تلقي المسلمين للمواد [المعرفية] التوراتية.. ابن قتيبة وكتابه «أعلام النبوة»

التوراتيه.jpeg

سابينا شميدكه | أستاذة في معهد الدراسات الإسلامية، جامعة برلين الحرة

خـلاصـــة: 

إن المصنَّفَيْنِ الأولَين المتوفرين اللذين يضمان لائحة شاملة بالنبوءات التوراتية بالنبي محمد ژ في التوراة العبرية والعهد الجديد هما مصنَّف «الدين والدولة» لصاحبه [النصراني] النسطوري الذي تحول إلى الإسلام علي بن ربن الطبري (المولود حوالى عام 194هـ/810م ـ والمتوفى عام 251هـ/865م)، ومصنَّف «أعلام النبوة» لمعاصر ربن هذا أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (المولود عام 213هـ/828م ـ المتوفى عام 276هـ/889م). والحال أن أعلام نبوة ابن قتيبة غطى على كتاب «الدين والدولة» لابن ربن في الشهرة؛ إذ استُعمل الكتاب واستُشهد به عبر القرون من لدن مصنفين عديدين، وذلك بوصفه نصاً مرجعياً في شأن المعارف التوراتية التي ضمها. والواقع أن المخطوطة الوحيدة (التي تبدو) ناقصة لمصنف ابن قتيبة هذا ـ والمحفوظة في دار الكتب الظاهرية بدمشق ـ قد أفلتت من اهتمام الدارسين حتى اليوم. والمقال هذا يتضمن تحقيقاً نقدياً للمقاطع الثمانية الأولى من النص، التي تشتمل على المواد المعرفية التوراتية.

الكلمات المفتاح في هذا المقال هي: التلقي الإسلامي للتوراة، ابن قتيبة، ابن ربن الطبري، أعلام النبوة، التوراة المنقولة إلى العربية، ابن الجوزي.

- I -

منذ البدء شكل ميراث التوراة العبرية ـ وعلى نحو أقل منه ميراث العهد الجديد ـ عنصراً مهماً في تكوين التقليد الإسلامي؛ ذلك أن القرآن يعدّ نفسه خطوة الوحي الختامية في سلسلة تدرجية من الأمداد الإلهية، وذلك بوصفه يعكس وعياً عميقاً بالكتب المقدسة المتقدمة عليه وبسلسلة شديدة الطول من الأنبياء السابقين، مع اعتبار الوحي القرآني الرسالةَ الكاملةَ والختاميةَ، وعدِّ محمدٍ خاتمَ النبيين [الأحزاب: 40]. على أن موقف القرآن من التوراة فُهِم على منحيين مختلفين فطبع هذا الفهم من حينه نفسه على التقليد الإسلامي. من جهة أولى، تم الذهاب إلى أن صدقية الكتب المقدسة الأولى بوسمهما وحياً إلهياً، وذلك بحكم أن القرآن يقر بوجود درجة عالية من التطابق بينه وبين بقية كتب الوحي السابقة، ويعلن أنه يصل ويؤكد ويجدد ويوضح الكتب الأولى [البقرة: 89، 101؛ آل عمران: 3؛ النساء: 47، المائدة: 15، 19، 48؛ مريم: 48؛ الأحقاف: 12، 30]. ويرتبط بهذه المسألة ارتباطاً وثيقاً ذكْر القرآن أن الكتب المقدسة السابقة كانت تتضمن البشارة بنبوة محمد، على نحو ما تشير إلى ذلك [سورة البقرة 127 - 129 وسورة الأعراف 157، وسورة الصف 6]. وهذا الموقف من التوراة تمخض عنه ما دعي بحق تقليد الدراسات الإسلامية التوراتية (انظر: McAuliffe 1996 وانظر أيضاً: McAuliffe 2004, 113ff.). إن ممثلي هذه المدرسة اجتهدوا في بيان الدعوى القرآنية بأن التوراة إنما بَشَّرَت ببعثة النبي محمد ژ ، أو استعملوا هم المواد التوراتية لأغراض أخرى، مقرين ـ من ثمة ـ بالتعالق الموجود بين التقليد الإسلامي والمواد (المعارف) اليهودية والنصرانية في تاريخ هذا التقليد المبكر. ومن جهة أخرى، فإن عدّ القرآن أنه نسخ الكتب المبكرة بوصفها أمست وقد عفّى عليها الزمان، إنما كان من شأنه أن ينكر أن يكون [النبي] محمد قد تأثر باليهود وبالنصارى في محيطه [النحل: 103، العنكبوت: 48]، ولربما الأمر الأهم أنه يتهم اليهود والنصارى بأنهم حرفوا كتاباتهم المقدسة [البقرة: 75 - 79، النساء: 46، المائدة: 13]. والحال أن من شأن هذه النظرة السلبية إلى الكتب المقدسة المبكرة أن تجعل من كل بحث عن تأكيد نبوة محمد في التوراة أمراً غير ذي جدوى؛ وذلك ما دام أن الإمدادات الوحْيِيّة الإلهية المبكرة إما أنها استُبدلت أو أمست في ما وراء طوق طاقة درك الإنسان.

