تمثلات الهويّة في الأدب والثقافة العُمانيّة 

نادية اللمكية

نشرت الباحثة والأكاديميّة البولنديّة باربرا ميتشالاك بيكولسكا مقالا باللغة الإنجليزية  بعنوان "الهويّة في مخرجات الحياة الأدبية والثقافية في عُمان" في العدد الخاص من مجلة " Studia Litteraria Universitatis Iagellonicae Cracoviensis " وهي مجلة سنويّة محكمة تصدر عن جامعة ليتريريا البولنديّة، مختصة بنشر المقالات البحثيّة في اللغة والأدب والنقد. يناقش المقال جملة العناصر المكوّنة لهوية الأديب العُماني، والانعطافات التاريخيّة والثقافيّة التي مر بها في مراحل زمنيّة مختلفة وأثر ذلك على تكوين هويّة الأدب العُماني، مركزًا على نماذج من أدباء العصر الحديث.

 

الهويّة في المفهوم العربي والعماني

بحسب الكاتبة، تمثل الهويّة مدخلا للتعريف بالأفراد والجماعات بناءً على انتماءاتهم الثقافيّة أو اللغويّة أو الدينية أو العرقيّة، وهي تتخذ زوايا مختلفةً من التعريف بناءً على الاختصاص الذي تدرس فيه وتناقش على ضوئه، وفي العالم العربي يرتبط مفهوم الهويّة ارتباطًا وثيقًا باللغة والدين؛ إذ إنّ القرآن وهو تشريع الدين الإسلامي جاء باللغة العربية، ما يجعل اللغة والدين وجهين لعملةٍ واحدة؛ لذلك تمثل كلمة "عربي" المشتقة من المصدر "العربيّة" وهي اللغة، تصويرًا أوليًّا شاملا عن العناصر الثقافيّة والدينيّة والتاريخيّة المكونة لهويته، ويسقط هذا التصوير أيضًا على الإنسان العُماني الذي تتشكل ثقافته وهويّته بدءًا من الدين واللغة، وتأخذ الكاتبة الشاعر أبا مسلمٍ البهلاني نموذجًا للشعر الذي يمثل الهويّة الأصيلة، فالشاعر عاش بين زنجبار وعُمان وعاصر التحولات في المجتمع العُماني على الجانبين، فجاء شعره مزيجًا بين آرائه السياسية حول الإمامة والسلطة، وبين اتجاهه الديني، مستخدمًا لغة حديثةً ورصينةً مشتقةً من المعجم الديني، فكوّن ديوانًا ثريًّا من القصائد الشعريّة، وهو يمثل -بحسب وصف الكاتبة- الأب الروحي للشعراء العمانيين في تلك الحقبة وما بعدها، وما زالوا يعرفون أنفسهم به كشعراء.

اتساع مفهوم الهويّة عند جيل أدباء الخمسينيّات

يمثل الجيل الثاني من الأدباء العمانيين فترة ما بعد الإمامة في خمسينيات القرن الماضي، وتذكر الكاتبة من بين أهم أدباء هذه المرحلة: أبو سلام الكندي، وسليمان السالمي، وعبدالله الخليلي، ويمكن ملاحظة تحول مفهوم الجذور والهويّة في أدبهم من خلال اتساع القضايا التي يناقشها؛ إذ يتجاوز الحديث عن عناصر المجتمع العُماني وطموحاته إلى مفهوم الوحدة العربيّة والإسلاميّة، فالشاعر والأديب يعالج في طرحه قضايا الأمة والشعوب العربيّة، ويتفاعل مع أحداثها، ويشارك برأيه في ما يجري من ثوراتٍ وحروب على أراضي الأمة الإسلاميّة.

وعلى الجانب الآخر أيضًا تمثل حقبة الستينيات مرحلةً مهمة في التاريخ العُماني بانتهاء الحكم العُماني البوسعيدي في شرق أفريقيا، وترى الكاتبة أن فكرة "الشتات" بدأت تظهر في الأدب العُماني مرتبطةً بانفصال هذا الجزء من الإمبراطوريّة العمانيّة عن عاصمة الحكم "مسقط"، فكانت مدخلا لأدب يصور رحلة العودة إلى الوطن الأم وبقاء أطلال دولة البوسعيد في زنجبار وما حولها.

كما تظهر هذه الحقبة من تاريخ الأدب العُماني هويّة الأديب بوصفه جزءًا يحمل خصوصيّةً مرتبطةً بمنطقة الخليج العربي، يظهر ذلك جليًّا في كتابات عبدالله الطائي الذي يرى في المشترك الخليجي العربي وحدةً استطاعت أن تقف خلال فترات متعاقبةٍ من الزمن في وجه البرتغاليين والفرس، مسترجعًا في أدبه بطولات الخليجيين وملاحمهم تجاه هذا العدو المشترك، وتظهر في كتاباته مفاهيم القوة والمجد والبطولة مستندًا على تاريخٍ من الصمود والمقاومة الذي كلل بطرد البرتغاليين والفرس من الأراضي العُمانيّة والخليجيّة.

