هل اتفاق باريس للمناخ مجرد وعود على ورق؟

زينب الكلبانية

 يحذّر ديفيد جي. فيكتور وزملاؤه كييجو أكيموتو، ويويتشي كايا، وميتسوتسون ياماجوتشي، وداني كولينورد، وكاميرون هيبورن، المتخصصون في علم المناخ، وذلك في مقالهم المنشور باللغة الإنجليزية بعنوان "هل اتفاق باريس للمناخ مجرد وعود على ورق؟" في مجلة "Nature" العدد خمسة وخمسين؛ يحذ هؤلاء الباحثون من أن جميع الدول الصناعية الكبرى تخفق في الوفاء بتعهداتها بالحدّ من انبعاثات غازات التدفئة.

إنّ التفكير القائم على التمني، إلى جانب التعجرف، يطمسان ما يجري على أرض الواقع؛ فها هي بلدان الاتحاد الأوروبي تعاني في سعيها للوصول بكفاءة الطاقة، والطاقة المتجددة إلى المستويات التي زعمت أنها ستصل إليها. وقد قطعت اليابان على نفسها وعودا بتخفيض الانبعاثات؛ لتتناسب مع نظرائها من البلدان الأخرى، إلا أن تحقيق هذه الأهداف سيكلفها أكثر مما تريد أن تدفع. وبعيدا عن محاولات ترامب، الرامية إلى إيقاف سياسة المناخ الاتحادية، فإن الولايات المتحدة تسير ببطء شديد في سعيها لتحويل اقتصادها إلى اقتصاد قائم على الطاقة النظيفة.

لقد أتاح اتفاق باريس - نظريّا - إعادة النهوض بالدبلوماسية المناخية، عبر مَنْح المرونة اللازمة للبلدان؛ لتضع التزاماتها الخاصة. واعتبارا من شهر يوليو 2017، صَدَّق 153 بلدا على الاتفاق؛ وقدَّم 147 بلدا منها تعهدات بخفض الانبعاثات، وتُعرَف هذه التعهدات أيضاً باسم الإسهامات المحددة محلياً. وتتمحور الفكرة في أنه مع تنفيذ كل بلد لتعهداتها، يمكن للبلدان الأخرى معرفة ما يمكن تنفيذه. ومن ثم، يبرز تعاون عالمي في ميدان حماية المناخ، إلا أن هذا المنطق مهدد بالانهيار، لأن الحكومات الوطنية تقدم وعودا لا تستطيع الوفاء بها.

تتناقص معدلات الانبعاث في جميع البلدان الصناعية المتقدمة تقريباً، إلا أنَّ ذلك التناقص بطيء للغاية، بحيث لا يوفي بالتعهدات التي قطعَتها الحكومات على أنفسها في اتفاق باريس. ورغم تكرار الموقف العام ذاته في تلك البلدان، فإن التفاصيل تختلف من بلد إلى آخر.

تعهدت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في عام 2015، على سبيل المثال، بالحد من الانبعاثات في الولايات المتحدة بنسبة تتراوح بين 26 و28%، أقل من مستويات عام 2005، وذلك بحلول عام 2025، ومع ذلك، فمن المحتمل ألا تتمكن البلاد من الحد من انبعاثاتها، إلا بنسبة تتراوح بين 15 إلى 19%. فقد لجأت أسواق الطاقة من تلقاء ذاتها إلى الاستعاضة عن الفحم بالغاز الطبيعي؛ كما أن السياسات التي تشجّع على استخدام الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة تلعب دورا مهما. وأقل ما تُوصف به الافتراضات المتعلقة بالحد الأقصى لعزل الكربون من الغابات - التي قدمتها الحكومة الأمريكية إلى الأمانة العامة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ - أنها شجاعة، ولكن حتى عند الجمع بينها وبين الافتراضات المتفائلة بشأن انخفاض الطلب على الطاقة، وتكلفة الطاقة النظيفة، فالأرجح أن الانبعاثات سوف تقل بنسبة 23% على أقصى تقدير عن مستويات عام 2005 بحلول عام 2025.

وفي ظل إدارة ترامب، اتسعت الفجوة بين ما جرى التعهد به، وما سوف يتحقق فعلياً؛ إذ تسعى الحكومة الفيدرالية إلى إلغاء "خطة الطاقة النظيفة"، التي وضعتها "وكالة حماية البيئة الأمريكية"، لكي توقف العمل بالقيود التي كانت مفروضة على انبعاثات غاز الميثان، وتلغي سياسات كفاءة الطاقة. وقد تعهدت شركات كثيرة، ومدن، وولايات في الولايات المتحدة بمواصلة الحدّ من الانبعاثات، إلا أن هذه التعهدات لا تزال حتى الآن مجرد ادعاءات لم تدخل حيز التنفيذ.

وفي اليابان، كما هو الحال في جميع البلدان الصناعية، تمثل الكهرباء عنصراً محورياً في الجهود الرامية إلى الحد من الانبعاثات. وفي المجمل، فإن تعهدات اليابان والسياسات المصاحبة لها قد تقلل استهلاك الكهرباء بنسبة 17% عن المستوى المتوقع، دون سياسات جديدة بحلول عام 2030؛ برغم حقيقة أن قطاعات أخرى - مثل قطاع النقل - سوف تستخدم الكهرباء.

