دور المؤسسات المجتمعية في الحد من الأثر السلبي للإعلام الفضائي

محمد  الإسماعيلي

يُعد الإعلام الفضائي واحداً من أبرز أدوات التلقين والتوجيه السلوكي في وقتنا الحاضر؛ مما جعل كثيرا من المنظمات والحكومات والدول تعتمد عليه أيّما اعتماد في كثيرٍ من حملات التوعية والإرشاد؛ لقدراته الكبيرة والواسعة في التأثير. بيد أن الإعلام الفضائي يبقى سلاحاً ذا حدّين؛ لذا وجب دراسة مفهومه من حيث النشأة والتطوّر والاستخدام، وهذا الذي قدمه الدكتور أحمد ضياء الدين حسين -أستاذ مشارك، أصول التربية الإسلامية، بجامعة اليرموك الأردنية- رفقة الأستاذة نهى صبري محمد القطاونة -باحثة، ماجستير في الإعلام، بمؤسسة الإذاعة والتلفزيون بالأردن- اللذان قدّما بحثا باللغة العربية عنوانه: "الأثر التربوي للإعلام الفضائي في سلوك الأفراد"، نُشر في المجلد السابع، عدد (1) رمضان 1441هـ/ نيسان 2020م، في مجلة المشكاة للعلوم الإنسانية والاجتماعية، مجلة علمية عالمية محكّمة صادرة عن عمادة البحث العلمي في جامعة العلوم الإسلامية العالمية بالمملكة الأردنية الهاشمية. وقد أفاد هذا البحث بياناً عن إيجابيات الإعلام الفضائي وسلبياته، ودور المؤسسات التربوية والإعلامية في ذلك وكيفية التعامل معه.

 

شهد العالم منذ سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين المنصرم، حراكاً واسعاً في تزايد انتشار جهاز التلفاز، الذي عُدَّ أول أداة لبث الإعلام الفضائي آنذاك، إلى أن أضحى على رأس قائمة الاتصال الجمعي في العقد الأخير من القرن الماضي؛ فأصبحت رسائل الاتصال الجماهيري -بسبب التلفاز- ذات كثافة عالية في الانتشار؛ لما لحق بالبث الفضائي من تطوّر وتنوع، وقد تحقق هذا التقدم الإعلامي الاتصالي المتطوّر بفعل وجود الأقمار الصناعية. وكون أن الجمهور هو العنصر الأبرز في هذه العملية الاتصالية، سلّطت هذه الدراسة الضوء على دور الإعلام الفضائي في حياة الناس، وتأثيره على النمط السلوكي للأفراد إيجاباً وسلباً، وتشكيل اتجاهاتهم وقيمهم ودوافعهم.

إنَّ أهمية هذه الدراسة التي بين أيدينا تكمن في الوصول الحقيقي إلى الأثر الإيجابي والسلبي لما يقدمه الإعلام الفضائي، ووضع حلولٍ تربوية حقيقيةٍ للحد من الآثار السلبية. وأبان الباحثان عن قلة الدراسات المقدمة في هذا المجال؛ لذا اتجه مضمون المقال؛ باستخدام المنهج الوصفي التحليلي، لمعالجة ظاهرة انتشار قنوات البث الفضائي في المجتمعات العربية؛ للإسهام في صنع القرار ونشر الوعي.

جاء تعريف الإعلام الفضائي مرتبطاً بتقنيات الأقمار الصناعية، التي تعتمد على إرسال الصورة المرئية والمتحركة واستقبالها من طريق شاشة القنوات التلفزيونية. ولا يخفى على أحد أنّ الإعلام العالمي بقيادة الدول المتقدمة، مثل: الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا وفرنسا، يعد المحرك الرئيس لأهداف الأقمار الصناعية، الطامع إلى تحقيق الاستعمار الثقافي وتشويه الهوية والقيم والحضارة العربية، أضف إلى ذلك إرساء منافذ للتجسس الاستراتيجي والعسكري والأيديولوجي.

لم تستطع المجتمعات مقاومة الألفة التي تحققت بينها وبين شاشة التلفاز، تلك التي خلقت شعور الراحة والاطمئنان، فاحتل هذا الجهاز معظم الأماكن؛ شاغلا ببثه المستمر أوقات الناس، حتى ذلك السائق الذي وضعه في واجهة سيارته. ونجد إجمالاً أبرز مميزات شاشة التلفاز: الجمع بين الصوت والصورة – سهولة الوصول والاستخدام – الجاذبية – الواقعية – القدرة على مخاطبة الرأي العام – دوره في التعليم والتنمية.

لقد فرض مجال الاتصالات عبر الأقمار الصناعية سرعة كبيرة في تطور تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات والبث الفضائي، فكانت وسيلة اقتصادية للاتصال بالجماهير وإيصال الرسائل والتعرف إلى التغذية الراجعة وأخبار العالم؛ ليحقق سيطرة على بيئات التفكير الفردي والجمعي على حد سواء. وقد ازداد الاهتمام بالتلفزيون باعتباره جامعاً بين المرئي والمسموع؛ فتزايدت باضطراد كثافة الاقتناء والمشاهدة. ورغم أن التلفاز من طريق البث الفضائي، يعد من أكثر وسائل الاتصال الجماهيري جذباً وقوة وتأثيراً في تشكيل الرأي العام إيجابيا أو سلبيا وقيادته، إلا أن مكتبة البحث العلمي تؤكد على قلة الاهتمام بالموضوع ودراسة آثاره وواقعه؛ مقارنة بمستوى انتشاره وسيطرته على آراء الأفراد والجماعات والدول واتجاهاتهم، وأهميته في تشكيل سلوك المجتمعات وثقافاتهم.

