التنمية رحلة في المفهوم والنظريات

باسم الكندي

-         ظَلَّت التنمية هاجسًا يُؤرِّق الكثير من دول العالم رغمَ أنَّ مفهوم التنمية مثلما يذكر عبد السلام نوير أستاذ العلوم السياسية بجامعة أسيوط في مقاله المنشور في مجلة التفاهم بعنوان (نظريات التنمية وأسباب التأزّم دراسة نقدية) بأن هذا المفهوم لم يُستخدم في عهد الاقتصادي آدم سميث إلا على سبيل الاستثناء، فقد كان يتم استخدام مصطلحات كالتقدّم المادي والتقدم الاقتصادي بدايةً ثم التحديث والتصنيع لاحقاً، ولقد بدأ التنظير لهذا المفهوم منذ أواسط ثلاثينيات القرن الماضي ولكن ذاعَ صيته أكثر بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة لظهور موجات التحرر الوطني للبُلدان المستقلة حديثاً؛ ونظراً إلى أنَّ النظريات الأولى للتنمية غلَّبت الجانب الكمي اليميني على الجانب الكيفي فقد تَكشّفت النتائج العملية البائسة لأتباع تلك التوجّهات، لذلك زادت تجارب التنمية ونظرياتها ولكن لم تكن نتائجها ناجحة كما هو مُتوقّع، الأمر الذي أوجدَ جدلًا مُتصاعدًا حول نظريات التنمية ومدى تأثيرها؛ فَأفرَزتْ حركة نقدية تجاه فِكر التنمية سَنَعرضُها في هذا المقال وفقاً للآتي:

 

أولاً:الظروف التاريخية لظهور دراسات التنمية: تغيَّر مفهوم التنمية عبر الوقت حتى صارَ محلًا للنقاش من قِبَل ثلاث فئات رئيسة هي:

-         الحكومات والمنظمات الحكومية والأفراد في العالم الثالث.

-         الوكالات الدولية مثل وكالات الأمم المتحدة المختلفة.

-         الأكاديميون في العالم المُتقدّم.

 

-         إنَّ معظم ما تمَّ نشره حول التنمية كانَ يأتي من الفئتينِ الأخيرتين؛ لهذا كانت غالبية الرؤى المطروحة يَشوبها التحيّز، ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية اهتمَّ العلماء وصُنَّاع السياسة بمعرفة أسباب فقر بعض البلدان أكثر من غيرها؛ لِهَذَا وُلِدَ مجال التنمية الذي تطوَّر في مسارين أحدهما استَهْدَفَ العلماءُ فِيِهِ جَعلْ التنمية حقلًا جديداً ومحوريًا في معظم فروع العلوم الاجتماعية، أما المسار الآخر فقد بدأ فيه السَّاسة والمواطنون لِخلق مبادرات جديدة تُعزِّزْ التغيير الاجتماعي الإيجابي من خلال العمل كإعادة بناء أوروبا بعد الحرب والتقليل من بؤس الدول النامية وعليه سار اللاعبون الكبار وفقاً لهذا المسار كمنظمات الأمم المتحدة، وهكذا اتّجهت مفاهيم التخلّف والتنمية في مرحلتها الجديدة مُركِّزةً على الجانب الاقتصادي، بعدها أصبحت التنمية تَتضمّن عدداً من المراحل المُتَتابِعة التي يتعيَّنُ على جميع الدول المرور بها مما أدى إلى ظهور الأفكار السوسيولوجية بوضوح في كل من نظريّة التنمّية وممارسة التنمية بواسطة نظريّة التحديث التي دعا فيها مناصروها إلى تصدير الأموال والتكنولوجيا والتعليم الغربي إلى الدول الفقيرة لِتنميتها؛ غيرَ أنَّ ذلك لم يحدث بل ازدادت تبعية هذه الدول للسوق الرأسمالي العالمي في الخمسينيات والستينيات حتى ظهرت أصواتٌ تُنادي بانضمام هذه الدول إلى الثورة الاشتراكية، كما دعا آخرون إلى قيام هذه الدول بتنمية اقتصادها الصناعي لتحسين وضعها.

-         وفي بداية الثمانينيات بَدا واضحًا تراجعُ اهتمام الدول بالبُعد الاجتماعي في دراسات التنمية وتزامنَ هذا التراجع مع تَعرّض الكثير من دول العالم النامي لأزمات ديونٍ وفشلٍ للأسواق؛ لارتفاع معدلات التضخّم وسيطرة المستثمر الأجنبي على اقتصادها؛ حتى صارت أسيرةً للمنظمات الإنمائية الدولية التي خنقتها بالديون، كما قَلَّلت الدول المتقدمة معوناتها للدول النامية مما جعل هذه الدول تُحس بضخامة تأثير العوامل الخارجية على أوضاعها مما أعطاها فرصة لمراجعة نشاطها الاقتصادي؛ فظهر من يُنادي بتقليل تدخّل الحكومة في السوق بينما نادى آخرون بأنَّ الأمر لا يَتطلّب ذلك بِقَدرِ ما يحتاج إلى مراجعة أساليب هذا التدخّل لزيادة كفاءته، أما في التسعينيات فَمعظم الدراسات الإنمائية تحوّلت إلى تحليلات للعولمة مما شتَّتَ العمل التنموي وقام بتهميشِه.