يعاني الاتحاد الأوروبي أيضاً من فجوة كبيرة بين الأقوال، والأفعال، فثمة تقدُّم يحرز من خلال "مخطط تبادل الانبعاثات في المنطقة، الذي سيمكن قطاع الطاقة، والقطاع الصناعي من خفض انبعاثات غازات التدفئة بنسبة 43% عن مستويات عام 2005، وذلك بحلول عام 2030. وكما هو الحال في الولايات المتحدة، فإن القدر الأكبر من ذلك الانخفاض سيكون ناتجا عن التحول من الفحم إلى الغاز، وليس من خلال بناء مرافق طاقة متجددة، أو محطات نووية، أو مرافق احتجاز الكربون وتخزينه.

إن أكبر مشكلة تواجه أوروبا هي نسبة الانبعاثات، البالغة 55%، الواقعة خارج نطاق "مخطط تبادل الانبعاثات"، التي تَصدُر من المباني، ووسائل النقل، والزراعة، والنفايات؛ فتكاليف تغيير هذه القطاعات قد تكون مرتفعة، ناهيك عن ضخامة الصعوبات العملية في التنفيذ. فعلى سبيل المثال، إنّ خِطَط الاتحاد الأوروبي للحدّ من استهلاك الطاقة بنسبة 27-30% بحلول عام 2030، مقارنة بسيناريو العمل المعتاد، تُعدّ خططا طموحة بشكل مفرط. ويتعرقل سير العمل بسبب ضعْف لوائح البناء في البلدان الأعضاء، وسوء تطبيق الحد الأدنى من المعايير، والحساب المزدوج لوفرة الطاقة، الناتجة عن تداخل السياسات.

تكاد غالبية التعهدات تخلو من أي إشارة إلى السياسات المستخدمة، على نحو يصعب تحديد الفعال منها فعليا. فعلى سبيل المثال، قدّم الاتحاد الأوروبي معلومات قليلة عن عملية التعهد والتنفيذ المعقدة، السارية فعليا. كما أن الفجوة بين الوعود والأفعال كبيرة للغاية فيما يتعلق بالاستراتيجيات، التي تستخدمها الحكومات لتعزيز كفاءة استخدام الطاقة، والتي غالبا ما تكون تكاليفها الحقيقية غامضة. ورغم أنه يمكن تقييم أسعار المعدات بسهولة، فإنها غالبا لا تمثل سوى جزء صغير من إجمالي تكاليف استخدامها.

يتسم إطار عمل اتفاق باريس بالمرونة من حيث تصميمه، ويتعين على الحكومات الراغبة في تفعيل الاتفاق أن تعجِّل بتحويل منظومة التعهدات - التي تمثل الركيزة الأساسية لإطار العمل - إلى عامل محفِّز فعّال للتعاون الدولي.

أولا: يتعين على الحكومات أن تترجم الحوار إلى إجراءات ملموسة، بغض النظر عن الأهداف الرقمية الكبيرة المرجوة من الانبعاثات، مثل خفض النسبة المئوية إلى معدلات أقل من المستويات الأساسية. وينبغي أن تكون التعهدات أطول أمدا، وأكثر تفصيلا، وتتضمن معلومات داعمة كثيرة عن الأعمال المطلوبة، ومن سيقوم بها، وموعد وكيفية تنفيذها، وتكلفتها. كما يجب منح اهتمام خاص لما تقوم به الحكومات لأجل تحفيز الاستثمارات الخاصة في التقنيات الجديدة. إن الأهداف الجريئة ما زالت تنطوي على أهمية كبيرة، بلا شك، إلا أن الحقائق أكثر أهمية.

ثانيا: لا بد من وجود مقاييس ومؤشرات ونماذج أكثر ملاءمة؛ لرصد السياسات الفعالة. وتمثل التكلفة أحد المؤشرات التي تستلزم ربطا أقوى بين الدراسات الأكاديمية، والعالم الواقعي. قد تشمل المؤشرات الأخرى تحويل مسار التجارة والاستثمار إلى صناعات "قذرة" ذات انبعاثات كربونية عالية، في أماكن أخرى في الخارج، قرابة السواحل أو بعيدا عن البلاد، ولا غنى عن ذلك لمواءمة سياسات المناخ مع سياسات الاستثمار والتجارة. كما أن هناك حاجة إلى مقاييس للاستثمار العام في مجالات البحث والتطوير. وبوجه عام، يجب توضيح معالم الجهود المتعهد بها للتأثير على القطاعات الفردية.

ثالثًا: سيسهل التركيز على السياسات الناجحة فعليّا تحديد المجالات التي يجب أن يزداد تعاون البلدان فيها. وتشمل السياسات المرشحة تدابير خفض تكاليف تكنولوجيات الطاقة المتجددة والفعالة؛ وبذل جهود لإيقاف إزالة الغابات (مثل تلك المرتبطة بصناعة زيت النخيل)؛ ووضع سبل للحدّ من جزيئات السخام، وغازات الدفيئة قصيرة العمر، مثل الميثان. وبالتركيز على مثل هذه النجاحات؛ ستجني الحكومات والشركات والأطراف المعنية الأخرى المزيد من الفوائد الملموسة، من جرّاء المشاركة في اتفاق باريس.

[email protected]

أخبار ذات صلة