الإعلام الجديد

الإعلام الجديد

شيخة النهدية

لقد غزت ثورة المعلومات أرجاء المعمورة كلها، فلم تترك أيّة رُدهة أو ركن من العالم إلا وأصابته بشظى عولمتها، حتى سمّى هذا العصر باسمها (عصر المعلومات)، ولعلّ قطاع الإعلام هو أكثر حقول المعرفة حظا في الاستفادة من تطور التكنولوجيا، فبالمشاركة بين المعلومة والتقنية نشأ(الإعلام الرقمي) ، وباتحاد الخبر والحاسوب ظهرت(شبكات التواصل الاجتماعي).

 غيّر الإعلام الجديد مسار تبادل المعلومات، فابتدع فضاء واسعا للخطاب الإعلامي تغيب فيه الرقابة الصارمة والحدود الفاصلة، وسهل لصناع الخطاب التواصل مع شريحة أكبر من الجمهور.

لقد ناقش أحمد خالد شكري ووليد حسين عبد الله تأثير الإعلام الجديد على الأسرة والمجتمع الإسلامي، في بحثهما "أسرنا ومجتمعاتنا والإعلام الجديد بين معاول الهدم وآفاق البناء" (مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية المجلد الخامس - العدد الثاني فبراير 2021).

لقد بلغ عدد مستخدمي "توتير" مئتي مليون عام 2011، وفي العام نفسه أرسلت 177 مليون تغريدة في اليوم الواحد، فيما بلغ عدد مشتركي "لينكد إن" مئة وعشرين مليونا عام 2011، ونسبة 86 % من طلبة الجامعات يتأثرون سلباً بالتعامل مع الإنترنت، وقد قفزت هذه الأرقام لاحقاً: فقد بلغ مستخدمو الفيس بوك أواخر عام 2019 (2.5 مليار مستخدم)، ووصل عدد مستخدمي تويتر عام 2020 (1.3 مليار)، أما لينكد إن فوصل عدد مستخدميه (660 مليون) عام 2020.

من هنا تبرز أهمية توعية مستخدمي الإعلام الجديد بالأساليب المتبعة في استقطاب الشباب في القضايا الفكرية.

  1. ماهية الإعلام الجديد:

توصل الباحثان من خلال جملة من التعريفات إلى أنَّ: الإعلام الجديد (يعدُّ ظاهرة إعلامية جديدة يشتغل في فضاء افتراضيّ، يتجاوز فيه حدود المكتوب والمسطور إلى أطياف الصوت والصورة يتميز بسرعة الانتشار والوصول إلى أكبرعدد من الجمهور وبأقصر وقت ممكن وأقل تكلفة، إنه منجز معرفي تنصهر فيه الفكرة والمعلومة مع تقنيات الاتصال السمعية والبصرية الحديثة على نحو غيّر علاقة الإنسان بالمعلومة والزمن والمسافة).

  1. ميزات الإعلام الجديد:

أ‌- إمكان التّفاعل مع الخبر بإبداء الرّأي ونشره إما بشكل فوريّ أو قريب منه، ويدخل فيه المنتديات الإلكترونية التي تتيح لمن يسجّل فيها المشاركة في الحوار والنقاش.

ب‌- سرعة الحصول على الخبر والتواصل مع الآخرين، مقارنة مع الإعلام التقليدي.

ت‌- رفع الرّقابة والقيود عن الأخبار والمعلومات.

ث‌- انتشار التعلم الذاتي: من خلال البحث في المكتبات الإلكترونية في وقت قصير، وسهولة التعامل مع النصوص بالنسخ، واللصق، والحفظ، والتعديل.

ج‌- وضوح الصورة وإمكان التّحكم فيها بالتعديل والتطوير والتغيير في الصورة، وإمكانية عرض الصور المتحركة بتقنية D 3 وHD.

ح‌- سهولة انتقاء المادة العلميّة والإعلاميّة المناسبة والحصول عليها في أي وقت.

خ‌- سرعة تطور التقنية من الراديو والفيديو الكاسيت إلى الإنترنت والهواتف الذكية.

  1. أثر الإعلام الجديد على الأسرة:

تعتبر الأسرة نواة المجتمع؛ لذلك سعى الإعلام الجديد لإرضاء أفرادها، وساهم مع البيت والمدرسة والمسجد في عمليّة البناء والتّنشئة التربويّة، وفي تنمية قدرات أفرادها للانخراط في المجتمع.

