مقاصد الشريعة وتدبير الاختلاف 

أحكام الشريعه.jpg

دراسة في فِقه المقاصد عند الإمام الشاطبي (790 هـ)

محمد المنتار | رئيس مركز الدراسات القرآنية، الرابطة المحمدية للعلماء.

 

من مظاهر تجديد التفعيل العملي والتنزيلي لمقاصد الشريعة أن يحرص المكلف على فهمها في إطار سياقها الكوني وبُعدها الشمولي، الذي من مقتضياته التأطير العملي لعموم أحكام الشريعة الواقعة والمتوقعة، بمعنى رعاية الأهداف والغايات التي يرجع إليها مَن اختلطت عليه الأمور أو ضلت به الشعاب، خصوصاً عند غلبة العصبيات والتقليد، أو مَنْ تضاربت عنده الحلول أو زلّت به الفهوم، فإنه سيجد أعلام مقاصد الشريعة قائمة، ودلالتها واضحة، وفي مقدمة هذا الوضوح أثرها العملي والوظيفي في الإجابة على العديد من الأسئلة والإشكالات الراهنة.

ولا شك أن دراسة هذه المباحث ومحاولة إرجاع جزئياتها إلى كلياتها تكشف عن الدقة العالية التي امتاز بها الأصوليون في هذا الجانب، خصوصاً عند ارتباط هذه الأحكام مع مباحث مقاصد الشريعة، وسَبْرُ ذلك كله يعطي الباحث فهماً عميقاً للأحكام الشرعية، بل وللشريعة كلها.

وقد كان للإمام الشاطبي 5 فضل سبق عندما اعتنى بمقاصد الشريعة وجعلها محور اهتمامه في مختلف مؤلفاته سيما الموافقات والاعتصام، واستطاع ـ على عادته في ذلك ـ أن يبرز أهميتها في فهم الخطاب الشرعي، وفي تنزيل هذا الخطاب على واقع المكلفين، ما يستتبع ذلك من فِقه وعلم.

وكان اختيار مدخل أسرار التكليف ـ وهي في حقيقتها مقاصد الشريعة الكلية، للتوفيق بين فقهاء الأمة وعلمائها إذا اضطرب النظر واختلف ـ من مظاهر تجديد التفعيل العملي والتنزيلي لمقاصد الشريعة، الذي وفق صاحب الموافقات والاعتصام في تفتيق مسائلها واستخراج دررها.

أولاً ــ مقاصد الشريعة وتدبير الاختلاف 

ظهر في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر ـ في المجالين الفقهي والفلسفي ـ اهتمام متزايد بعلم المقاصد الشرعية، والبحث لها عن مكان في النسق الفقهي العام أصولاً وفروعاً، وأصبح يحتل منزلة مهمة في الفكر الشرعي والفكر الإنساني.

 وفي دوره الجديد اختلف هذا العلم في موقعه ووظيفته، فهناك من يعده أصول أصول الفِقه، يؤثر في ترتيب المصادر، ويحكم خطى الاستنباط، ويتدخل في منطقة تنـزيل الأحكام مقدمات ونتائج، وهناك من يراه علم الأخلاق الإسلامية، ويكاد يرادف قيم الشريعة، وهو علم للمنهج عند الآخرين يضبط العقل الإسلامي في النظرية والتطبيق. وهذه الاجتهادات كلها محمودة باعتبارها صحوة عقلية تحارب الجمود، ونهضة جد فاعلة تتغيى حضور الإسلام في كل المساحات.

أضف إلى ذلك أن هذا المبحث قد انبثقت عنه إشكالية في غاية الأهمية، وعلى درجة لا يستهان بها، تعدُّ من المرتكزات الأساسية للقول بالمقاصد الكلية بعد أن ظهر أن علم أصول الفِقه لم يحقق الغرض منه، وهو «الخروج من الخلاف»، وهي الإشكالية المتعلقة بطبيعة المقاصد المستنبطة من حيث كونها قطعية أو ظنية.

وقد اختار الإمام الشاطبي المالكي (790هـ) علم أصول الفِقه، وجعله محلاً لتحقيق طموحه الأول وهو التجديد، وتقديم أدوات منهجية فعالة تساعد على التقريب بين مدارك الفقهاء وتجميع منطلقاتهم النظرية في أطر كلية ضابطة، ومتوافق عليها بعيداً عن المقتضيات الجزئية للمذاهب الفقهية. وليس بغريب أن يكون على وعي بقيمة ما أبدعه، فهو يقول في شأن كتاب الموافقات: «لا جرم أنه قرب عليك في المسير، وأعلمك كيف ترقى في علوم الشريعة وإلى أين تسير، ووقف بك من الطريق السابلة على الظهر، وخطب لك عرائس الحكمة ثم وهب لك المهر»(1).

والواضح من صنيع الشاطبي في موافقاته أنه لم يقصد إلى وضع كتاب تقليدي يستوفي مباحث الأصول على صورتها، وإلا فقد أعرض عن مباحث هي من صميم ما تداوله كتب أصول الفِقه؛ ولكن كان اختياره مقصوداً، يتمثل: أولاً في استجلاء أسرار الشريعة؛ أو كما اصطلح عليه «أسرار التكليف»، وثانياً العمل على تقليل الاختلاف الفقهي؛ أو كما سماه: «التوفيق بين مذهبي ابن القاسم وأبي حنيفة»(2)

وقد بيّن ذلك في مقدمة الموافقات فقال: «ولأجل ما أودع فيه ـ أي: الموافقات ـ من الأسرار التكليفية المتعلقة بهذه الشريعة الحنيفية، سميته بعنوان: (التعريف بأسرار التكليف)، ثم انتقلت عن هذه السيماء لسند غريب يقضي العجب منه الفطن الأريب، وحاصله أني لقيت يوماً بعض الشيوخ الذين أحللتهم مني محل الإفادة، وجعلت مجالسهم العلمية محطاً للرحل ومناخاً للوفادة، وقد شرعت في ترتيب الكتاب وتصنيفه، ونابذت الشواغل دون تهذيبه وتأليفه. فقال لي: رأيتك البارحة في النوم، وفي يدك كتاب ألّفته، فسألتك عنه، فأخبرتني أنه: «كتاب الموافقات» قال: فكنت أسألك عن هذه التسمية الظريفة، فتخبرني أنك وفقت به بين مذهبي ابن القاسم وأبي حنيفة»(3)