والواقع أنه في قطاع واسع من الأدبيات الإسلامية، وفي جزء مهم من تفاسير القرآن، وفي الكتابات التاريخية والحديث، كما في الأجناس الأدبية المتعلقة بدلائل النبوة وقصص الأنبياء؛ فإن مواد توراتية ـ سواء أكانت مقبولة قبولاً رسمياً أم نظر إليها على أنها منحولة ـ احتلت مكانة عظيمة، وقد استعملت، في جزء منها، بغاية تأكيد الدعوى القرآنية بأن النبي محمداً ژ تمت البشارة بمقْدمه، وتم وصفه في التوراة، واستثمرت ـ في جزء آخر منها ـ في التاريخ الكوني الذي كانت تحتل فيه سير الأنبياء الأولين مكانة مهمة على الأغلب (انظر: Kister 1972, 221ff.). وفضلاً على هذا، فقد تم اقتباس شواهد عديدة من المواد التوراتية المنحولة (الإسرائيليات)، وما كان من النادر ـ لا سيما لدى أوائل مصنفي قرون الإسلام المبكرة ـ نقل شواهد توراتية في مصنفاتهم بالنقل المباشر. ومن بين الأمثلة المثيرة بهذا الشأن، والتي تعود إلى القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي: الإمام الزيدي القاسم بن إبراهيم الرسي (المولود حوالى عام 169هـ/785م ـ المتوفى عام 246هـ/860م) الذي كان شديد الألفة والأنسة بالمفاهيم اللاهوتية النصرانية وبالتوراة، والذي اقتبس منه العديد من الشواهد اقتباساً حراً في مصنفاته (انظر: Madelung 1965، وانظره أيضاً: 1989 و 1991)، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (المولود عام 213هـ/828م/ والمتوفى عام 276هـ/889م)، الذي نقل الكثير من الشواهد التوراتية نقلاً مباشراً في مصنفاته الكبرى (انظر: Vajda 1935; Lecomte 1958; Isteero 1991; Karoui 1997)، وشأن أحمد اليعقوبي (توفي عام 292هـ/905م أو بعدها) الذي كان يستحضر التوراة استحضاراً غزيراً في الجزء الثاني من تاريخه الدائر على «التاريخ التوراتي» (انظر: Smit 1907; Ferré 1977; 2000; Griffith 2004).

لقد شرع المصنفون في نقل الشواهد التوراتية التي كان يُعتقد أنها تبشر ببعثة محمد، وذلك في أجناس عدة من التآليف، شأن الكتابات الجدلية المصنفة في إطار عالم دلائل النبوة (وهذا جنس من الكتابات عادة ما كان يؤلف بين المواد التوراتية [الصحيحة] والمواد التوراتية المنحولة (الإسرائيليات)، مع ميل إلى تفضيل الواحدة منها أو الأخرى)، وفي إطار كتب التفسير، وأحياناً في الفصول التي كانت تدور على النبوة في إطار المجامع الكلامية (انظر: Lazarus - Yafeh 1992, 75 - 110; Adang 1996, 110 - 91; Stroumsa (مخطوطة بلا تاريخ) 1999, 21ff; Reynolds 2004, 178 - 88; Fakīr. وباستثناء استشهاد إسلامي مستمد من [إنجيل] يوحنا (15 - 23، 16 - 1) أورده ابن إسحاق (المتوفى عام 150هـ/767م؟) في مصنفه عن سيرة النبي محمد ژ باعتبارها إنباء كتابياً عن النبي محمد ژ (وهو نسخة منقحة عن كتاب 1985) Baumstark 1931; Guillaume 1950; Schacht 1950; Griffith 1985; 2004, 138ff.; 2005)، فإن النصوص الأولى التي حفظها المصنفون المسلمون ـ والتي تتضمن مادة توراتية تؤكد نبوة محمد وتدعمها؛ إنما كانت عبارة عن رسالة منسوبة إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز (تولى الحكم ما بين 99هـ/717م و 101هـ/720م) يفترض أنه وجهها إلى الإمبراطور البيزنطي ليون الثالث (حكم ما بين عامي 717 و 741م) والتي يمكن بكل تأكيد أن تؤرخ كتابتها بالقرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، ورسالة كتبها ربيع بن محمد بن الليث إلى الإمبراطور البيزنطي قسطنطينوس الخامس (حكم ما بين 780 و 797م) باسم هارون الرشيد (حكم ما بين 170هـ/786م / و 193هـ/809م)، يدعوه فيها إلى اعتناق الإسلام.

- II -

إن المصنَّفَيْنِ الأولين اللذيْن وصلانا وقد تضمنا لوائح شاملة بالنبوءات (البشارات) التوراتية بالنبي محمد ژ في التوراة العبرانية وفي العهد الجديد كانا هما كتاب «الدين والدولة» لصاحبه النصراني النسطوري المتحول إلى الإسلام علي بن ربن الطبري (المولود حوالى 194هـ/810م والمتوفى عام 251هـ/865م) (الطبري 1922، 1923) وكتاب أعلام أو دلائل [انظر: ابن النديم 1430هـ/2009م: 237، والسخاوي 360] النبوة أو النبي [انظر: القزويني 1987، 1: 81، وانظر أيضاً أسفله، س 25] أو رسول الله [انظر أسفله III] الذي ألفه معاصر ابن ربن ابن قتيبة. والحال أن أغلب ما أورده ابن قتيبة في مصنفه ذاك من مواد توراتية يوجد في مصنف ابن ربن، بل إن وجه إيراده في كتاب «الدين والدولة» كان أكثر غنى وأشد ثراء. ومع ذلك، فإنه بالرغم من أوجه التشابه الحاصلة بالمناسبة بين الإيرادين، فإن التفاوت في أغلب المقاطع التوراتية المنقولة إلى العربية يشير إلى أن المصنفين إنما عادا إلى نقول جزئية متباينة وإلى مظان مختلفة لا تزال تحتاج إلى من يكشف عنها.