 

وبين دفتي مقال: "الأثر التربوي للإعلام الفضائي في سلوك الأفراد"؛ نجد جملة من الآثار التربوية الإيجابية للإعلام الفضائي كما وضعها الباحثان، هي:

النمو المعرفي.

وسيلة للتعليم.

وسيلة لمكافحة انحرافات المجتمع.

وسيلة للتثقيف الصحي.

وسيلة للترفيه النفسي.

وسيلة اتصال بالجمهور.

في الجانب المقابل، كانت هناك مجموعة من التأثيرات السلبية للإعلام الفضائي، أبرزها:

التأثير الصحي.

إضاعة الوقت والعمر.

التفريط في الأولويات.

العنف والعدوان.

التأثير المالي.

 

إن طبيعة البرامج التي يبثها الإعلام الفضائي عن طريق التلفاز ذات وجهات نظر أخلاقية واجتماعية وثقافية متعددة، فتارة نجده داخل الفصول الدراسية في المدارس والجامعات يُستعمل لدواعٍ علمية واجتماعية واقتصادية وسياسية وصحية منهجية، وتارة أخرى نجده وسيلة تهدر وقت الطالب وجهده، وتشغله عن المذاكرة والاستطلاع والاهتمام بواجباته الدراسية. وفي صعيد يُستعمل لمحاربة الإجرام والمجرمين وقضايا الفساد، وعلى صعيد آخر تستعمله منظمات وجماعات وسيلة للاتجار بالبشر والمخدرات والمواد الممنوعة. وتعمل بعض القنوات التلفزيونية على بث برامج تعين على الاهتمام بالقضايا الدينية والفكرية والصحية، والترويج للقدوات والشخصيات المهمة؛ وذلك دعماً لهموم الأمة والشعوب الصالحة. بينما تستغل كثير من القنوات التلفزيونية برامجها لتضخيم فئة الرياضيين والفنانين والمطربين والممثلين، وبث البرامج الهابطة والقضايا ذات السلوكيات المدمرة التي تدعو للرذيلة والعدوانية والشذوذ. إن هذا التناقض الكبير الذي خلقه البث الإعلامي الفضائي جعل نتائج كثير من البحوث والدراسات تؤكد على الترابط العقلي والسلوكي الكبير بين الفرد ومتابعته لهذا البث؛ سواء أكان تأثيره إيجابا أم سلبا، خصوصا على مشاهدات الأطفال في سلوكهم واتجاهاتهم وميولهم.

كما تحدّث البحث عن بعض من التأثيرات السلبية للإعلام الفضائي على القيم الإسلامية في المجتمعات العربية والإسلامية؛ وذلك لتحطيم مكتسباتها ومنجزاتها المنوطة بدوافع الشراهة، وعدم واقعية الطموحات، وغياب النزاهة، وزيادة الجريمة والعنف. وجميع ذلك للتأثير في القيم الثقافية؛ تشكيكاً في الهوية الإسلامية لإحلال المفاهيم الغربية. والتأثير في القيم العقائدية والدينية، والتأثير في القيم الأخلاقية بإثارة الغرائز الجنسية والدنيوية؛ لذا تدخّل البحث لمعالجة هذه الظاهرة من طريق وضع مقترحات تربوية للتعامل مع التأثير السلبي للإعلام الفضائي؛ فكان دور الأسرة ممثلاً في توعية أفرادها بأهمية اكتساب العادات الجيدة في انتقاء قنوات البث التلفزيوني وبرامجه وأوقاته. أما دور المؤسسات السياسية والتربوية فيكمن في التخطيط السليم، والتفكير الجيد لصنع قرارات صائبة لتمكين البث الفضائي النظيف الذي يتناسب وثقافة المجتمع، والحد من التدفق الإعلامي الغربي. فيما يتحقق دور المؤسسات الإعلامية المحلية بوضع سلسلة برامجية سليمة، والتقليل من استيراد البرامج الغربية؛ بل إنتاج برامج محلية تبث الدين الحنيف والثقافة والعلم والقيم المجتمعية النافعة. ويبرز دور المؤسسات الدينية أثرا كبيرا من طريق استثمار الحديث عنها في الخطب ومحاضرات الوعظ والإرشاد والتسجيلات الدينية المتخصصة ومحطات القرآن الكريم، وبثها في الإعلام الفضائي.

عند قراءة ملخص هذا البحث، والآراء الواردة فيه من قبل الباحثين وواضع الملخص، يفرض الواقع المعيش للبث الفضائي المحلي اتخاذ استراتيجيات جادة للارتقاء بالمستوى الفني للبرامج التلفزيونية؛ تلبية للاحتياجات الاجتماعية والثقافية والدينية بين شتى فئات المجتمع، وتأطير حدود التدفق الكبير للإعلام الفضائي العالمي؛ لما له من سلبيات وأضرار على الصحة والوقت والمال والدين والعادات والاتجاهات الوطنية العامة. وقد أبانت هذه المقالة عن أهمية دور المؤسسات التربوية والإعلامية في المجتمع للحد من الآثار السلبية للإعلام الفضائي العالمي.

[email protected]

أخبار ذات صلة