جوهريات في الصحة والسلامة 

رقية الكندية

يتبادر إلى أذهاننا فور رؤية مواضيع عناوينها تتعلق بالصحة، والسلامة أنَّها مألوفة ومفهومة وما من داع لقراءتها، أو التعمق فيها، ولكن، المواقف التي تحصل من حولنا سواء كانت لنا أو لغيرنا، وتختلف حدة خطورتها تستدعي بالفعل فهم معنى الصحة وما يندرج تحتها من مفاهيم، وتتطلب الوعي بإجراءات السلامة التي ينبغي اتخاذها في موقف مُعين؛ ومن هنا، تكمن أهمية التطرق لمفاهيم الصحة والسلامة كما هو الحال في مقال المهندس عماد العصفور حول " الصحة والسلامة العامة " المنشور في المجلة العلمية للنشر العلمي، 2 كانون الثاني 2021.

 يتمحور هذا المقال حول بؤرتين أساسيتين أولاهما: مفهوم الصحة، ومستوياتها والعوامل التي تُؤثر عليها، وكيفية الحفاظ عليها ويتطرق كذلك إلى الأمراض، ومسبباتها، وأقسامها، والفحوصات المخبرية اللازمة للكشف عنها، وكذلك إلى البيئة، وعناصرها، ومكوناتها، وعلاقتها بالصحة، ومن ثم يتحدث عن مظاهر الرعاية الصحية، ومستوياتها، وأهميتها، وأمثلة عليها. وثانيهما: السلامة، وأهدافها، وأنواعها، والإرشادات اللازمة لاتباعها لتطبيق مفهوم السلامة.

عرفت منظمة الصحة العالمية الصحة بأنَّها حالة من اكتمال اللياقة البدنية، والاجتماعية، والنفسية، وليست الخلو من العجز أو أحد الأمراض. ولو فصلنا قليلاً في هذا التعريف لوجدنا أن اللياقة البدنية تعني اكتمال أجهزة الجسم وأعضائه، واللياقة الاجتماعية تتمحور حول المؤثرات البيئية المجتمعية من حوله، واللياقة النفسية فهي العقل الذي خص الله به الإنسان عن بقية المخلوقات. وللصحة مستويات عدة تبدأ بالصحة المثالية، والصحة الإيجابية، والصحة المتوسطة، والمرض الخفي، والمرض الظاهر، وتنتهي بمستوى الاحتضار.

وتعد المرحلة الأولى نادرة الحدوث؛ كونها تتطلب تكامل الصحة البدنية والاجتماعية والنفسية، أما الصحة الإيجابية فهي قدرة الإنسان على مواجهة الأمراض، والمؤثرات المختلفة الطارئة دون التسبب له بأي أذى، وتعرف الصحة المتوسطة بأنها تساوي العوامل الإيجابية مع السلبية، وفيها يقع الإنسان فريسة سهلة للأمراض من حوله، ويتعاكس المرض الخفي والظاهر من حيث ظهور الأعراض وزمن ظهورها، وأخيرا، فإن مستوى الاحتضار يعد أصعب مرحلة من حيث صعوبة شفائه. وتتأثر الصحة بعوامل عدة كالجنس، والعمر، ونوع العمل والوظيفة، والمقاومة النوعية وغير النوعية إلخ... وتمثل تلك الأخيرة عاملا أساسيا في الحد من إصابة الجسم بالأمراض - وهي حالة غير طبيعية تؤثر على جسم الإنسان وتظهر من خلال الأعراض نتيجة لعوامل خارجية كالأمراض المعدية، أو عوامل ذاتية كأمراض المناعة الذاتية -،. تعاكس الصحة الأمراض سواء كانت جرثومية كالبكتيريا، والفيروسات وغيرها، أو متعلقة بسوء التغذية، أو فسيولوجية كأمراض القلب والشرايين. ويتم الكشف عن هذه الأمراض بواسطة الفحوصات المخبرية المتعددة التي تتم بأخذ عينات الدم أو البول، ومثال على الفحوصات المخبرية: خلايا الدم البيضاء والحمراء، وفحوصات الكبد، وفحوصات الكلى، وفحوصات الغدة الدرقية، وغيرها.

ومن وجهة نظري، فإنَّ الإنسان يحتاج لإجراء فحص روتيني بغض النظر عن شعوره بالمرض أو لا؛ للتأكد من صحته وسلامته، وللوقاية من بعض الأمراض أحيانًا، وكما تحدد نتيجة هذه الفحوصات الإجراءات اللازم اتخاذها في حالة الإصابة بالمرض كتحديد جرعات الأدوية وغيرها.