والظاهر أن كتاب ابن ربن «الدين والدولة» بقي غير معروف من لدن علماء المسلمين إلى حدود القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي. ذلك أن أول مصنِّف إسلامي عرف عنه أنه عاد إلى الكتاب هو المعتزلي أبو الحسين البصري (المتوفى عام 436هـ/1045م). وعلى أساس العديد من الشواهد العديدة المبثوثة في كتابه المفقود «كتاب غرر الدولة» والتي أوردها [الفقيه] الإمامي الاثنا عشري سديد الدين محمود بن علي الحمصي الرازي (المتوفى بعد عام 600هـ/1204م)، في كتابه «المنقذ من التقليد»؛ فإنه تم التدليل على أن أبا الحسين ذاك إنما كان يرجع إلى مصنف ابن ربن «كتاب الدين والدولة» بكثرة في مناقشته لأمر النبوءات التوراتية ببعثة النبي محمد ژ (انظر: 2007 Adang). والحال أنه من المعروف عن أبي الحسين هذا أنه درس كتاب «الطبيعة» لأرسطو مع أبي الفرج بن الطيب (توفي عام 435هـ/1043م) ببغداد، وكان ذا صلة بالنصراني أبي علي بن السمح (المتوفى عام 418هـ/1027م). وإذا ما نحن افترضنا أن مصنف ابن ربن «كتاب الدين والدولة» ما كان ليروج خصوصاً إلا بين القراء النصارى (الذين كان موجهاً إليهم بالأوْلى) إلى حدود ذلك الزمان، فإنه من الممكن أن يكون أبو الحسين البصري قد تعرف على ذلك المنشور في هذه الأوساط بالذات. ثم إنه بعد ذلك اكتشف أن فخر الدين الرازي (المتوفى عام 606هـ/ 1212م) كان يستشهد ببعض المواد من كتاب ابن ربن «كتاب الدين والدولة»، موسطاً في ذلك كتاب «الغرر» لأبي الحسين (Schmidtke 2009)، وبعض الفقرات من كتابه «مفاتيح الغيب» وردت في كتاب نظام الدين النيسابوري (المتوفى عام 729هـ/1328 - 1329م) في التفسير «غرائب القرآن ورغائب الفرقان»، كما وردت في كتاب إبراهيم بن عمر البقاعي (المولود عام 809هـ/1407م، والمتوفى عام 885هـ/1480م) «الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة».

- III -

والحال أن مصنف ابن قتيبة «أعلام النبوة» قد غطّى على كتاب ابن ربن «الدين والدولة» تغطية عامة من حيث الشهرة؛ إذ وُظف «الأعلام» طوال القرون اللاحقة من لدن مختلف المؤلفين باعتباره نصاً مرجعياً، وذلك بحكم المادة التوراتية التي أوردها صاحبه. فهذا أبو نصر مطهر بن طاهر المقدسي (المتوفى قبل عام 355هـ/966م) بدا أنه ألف مصنفا استعمل فيه كتاب ابن قتيبة «الأعلام»، وذلك في مصنفه «كتاب البدء والتاريخ»، على نحو ما ذَكَرَت ذلك كاميليا أدانغ (1996، 156 [بالاستناد إلى Lecomte 1965, 28]). وقد أكدَتْ على أن نسبة «القتبي» التي تظهر في «كتاب البدء والتاريخ» إنما كانت قد استعملت للكناية عن ابن قتيبة، وأن الادعاء المنسوب إلى القتبي بأن اسم محمد بالسريانية هو «مشفح» كان قد أورده ابن قتيبة من ذي قبل في كتاب «الأعلام». وإن ما كانت افترضته أدانغ من أن «أعلام» ابن قتيبة هو أحد مصادر المقدسي لسوف تؤكده في ما بعد التراجم المتأخرة للمزمور 50، 2 - 3 ولسفر تثنية الاشتراع ومناقشتهما 33 - 2 اللذيْن يتفقان حرفيا وبالتمام والكمال مع تعاليق ابن قتيبة في أعلامه، ولو على نحو مختصر موجز. وكذلك تمت العودة إلى «أعلام» ابن قتيبة من لدن [المتكلم] المعتزلي عبد الجبار الهمذاني (المتوفى عام 415هـ/1025م) في مصنفه «تثبيت دلائل النبوة» (انظر: عبد الجبار الهمذاني 1960، 2: 352، وانظر أيضاً: 185 - 6 Reynolds 2004, 146, 184,)، وقد بلغ تأثيره بطبيعة الحال حتى الأندلس. وهو الأمر الذي يدل عليه كتاب «الأصول والفروع» لابن حزم (المتوفى عام 446هـ/1064م) الذي أورد اقتباسات متعددة من المصنف المذكور في الفصل المتعلق بالشواهد التوراتية على النبي محمد ژ . وفضلاً على هذا، فإنه تمت الإشارة إلى المصنف أيضاً في فهرست الأندلسي ابن خير (المتوفى عام 575هـ/1180م). فقد أشير ههنا إلى ناقليْن باعتبارهما نَقَلَا عن ابن قتيبة: العالم الأندلسي الشهير قاسم بن أصبغ (المتوفى عام 340هـ/915م)، وعالم آخر أقل شهرة منه هو أبو محمد الحسين بن عبد الله المهندس (ابن خير 1382هـ/1963).

