الإسلام حضارة وفكر

حميد الصلتي  

إنَّ الله خلق الإنسان وكرَّمه وجعل له السمع والبصر والفؤاد ليهتدي بها ويُعملها وفق ما يتوافق مع الشريعة التي سنها له في الحياة؛ فالله جعل الإسلام دينًا للبشرية كلها على اختلاف أجناسها وألوانها وأصنافها، وإلى جانب أمره سبحانه بالتدين فإنِّه جعل الانفتاح على العلوم الأخرى مطلبًا وجزءًا لا يتجزأ من إيمان المرء.

فالإسلام هو الدين الذي يشجع بقوة النظر والتفكر والتفحص والسير نحو الأمام بكل ما أوتي الإنسان من السبل المشروعة والمباحة من قبل الإله العظيم.

ولذلك نجد أن الإسلام جعل لطلبة العلم منزلةً خاصةً دون سواهم وجعلهم في أعلى عليين إن هم ساروا وفق المنهج المرسوم الذي لا يخرج عن النهج القويم، وقد حرص الإسلام على تشجيع معتنقيه بالتوغل في شتى العلوم وفق الضوابط المرسومة سواءً كانت هذه العلوم دينية أو طبية أو فلكية أو كونية أو نفسية أو رياضية أو كل ما يمت بخدمة البشرية والارتقاء بمستوى أدائها وتطورها والدفع بعجلة مضيها نحو الأمام.

ولذلك نجد أن الله في مواضع كثيرةٍ من كتابه العظيم يأمر بالتفكر والتبحر والنظر والتأمل في هذا الكون الشاسع وفي الأنفس وفي الآفاق وفي ذلك  دعوة إلى الانفتاح إلى شتى العلوم المختلفة، وفي مقال "تطور الفكر والحضارة الإسلامية في منظور التاريخ" للكاتب دين محمد زكريا والمنشور باللغة الإنجليزية في مجلة Studia Relegia Jurnal Pemikiran dan Pendidkan islam (عدد 4، يونيو 2020) ما يشبع بطن الجائع والمتلهف لمعرفة المزيد عن تطور الفكر والحضارة الإسلامية.

وقد أشار الكاتب في مقدمة مقاله إلى أسباب التطور السريع للفكر الإسلامي عبر التاريخ والتي يمكن إجمالها في الآتي:

1. انفتاح الإسلام على الديانات والحضارات الأخرى: وهذا ما لا نختلف فيه مع الكاتب، إذ إنَّ انفتاح الإسلام على الديانات والحضارات الأخرى قلص من حجم الفجوة التي من الممكن أن تحدث فيما لو هُمشت إنجازات الحضارات الأخرى. 

2. موقف المسلمين المتسامح والمتوافق مع هيمنة الفكر والحضارة الأجنبية: وهذا مما يدعم القضية التي من أجلها تُرفع راية الإسلام فالتسامح مع الفكر المنبلج من قبل الطرف الآخر والأخذ منه وتعديله بما يتناسب مع الشريعة التي تقوم عليها الحضارة الإسلامية كان له دور مهم في استمرار دوران عجلة تقدم الحضارة الإسلامية بدلًا من الانعزال وبناء الحضارة من حجر الصفر.

3. حب المسلمين للعلم وتعلقهم به: وهذا مما تدعمه الشواهد التاريخية حيث كان للمسلمين دور بارز في شتى العلوم الفلكية والطبية والرياضية وقد تمكن كثيرٌ من العلماء المسلمين في هذه العلوم نتيجة حبهم وتعلقهم بالعلم ونتيجة إيمانهم بأنَّه لا يمكن للمسلم أن ينغلق على نفسه دون أن يبحر في العلوم التي سخرها الله له من أجل خدمة البشرية جمعاء.

4. دمج العلماء المسلمين وانخراطهم في العمل مع الحكومات: وهذا كذلك كان له دورٌ كبير في دفع عجلة الحضارة إلى الأمام إذ إنَّ الحكومات الإسلامية كانت تعتمد على العلماء كثيرا في سبيل تطوير أنظمتها التعليمية والاقتصادية والاجتماعية إضافة إلى أنظمتها الصحية والدفاعية.