وهو المعنى الذي ختم به موافقاته عندما قال: «على أن في أثناء الكتاب رموزاً مشيرة، وأشعة توضح من شمسها المنيرة، فمن تهدى إليها رجا بحول الله الوصول، ومن لا فلا عليه إذا اقتصر التحصيل على المحصول، ففيه إن شاء الله مع تحقيق علم الأصول علم يذهب به مذاهب السلف، ويقفُه على الواضحة إذا اضطرب النظر واختلف»(4)

 اختار الشاطبي إذن مدخل أسرار التكليف ـ وهي في حقيقتها مقاصد الشريعة الكلية ـ للتوفيق بين فقهاء الأمة وعلمائها إذا اضطرب النظر واختلف، وهو ما يفهم من قوله: « ليكون ـ أيها الخل الصفي، والصديق الوفي ـ هذا الكتاب عوناً لك في سلوك الطريق، وشارحاً لمعاني الوفاق والتوفيق، لا ليكون عمدتك في كل تحقق وتحقيق، ومرجعك فيما يعنّ لك من تصور وتصديق؛ إذ قد صار علماً من جملة العلوم، ورسماً كسائر الرسوم، ومورداً لاختلاف العقول وتعارض الفهوم، لا جرم أنه قرب عليك في المسير، وأعلمك كيف ترقى في علوم الشريعة وإلى أين تسير، ووقف بك من الطريق السابلة على الظهر، وخطب لك عرائس الحكمة ثم وهب لك المهر»(5)

وهو يقول بصريح العبارة: إن الغاية من تأليف كتابه «التوفيق بين الأشباه والنظائر شارحاً لمعاني الوفاق والتوفيق»؛ بمعنى أن فيه قواعد يُزال بها التعارض، وقواعد يمكن أن تُلحق الشبيه بالشبيه، والنظير بالنظير، لمن أراد إصابة الحق والعمل به، ولهذا يوصي المتصدر لهذا الفعل الجلل بالابتعاد عن كل أشكال التعصب المقيت، بقوله: «والبس التقوى شعاراً، والاتصاف بالإنصاف دثاراً، واجعل طلب الحق لك نِحْلة، والاعتراف به لأهله ملة، لا تملك قلبك عوارض الأغراض، ولا تغر جوهرة قصدك طوارق الإعراض، وقِفْ وقفة المتخيرين لا وقفة المتحيرين، إلا إذا اشتبهت المطالب، ولم يلُحْ وجهُ المطلوب للطالب فلا عليك من الإحجام، وإن لج الخصوم، فالواقع في حمى المشتبهات هو المخصوم، والواقف دونها هو الراسخ المعصوم، وإنما العار والشنار على من اقتحم المناهي فأوردته النار، لا ترد مشرع العصبية، ولا تأنف إذا لاح وجه القضية»(6). وسواء قلنا: إن الشاطبي أراد أن يقدم حلاً شاملاً لإخراج علم أصول الفِقه من حالة الانسداد المعرفي الذي وقع فيه في غفلة عن المقاصد الشرعية.

 أو قلنا: إنه أراد أن يُحدث نقلة نوعية في المباحث الأصولية، وإجراء مراجعة نقدية جذرية تنتقل بأصول الفِقه من مرحلة استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع، إلى مرحلة استنباط المعاني من الأحكام، وهي مسألة معرف تتجاوز بيئتها التاريخية والاجتماعية للتحول إلى مسألة معرفية بالأساس(7). 

أو قلنا غير ذلك، فإن الرجل قد فعلها إذن، وعزم وتوكل على خالقه، فخطب عرائس الحكمة، ووهب المهر نيابة عن علماء الأمة، مقصده من ذلك تدبير اختلاف العقول، ودفع تعارض الفهوم باستعمال البُعد الوظيفي لمقاصد الشريعة.

وكأني به 5 يلقي بالعهدة على علماء الشرع لعقد القران تحت مسمى تدبير الاختلاف الواقع بين فقهاء الأمصار، بشرط ألّا «يسمح لأحد أن ينظر في هذا الكتاب ـ يعني: الموافقات ـ نَظَرَ مفيدٍ أو مستفيد حتى يكون ريّانَ من علم الشريعة، أصولها وفروعها، منقولها ومعقولها، غير مخْلدٍ إلى التقليد والتعصب للمذهب؛ فإنه إن كان هكذا خيف عليه أن ينقلب عليه ما أودع فيه فتنة بالعَرَض، وإن كان حكمة بالذات»(8).

ثانياً ــ تدبير الاختلاف الفقهي وإشكالية قطعية أصول الفِقه 

في سبيل تحقيق هذا الهدف الأسمى ـ أعني تدبير الاختلاف الفقهي بين نظار المجتهدين وفقهاء المسلمين ـ كانت المقدمة التي افتتح بها الشاطبي موافقاته هي: «إن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية، والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي»(9)

 وهو بهذا يريد بناء الأصول على القطع، وتخليصها من الظنون وما دخلها مما هو عارية، قائلاً: «إن أدهى ما يلقاه السالك للطريق فقْدُ الدليل»(10)، والدليل هو ما يفضي إلى القطع ويرفع الخلاف.

وهو المعنى عينه الذي انتهى إليه شيخ المقاصديين في العصر الحديث الشيخ ابن عاشور؛ إذ يقول في سبب تأليف كتابه: «دعاني إلى صرف الهمة إليه ما رأيت من عسر الاحتجاج بين المختلفين في مسائل الشريعة؛ إذ كانوا لا ينتهون في حجاجهم إلى أدلة ضرورية أو قريبة منها يذعن إليها المكابر ويهتدي بها المشبه عليه، كما ينتهي أهل العلوم العقلية في حجاجهم المنطقي والفلسفي إلى الأدلة الضروريات والمشاهدات والأصول الموضوعة فينقطع بين الجميع الحجاج، ويرتفع من أهل الجدل ما هم فيه من لجاج، ورأيت علماء الشريعة بذلك أولى، وللآخرة خير من الأولى»(11).