وفي أقاليم الإسلام الشرقية، فإن البادي أن المصنف كان رائجاً على الأرجح بين أوساط أهل الحديث؛ ذلك أن استشهاداً كاملاً من أعلام ابن قتيبة كان قد حُفِظَ لنا في كتاب ابن الجوزي (المتوفى عام 597هـ/1200م) «الوفا بأحوال المصطفى»، والذي بدوره استثمر من لدن تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (المتوفى عام 845هـ/1442م) في كتابه «إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع». وقد قدَّم لنا ابن الجوزي السلسلة التالية لاستشهاده الطويل من مصنف ابن قتيبة: بدأ إسناده بأحدِ مَنْ رَوَى عنه وقد كان معروفاً عنه أنه كان رفيقه أيام الدرس والتحصيل بجمادى الثانية من عام 561هـ الموافق لأبريل / مايو من عام 1166م ـ وهو أبو القاسم يحيى بن ثابت بن بندار (المتوفى في ربيع الأول من عام 566هـ/ نوڤمبر ـ ديسمبر 1170م). وقد روى هذا عن أبيه ثابت بن بندار (المولود عام 416هـ/1052م، والمتوفى بجمادى الثانية عام 498هـ / فبراير ـ مارس 1105)، عن أبي الحسن علي بن محمد بن الحسن بن قشيش المالكي (المولود في ربيع الثاني من عام 356هـ/ الموافق لمارس ـ أبريل من عام 967م، المتوفى بشعبان من عام 437هـ/ فبراير ـ مارس 1064م)، عن أبي حفص عمر بن أحمد بن هارون المقرئ (المتوفى عام 382هـ/992 - 993م)، عن عبيد الله بن أحمد بن بكير التميمي، عن ابن قتيبة. ولسنا نعرف إلا القليل عن تلميذ ابن قتيبة هذا عبيد الله بن أحمد التميمي، والذي أشير إليه ههنا بوصفه من روى المصنف. وبحسب ما ذهب إليه جيرار لوكونت، فإن عبيد الله [عبد الله] بن أحمد بن بكير [بكر] التميمي [التيمي] ما هو إلا تلميذ ابن قتيبة نفسه أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن بكير التميمي (المتوفى بذي الحجة من عام 334هـ/ يوليو ـ أغسطس 964م)، والذي كان بدوره شيخاً لعالم الحديث الشهير علي بن عمر الدارقطني (المتوفى عام 385هـ/995م). وإلا فإنه اشتهر بكونه روى مصنفات أخرى لابن قتيبة؛ أعني مسائله وكتابه «إصلاح الغلط» (Lecomte 1963, 294 - 5, No. 7).

والحال أن بعض المصنِّفين من متأخرة الحنابلة كان لا يزال المصنَّف المذكور (أعلام النبوة لابن قتيبة) يروج بينهم، وهكذا فإننا نجد أبا القاسم التيمي الأصفهاني (الملقب بالإمام قوام السُنَّة، والمتوفى عام 535هـ/1141م) يستشهد به في مصنفه «دلائل النبوة». والأمر نفسه ينطبق على ابن تيمية (المتوفى عام 682هـ/1328م) في كتابه «الجواب الصحيح» (انظر: ابن تيمية 1414هـ/1993 - 1994م، 5:199 [وانظر أسفله: vi: 3]). وعلى النحو نفسه نعثر على استشهادات وافية منه في كتاب ابن قيم الجوزية (المتوفى عام 751هـ/1350م) الموسوم باسم «هداية الحيارى». هذا وقد اقْتُبِستْ أجزاء من كتاب «الأعلام» لابن قتيبة اقتباسا في كتاب «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» لأحمد بن محمد القسطلاني (المتوفى عام 923هـ/ 1517 - 1518م)، وذلك في فصل ورد تحت عنوان: «في التنبيه عليه ژ في الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل». وبما أن القسطلاني لا يذكر ابن قتيبة وكتابَه «إعلام النبوة» الذِّكْرَ المباشر الصريح اللهم إلا في ما ندر، فإنه استقى مادته ولا شك من مصدر وسيط (ما كان ذلك بكل تأكيد من ابن الجوزي ولا من ابن قيم الجوزية الذي ما أورد كل الاستشهادات التي يوردها القسطلاني)؛ هذا مع تقدم العلم بأن القسطلاني هذا كان يحرص طوال مصنفه على ذكر مصادره، وتلك قاعدة لطالما التزم بها التزاماً. هذا في حين شكلت «مواهب» القسطلاني بدورها مظان اقتباس الحسين بن محمد الدياربكري (المتوفى عام 965هـ/1558 - 1559م) من ابن قتيبة في كتابه «تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس»، كما أن مقاطع وافية كثيرة كانت قد اقتُبست وعُلق عليها في تحشية محمد بن عبد الباقي الزرقاني (المتوفى عام 1122هـ/1710م) على «المواهب» (الزرقاني 6: 226 - 245).

والظاهر أن مخطوطة (تبدو) غير تامة من كتاب ابن قتيبة محفوظة في دار الكتب الظاهرية (التي صارت تدعى اليوم المكتبة الوطنية السورية أو مكتبة الأسد الوطنية) بدمشق قد أفلتت من اهتمام الباحثين حتى اليوم. وهي توفر لنا معطىً إضافياً عن أن النص إنما كان قد راج بالأوْلى بين أهل الحديث. وفضلاً على هذا، فإنه إذا ما نحن قارنا بين ما ورد في المخطوطة بما أورده ابن الجوزي من استشهادات من كتاب «الأعلام»؛ فإنه يتبيّن لنا أن هذا إنما أورد المقاطع الثمانية الأولى التي تتضمن الشهادات التوراتية في كتابه «الوفا»، وذلك من غير أن يجري هو تغييرات تُذكر أو تحويرات في سرد المواد، اللهم إلا بعض السقط والسهو الطفيف الذي أصاب النص. والاستثناء الوحيد حدث في المقطع الختامي (انظر أسفله: IV [39] ـ [42]) حيث طال السقط أغلب النص. وقد ورد في المصنف، على نحو ما تشهد على ذلك صفحة عنوان المخطوطة (127 أ)، [أن العنوان هو] «كتاب/ أعلام رسول الله المنزلة على رسله صلى الله عليهم في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وغير ذلك/ ودلائل نبوته من البراهين النيرة والدلائل الواضحة/ تأليف أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري رحمة الله عليه ورضوانه». وفي معرض المقدمة، تم تأكيد العنوان هذا نفسه مع بعض الفوارق الطفيفة، وذلك لما وصف ابن قتيبة محتويات الكتاب بوصفه: «كتاباً أُبين فيه أعلام رسول الله ژ الباهرة ودلائله الزاهرة من كتب الله المتقدمة الموجودة في أيدي أهل الكتاب ومن القرآن» (127 ب: 16 - 18). وفي صفحة العنوان (127 أ: 6 - 8) مثلما في مقدمة النص (127 ب: 2 - 6)، ترد سلسلة رواية الكتاب تباين تلك السلسلة التي ذكرها ابن الجوزي بدءًا من الآجُرّي فما فوق: برواية المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم بن أحمد بن عبد الله البغدادي الصيرفي (المولود عام 411هـ/1021م) والمتوفى في ذي القعدة من عام 500هـ / يونيو ـ يوليو 1107م)، عن أبي الحسن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر المعروف بابن عدل الجوزيني(؟)، عن أبي حفص عمر بن أحمد بن هارون المقرئ الآجُرّي، عن أبي القاسم عبيد الله أحمد بن عبد الله بن بكير التميمي، عن ابن قتيبة.

