مشكلة الإنسان هي الإنسان 

هاجر  السعدية

تشكل وسائل التواصل الاجتماعي أحد أشكال ثورة التقنية في القرن الحادي والعشرين؛ نتيجة ما أحدثته هذه الوسائل على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية والفكرية من تغيرات جذرية في المفاهيم الكلاسيكية التقليدية. هذه التقنية جعلت العالم مفتوحاً على شاشة الهاتف الذكي، فالمجتمعات اليوم يُعاد صياغتها وتشكيلها وفقاً للواقع الذي أفرزته وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ما جعل وسائل التواصل الاجتماعي من القضايا التي تصدح في قاعات اجتماعات الوزارات والهيئات الحكومية والخاصة، وتمثل سجالا عاما في مجالس الأصدقاء والأسر، ومحط اهتمام الباحثين العلميين في مختلف التخصصات بسبب حالة التقويض والتغيير التي تحدث في المفاهيم الكلاسيكية وامتدادها في كل مجال. وبطبيعة الحال لكل ظاهرة أو فكرة جديدة في مجتمع ما أنصارها وأعداؤها أيضًا. ومن الباحثين الذين درسوا هذه الظاهرة الباحث: عمار حمشو في الربع الأول من عام 2020م، حيث جاء عنوان مقاله العلمي (وسائل التواصل الاجتماعي وأثرها على الأسرة المسلمة). فتكونت دراسته من ثلاثة مباحث وخاتمة.

 المبحث الأول مفهوم وسائل التواصل الاجتماعي ومراحل تطورها. المبحث الثاني: آثار وسائل التواصل الاجتماعي. المبحث الثالث: دراسة بعض آثار وسائل التواصل الاجتماعي المؤثرة في الأسرة من ناحية فقهية.

يعد مفهوم وسائل التواصل الاجتماعي غنياً عن التعريف، يردده رجل الشارع قبل الباحث في يومياته بكثرة لموازاته لفكرة العيش؛ فوسائل التواصل الاجتماعي تشكل العالم الافتراضي الذي نعيشه وتوازي العالم الواقعي من حيث قدرتنا على تبادل الأفكار والمشاعر والتفاعل، فهي مجتمعات افتراضية عبر شبكات الإنترنت- مجال عام افتراضي- تجمع مجموعة من الأفراد يحملون الاهتمامات نفسها ويتبادلون الخبرات والمعلومات. 

تتنوع شبكات التواصل الاجتماعي؛ حيث يرتكز كل منها على شكل من أشكال التواصل الإنساني، فهناك التواصل عن طريق الكتابة والصور والتسجيل الصوتي ومقاطع الفيديو، والحقيقة لا يمكننا حصرها نتيجة تزايدها ولكن ثمة مواقع تعد الأبرز في هذا المجال وهي: 

فيسبوك: يساعد على تبادل المعلومات والصور الشخصية ومقاطع الفيديو.

تويتر: يقدم خدمة التدوين المصغر التي تسمح بإرسال تغريدات عن الحالة.

واتساب: تطبيق مراسلة فورية متعدد المنصات للهواتف الذكية، ويمكن المستخدمين من إرسال الصور والرسائل الصوتية والفيديو والوسائط والمكالمات. 

إنستجرام: تطبيق مخصص لالتقاط الصور وتعديلها ومشاركتها، وأضيف إليه مؤخراً ميزة المحادثات بالرسائل النصية والصوتية أيضاً.

تيلجرام: يتيح للمستخدم إمكانية تبادل الصور والفيديوهات والرسائل بسهولة وبسرعة عالية، يتميز هذا البرنامج باهتمامه بالناحية الأمنية للخصوصية. فهو أكثر التطبيقات أماناً في تبادل المعلومات. 

وفي المبحث الثاني عكف الباحث على ذكر الآثار السلبية والإيجابية لوسائل التواصل الاجتماعي، وفي الحقيقة هي نفسها التي ترد في أي مجال عام سواء كان افتراضيا أو واقعيا؛ فالمستخدم ينتفد ما يستخدمه من هذه الوسائل.ويبدو أن الآثار السلبية والإيجابية متشابهة في جميع أقطاب العالم مع اختلاف الجعرافيا والثقافة والدين إلخ. فالآثار السلبية التي أشار إليها الباحث على صعيد  الأسرة هي: 

ارتفاع نسبة الطلاق بسبب وسائل التواصل الاجتماعي: فالقانونيون أوضحوا أن أسبابا عديدة تقف وراء تفاقم مشكلات الطلاق والخلافات الاجتماعية وفي مقدمتها تأتي مواقع التواصل الاجتماعي. 

ضعف العلاقات الأسرية والعزلة النسبية للأسرة.

