ألا يوجد دليل فلكي لحل مشكلة تحديد بداية شهر رمضان؟

 

وليد العبري

 

رغم كل التَّقدم الذي تمَّ إحرازه في علم الفلك، يتساءل الدكتور نضال قسوم في مقاله بمجلة "Nature middle east" بعنوان "قمر جديد في الأفق: دليل فلكي لحل مشكلة تحديد بداية شهر رمضان" والمنشور في العدد العاشر باللغة الإنجليزية: ألا يوجد حل بسيط وعملي للقصة الطويلة التي تتكرر سنوياً حول "متى نبدأ شهر رمضان"؟ بما أن الأشهر الإسلامية تتبع التقويم القمري، فإنَّ بداية كل شهر تحدد من خلال رؤية الهلال. وكل عام، ومع اقتراب شهر رمضان المُعظم، يتزايد الجدل المتواصل حول بداية الشهر، وغالباً ما يؤدي ذلك إلى عواقب محرجة. لم تنجح المناقشات والحوارات التي لا تُعد ولا تُحصى حتى الآن في الاتفاق على طريقة لحل هذه المسألة مرة وإلى الأبد.

لماذا يجد العالم الإسلامي صعوبة في تحديد بداية شهر رمضان، وكذلك بداية أيام الأعياد الدينية ومواعيد الحج؟ لماذا لا يستطيع علم الفلك حل هذه المشكلة والتي تبدو بسيطة؟ وإذا كان بإمكان العلم نقل البشر والإنسان الآلي إلى القمر واستكشاف كل بقعة على سطحه، والبحث عن الجليد في فوهات القمر، وإرسال مركبات ومسابير الفضاء إلى أطراف المنظومة الشمسية، هل يعجز عن تحديد وضع ومدى وضوح الهلال الرقيق، الذي يشير إلى بداية الأشهر الإسلامية؟

إن العلم ليس مسؤولاً عن الارتباك واسع النطاق الذي يشهده العالم الإسلامي كل عام قبل بداية ونهاية شهر رمضان. لكن، وقبل استعراض الأسباب الكامنة وراء هذا الوضع واقتراح الحلول لهذه المشكلة على الصعيد العالمي، فإنِّه من المهم أن نفهم جوانبه العلمية ونرى إلى أي مدى تمَّ تحقيق تقدم في هذا المجال على مدى العقود القليلة الماضية. أولا، يجب أن يكون هناك نوع من التمييز البسيط، فتحديد وضع القمر حول الأرض في أي لحظة ومن أي مكان محدد يختلف عن التنبؤ برؤية أو عدم رؤية الإنسان للهلال الرقيق الجديد الذي يظهر لفترة وجيزة بعد أن يبدأ القمر دورة جديدة حول الأرض.

كان دائماً سهلا نسبيا بالنسبة للعلماء وجود حل لظهور القمر الأول منذ أقدم العصور، من بينهم البابليون والإغريق والمسلمون. أما اليوم فقد حققت الميكانيكا السماوية دقة هائلة، وبإمكان أجهزة الحاسوب السريعة حل معادلات معقدة، مع الأخذ بعين الاعتبار كافة العوامل والآثار مثل سحب جاذبية الأرض والشمس والكواكب القريبة. من المثير للدهشة أن تحديد ما إذا كان القمر مرئياً، وهو ما يبدو وكأنها مهمة بسيطة إلى حد ما، هو أمر أكثر تعقيداً. ومع ذلك، فإن هذه المشكلة لا تستعصي على الحل.

لقد أدرك علماء الفلك دائماً أن عملية رصد الهلال تتأثر بالعوامل الجوية، مثل الاضطراب في الهواء، والرطوبة، والغبار، والتلوث. هذا الأمر صحيح خصوصاً عندما يكون الهلال منخفضاً في السماء بالقرب من الأفق، كما يكون وضعه دائماً في بداية الشهر القمري. علاوة على ذلك، فإنَّ هذه الآثار تختلف من مكان إلى آخر ومن ليلة واحدة إلى أخرى.

شهد عام 1970 وعام 1980 تطورات جديدة مثيرة للاهتمام، كان أولها النتيجة التي توصل إليها بروين (1977) وهو أنَّه طالما أن المشكلة تعتمد بشكل كبير على عوامل الغلاف الجوي المحلي، فإنه ينبغي التعامل معها من خلال الفيزياء بدلاً من الهندسة. ولذا، اقترح نموذجا جديدا. ومن خلال هذا النموذج، يتم تحديد التباين بين سطوع القمر (يمكن أن تحسب هندسيا من موقع القمر بالنسبة للشمس، وجهاز الرصد على حد سواء) والسماء الخلفية (التي تعتمد على الظروف المحلية). يتم بعد ذلك عمل مقارنة بين هذا التباين والحد الأدنى من سطوع القمر الذي يمكن رؤيته بعين الإنسان المجردة (أو التلسكوب). وهذا يؤدي إلى التنبؤ بمدى وضوح رؤية الهلال في أي ليلة معينة من أي موقع معين.

