الحجر الأساس للحضارة الإسلامية

رية  الخزيرية

لقد شاءت حكمة الله واقتضت إرادته أن يخلق البشرية ويُسكنها في الأرض ويُرسل إليها رسلاً ليعلموها بالقوانين والتشريعات الإلهية قال تعالى:  ((قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)).

وقد حمل الرسلُ الرسالة الإلهية ونقلوها إلى البشرية على أكمل وجهٍ، وقد لاقوا الكثير من الصعاب والعقبات التي اعترضت طريقهم في سبيل أداء الأمانة، وإن آخر الرسل محمدًا العظيم كُلف بأعظم مهمةٍ وهي المهمة الرئيسة التي أوكلها الله لبني آدم في هذه البسيطة ألا وهي مهمة تبليغ الدعوة وإكمال مشوار الرسل الأخيار الذين أرسلوا تترًا من قبله.

وقد كانت رسالة محمدٍ العظيم رسالةً خالدةً سجلت تاريخها وآتت أكلها في وقتٍ قصيرٍ جدًّا مقارنةً بسنوات دعوة امتدت  ثلاثة وعشرين عامًا فقط فُتح خلالها جزءٌ كبيرٌ من الكرة الأرضية وأُحنيت أمام الحضارة الإسلامية التي بُنيت حضاراتٌ عظمى يحسب لها العالم ألف حساب.

وقد كانت لتعاليم الكتاب العظيم الذي أنزله الحق سبحانه على خاتم الأنبياء والمرسلين ألا وهو القرآن الكريم الأثر البالغ في تأسيس الحضارة الإسلامية التي امتدت منذ ساعة نزوله خمسة عشر عامًا، فقد كانت تعاليم القرآن الكريم الموجه الأول لوضع اللبنة الأساس في سبيل اعتلاء السماء والوصول إلى النجوم وبناء حضارةٍ لا تتقهقر.

وفي مقال "أنموذج القرآن كحجرٍ أساسٍ للحضارة الإسلامية" للكاتب فاشري أيدولسيا والمنشور باللغة الإنجليزية في مجلة TSAQAFAh (عدد 16، مايو 2020) ما يؤكد على أهمية العودة إلى الحجر الأساس الذي انبنت عليه الحضارة الإسلامية.

وقد افتتح الكاتب مقاله بالحديث عن الضعف والفقر وغياب العدالة في الكثير من البلدان الإسلامية اليوم، وأرجأ ذلك إلى أن كثيرًا من علماء المسلمين يعيرون تمجيداً عظيمًا للحضارة الإسلامية دون النظر إلى تعاليم القرآن وما يأمر به وما ينهى عنه، وهذا مما نتفق فيه مع الكاتب إذ أن كثيرًا من مسلمي اليوم يدعون الإسلام ولكنهم يعطلون الكثير من أوامر القرآن الكريم ولو طُبق القرآن بحذافيره لكانت الحضارة الإسلامية في أوج قوتها وعزتها ولما تزعزت وشلت حركتها وتردت أوضاعها.

ويرى الكاتب أن تطور أي حضارة وانحطاطها يُعزى إلى التعليم والتطور العلمي وهذا هو الواقع فبقدر ما تكون الأمة متعلمة ومواكبة للتطور تتقدم الحضارة، والقرآن الكريم نزل مشجعًا للعلم والعلماء، بل ورفع قدر العلماء إلى أعلى عليين إن هم استقاموا على النهج المبين؛ ولذلك تجد الكثير من آياته العظيمة داعيةً إلى التفكر والتدبر والنظر والتبحر.

وأورد الكاتب ما ذكره ابن خلدون من أن الحضارة نتاجٌ لعدة عوامل من بينها: قدرة الحكومة السياسية، والتوظيف وإيجاد مصادر الرزق، والعلوم والتكنولوجيا.

 وأرى أن هذه العوامل جزءٌ عظيمٌ من الأسس التي تقوم عليها الحضارة؛ فالحضارة التي تكون لها قوةٌ سياسيةٌ واقتصاديةٌ ولها نصيبٌ من التقدم الفكري والعلمي والتكنولوجي هي الحضارة التي تقوى ويطول عمرها ويبتعد عنها الأجل أما الحضارة التي يطالها الضعف السياسي ويطالها قلة مصادر الدخل هي حضارةٌ مهددةٌ بتزعزع كيانها وذهاب ريحها وانطفاء شمعتها.