 

-         ثانيًا:التنمية، تطور المفهوم واتساع المجال: تطوّرَ مفهوم التنمية منذ ظهوره، فالتنمية في مرحلتها الأولى كانت تعني النمو الاقتصادي، وفي السبعينيات تَمَّ تدشين المفهوم الأوسع للتنمية في مرحلتها الثانية وأصبحت تعني التنمية البشرية رغم اقتصارها على الجوانب المادية فقط ومع نهاية الثمانينيات كانَ هناك تياران مختلفان بشأن التنمية أولهما ركّزَ على النمو الاقتصادي استنادًا لتوافق واشنطن أساسًا وقد تبنّاه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أما التيار الثاني تبنّاه برنامج الأمم المتحدة للتنمية وجعلَ الإنسان في صُلب العملية التنموية، ويُمكن القول أنَّ مفهوم التنمية البشرية تبلوَرَ بشكل كامل في مطلع التسعينيات مع إصدار سلسلة تقارير التنمية البشرية من طرف برنامج الأمم المتحدة للتنمية، وأصبحَت تُعْرَف بأنها عملية توسيع خيارات الناس مع التركيز على ضرورة تحسين المعرفة وتوفير حياة طويلة وصحية لهم، أما المرحلة الثالثة فقد كانت التنمية البشرية مرتبطة بما يُسمى بالتنمية المستدامة التي تَسْتَدعي وجود توازن بين السكان من ناحية والموارد المُتاحة لهم من ناحية أخرى.

 

-  ثالثًا: نظريات التنمية: شهدَ الفكر الاجتماعي التقليدي الكثير من الإرهاصات والإسهامات المتنوعة مَهَّدت لتبلوَر الفكر التنموي حتى ظهرت الكثير من النظريات المرتبطة به مثل:

 

 أ-النظريات التطورية: وتقوم على أن المجتمعات تتغير من الشكل الساذج إلى أشكال أكثر تعقيداً في خط مستقيم وأنَّ كل مرحلة متعاقبة تكون أفضل من سابقتها وهي تُمثّل انعكاساً لنظرية التطوّر لتشارلز دارون التي تَلقَّفَها عددٌ من المفكرين، وقد واجهت هذه النظريات انتقادات منها صعوبة تطبيقها على حالات تاريخية متنوعة كما أنها تُصوّر عملية التنمية بصفتها عملية تدريجية هادئة ولا تُقدّم أفكاراً لفهم تحديّات التنمية وتَتَجاهل ظروف الدول المُستَعْمَرَة أيضاً.

 ب- نظريات التحديث: وترى أنَّ التنمية ما هي إلا عملية تحديث أي عملية تغيير لمختلف نواحي الحياة للمجتمعات عن طريق زيادة الإنتاج الاقتصادي، ومما يُؤخذ عليها غموض بعض مفاهيمها وتَتَطلَّبْ من المجتمعات النامية التخلِّي عن مظاهرها الثقافية، كما تَتَجاهل عامل الاستعمار وتُشجِّع بقاء هذه الدول كأسواق مُسْتَهلِكةْ وتَنْشر الثقافة الغربية فيها.

 

ج- نظرية التبعية وتقسيم العمل: وتَفْتَرضْ أن التخلّف لا يُمثل الحالة الأصلية للمجتمع في العالم الثالث، بل نشأ من خلال أساليب الخضوع للنفوذ الرأسمالي، بمعنى أنه نشأ تدريجيًا مع التطوّر في المركز الرأسمالي المُتقدّم، وبالرغم من نجاح هذه النظرية في تفسير التخلّف وعوامله اعتراها بعض القصور لتركيزها على دور العوامل الخارجية ولم تربطها بالعوامل الداخلية كما أنها تقول كلما انخفضت تَبعية دولةٌ ما ازدادت القدرة للتنمية وهذا ليس بالضرورة واقعٌ فعلاً.

 

- المداخل المعاصرة المرتبطة بالعولمة: أدَّتْ العولمة منذ ظهورها إلى تلاشي الحدود والمسافات وأصبَحتْ الحياة في العالم كقرية صغيرة بفعل التكنولوجيا، صاحَبَ ذلك ظهور نظرية النظام العالمي التي شملت جانباً تفاؤليًا في علاقات العمل والتفاهم المشترك إلا أنَّ هذه النظرية اُعتُبِرَتْ  كأداة للتغريب ووسيلة لنشر الهيمنة الأمريكية، ونتيجةً لفشل الأساليب الكلاسيكية المُتَّبعة لمعالجة التخلّف في الدول الفقيرة بدأ عدد من العلماء مناقشة ما أطلقوا عليه (نهاية عصر التنمية) وظهر مفهوم (ما بعد التنمية) بوصفه التوجّه المناهض لفكر التنمية السابق الذي فَشلَت نظرياته، وفي ظِل ما نعيشه اليوم من تداعيات جائحة كورونا نجد الكاتب يُشيرُ إلى أنَّ فكرة الاعتماد المُتبادل ليست صالحة في كل الأحوال، كما أنَّ حالة الإغلاق التي شهِدَها العالم جعلته يواجه تحديًا كبيراً لتوفير الغذاء للشعوب واستمرار هذه الأزمة سيُعمِّق خطورة هذا الجانب، الأمر الذي يَدفعُنا إلى العمل بِجدِّية لتحقيق الأمن الغذائي لدينا أيضًا لأهميته القصوى.

 

أخبار ذات صلة