وبعد عرضه لطرق الكشف عن مقاصد الشريعة المعلومة لدى السلف، وعند من لحق بهم من المجتهدين والأئمة الفقهاء دعا الشيخ ابن عاشور 5 إلى تجديد علم الأصول بالإبقاء على المسائل المهمة التعليمية المتصلة به اتصالاً أصلياً، وتفريغه مما يشوبه من مسائل العلوم ـ وهي الدعوة نفسها التي بسطها الإمام الشاطبي في المقدمة الرابعة من مقدماته المنهجية لكتاب الموافقات ـ ثم إلى تعويضه بعلم المقاصد الشرعية الذي هو أوسع منه؛ لما فيه من المقاصد القطعية والقريبة منها والظنية.

وإذا كان همّ تأسيس قواعد الاستدلال الفقهي على القطع مشتركاً بين زمرة من علماء الأصول حاولوا إنجازه في سياق نظراتهم التجديدية في علم أصول الفِقه ـ مثل كالجويني، والعز بن عبد السلام، والقرافي، والشاطبي، وابن عاشور(12) ـ فإن هذا الهم نفسه كان محور الاهتمام في المقاصد، وصولاً إلى استقلالها عن الأصول مع ابن عاشور ومن منطلق البحث عن اليقين وتضييق الخلاف(13).

فما هي حدود الوفاق والاختلاف بين الشاطبي وابن عاشور في سؤال القطعية والظنية في أصول الفقه؟ ثم ما آثار ذلك على الاختلاف الفقهي؟ ثم ما آثار كل ذلك على تدبير الاختلاف الفقهي بين العلماء.

اعتمد الإمام الشاطبي سؤال القطع والظن مدخلاً للقول بالمقاصد الكلية التي تعد السبيل الأوحد للخروج من الخلاف، والتقليل منه بين فقهاء المسلمين. وليتخذ علم أصول الفِقه مجالاً خصباً لمشروعه الاجتهادي، وليقطع دابر الظنيات المهيمنة على القواعد الأصولية لم يتوان منذ الصفحات الأولى من موافقاته عن تقرير قطعية أصول الفِقه؛ حيث قال: «إن أصول الفِقه في الدين قطعية لا ظنية»(14)، فأعلن بذلك عن تطهير علم الأصول من الظنيات وإقامته على القطعيات.

والظاهر أن أبا إسحاق كان يرمي إلى إعادة تأسيس قواعد قطعية جديرة بأن ترفع الاختلاف العميق بين المسلمين في زمن استفحل فيه التقليد، وساد الجهل بالمعاني الحقيقية للشريعة، وتضمن تدبير شؤون الأمة بحفظ كيانها وتحقق مصالحها الحيوية دون حرج أو افتئات؛ إذ المقاصد الكلية تدع للفقيه والقاضي مجالاً فسيحاً للاجتهاد وتقدير الأحكام بحسب ما تقتضيه الظروف والأحوال، وتكفل للشريعة مرونتها وصلاحها لكل العصور(15).

وقد استشكل العديد من الباحثين قول الإمام الشاطبي بقطعية أصول الفقه، على رأسهم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور 5 وفضيلة الدكتور عبد المجيد النجار. فالشيخ ابن عاشور لم يَرْضَ قول الإمام الشاطبي بقطعية أصول الفِقه، وجاء رده بأسلوب خشن، دون تبيّن المفهوم بصورة دقيقة، من ذلك قوله: «حاول أبو إسحاق الشاطبي في المقدمة الأولى من كتابه «الموافقات» الاستدلال على كون أصول الفِقه قطعية فلم يأت بطائل»(16)

 ووصف استدلال الشاطبي على قطعية أصول الفِقه في موضع آخر من كتابه: (مقاصد الشريعة) بأنها قائمة على مقدمات خطابية وسفسطائية أكثرها مدخول ومخلوط غير منخول(17). وكان الدكتور عبد المجيد النجار امتداداً للشيخ ابن عاشور في هذه المسألة(18). 

ولعل سبب استشكال هؤلاء الفضلاء لرأي الإمام الشاطبي هو محاكمة الشاطبي بمباحث أصول الفقه كما هو عند الأصوليين، وكان الأولى أن يحاكم بمباحث أصول الفقه كما يراها هو، وكما هي عنده في مؤلفاته، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنما أتوا من اعتمادهم على نص وحيد في هذه المسألة، أو نصوص واردة في موطن واحد، خاصة ما جاء في المقدمة الأولى من الموافقات(19) 

وهذا خلل منهجي وقع فيه هؤلاء الأعلام الفضلاء، فالبيوت إنما تُدخل من أبوابها لا من غيرها، ولما كان أهم باب في الموافقات هو المنهج الاستقرائي؛ كان الأولى أن يُعتمد ويؤخذ في عين الاعتبار عند مناقشة فقيه الأندلس في أي مسألة من مسائل «عروسه ونتيجة عمره»، وكان الأجدر أن يطرح السؤال التالي: ما المراد عند الشاطبي بأصول الفقه؟ حتى يعلم حكمه (بالقطعية) علام ينصبّ؟ وإلى أي حد ينتهي؟ وبذلك ننصف الرجل فيما ذهب إليه، وسبيل ذلك هو الاستقراء، هذا المنهج الذي نبه صاحبنا إلى إغفاله من طرف كثير من المتقدمين، وهاهو ذا للأسف يهمل في هذه المسألة عند غير واحد من المعاصرين، يقول الشاطبي: «إن المتقدمين من الأصوليين ربما تركوا هذا المعنى والتنبيه عليه، فحصل إغفاله من بعض المتأخرين، فاستشكل الاستدلال بالآيات على حدتها، وبالأحاديث على انفرادها؛ إذ لم يأخذها مأخذ الاجتماع فكرس عليها بالاعتراض نصاً نصاً، واستضعف الاستدلال بها على قواعد الأصول المراد منها القطع»(20).