وخلال تلك الفترة الزمنية نفسها، قام عالم الفلك الماليزي محمد إلياس بعمل شيئين. أولا، وضع معيارا هندسيا جديدا مشابها للنموذج القديم، لكنه أكثر دقة قليلاً. ثم قدم مفهوما جديدا وهو "خط التاريخ القمري"، والذي يُقسم العالم إلى منطقتين من حيث خطوط الطول. إلى الغرب من هذا الخط، سيصبح من الممكن رؤية الهلال في سماء الليل، وسيبدأ الشهر في اليوم التالي. أما بالنسبة لجميع المناطق التي تقع إلى الشرق من الخط لن يكون بإمكانها رؤية الهلال، وبالتالي سيتأخر بدء الشهر ليوم واحد. من المهم أن ندرك أنَّ هذا الخط يتغير كل شهر، وليس سلساً ويوجد به بعض القدر من عدم الوضوح. وتوالت على مر السنين المزيد من النماذج، سواء من النوع الفيزيائي أو الهندسي.

وباختصار، يمكن القول بأنَّ لدينا اليوم نماذج جيدة ومعايير دقيقة لمعرفة أين ومتى يُمكن أو لا يمكن رؤية الهلال. من الصعب بطبيعة الحال التنبؤ بالظروف الجوية محلياً، ولذا فإن دقة التنبؤات بمدى وضوح رؤية الهلال تخص هذه المنطقة بعينها. ولأسباب عملية، فإنه التنبؤ الخاص بالبلد أو الدولة يعتبر كافياً.

ثم لماذا نحن المسلمين لا نزال نعاني من ارتباك عندما نريد أن نعرف بداية الشهور المقدسة؟ ولأن المجتمع، وبالأخص رجال الدين، لازالوا يصرون على أن الشهر يبدأ عند رؤية الهلال الجديد بالعين، فإنَّ هذا الشرط من شأنه أن يؤدي إلى حدوث تباين بين المسلمين في جميع أنحاء العالم. وقد أظهرت الدراسات أن الأشخاص يرتكبون أخطاء عن غير قصد عند رؤية الهلال الجديد، حتى عندما يكون الهلال غائباً في كبد السماء. وتوصلت دراسات أجراها عدد من الباحثين في الجزائر، والأردن وسوريا والمملكة العربية السعودية أنه على مدى السنوات الـ 50 الماضية، فإنه تم الإعلان بشكل خاطئ عن 50٪ إلى 90٪ عن مناسبات دينية استنادا إلى تقارير شهود عيان.

وطالما أننا مصرون على رؤية الهلال عشية بداية الشهر، وخصوصا من خلال الرصد بالعين المجردة، فسنرتكب أخطاء، وهو ما أدى إلى وجود اختلافات داخل البلدان وبين الدول. وهذا هو السبب في أننا نجد في أيامنا هذه أن بداية ونهاية شهر رمضان في العالم الإسلامي على مدى ثلاثة أو أربعة أيام مختلفة.

هل الفلكيون المسلمون اليوم قادرون على إنشاء تقويم يمكن تطبيقه بشكل كامل لأغراض دينية ومدنية؟ نعم. بالفعل، فبعد سنوات من العمل والمناقشات التي دارت خلال اجتماعات ومؤتمرات، ظهر تقويمان مقترحان، الأول هو تقويم موحد يستند إلى قاعدة واحدة لبداية الشهر القمري في أي مكان في العالم والثاني هو تقويم لمنطقتين، الذي اقترحه الدكتور نضال قسوم ومحمد عودة، ويقسم العالم إلى قسمين (قارات العالم القديمة والجديدة) ويستنبط تقويمين مختلفين قليلاً (يتوافقان بنسبة حوالي 75٪ في الوقت، ويختلفان بيوم في أوقات أخرى).

قد يبدو من الواضح أن التقويم الموحد أفضل، وبالتالي فإن اقتراح تقويم لمنطقتين يبدو أنه غير مجدٍ، ولكن هناك إيجابيات وسلبيات لكلا المقترحين. لا يضمن التقويم الموحد توافقا كافيا مع وضوح الرؤية في العالم الإسلامي، في حين أن التقويم الذي يستند إلى منطقتين قد لا يراعي قدرا من الوحدة، لكنه في المقابل يضمن (للسلطات الدينية) أن الأشهر متوافقة بشكل كامل تقريبا مع رصد الهلال.

ولذا فإنه إذا كانت المشكلة مفهومة تماماً، وعمل الفلكيون المسلمون بجد وتوصلوا إلى حلول جيدة، فلماذا يرفض العالم الإسلامي تبني أي حلول تضع نهاية لهذه المشكلة الاجتماعية والدينية المزعجة، والقائمة منذ فترة طويلة؟ ولأن العديد من الناس لازالوا يجدون صعوبة في تجاوز الطرق التقليدية القديمة في رؤية الهلال ليلة الشك من أجل تحديد بداية الشهر؛ فإنه بمجرد التخلص من هذا الانغلاق الذهني، سيتم حل المشكلة بسرعة وسهولة بالتأكيد.
 

[email protected]

أخبار ذات صلة