5. حرية الفكر: ولا يخفى على ذي لب ما لحرية الفكر من أثرٍ بالغٍ في السير بالحضارة الإسلامية إلى النجوم ولأن المسلمين آمنوا بحرية الفكر لم يضعوا الحضارات على هامش الورقة بل أخذوا من تلك الحضارات ما يتناسب وعدلوا وأضافوا بصمتهم إلى الكثير من العلوم.

6. تطور المؤسسات التعليمية خلال حكم الخلافة الراشدة والعصر الأموي والعباسي: ولا يمكن أن نغفل الدور الكبير الذي اضطلعت به الخلافة الراشدة والعصور الأموية والعباسية عند بعض خلفائها الذين كانت لهم نظرات ثاقبة تتطلع إلى تطوير المؤسسات العلمية وتهتم بالعلم وطلبته بل أدى الحال إلى بعضهم كالخليفة هارون الرشيد إلى مكافأة من يؤلف كتابًا بوزن ذلك الكتاب ذهبًا ولا يدل ذلك إلا على اهتمام ذلك السلف بتطوير البلاد المسلمة وتسليحها بسلاح العلم والمعرفة.

وانتقل الكاتب بعد مُقدمة مقاله إلى الحديث بشكل مفصل عن تعريف الفكر والحضارة فهو يرى أن الفكر هو عبارة عن سلسلة من الخيالات أو الأحاديث القلبية أو النيات التي تدور حول البحث والربط بين الأشياء لمعالجة قضية ما، وأتفق مع الكثير من أجزاء تعريفه هذا؛ إذ إنَّ الفكر كما يبدو لي مجموعة من الأفكار التي تكون وليدة وجود معضلة أو حدث عابر أو قضية معينة.

كما يشير الكاتب إلى أنَّ الكثير من الناس يرى أن مصطلح الحضارة مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بالثقافة والعادات والتقاليد والمعتقدات، وهذا لا يتمارى فيه اثنان إذ إن الحضارة من وجهة نظري هي وليدة وجود قواسم مشتركة بين مجموعة من الناس كوحدة الثقافة والدين والعادات والتقاليد والمعتقدات وهذه الوحدة هي التي تجمعة الفرقة وتوحد الصف وتكون الحضارة.

ولكن الأمر مختلف نوعًا ما مع الحضارة الإسلامية إذ إن الحضارة الإسلامية تعطل كل معتقد أو عادة أو ثقافة تتعارض مع الأوامر الملكية الإلهية، وهذه هي أهم سمة تؤهل الحضارة الإسلامية لتكون حضارة عامة مناسبة لجميع من يريد أن يستظل بظلها فهي تظل الناس بمظلة واحدة لا تستقي ظلها إلى من خالق الكون فقط وموجد الموجودات.

ويرى الكاتب أن مخاض الفكر يسفر عن ولادة الحضارة والعكس صحيح فمخاض الحضارة يسفر عن ولادة الفكر ويمكن الربط بين ما سطره الكاتب في أن نشأة الحضارة تجعل من الفكر يتحرك وذلك لتقويتها وتطويرها والرقي بها، والعكس صحيح؛ فنشأة الفكر يجعل الفكر يتحرك لبناء حضارة مستقلة شامخة بنفسها كما هو حال الإنسان الفطري في حب الاستقلالية.

كما يرى الكاتب أن الحضارة الإسلامية وصلت في أوج تطورها في العصر العباسي حيث انتشرت المدارس وبنيت دور العلم وتطور التعليم وزاد إكرام طلبة العلم وخاصة في عهد الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون.

وفي الختام لا يسعنا إلا أن نقول إن الحضارة الإسلامية كان لها فضل السبق في كثير من العلوم وهي وإن شَلّت حركتها اليوم فإننا على يقين أن المارد النائم في داخلها سيستيقظ يومًا ما ويرى النور ويدحض دياجير الظلام ويقتحم شتى العلوم ويتمكن فيها ويصبح الرائد الأول عليها.

أخبار ذات صلة