أما ابن عاشور فقد جاء تحديده لمسالك الكشف عن مقاصد الشريعة متماشياً مع طبيعة العمل الذي رامه في مؤلفه، فقد كان هدف الرجل الوصول في مقاصد الشريعة إلى تأسيس ما هو كلي عام، ليكون كفيلاً عندما يتحاكم إليه الفقهاء والأصوليون، بأن يقطع جدلهم ويخفف خلافهم أو يقطعه؛ ففكرة الحد من التشتت الفقهي كانت مسيطرة عليه، وما وضع كتابه إلا لهذا الغرض؛ قال 5 : «هذا كتاب قصدت منه إلى إملاء مباحث جليلة في مقاصد الشريعة الإسلامية والتمثيل لها والاحتجاج لإثباتها؛ لتكون نبراساً للمتفقهين في الدين، ومرجعاً بينهم عند اختلاف الأنظار، وتبدل الأعصار، وتوسلاً إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار، ودربة لأتباعهم على الإنصاف في ترجيح بعض الأقوال على بعض، عند تطاير شرر الخلاف حتى يستتب بذلك ما أردناه غير ما مرة من نبذ التعصب والفئة إلى الحق»(21)

كان همّ ابن عاشور إذن وضع أدلّة ضرورية أو قريبة من الضروريّة ينتهي إليها الفقهاء في حجاجهم وعند اختلافهم، كما ينتهي أهل العلوم العقليّة في حجاجهم المنطقي والفلسفي إلى الأدلّة الضروريّة والمشاهدات والأصول الموضوعة فينقطع الحجاج(22) لذلك جاءت دعوته هذه كمحاولة منهجية لاستكشاف مجموعة من الأصول الكلية المقاصدية القطعية، التي من شأنها توحيد المسالك الاجتهادية للخروج من الخلافات الفقهية والأزمة الفكرية التي يعاني منها الفكر الأصولي.

هكذا يتحوّل علم المقاصد الذي يبحث في فلسفة التشريع وغاياته البعيدة مرجعاً بين العلماء عند اختلاف الأنظار وتبدّل الأمصار، ودربة على الإنصاف عند تطاير شرر الاختلاف.

ولئن كان الاتّجاه المقاصديّ جاء ردّاً على استحواذ النظرة النصيّة والمذهبيّة الضيّقة على العقل الفقهي التقليدي الذي غدا فيه الفقه استرجاعاً للمعارف الفقهية القديمة، استحالت من خلاله أقوال الرجال ـ بغثّها وسمينها ـ نصوصاً عَلَتْ عند بعضهم على النصوص المؤسسة (القرآن والسُّنَّة الصحيحة)، وجعلت الكرخي الحنفي يقول: «الأصل أن كلّ آية تخالف قول أصحابنا فإنّها محمولة على النسخ أو على الترجيح، والأولى أن تحمل على التأويل من جهة التوفيق»(23)

فإن من أساسيات المنزع المقاصدي «أن يكون الرائد الأعظم للفقيه هو الإنصاف ونبذ التعصّب لبادئ الرأي أو لسابق اجتهاد أو لقول إمام أو أستاذ، فلا يكون حال الفقيه في هذا العلم المقاصد كحال صاحب ابن عرفة (عيسى الغبريني) الذي قال في حقّ ابن عرفة: ما خالفته في حياته فلا أخالفه بعد مماته، بحيث إذا انتظم الدّليل على إثبات مقصد شرعي وجب على المتجادلين فيه أن يستقبلوا قبلة الإنصاف وينبذوا الاحتمالات الضّعاف»(24)

انطلاقاً من هذه الرؤية التي تسعى إلى ضرورة الاستدعاء الواسع للمقاصد في مجال تدبير الاختلاف وتقليله، وبالنظر إلى كل متعلقات ذلك جاءت محاولة كل من الشاطبي وابن عاشور من أجل التقريب بين المسالك الاستنباطية الاجتهادية؛ للخروج من الخلافات الفقهية أو التقليل من حِدتها، ونبذ التعصب؛ لأن علم أصول الفِقه في نظرهما لم يحقق هذا الهدف.

والقدر الذي نرومه هنا هو أن كلاً من الشاطبي وابن عاشور انشغل بالبحث عن اليقين، بغضّ النظر عن تفاصيل مقولاتهم، وهما يسلِّمان بأن أصول الفِقه يجب أن تكون قطعية، وسؤال القطع واليقين كان مدخل القول بالمقاصد الكلية بعد أن ظهر أن علم أصول الفِقه لم يحقق الغرض منه وهو: «الخروج من الخلاف»، وهنا يأتي البحث عن اليقين للتخفيف من كثرة الظنيات والاختلافات، وقد بدا هذا واضحاً في مقدمات الشاطبي وابن عاشور القائل: «هذا كتاب قصدتُ منه... توسلاً إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار»(25)

ولعله لا يخفي ما يكتسبه مبحث استمداد من أهمية بالغة الخطورة، في هذا الجانب؛ وذلك لأن ما تقرر في صلبه من مبادئ وأصول هو بمثابة الأساس الذي ينبني عليه صرح نظرية المقاصد برمتها، وتستند إليه مشروعية منحى اجتهادي بكامله أيضاً، وهو ما يسمى «الاجتهاد المقاصدي»(26)، الذي يمثل أحد الأبعاد الوظيفية لعلم المقاصد.