والحال أن النص محفوظ في المخطوطة، لكن على غير تمامه. إذ ثمة خرم في 133 ب: 20 (بعد عبارة: بعلماء الغيب) إلى نهاية المقطع الثامن الذي ينبغي أن يكون قد ورد من قبل في مقدمة النسخة الحاضرة، كما أن النص يتوقف أيضاً في المقطع 159 ب. على أن وصف ابن قتيبة لبنية مصنف «الأعلام» في مقدمة الكتاب توحي، مع ذلك، بأن القليل سقط من آخر الكتاب؛ ذلك أنه بعد المقدمة الطويلة (127 ب: 13 - 128 أ: 21) فإن بنية النص تنجلي على النحو التالي: 

أعلام رسول الله ژ في التوراة (128 أ).

ومن قول حبقوق المتنبي في زمن دانيال (129 أ).

ومن ذكر أشعيا له (129 ب).

ومن ذكر داود له في الزبور (129 ب).

ذكر المسيح النبي ‰ في الإنجيل (130 ب).

ذكر مكة والحرم والبيت في الكتب المتقدمة (131 أ).

ذكر طريق مكة في أشعيا (131 ب).

ذكر أصحاب النبي وذكر يوم بدر في أشعيا (132 أ)

الأحاديث الوقفية لما في الكتب المتقدمة من ذكر النبي ژ وصفاته وصفات أمته (134 أ).

ذكر النبي ژ في أخبار الفرس (135 أ).

الاستدلال على نبوته باسمه ‰ (138 ب).

أعلامه بعد وفاته ژ (140 ب).

القرآن (141 ب).

أعلام النبي ژ من أخبار القرآن (148 ب).

أخبار النبي ژ مما يكون من غير الكتاب (152 أ).

- IV -

في ما يلي نقدم نشرة محققة للفصول الثمانية الأولى من النص، والتي تتضمن المواد التوراتية (128 أ ـ 133 ب). إن الأجزاء التي وردت في كتاب ابن الجوزي «الوفا» لسوف ينوه بها بخط سميك، وتلك التي أورد ذكرها ابن قيم الجوزية في كتابه «هداية الحيارى» لسوف نضع تحتها خطاً، أما تلك الشواهد التي أوردها القسطلاني في «المواهب»، فإننا سوف ننبه عليها بوضع سطرين من تحتها. كما سيشار في الهامش إلى الاختلافات بين ما أورده كل من ابن الجوزي وابن قيم الجوزية والقسطلاني من نصوص، وسننبه على الإضافات التي لم نجد لها مثيلاً في نص ابن قتيبة. وبالإضافة إلى النشرات المطبوعة من كتاب «الوفا» لابن الجوزي، فإننا ننبه إلى أننا عدنا إلى المخطوطات التالية وأفدنا منها في تحقيق النص: (1) مخطوطة عاطف أفندي (السليمانية) رقم 1780/1 (18 ب ـ 11 ب)، بخط محمد بن علي بن إلياس المغانمي التبريزي، وهي نسخة كان قد انتُهي من كتابتها في جمادى الثانية من عام 726هـ/ مايو ـ يونيو 1326م. (2) مخطوطة ترهان فاليده (السليمانية) سلطان رقم 80 (31 ب ـ 37 أ)، وقد تم نسخها في 10 شوال من عام 748هـ/ 17 ديسمبر من عام 1382م. (3) مخطوطة المكتبة البريطانية رقم 7709 (30 ب: 10 - 35 أ)، وهي نسخة نُسخت في شهر محرم من عام 791هـ / يناير 1389م. (4) مخطوطة ليدن رقم 322/1 (20 ب: 23، 23 - 23 ب: 23) وقد نسخت في شهر جمادى الثانية من عام 546هـ/ 10 أكتوبر 1422م. (5) مخطوطة عشير أفندي (السليمانية) رقم 77 ف ف (19 ب ـ 23 ب)، وقد تمت في رمضان 1080 للهجرة/ يناير ـ فبراير 1670م. (6) مخطوطة حكيم أوغلو (السليمانية) رقم 259 28 ب ـ 33ب، وقد أنجزت في ربيع الأول من عام 1133هـ / يناير 1721م. (7) مخطوطة آيا صوفيا (السليمانية) رقم 946 22 ب ـ 26 أ من دون تاريخ. (8) مخطوطة يوسف آغا (السليمانية) رقم 173 (37 أ ـ 41 أ) بلا تاريخ نسخ.