وانتقل الكاتب إلى الحديث عن الإسلام فهو يرى أن الإسلام لا ينظر إلى نفسه كدينٍ فقط وإنما كصانعٍ للحضارة، وهذا ما يليق بالمسلم المعتز بإسلامه فهو إلى جانب التزامه بأوامر دينه إلا أنه لا يغفل الجانب العلمي والتكنولوجي ويسعى جاهدًا لتقديم أفضل ما عنده لخدمة البشرية جمعاء.

كما يشير الكاتب إلى أن الإسلام لا يعطل التقدم العلمي بل على العكس تمامًا فهو يساوي بين الناس وبين الأسود والأبيض ويأمر الجميع بالسعي الدؤوب إلى الاكتشاف والتعلم والرقي بالحياة البشرية، فالله خلق البشر لعبادته وعمارة الأرض ولا تتأتى العمارة إلا بالعلم والعمل.

وقد أشار الكاتب كذلك إلى تقسيمة ابن رشد لفترات نزول القرآن، حيث إنه قسمها إلى ثلاثة أقسام وهي:

1. القسم المكي في المرحلة المتقدمة: ولادة الإسلام في الحياة.

2. القسم المكي في المرحلة المـتأخرة: ولادة المعرفة كهيكل من منظور الحياة.

3. القسم المدني: ولادة الحضارة الإسلامية.

وأتفق مع هذه التقسيمات إذ إن المرحلة الأولى من مراحل نزول القرآن كانت تستهدف تطهير العقيدة ليكون الإيمان واقرًا في القلب، والمرحلة الثانية كانت تستهدف فقه المرء لدينه والتوغل في العلم، والمرحلة الثالثة كانت تهدف لتأسيس حضارةٍ إسلاميةٍ خالصةٍ تحمل نور الهداية والعلم إلى العالم أجمع.

وقد كان الناس قبل القرآن في جاهليةٍ عمياء، وبمجيء القرآن انتشلهم ليكونوا قادة العالم وفاتحي الحضارات العظمى كفارس والروم، وكل ذلك لأنهم انتهجوا نهج الكتاب الذي أُنزل من قبل إلهٍ عظيمٍ جل جلاله، وعندما ابتعدوا عنه أبعد الله عنهم الفتوحات وعاد الكثير منهم إلى الجاهلية الأولى.

وعرج الكاتب إلى أنه عندما جاء القرآن لم يفرق بين الناس بل جمع شتاتهم تحت مظلةٍ واحدةٍ وجعل التسامح بينهم أساساً من الأسس التي لا ينبغي التفريط بها وكانت الكنائس تجاور المساجد فلا يعتدي أحدٌ على أحد بل ووصل الأمر إلى أن القرآن أمر بأن يؤخذ من الحضارات الأخرى ما يتناسب مع تعاليمه دون أن يعطل ذلك كليّا، وكذلك فإن القرآن حرم الاعتداء بغير حقٍ، وجعل تشريعاتٍ تقض بنيان العداء وتكسر الحواجز بين الحضارات والحواجز بين الديانات.  

وأخيرا طرق الكاتب باب انهيار الحضارة الإسلامية وكيفية الخروج من هذا الوحل، وأشار إلى أن الرجوع إلى الدستور الملكي القرآني هو المخرج الوحيد لرجوع هيبة الحضارة الإسلامية وروحها المفقودة التي تبحث عن ماء الحياة منذ زمن طويل؛ فلو طبق الناس تعليمات القرآن الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور لكان ذلك باعثًا عظيمًا لولادة الحضارة الإسلامية من جديد واستعادة نشاطها وقوتها وعزتها.

ولو رجعنا بالتاريخ إلى الوراء لوجدنا أن الحضارة الإسلامية ما كانت لتخرج من مستنقع ظلمات الجاهلية الأولى لولا أن منّ الله عليها بنعمة القرآن الذي انتشلها، وكما قيل لا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وقد كان القرآن هو اللبنة الأساس لقيام هذه الحضارة فلا يمكن إعادة بنائها إلا أن وُضع الحجر الأساس نصب الأعين من جديد.