فمن المقدمات الممهدات المساعدة على ولوج علم المقاصد، وتحصيل كلياته وفهم جزئياته عند علماء المقاصد ـ قدماءَ ومحْدَثين ـ العلم بالمسالك التي منها تستمد مقاصد الشريعة، وكذا معرفة مراتبها وشروط اعتبارها، سواء في أصولها العامة، أو في تفاصيلها الجزئية، فإذا لم تكن مقاصد الشريعة منصوصاً عليها على وجه القطع والتفصيل، فإن الحاجة تدعو إلى أن يعلم الدارس لعلم المقاصد ـ كمقدمة من مقدمات الدرس ـ المسالك العامة التي تعرف بالمقاصد؛ ليكون على بينة وهو يلج إلى تفاصيلها طُرُق الدخول إليها، فأبواب الدخول في البيوت مقدمة لمعرفة محتوياتها من الغرف وما فيها. وهو ما سعى هذا البحث إلى بيان جانب منه في ارتباط وثيق بالمبدأ: (تدبير الاختلاف والتقليل منه). 

يتبيّن إذن مما سبق ما للمقاصد الشرعية من أهمية في تدبير الاختلاف وتأطيره والتقليل منه؛ إذ هو أحد أهمّ الاعتبارات الموجّهة للأحكام الشرعية بتنـزيلها أو بالعدول عن التنـزيل تأجيلاً أو استثناء أو استبدالاً بحكم آخر يتحقق مقصده، وقد أشار الإمام الشاطبي إلى هذه الأهمية التطبيقية للمقاصد بقوله: «هو مجال للمجتهد صعب المورد إلّا أنّه عذب المذاق محمود الغبّ جارٍ على مقاصد الشريعة»(27)، وقال في بيانه وبيان خطورته: «إنّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلّفين بالإقدام أو بالإحجام إلّا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، [فقد يكون ذلك الفعل] مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قُصد فيه... فإذا أُطلق القول في الأوّل بالمشروعية فربّما أدّى استجلاب المصلحة إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية»(28)

ثالثاً ــ من تجليات فِقه المقاصد عند الشاطبي

تبيّن مما سبق أن هذا النظر الاجتهادي للتحقيق في مآلات المقاصد إلى التحقّق الفعلي أو عدمه هو نظر دقيق، والقواعد الضابطة فيه عزيزة في دراسات الأصوليين والمقاصديين؛ ولذلك وصفه الشاطبي بأنّه صعب المورد. ولعلّنا عند البحث والتقصّي لا نجد من المقاصديين القدامى من انتبه إلى أهمية هذا الملحظ مثل ما انتبه الإمام الشاطبي، فقد تعرض له بالبيان في مواضع متعددة من مؤلفاته حتى انتظمت من ذلك صورة جلية للأهمية التنزيلية التطبيقية للمقاصد، قد يحسن عرضها قبل عرض نظرية الإمام ابن عاشور؛ إذ يعدّ ما جاء به تطوراً لما أورده الشاطبي في هذا المجال.

وقد كان الشاطبي يولي اهتماماً كبيراً بهذه القضية، فهو في شرحه لمقاصد الشريعة كثير الالتفات إلى أيلولتها الواقعية حينما تتنـزل الأحكام على آحاد الأفعال والوقائع، كثير التنبيه إلى أن تلك الآحاد من الأفعال والوقائع ينبغي أن يتم إجراء الأحكام عليها بالكيفية التي تتحقق بها المقاصد. وفي خلال مؤلفاته ـ وخاصة الموافقات ـ تعرّض في مواطن عديدة إلى طرق وأساليب يقع بها التحقيق في حصول المقاصد من تطبيق الأحكام لينتهي ذلك التحقيق إلى ضبط الكيفية في التطبيق. وبالجمع بين تلك الطرق والأساليب يمكن أن نبني أصلاً من أصول الشاطبي في منهج التطبيق.

وعناصر هذا الأصل التطبيقي تنضبط بالإجابة على السؤال التالي: كيف يمكن التحقّق من أن مقصد الحكم يتحقق عند إجرائه على الأفعال فيقع إجراؤه، أو لا يتحقق فلا يقع ويصرف عنه إلى حكم آخر؟ وفي الجواب على هذا السؤال نظفر عند الشاطبي بشروح وإشارات عديدة، إذا جمعناها وركّبناها تبيّن لنا منهج متكامل في استخدام المقاصد استخداماً تطبيقياً يُبتغى به ترشيد النظر الفقهي؛ لتكون الأحكام مثمرة لمقاصدها في الواقع عند تنزيلها عليه، فيكون المقصد إذن موجهاً لبناء الحكم الشرعي في مختلف صور بنائه(29).

وينبني هذا المنهج على الموازنة بين الكلّي من المقاصد وبين الجزئي منها في نسبتها من بعضها وقوعاً وتخلّفاً، وهو يقصد بالكلّي المقصد: الجنس، ويقصد بالجزئي ما يندرج تحته من الأنواع، وكثيراً ما تساءل في المقصد الكلي إذا تحقق من إجراء الحكم العام على أنواع جنسه، هل يتحقق في كل تلك الأنواع، أم قد يتخلف في بعض منها؟ وكيف يمكن معرفة ذلك لصرف ما لا يتحقق فيه المقصد عن تطبيق الحكم عليه؟(30)

ويقول في الجواب على ذلك: «جاء الشارع باعتبار المصلحة والنصفة المطلقة في كل حين، وبيّن من المصالح ما يطّرد وما يعارضه وجه آخر من المصلحة، كما في استثناء العرايا ونحوه، فلو أعرض عن الجزئيات بإطلاق لدخلت مفاسد، ولفاتت مصالح، وهو مناقض لمقصود الشارع... فالحاصل أنه لابد من اعتبار خصوص الجزئيات مع اعتبار كلّياتها، وبالعكس. وهو منتهى نظر المجتهدين بإطلاق، وإليه ينتهي طلَقُهم»(31)

إنه إذن منهج تطبيقي للمقاصد خرج به الشاطبي بالمقاصد من الجانب النظري إلى الجانب التطبيقي التنزيلي الذي يمثل الجانب الوظيفي لهذه الأداة، وجعل منه نظرية تكاد تكون متكاملة، من شأنها أن تقنع النظّار بوجاهتها، وأن تكون لهم عوناً حقيقياً على المضيّ العملي بمقتضاها في ممارسة الاجتهاد الفقهي. 