هذا ولقد تمت الإشارة إلى التفاوتات في «أعلام» ابن قتيبة لما وجد ذلك في كل المخطوطات. أما بالنسبة إلى «هداية الحيارى» لابن قيم الجوزية، فلقد تمت العودة إلى نشرة عثمان جمعة ضميرية (ابن قيم الجوزية 1429هـ/2008م)، وفي ما يتعلق بالأساس النصي لمواهب القسطلاني فقد تم الاعتماد على نشرة مأمون بن محيي الدين الجنان (القسطلاني 1416هـ/ 1996م).

أعلام رسول الله  في التوراة

[1] من ذلك قول الله 8 في السفر الأول لإبراهيم: «قد أجبتُ دعاءك في إسماعيل وباركتُ عليه وكثّرتُه وعظّمتُه جدّاً جدّاً وسيلد اثني عشر عظيماً وأجعله لأمة عظيمة» [انظر: سفر التكوين 17، 20].

[2] ثم أخبر موسى [128 ب] بمثل ذلك في هذا السفر وزاد شيئاً، قال: «لما هربت هاجر من سارة تراءى لها ملك الله وقال: يا هاجر، أَمَةَ سارة، ارجعي إلى سيدتك فاخضعي لها فإني سأكثّر ذريتك وزرعك حتى لا يحصوا [لا يحصوا] كثرةً، وها أنت تحبلين وتلدين ابناً وتسمّينه إسماعيل؛ لأن الله قد سمع خشوعك، وتكون يده فوق الجميع، ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع» [انظر: سفر التكوين 16. 8 - 12].

فتدبّر هذا القول فإن فيه دليلاً بيّنًا على أن المراد به رسول الله ژ ؛ لأن إسماعيل لم تكن يده فوق يد إسحاق، ولا كانت يد إسحاق مبسوطةً إليه بالخضوع، وكيف يكون ذلك والنبوة والملك في بني إسرائيل والعيص وهما ابنا إسحاق؟ فلما بُعث رسول الله انتقلت النبوة إلى ولد إسماعيل فدانت له الملوك وخضعت له الأمم ونسخ الله به كل شرعة وختم به النبيين وجعل الخلافة والملك في أهل بيته إلى آخر الزمان فصارت أيديهم فوق أيدي الجميع وأيدي الجميع بالرغبة إليهم مبسوطة بالخضوع.

[3] ومن أعلامه في التوراة، قال: «جاء الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران» [سفر تثنية الاشتراع 2.33]. وليس بهذا خفاء على من تدبّره ولا غموض؛ لأن مجيء الله من سيناء إنزاله التوراة على موسى بطور سيناء، هكذا هو عند أهل الكتاب وعندنا، وكذلك يجب أن يكون. وإشراقه من ساعير إنزاله على المسيح الإنجيل، وكان المسيح يسكن من ساعير أرض الجليل بقرية تدعى ناصرة وباسمها سمي من اتبعه نصارى. وكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير بالمسيح فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران بإنزاله القرآن على محمد في جبال فاران وهي جبال مكة.

[4] وليس بين المسلمين وأهل الكتاب اختلاف في أن فاران هي مكة، فإن ادّعوا أنها غير مكة ـ وليس ينكر من تحريفهم وإفكهم ـ قلنا: أليس في التوراة: «إن إبراهيم أسكن هاجر وإسماعيل فاران» [انظر: سفر التكوين 21.21]؟ وقلنا: دلّونا على الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران، والنبي الذي أُنزل عليه كتاب بعد المسيح، أوليس استعلن وعلن بمعنى واحدٍ وهو ما ظهر وانكشف؟ فهل تعلمون ديناً ظهر ظهور الإسلام وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فشوه؟

[5] ومن أعلامه في التوراة: قال الله سبحانه في التوراة لموسى في السفر الخامس: «إني أقيم لبني إسرائيل نبيّا من إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي على فمه» [سفر تثنية الاشتراع 18.18]. فمَن إخوة بني إسرائيل إلا بنو إسماعيل؟ كما تقول: بكر وتغلب أبناء وائل، ثم تقول: تغلب أخو [129 أ] «بكر» وبنو تغلب إخوة بني بكر، يُرجع في ذلك إلى أُخوة الأبوين. فإن قالوا: إن هذا النبيّ الذي وعد الله موسى أن يقيمه لهم هو أيضاً من بني إسرائيل؛ لأن بني إسرائيل إخوة بني إسرائيل، أكْذبتْهم التوراة وأكْذبَهم النظر؛ لأن في التوراة أنه «لم يقم في بني إسرائيل نبيّ مثل موسى» [سفر تثنية الاشتراع 10.34]. وأما النظر، فإنه لو أراد: إني أقيم لهم نبيّاً من بني إسرائيل مثل موسى، لقال: أقيم لهم من أنفسهم مثل موسى، ولم يقل: مِن إخوتهم، كما أن رجلاً لو قال لرسوله: ائتني برجل من إخوة بني بكر بن وائل، لكان يجب أن يأتيه برجل من بني وائل، ولا يجب أن يأتيه برجل من بني بكر.

ومن قول حبقوق المتنبئ في زمن دانيال

[6] قال حبقوق: «جاء الله من التيمن والقديس من جبال فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه، وملك الأرض بيمينه ورقاب الأمم» [انظر: حبقوق 3.3، 4].