كما نجد أن هناك عوامل أخرى لها دور كبير في التأثير على حياة الإنسان وصحته وهي البيئة، والنظافة الشخصية، والنوم. فتؤثر البيئة عليه بعواملها الحيوية كالبشر، والنباتات، والحيوانات، والعوامل غير الحيوية كالضوء، والهواء، والماء. وعرفها دوغلاس وهولند بأنها مجموع القوى الخارجية والمؤثرات التي تؤثر على حياة الكائنات الحية. ويمكن تقسيمها من حيث العناصر أو الأغلفة أو من حيث تأثيرها على الفرد، فنجد أنها تشمل ثلاثة عناصر أساسية وهي:

العناصر الفيزيائية كالتربة، والعناصر البيولوجية كالإنسان، والعناصر الثقافية كالأنشطة الاقتصادية. ومن حيث الأغلفة، فإنها تتكون من الغلاف الصخري، والمائي، والجوي، والغلاف الحيوي. أما من ناحية تأثيرها على الإنسان - وهو الجانب الأهم من وجهة نظري - فإنها تتمثل في البيئة المادية كالمناخ الجغرافي، وتتمثل في البيئة الاجتماعية؛ فنجد أن هناك مجتمعا منفتحا ويعاكسه المجتمع المنغلق، وأخيرا في البيئة النفسية - والتي وصفها العالم كورت ليفن بمصطلح "الحيز الحياتي، Life Space"، وهي المشاكل التي تواجه الإنسان في حياته وكيفية تغلبه عليها. وتسهم النظافة الشخصية - وما يندرج ضمنها من نظافة الفم، والملابس، ونظافة الجسد - في الوقاية من بعض الأمراض النفسية كالاكتئاب، والتوتر، والأمراض البدنية كانتشار الطفيليات والفيروسات. ويساعد النوم لساعات كافية في الحفاظ على صحة القلب، وزيادة النشاط والتركيز، والوقاية من السرطانات، إلخ..

ومن هذا المنطلق، فإنَّ منظمة الصحة العالمية اهتمت بجانب الرعاية الصحية للإنسان، وتضامنت جهودها مع القطاع الصحي، والبيئي، والتربوي، وغيرها؛ لوقايته من العوامل المسببة للأمراض، وأوضحت أهمية توفر الأمان، والمسكن المناسب، والتعليم، والغذاء، والدخل، واستقرار البيئة، واستدامة الموارد، والحالة الاجتماعية. وتندرج الرعاية الصحية لأربعة مستويات وهي الرعاية الأولية وتعد الواجهة الأساسية؛ كونها تعنى بجميع أعمار المرضى، ومن مختلف الأصول الاجتماعية، وجميع أنواع المشاكل الصحية، والرعاية الثانوية وهي المرحلة التي يتحول فيها المريض من الرعاية الأولية، والرعاية الثالثية التي تشمل إجراء فحوصات طبية متقدمة ومثال عليها خدمات علاج السرطان وجراحة الأعصاب، إلخ..، والرعاية الرابعية ومثال عليها الطب التجريبي.

ولا ننسى الخدمات الصحية المقدمة من الكوادر الطبية، والتي تتمثل في توعية المواطنين، وخدمات التطعيم والتحصين، وتوفير الأدوية الأساسية وغيرها. وتختلف جدارة هذه الخدمات وفق الدولة وخبرتها وميزانيتها وكفاءة الكوادر الطبية، واهتمام الإنسان بصحته وسلامته.

درسنا كثيرا مواضيع تتعلق بجانب السلامة وأنواعها، وأهميتها، ولكن، عندما نأتي لجانب التطبيق نجد هناك صعوبة في احتواء المواقف الخطرة، وأحيانا تتطلب منا استشارة مختصين من الكوادر الطبية؛ وكيف لا وهي متعلقة بحياة الإنسان؛ لذلك نجد أن هناك أهمية لتطبيق الأشياء التي ندرسها أو نقرأها. 

تهدف السلامة إلى حماية الإنسان من إصابته بالأمراض، والحوادث والإصابات، وأيضا تهدف إلى الحفاظ على المنشآت وما تحويه من التلف، وهناك العديد من أنواع إجراءات السلامة الواجب اتباعها كالسلامة في المنزل، والسلامة في الورش، والسلامة في العمل. ومثال على تلك الأخيرة تأمين المخازن من أخطار الحريق، واتخاذ الاحتياطات الكافية لاحتواء الحريق عند وقوعه. ولا ننسى خطوات ضرورة استخدام معدات الوقاية أثناء العمل، وتوفير صندوق الإسعافات الأولية، والإشراف على متطلبات السلامة من قبل مختصين وغيرها.

ومن هنا، نلحظ ترابطا كبيرا بين مفهومي الصحة والسلامة، فالصحة تتحقق بسلامة الإنسان والعكس؛ فلا غنى عنهما، وكما يقال فإن " درهم وقاية خير من قنطار علاج"، و"الصحة هي الثروة الحقيقية وليس قطعة من الذهب والفضة"، فلابد من التوغل في جوهريات ومضامين الصحة والسلامة، ومشاركتها مع الآخرين، وإقامة ورش وبرامج من أجل توعية فئات المجتمع. 

 

 

أخبار ذات صلة