ولئن كانت مراعاة المقاصد ماثلة في فقه الأئمة(32)، فإن التباين ظهر مبكراً في اجتهادهم اتساعاً وضيقاً، لصوقاً بالنص وبُعداً منه.

ويصف الشاطبي هذه الاتجاهات المتعارضة في موقفها من التعامل مع النص، فيجعلها ثلاثة أصناف: 

أولها: الاتجاه الظاهري الذي لا يهتم بالمعاني؛ وإنما يقتصر على ظواهر النصوص، وهو يحصرون مظان العلم بمقاصد الشارع في الظواهر والنصوص، كمواقف أهل الظاهر من الأنواع الربوية في المطعومات والنقود، فيقتصرون على مورد النص ولا يجرون حكم العلة على المماثل، فلا زكاة في الذرة ولا في الأرز ولا ربوية في غير الأصناف المنصوصة.

والاتجاه الثاني: يرى أن مقصد الشارع ليس في الظواهر، ويطّرد هذا في جميع الشريعة، فلا يبقى في ظاهر متمسَّك، وهؤلاء هم الباطنة، ويلحق بهم من يغرق في طلب المعنى بحيث لو خالفتِ النصوص المعنى النظري كانت مطَّرحة.

والاتجاه الثالث: أن يقال باعتبار الأمرين جميعاً، على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص، ولا بالعكس؛ لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض، وهو الذي أَمَّهُ أكثر العلماء الراسخين، فعليه الاعتماد(33)

وهذا الاتجاه الثالث الوسطي مذهب علل الأحكام المعللة على أمثالها؛ «فشبيه الحلال حلالٌ، وشبيه الحرام حرام، وفرّقوا بين المعاملات والعبادات، فتوسعوا في اعتبار المقاصد في الأولى وضيقوا حدود المقاصد في الثانية، وإن كان قد نقل عن بعضهم التعليل في العبادات، كما أجاز الأحناف أخذ القيم في الزكاة والكفارات بدلاً من المنصوصة اعتباراً للمعنى والمقصد»(34)

ولئن اتخذ عبد الرحمٰن بن خلدون قراءة التاريخ وقوانين العمران مدخلاً منهجياً(35)؛ نظر بواسطته إلى حال الأمة المسلمة في عصره، وحاول أن يستشرف بذلك مصائر الحضارات والأمم، وقد أبدع وأقنع؛ فإن أبا إسحاق الشاطبي 5 اتخذ من سؤال المقاصد ـ كما اهتدى إليه، وكما حرره في موافقاته واعتصامه ـ مدخلاً علمياً وعملياً حاول من خلاله التوفيق والتقريب بين مذاهب أهل القبلة، وقد أشبع وأقنع هو كذلك.

ففي علاجه لمسألة الخلاف الواقع بين حملة الشريعة في الآراء والأحكام، أورد أسباباً ثمانية(36) مقتبسة من ابن السيد البَطَلْيَوسي (ت 521هـ)، منها: الاشتراك الواقع في الألفاظ، واحتمالها للتأويلات، ودوران اللفظ بين الحقيقة والمجاز، ودوران الدليل بين العموم والخصوص، واختلاف الرواية، ودعوى النسخ وعدمه.

ويؤكد أيضاً أن «نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها خطأ، كما أن نقل الوفاق في موضع الخلاف لا يصح»(37)، ولهذا يورد أسباباً عشرة، يجعلها من الأسباب التي أوهمت بالاختلاف، وهي ليست من مسبباته، هي: 

أن يذكر في التفسير عن النبي ژ أشياء متعددة، أو عن أحد من أصحابه، أو غيرهم، ويكون ذلك المنقول بعض ما يشمله اللفظ، ثم يذكر غير ذلك القائل أشياء أخر مما يشمله اللفظ، فينصهما المفسرون على نصهما على أنه خلاف؛ ومن ذلك ما ذكر في شرح كلمة «المن» من معانٍ، وجميعها تتفق على أنها نعمة من الله.

أن يذكر في النقل أشياء تتفق في المعنى، بحيث ترجع إلى معنى واحد، فيكون التفسير فيها على قول واحد، ويوهم نقلها على اختلاف اللفظ أنه خلاف محقق، مثلما قيل في «السلوى»، وتتلقى جميعها على أنها طائر، سواء اختلف شكله، أم حجمه، أم لونه.

أن يذكر أحد الأقوال على تفسير اللغة، ويذكر الآخر على التفسير المعنوي، وفرق بين تقرير الإعراب وتفسير المعنى، وهما معاً يرجعان إلى حكم واحد؛ لأن النظر اللغوي راجع إلى تقرير أصل الوضع، والآخر راجع إلى تقرير المعنى في الاستعمال، مثلما قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد 31]، فقيل: داهية تفجؤهم، وقيل: سارية من سرايا رسول الله ژ ، وهما يتفقان في الفاجعة.

ألا يتوارد الخلاف على محل واحد، كاختلافهم في أن المفهوم له عموم أو لا؟

يختص بخبر الآحاد في خاصة أنفسهم، كاختلاف الأقوال بالنسبة لإمام الواحد، بناء على تغير الاجتهاد والرجوع عما أفتى به إلى خلافه، فمثل هذا لا يصح أن يعتد به خلافاً في المسألة؛ لأن رجوع الإمام عن القول الأول إلى القول الثاني اطراح منه للأول ونسخ له بالثاني. وفي هذا من بعض المتأخرين تنازع، والحق فيه ما ذكر أولاً. ولا ينبغي أن يذكر مثل هذا في مسائل الخلاف.

أن يقع الاختلاف في العمل لا في الحكم، كاختلاف القراء في وجوه القراءات، فإنما وقع الخلاف بينهم في الاختيارات، وليس في الحقيقة باختلاف، فإن المرويات على الصحة منها لا يختلفون فيها.

أن يقع تفسير الآية أو الحديث من المفسر الواحد على أوجه من الاحتمالات، ويبني على كل احتمال ما يليق به من غير أن يذكر خلافاً في الترجيح، بل على توسيع المعاني خاصة، فهذا ليس بمستقر خلافاً.