فالحرية المطلقة في خطاب الإعلام الجديد مكنته أن يتبوأ هذه المكانة الرفيعة، فقد استطاع أن يصل للمتلقي أينما كان وفي أي وقت فاحتل مكانا في كافة ميادين الفكر والثقافة والترفيه، وسيطر على العقول والعواطف حتى استسلم الطفل لهذا الموجّه الجديد والذي أصبح في بعض الأوقات يقوم بدور الأب والمعلم والمدرسة.

يعد الأطفال أكثر أفراد الأسرة تأثراً بمضامين خطاب الإعلام الجديد، فقد وجدوا فيه ما يملأ فراغهم، وينمي معرفتهم من خلال الألعاب والبرامج التثقيفية والشبكات الاجتماعية، وشجع لديهم الدافعية نحو البحث والتعلم وطرح التساؤلات وتبادل المعلومات، الأمر الذي ساعد على توسيع مداركهم وقدراتهم العقلية، كما حفزهم على التعبير عن آرائهم.

بالرغم من فوائد الإعلام الجديد إلا أنَّه يحمل في طياته الكثير من المخاطر منها ما يتعلق بتعرضهم للتحرش والابتزاز والاستغلال الجنسي من قبل ضعاف النفوس، كما يخلق بداخلهم حالة نفسية متوترة بين ما يشاهدونه وما تربو عليه، كما قد يخلق منهم شخصاً انطوائياً، بالإضافة إلى تأثرهم بمشاهد العنف والمشاهد الإباحية، كما يشتت التنوع غير المسؤول عقولهم، ويؤثر على القيم والعادات الاجتماعية فيبث السموم في الأسرة المسلمة ويزعزع تماسك المجتمع.

  1. أثر الإعلام الجديد على المجتمع:

المجتمع هو مجموعة من الأفراد والجماعات تعيش في موقع جغرافي واحد وتربط بينهم علاقات اجتماعيّة وثقافيّة ودينيّة.

لقد تأثرت المجتمعات بالإعلام الجديد من ناحيتين:

  1. الإيجابية:
  • اختصار الجهد والوقت مما يؤدي إلى كثرة الإنجاز.
  • تعامل جميع فئات المجتمع مع هذه التقنية: كبارا وصغارا، ذكورا وإناثا، أغنياء وفقراء، في المدن والقرى والبوادي مما أدى لتيسير التواصل ونقل الأخبار والمعلومات بسرعة فائقة.
  • زيادة وسائل الترفيه والترويح: فمنها النافعة التي تشجع على التفكير وإعمال العقل.
  • التفاعل مع الآخرين والتواصل مع الأفراد والمجتمعات وتبادل المعلومات.
  • ذيوع الإعلام وعدم انحصاره في السلطة: يقصد به عدم احتكار مصدر المعلومة وطريقة بثها، فبإمكان أي شخص أن ينشر الخبر المتعلق به أو بمجتمعه دون الحاجة إلى موافقة أو إذن مسبق مثلا عن طريق هشتاق أو فيديو.

 

  1. السلبية:
  • فتور أو انقطاع العلاقات الاجتماعيّة: فقد انشغل الناس بأجهزتهم بدل التعارف ومساعدة الآخرين أو الاستماع إليهم.
  • ظهور المشاكل الصحية فقد حذر الأطباء والمتخصصون من خطر الأجهزة الحديثة على الصّحة وتسببها بآلام الرقبة والمفاصل والعقم والأذن والقلب والتوترات العصبية.
  • انتشار الجرائم الإلكترونيّة
  • ضياع الحقوق الشخصيّة لصاحب الفكرة.
  • الغزو الفكري وتكريس العولمة: لم تعد الحدود الجغرافية قادرة على منع تداول ونقل المعلومات بين الناس بدون إذن، وأصبحت المواقع الدّاعية إلى الأفكار المنحرفة والإلحاد والتشكيك في الدّين مفتوحة أمام من يرغب بالدخول إليها والتّعلم منها.
  • التأثير في السّلوك والقيم: من خلال المعلومات والصور غير اللائقة
  • الانطواء والسّلبيّة نحو الآخرين والإدمان ممّا يحدث مع الوقت فجوة في العلاقات بين الأجيال.
  • انتشار الفساد الخلقيّ.

من خلال معرفة الآثار السلبية والإيجابية للإعلام الجديد نستنج ضرورة ترسيخ دور الأسرة والموجهين والعاملين بقطاع الإعلام لمواجهة خطر هذا الإعلام.

أخبار ذات صلة