[7] وقال أيضاً: «تضيء لنوره الأرض وتُحمَل خيلُه في البحر» [انظر: حبقوق 3: 4، 15]، وزادني بعض أهل الكتاب أنه قيل في كلام حبقوق: «وستترع في قسيك إغراقاً وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواءً» [انظر: حبقوق 3: 9]، وهذا إفصاح باسمه وصفاته، فإن ادّعوا أنه غير نبيّنا ـ وليس ذلك ينكر من جحدهم وتحريفهم ـ فمَن أحمد الذي «امتلأت الأرض من تحميده» والذي «جاء من جبال فاران» «فملك الأرض ورقاب الأمم»؟

ومن ذكر أشعيا له

[8] قال أشعيا عن الله: «عبدي الذي سُرّت به نفسي»، وترجمه آخر قال: «عبدي خيرتي رضى نفسي أُفيض عليه روحي» [انظر: أشعيا 42. 1]. وترجمه آخر فقال: «أُنزل عليه وحيي فيظهر في الأمم عدلي، ويوصي الأمم بالوصايا [انظر: أشعيا 42. 1]، لا يضحك ولا يُسمع صوته في الأسواق [انظر: أشعيا 42: 2] يفتح العيون العور، ويُسمِع الآذان الصمّ، ويحيي القلوب الغلف، وما أعطيته لا أعطي غيره [انظر: أشعيا 42: 6 - 8]، أحمد يحمد الله حمدًا حديثًا يأتي من أقصى الأرض [انظر: أشعيا 42: 10]، يفرّح البرية وسكّانها، يهللون الله على كل شرف ويكبّرونه على كل رابية» [انظر: أشعيا 42: 11]. وزاد آخر في الترجمة: «لا يضعف ولا يغلب ولا يميل إلى [129 ب] الهوى ولا يُسمع في الأسواق صوته [انظر: أشعيا 42: 2] ولا يُذلّ الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة [انظر: أشعيا 42: 3] بل يقوّي الصديقين وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا يطفأ ولا يخصم حتى يثبّت في الأرض حجتي وينقطع به العذر وإلى توراته تنقاد الجن» [انظر: أشعيا 42: 4]. وهذا إفصاح باسمه وبصفاته. فإن قالوا: أيّ توراة له؟ قلنا: أراد أنه يأتي بكتاب يقوم مقام التوراة لكم.

[9] ومثل هذا حديث كهمس عن عبد الله بن شقيق العقيلي عن كعب قال: «شكا بيت المقدس على الله الخراب، فقيل له: لأبدّلنك توراةً محدثةً وعمَّالاً محدثين يدفّون بالليل دفيف النسور، ويتحنّنون عليك كما تحنّ الحمامة على بيضها، ويملأونك خدودًا سجودًا».

[10] ومن ذكر أشعيا له، قال: «أنا الله عظّمتُك، وأيّدتك، وجعلتك نوراً للأمم، وعهدًا للشعوب، تفتح أعين العميان، وتنقذ الأسرى من الظلمات إلى النور» [انظر: أشعيا 42: 6 - 7].

[11] وقال في الفصل الخامس: «اليا ابن سلطانه على كتفه» [انظر: أشعيا 9: 6] يريد: علامة نبوته على كتفه، هذا في التفسير من السرياني، وأما في العبراني فإنه يقول: «إن على كتفه علامة النبوة».

ومِن ذكر داود له في الزبور

[12] وفي الزبور: «سبّحوا الربّ تسبيحًا حديثًا، سبّحوا الذي هيكله الصالحون ليفرح إسرائيل بخالقه وبيوت صهيون من أجل أن الله اصطفى أمته وأعطاه النصر، وشدّد الصالحين منهم بالكرامة، يسبّحونه على مضاجعهم ويكبرون الله بأصوات مرتفعةٍ، بأيديهم سيوف ذوات شفرتين لينتقموا لله من الأمم الذين لا يعبدونه، يوثقون ملوكهم بالقيود وأشرافهم بالأغلال» [انظر: مزمور 149]. فمَن هذه الأمة التي سيوفها ذات شفرتين غير العرب، ومَن المنتقم بها من الأمم الذين لا يعبدونه ومَن المبعوث بالسيف من الأنبياء غير نبيّنا ‰ ؟

[13] وفي مزمور آخر: «تقلد أيها الجبّار بالسيف فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك [130 أ] وسهامك مسنونة والأمم يخرّون تحتك» [انظر: مزمور 45. 3 - 6]. فمَن متقلد السيف من الأنبياء غير نبيّنا، ومَن خرّت الأمم تحته غيره، ومَن قُرِنت شرائعه بالهيبة، فإما القبول وإما الجزية وإما السيف، ونحوه قوله ‰ : نُصِرْتُ بالرُعب.

[14] وفي مزمور آخر: «إن الله أظهر من صهيون إكليلاً محموداً» [انظر: مزمور 50. 2]، ضرب الإكليل مثلاً للرياسة والإمامة، ومحموداً هو محمد ژ .

[15] وفي مزمور آخر من صفته: «إنه يجوز من البحر إلى البحر ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض، وإنه تخر أهل الجزائر بين يديه على ركبهم ويلحس أعداؤه التراب، تأتيه الملوك بالقرابين، وتسجد له، وتدين له الملوك بالطاعة والانقياد؛ لأنه يخلّص المضطهد البائس ممن هو أقوى منه، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويرأف بالضعفاء والمساكين» [انظر: مزمور 72. 8 - 13]، وأنه يعطي من ذهب بلاد سبأ ويصلي عليه في كل وقت ويبارك في كل يوم [انظر: مزمور 72. 15] ويدوم ذكره إلى الأبد [انظر: مزمور 72. 17]. فمَن هذا الذي ملك ما بين البحر والبحر وما بين دجلة والفرات إلى منقطع الأرض، ومَن ذا الذي يصلّى عليه ويبارك في كل وقت من الأنبياء غير نبيّنا؟

[16] وفي موضع آخر من الزبور قال داود: «اللهم ابعث جاعل السُنَّة حتى يعلم الناس أنه بشر». وهذا إخبار عن المسيح وعن محمد ‰ قبلهما بأحقاب، يريد: ابعث محمداً حتى يعلم الناس أن المسيح بشرٌ؛ لعلم داود أن قوماً سيدعون للمسيح ما ادّعوا.