ازدياد الخيانة الزوجية

القضاء على صلة الأرحام والزيارات بين الأقارب

غياب التهنئة الشرعية

ضعف المستوى الدراسي

اصطناع الشخصية الوهمية الكاذبة

كثرة الأمراض الجسدية

وعلى الضفة الأخرى ذكر الباحث الإيجابيات، ويمكننا تلخيصها في: تدعيم العلاقات الأسرية داخل العائلة، تسهيل الزواج من خلال التعارف عبر هذه الوسائل، إبرام العقود بواسطة هذه الوسائل، اكتساب الخبرات وتكوين الصداقات، وسيلة لترميم الود بين أفراد الأسرة، وسيلة تعليمية لأفراد الأسرة، مد أواصر الصداقة بين الأصدقاء القدامى، زيادة الحصيلة اللغوية واستخدام مفردات جديدة لأفراد الأسرة، تعد مصدرا للمعلومات والأخبار للأسرة، البحث عن الفرص، عقد المؤتمرات والاجتماعات.

وفي سبيل الحد من الآثار السلبية، خلص الباحث إلى وضع ضوابط وإرشادات عند استخدام وسائل التواصل الاجتماعي تمثلت في الآتي: تجنب الخضوغ واللين في القول من الجنسين، عدم تشبّه النساء بالرجال أو الرجال بالنساء خاصة في الأسماء (الاسم المستخدم)، عدم وضع المرأة صورتها أو صور  عائلية تجنباً للخلافات الأسرية، انتقاء الرموز التي لا توحي بالحب والغرام خاصة عند الحديث مع الجنس الآخر، الاكتفاء بين الجنسين بالاتصال الإلكتروني الكتابي دون الصوتي، عدم استخدام تعبيرات المزاح والدعابة أو كلمات المغازلة والإيماء التي تدفعهما إلى التماس الاتصال والالتقاء كما لاينبغي أن يختم أحدهما عبارته برسمة قلب أو وردة، احترام التخصص العلمي وعدم النشر في غير التخصص وترك الخوض في التعليقات التي لاصلة له بها، الصبر وتحمل الأذى، فمجال التواصل الإلكتروني يعج بالشتائم فلابد من الصبر. وفي نهاية هذا المبحث يطالب الباحث المؤسسات الدعوية والثقافية أن تبين وتعمم هذه الضوابط للارتقاء بأساليب التعامل مع هذه الوسائل. 

وفي المبحث الأخير تطرق الباحث إلى مسألة إبرام عقد النكاح وحكم الطلاق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وخلص إلى أنه لا يجوز إبرام عقد الزواج كتابة أو نطقاً بدون اتحاد المجلس افتراضيا عبر هذه الوسائل، كما يصح عقد النكاح بمكالمة صوتية مباشرة يسمعها الشهود وتتوافر فيها الشروط والأركان ويجوز الطلاق عبر هذه الوسائل لأنَّ الطلاق لا يحتاج إلى شهود. 

 يعد هذا المقال بالنسبة لي مستفزا جدا؛ من خلال محاولة الباحث أسلمة وأدلجة وسائل التواصل الاجتماعي حسب المفهوم التقليدي للإسلام، وهذا ما يعكس صفة التزمت والجمود في الفكر. وهنا تبرز الحاجة إلى ضرورة تجديد في الخطاب الديني. لا يمكننا التعامل مع معطيات الحياة في الوقت الراهن وفق صياغة يجب أو لا يجب، حلال أو حرام إلخ، بل علينا أن نتعامل مع أحداث اليوم ومع الأجيال الجديدة وفق التفكير المنطقي والعقلاني الذي يتيح باب السؤال والاستفسار والأخذ والعطاء في مسألة ما. هل يمكن معالجة ظاهرة كتابة الأسماء المستعارة في وسائل التواصل الاجتماعي من خلال عملية النصح التي تتضمن أسلوب الحلال والحرام؟ قبل الإقرار في أمر ما يجوز أو لا يجوز علينا أن نفكر قليلا: ما الذي يدفع المرء إلى التخبي تحت ستار اسم أو شعار غير اسمه؟ وصورة غير صورته؟ قد يكون الأمر أبعد كثيراً عن التفسير الديني الذي يصف الفعل تشبها بالجنس الآخر دون الغوص في العوامل الذي شكلت هذا الفعل.

في الحقيقة ما نراه في وسائل التواصل الاجتماعي من ظواهر تتسم بالسلبية هي نتيجة البراديغم الثقافي والاجتماعي الذي يعيش فيه المرء، فإذا حدث طلاق أو تفكك أسري بسبب وسيلة التواصل الاجتماعي فإن ذلك يعني وجود مؤشر حقيقي يشير إلى خلل في البراديغم الثقافي والاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد، ولا يمكننا القول إن الفيسبوك أدى إلى زيادة حالات الطلاق طالما هناك وجود أفراد مستفيدين من هذه الوسائل وتتعامل معها حسب ما ترتأيه مصلحتها النفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية،   وحذف فيسبوك لا يحذف المشكلة أيضا. مشكلة الإنسان هي الإنسان، جميع ما نراه من ظواهر في المجتمعات هي عبارة عن مجموعة من ممكنات الإنسان في مختلف العصور ومع تعدد الظروف. 

أخبار ذات صلة