أن يقع الخلاف في تنزيل المعنى الواحد، فيحمله قوم على المجاز مثلاً، وقوم على الحقيقة، والمطلوب أمر واحد، كما يقع لأرباب التفسير كثيراً.

أن يقع الخلاف في التأويل، وصرف الظاهر عن مقتضاه إلى ما دل عليه الدليل الخارجي، فإن مقصود كل متأول الصرف عن ظاهر اللفظ إلى وجه يتلاقى مع الدليل الموجب للتأويل، وجميع التأويلات في ذلك سواء، فلا خلاف في المعنى المراد، وكثيراً ما يقع هذا في الظواهر الموهمة للتشبيه.

الخلاف في مجرد التعبير عن المعنى المقصود، وهو متحد، كما اختلفوا في الخبر هل هو منقسم إلى صدق وكذب خاصة، أم ثَم قسم ثالث ليس بصدق ولا كذب؟ فهذا خلاف في العبارة، والمعنى متفق عليه.

تلك عشرة أسباب كاملة يرى الشاطبي أنها من موجبات عدم الاعتداد بالخلاف، ثم أوجب: «أن تكون على بال من المجتهد؛ ليقيس عليها ما سواها، فلا يتساهل فيؤدي ذلك إلى مخالفة الإجماع»(38)

وبناءً عليه يظهر أن معرفة أسباب الاختلاف، وما يعتد به منها، وما لا يعتد به: مما يساعد الدارس على تبين أدلة كل فريق، والوقوف على الحق منها، ولعل شدة الوعي بهذا وما في معناه هو الذي «جعل الشاطبي حريصاً منذ البداية على أن يقدم الموافقات مشروعاً إنقاذياً للتوفيق بعد الاختلاف، وللتوحيد بعد التشتت، وعملاً يبغي به درجة القطع، ويستبدل الظن باليقين»(39).

وبيان ذلك «أن الشريعة راجعة إلى قول واحد.. والاختلاف في مسائلها راجع إلى دورانها بين طرفين واضحين...يتعارضان في أنظار المجتهدين، وإلى خفاء بعض الأدلة وعدم الاطلاع عليه. أما هذا الثاني فليس في الحقيقة خلافاً؛ إذ لو فرضنا اطلاع المجتهد على ما خفي عليه لرجع عن قوله»(40)؛ كما وقع مع الإمام مالك وغيره من المجتهدين؛ فكل مجتهد منهم لقي مجتهداً آخر واطلع على أدلة لم تكن عنده رجع عن رأيه، وفي قصة الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة مع الإمام مالك في المد والصاع خير مثال؛ حيث رجع أبو يوسف لما لاح له وجه الصواب. 

ومن هنا يرشدنا الشاطبي إلى ضرورة «الموالاة والتحاب والتعاطف بين المختلفين في مسائل الاجتهاد، حتى لا يصيروا شيعاً ولا يتفرقوا فرقاً؛ لأنهم مجتمعون على طلب قصد الشارع»(41)، ويعلل اختياره بأنهم «متفقون في أصل التوجه لله المعبود وإن اختلفوا في أصناف التوجه»(42).

ولما كان قصد المجتهدين إصابة مقصد الشارع؛ صارت كلمتهم واحدة وقولهم واحداً، ولأجل ذلك «لا يصح لهم ولا لمن قلدهم التعبد بالأقوال المختلفة...؛ لأن التعبد بها راجع إلى اتباع الهوى، لا إلى تحري مقصد الشارع، والأقوال ليست مقصودة لأنفسها؛ بل ليتعرف منها المقصد المتحد، فلا بد أن يكون التعبد متحد الوجهة وإلا لم يصح»(43)

إن استحضار أصالة التعبد من طرف الشاطبي فيما اتسمت به أحكام الشريعة الإسلامية، ومراعاته في عملية ضبط التوجه المقاصدي يعد التفاتة نبيه، وإشارة لبيب إلى محورية هذا المدخل الرباني في التقليل من الاختلاف بين المتصدرين للاجتهاد داخل المذهب الواحد، أو داخل الإطار المذهبي للفكر الإسلامي على مر التاريخ.

وفي هذا السياق وتحت هذا المفهوم الرباني يجب بناء العقل المقاصدي الجماعي الذي يشترك فيه كل مسلم قادر على العطاء؛ ليكون مناسباً لوضع الشريعة، وبذلك تتفتح العقول،وتذوب الخلافات، وتتقارب وجهات النظر، وتندحر البدع والأخطاء، وتصحو الأمة من سباتها العميق، ويتقهقر التقليد الأعمى، ونتعامل مع المتغيرات والمستحدثات بأساليب جديدة قائمة على التفكير والاستنتاج والبرهان،وتحقيق المقاصد والغايات السامية؛ حتى نستنبط الأحكام المناسبة لكل جديد لحل مشكلات هذا المجتمع المعاصر وقضاياه.

.........

المراجع والمصادر

 

(1)الشاطبي، الموافقات 1/17.

 

(2) ذكر الشاطبي الإمام أبا حنيفة وذكر معه ابن القاسم وهو من تلامذة الإمام مالك بن أنس، مما يفهم منه أن أبا إسحاق كان يعلم علم اليقين أن أهل الأندلس لا يرضون بأي مذهب غير مذهب مالك، فخشية للفتنة على نفسه تجنب أن يسوي بين مالك وغيره حتى ولو كان أبا حنيفة.

 

(3) الشاطبي، الموافقات 1/16 - 17.

 

(4) المصدر السابق 4/251.

 

(5) المصدر السابق 1/17.

 

(6) الشاطبي، الموافقات 1/17.

 

(7)ـ محمد بن نصر، المقاصد الشرعية بين حيوية الفكرة ومحدودية المفهوم والمنهج، مجلة إسلامية المعرفة، العدد 49، صيف 2007، ص 56.

 

(8) الشاطبي، الموافقات 1/61.

 

(9) الشاطبي، الموافقات 1/19.

 

(10) المصدر السابق 1/15.

 

(11) محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 3.