 

تحول مفهوم الهوية عند أدباء النهضة

يتحول مفهوم الهويّة وتشكلاتها عند الأدباء من جيل النهضة ليعود أكثر ارتباطًا بالوطن؛ إذ إنّ الاستقرار السياسي وظهور ملامح التحسين الاقتصادي بتولي السلطان قابوس بن سعيد الحكم ولدت شعورًا مرتبطًا بالفخر والاعتزاز بتاريخ هذا البلد وملامح قوته، فيعرض الأدباء من أمثال: أبو سرور عبدالله بن حميد الجامعي التاريخ العُماني من خلال سرد أهم بطولات العُمانيين والوقوف على أبرز المحطات التي شكلت منعطفًا في التاريخ المجيد لعُمان ليصوروا عُمان الحديثة وهي امتدادٌ لما بناه العمانيون الأمجاد الأوائل.

 فيما يحيل أدباء التسعينيات انتباههم إلى عناصر مختلفة، إذ يؤثر الاستقرار السياسي والتطور الاجتماعي والاقتصادي على نظرتهم لعناصر الهويّة وتشكلاتها؛ فيغدو الوطن والطبيعة والحب أرضيةً قامت عليها الكتابات الأدبية للأدباء من أمثال: سعيد الصقلاوي، وسيف الرحبي، ومحمد الحارثي، وعلى الرغم من اختلاف الأساليب اللغوية التي يكتبون بها يظل حب الوطن والتأكيد على المقومات التي تجمع العمانيين، القاسم المشترك الذي يجمع كتاباتهم.

 

 الحراك الثقافي وتأثيراته على الهويّة

تناقش الكاتبة الأثر الذي حققه إنشاء النوادي الأدبية والثقافيّة على مستوى الحركة الأدبية والثقافية في عُمان، ومراحل تشكل هذه النوادي، وقدرتها على احتضان مواهب الشباب وتوجيه اهتماماتهم، واتصالها بالمؤسسات والمراكز الخارجيّة لتبادل الحوار حول مختلف القضايا والمفاهيم، واجتذابها مفكرين وأدباء وباحثين عالميين للمشاركة في الأنشطة والبرامج والندوات التي تنظمها.

وعلاوةً على ذلك تمثل الأنشطة الثقافية مثل المسرحيات والأمسيات الشعرية ومعارض الفنون والتصوير والموسيقى مدخلا ساهم ويساهم في إثراء الأدباء والفنانين والمثقفين ودفعهم نحو التفاعل والمشاركة في فضاء الثقافة مع أقرانهم بمختلف دول العالم، كما تحظى المرأة بمساحةٍ أدبية وثقافيّة تتيح لها المشاركة بإنتاجها المعرفي والتفاعل مع ما يقدم من أدبٍ وثقافةٍ في مجتمعها.

كما تعرض الكاتبة تطور الكتابة الصحفيّة في عُمان وقدرتها على التأثير في القضايا المختلفة، وتُشير إلى أن التنوع في الكتابة الصحفيّة بين الصحف والمجلات سمح باحتواء مختلف الأفكار والاتجاهات، ما ساهم في تشكيل تنوعٍ وثراءٍ ملحوظ بين الشباب العُماني كُتابًا ومفكرين وفنانين ومثقفين، غير أنّ جذور الهويّة بقيت مشتركةً ومرتبطةً إلى حد بعيد بالوطن عُمان وبكل ما يمثله من عناصر طبيعيّة ومقوماتٍ تاريخيّة وتطلعاتٍ مستقبليّة.

 

 صورة الهويّة في الكتابة النثريّة 

تركز رؤية الكاتبة على تحول مفهوم الهويّة عبر أجيال الكتاب والأدباء العُمانيين من مفهوم السياسة (المرتبط بالإمامة) والدين واللغة، إلى مفهوم أكثر تركيزًا على الوطن بوصفه الجزء الذي يمثل انتماءات الكاتب بعمقها وحضورها؛ فالقصة العُمانيّة القصيرة تستدعي الأحداث من عمق التاريخ العماني لتؤكد الوعي بالانتماء للوطن، فيصبح الوطن الحبيبة التي يشكل الحفاظ عليها وحمايتها جزءًا من كرامة الرجل ومظهرًا من مظاهر نبله يستشعر بها مسؤوليته كما في قصص علي المعمري، وعلاوةً على ذلك تستدعي الكتابة النثريّة صورًا من ملامح الهويّة العُمانية التي يمثل فيها الكدح في الأرض، والسعي للرزق، والارتباط بالبحر والصحراء والمزرعة، والتشارك في الحزن والألم والفرح مظهرًا لحياة العُماني.

 

الخلاصة

إنّ الأديب العُماني يختبر في الأدب قدرته على الصمود والمواجهة على امتداد معارك التاريخ، وقدرته على التفاعل مع أحداث اليوم ومشكلاته بذات القدر الذي يتفاعل معها الأديب في الشرق والغرب، يرى فيه الإنسان العُماني برؤية متكاملة تجسد الرغبة في الاستلهام من بطولات الأجداد والعزيمة على صنع مستقبل أفضل، وهو في هذا كله لا ينسى أن يصور المجتمع العُماني كما هو بهمومه وأفراحه برغباته وطموحاته بصلابته وانكساراته، غير أن الذي يسعى دائمًا لحفره في هويّة الأجيال القادمة هو أن الوطن بكل عناصره وعلى امتدادها الزمني تشكلنا وتشكل ذواتنا.

أخبار ذات صلة