه تأكيداً لما ذكرته في المقدمة ألا وهو مصادرة الصوت الفلسطيني وزرع الصوت الإسرائيلي مكانه. فالعودة إلى وضع ما قبل 1987 هي عودة السيادة اليهودية على فلسطين دون رتوش أو مواربة ليعود الاحتلال مباشراً على كل فلسطين ولربما جعله أبديّاً.

 

الكتاب: على السطح- الفلسطينيون: نظرة من الداخل

المؤلف: أوهاد حامو

إصدار: كيتِر، مستعمرة بن شيمن

سنة الإصدار: 2020

عدد الصفحات: 296 صفحة باللغة العبرية.

أخبار ذات صلة