 

(12) إسماعيل الحسني، نظرية المقاصد عند ابن عاشور، ص 102 بتصرف.

 

(13) معتز الخطيب، الوظيفية والمقاصدية: مشروعيتها وغاياتها، إسلامية المعرفة، العدد 48، ربيع 2007، ص 23.

 

(14) الشاطبي، الموافقات 1/19.

 

(15) حول مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 118.

 

(16) محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 7

 

(17) محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 41.

 

(18) عبد المجيد النجار، فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب، ص 147 - 148.

 

(19) قدّم الدكتور فريد الأنصاري 5 مناقشة فريدة لآراء ابن عاشور وعبد المجيد النجار وغيرهما في مسألة قطعية أصول الفِقه، ومما قاله 5 : «ولقد ظلم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور أبا إسحاق ظلماً رحمهما الله معاً؛ وذلك لأنه لم يرض قوله بقطعية أصول الفِقه دون تبين المفهوم بصورة دقيقة، أو نقض أدلته بمنهج علمي، ولكن أجمل رده كله بأسلوب خشن هو أقرب إلى الشتم والسباب منه إلى النقد العلمي، ولقد تكرر منه ذلك في أكثر من موطن من كتابه (مقاصد الشريعة) مما يوحي بأن الرجل كان متحاملاً على أبي إسحاق...» انظر: المصطلح الأصولي عند الشاطبي، د. فريد الأنصاري، ص 241 - 243.. وانظر: قراءة في المصطلح الأصولي نموذج مصطلح أصول الفِقه، للأستاذ محمد أبو غانم في الجزء 2 من ندوة الدراسة المصطلحية والعلوم الإسلامية، ص 457 - 463.

 

(20) الشاطبي، الموافقات: 1/25.

 

(21) محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 3.

 

(22) عبد المجيد التركي، مناظرات في أصول الشريعة الإسلامية بين ابن حزم والباجي، ص 512.

 

(23) أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، 4/216.

 

(24) مصطفى الخن، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، ص 9.

 

(25) محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 165. وانظر: معتز الخطيب، الوظيفة المقاصدية: مشروعيتها وغاياتها، ص 23.

 

(26) محمد، مطاع الله، أصول الفِقه عند المحدثين، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، ماي 2000. ص 340. وهنا ينبغي التنبيه إلى أن الذين كتبوا في موضوع المقاصد والاجتهاد المقاصدي في العصر الحديث غلب على ما كتبوه الطرح التاريخي، بمعنى أن ما كتبوه يندرج تحت باب بيان تاريخ التشريع؛ فهم يقررون أن الأئمة والعلماء والفقهاء اعتمدوا منهجية المقاصد، وأن كل ما قالوه من فتاوى يعتمد المقاصد. ولكنهم بعد الجولات التاريخية الطويلة مع الأئمة الأعلام وقصتهم مع المقاصد والمعاني تجدهم يتحرجون من أن يأتوا بمثال جديد، ويغلب عليهم سوء الظن والتخوف الشديد أن يكون المعنى العملي لمنهجية المقاصد هو تغطية للآراء الفردية والذاتية أو دواعي الهوى والشهوة التي لا تنضبط بالشرع، وتجد هذا التخوف مبثوثاً إلى درجة كبيرة بحيث تتردد كلمة ضوابط مرات كثيرة في الصفحة الواحدة.

 

(27) الشاطبي، الموافقات 4/141.

 

(28) المصدر السابق 4/141.

 

(29) عبد المجيد النجار، المنحى التطبيقي في مقاصد ابن عاشور، ضمن أعمال الجلسة الثانية من جلسات المؤتمر الدولي «الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور وقضايا الإصلاح والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر: رؤية معرفية ومنهجية». 2 - 3 ماي 2009، ص 7.

 

(30) المرجع السابق، ص 8.

 

(31) الشاطبي، الموافقات 3/12 - 13.

 

(32) خصوصاً الإمام مالك بن أنس الأصبحي، الذي ادّعى أبو بكر بن العربي أنه انفرد بالأخذ بالمقاصد، حيث قال 5 : «وأما المقاصد فهي أيضاً مما انفرد به مالك دون سائر العلماء» القبس 2/786، تحقيق محمد عبد الله ولد كريم، دار الغرب الإسلامي، نقلاً عن مشاهد من المقاصد، ص 35. وقال أيضاً عن مالك تعجباً يحمل إعجاباً: «ما كان أغوصَه على المقاصد، وما كان أعرفَه بالمصالح» القبس 3/1098.

 

(33) الموافقات 

 

(34) مشاهد من المقاصد، ص 38.

 

(35) حدد ابن خلدون في مقدمة تاريخه شروط وحدة المسلمين ونهضتهم تحديداً سلبياً من خلال قراءة التاريخ ومحاولة صياغة قوانينه العلمية استقراء للتجربة الإسلامية. ثم عاد وحددها تحديداً إيجابياً من خلال نسق من النظريات العلمية يعضدها التعريف القرآني لسنن التاريخ والحضارة. لذلك فلا يكاد فصل من فصول المقدمة يخلو من الإرشاد إلى التوازي بين ما يسميه بقوانين العمران بحسب سنن الوجود وقوانينه بحسب سنن الشرع في كل ما له صلة بمصائر الحضارات والأمم. انظر عبد الرحمٰن بن خلدون، المقدمة، الباب الثالث، الفصل 26، ص 374. وانظر: أبو يعرب المرزوقي، شروط وحدة المسلمين وشروط نهضتهم لاستئناف دورهم الكوني، ضمن كتاب الإسلام في عالم متغير، ص 134.

 

(36) الموافقات 4/153.

 

(37) المصدر السابق 4/155.

 

(38) الموافقات 4/159.

 

(39) الفكر الأصولي وإشكالية السلطة في الإيلام، ص 490.

 

(40) الموافقات 4/159 - 160.

 

(41) الموافقات 4/160.

 

(42) المصدر السابق 4/160.

 

(43) الموافقات 4/160 - 161.

أخبار ذات صلة