[17] وفي أشعيا: «قيل لي: قم نظارًا فانظر ما ذا ترى تخبر به، قلت: أرى راكبين مقبلين أحدهما مقبل على حمار والآخر على جمل، يقول أحدهما لصاحبه: سقطت بابل وأصنامها المنجّرة» [انظر: مزمور 21. 6، 7، 9] وصاحب الحمار عندنا وعند النصارى هو المسيح. وإذا كان [130 ب] صاحب الحمار المسيح فلِمَ لا يكون محمد صاحب الجمل؟ أو ليس سقوط بابل والأصنام المنجّرة به وعلى يديه، لا بالمسيح؟ ولم يزل في إقليم بابل ملوك يعبدون الأوثان من لدن إبراهيم ‰ . أوليس هو بركوب الجمل أشهر من المسيح بركوب الحمار؟

ذكر المسيح النبيّ في الإنجيل

[18] قال المسيح للحواريين: «أنا أذهب وسيأتيكم البارقليط، روح الحقّ، الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما هو كما يقال له، وهو يشهد عليّ وأنتم تشهدون؛ لأنكم معي من قبل الناس، وكل شيء أعدّه الله لكم يخبركم به» [انظر: إنجيل يوحنا 15. 26 و 16. 7، 13].

[19] وفي حكاية يوحنا عن المسيح أنه قال: «البارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فإذا جاء وبّخ العالَم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه شيئاً ولكنه مما يسمع به، يكلمكم ويسوسكم بالحق، ويخبركم بالحوادث والغيوب» [انظر: إنجيل يوحنا 16.7 - 8، 13].

[20] وفي حكاية أخرى: «إن البارقليط روح الحقّ الذي يرسله أبي باسمي وهو يعلمكم كل شيء» [انظر: إنجيل يوحنا 14:26].

[21] وقال: «إني سائل أبي أن يبعث إليكم بارقليطاً آخر يكون معكم إلى الأبد، وهو يعلمكم كل شيء» [انظر: إنجيل يوحنا.16.14، 26].

[22] وفي حكاية أخرى: «ابن البشر ذاهب والبارقليط من بعده يجيء لكم الأسرار ويفسر لكم كل شيء، وهو يشهد لي كما شهدتُ له، فإني أجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل» [انظر: إنجيل يوحنا 15: 26 - 27 و 7.16]. وهذه الأشياء على اختلافها متقاربة؛ وإنما اختلفت لأن من نقل الإنجيل عن المسيح من الحواريين عِدّة. والبارقليط هو بلغتهم لفظ من الحمد، إما أحمد وإما محمود وإما محمد وما أشبه ذلك، وهو في الإنجيل الحبشي أو الرومي ابن نعطيس. فمَن هذا الذي هو روح الحق الذي لا يتكلم إلا بما يوحى إليه، ومَن العاقب للمسيح والشاهد له بأن قد بلّغ، ومَن الذي أخبر بالحوادث في الأزمنة مثل خروج الدجال وظهور الدابة وطلوع الشمس من مغربها وأشباه هذا، وبالغيوب من أمر القيامة والحساب والجنة والنار وأشباه [131 أ] ذلك مما لم يذكر في التوراة والإنجيل والزبور غير نبيّنا ژ  ؟

[23] وفي إنجيل متَّى «أنه لما حبس يحيى بن زكريا ليُقتل بعث تلاميذَه إلى المسيح وقال لهم: قولوا له: أنت هو الآتي أو نتوقع غيرك؟ فأجابه المسيح وقال: الحق اليقين أقول لكم: إنه لم تقم النساء عن أفضل من يحيى بن زكريا، وإن التوراة وكتب الأنبياء يتلو بعضها بعضاً بالنبوة والوحي حتى جاء يحيى. فأما الآن فإن شئتم فأقبلوا أن إلياهو مزمع أن يأتي، فمن كانت له أذنان سامعتان فليسمع» [انظر: إنجيل متَّى 2.11 - 4، 9 - 11]. وليس يخلو هذا الاسم من إحدى خلال، إما أن يكون قال: إن أحمد مزمع أن يأتي فغيروا الاسم كما قال الله 8 : ﴿ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾ [النساء: 46]، وجعلوه إليا، وإما أن يكون قال: إن إيل مزمع أن يأتي وإيل هو الله ومجيء الله هو مجيء رسوله بكتابه، كما قال في التوراة: «جاء الله من سيناء» [انظر: سفر تثنية الاشتراع 33. 2]، يراد: جاء موسى من سيناء بكتاب الله، ولم يأت كتابٌ بعد المسيح إلّا القرآن، وإما أن يكون أراد النبيّ المسمى بهذا الاسم، وهذا لا يجوز عندهم؛ لأنهم مجمعون على أنه لا نبيّ بعد المسيح.

ذِكر مكة والحرم والبيت في الكتب المتقدّمة

[24] في كتاب أشعيا: «إنه ستمتلئ البادية والمدن قصور آل قيذار يسبحون ومن رؤوس الجبال ينادون، هم الذين يجعلون لله الكرامة ويبثّون تسبيحه في البرّ والبحر» [انظر: أشعيا 42. 11 - 13]. وقال: «ارفع علماً لجميع الأمم من بعيد فيصفر بهم من أقاصي الأرض، فإذا هم سراع يأتون» [انظر: أشعيا 5. 26 - 30]. وبنو قيذار هم العرب، لأن قيذار هو ابن إسماعيل بإجماع الناس، والعَلَم الذي يرفع هو النبوة، والصفير بهم دعاؤهم من أقاصي الأرض للحجّ، فإذا هم سراع يأتون وهو نحو قول الله تعالى: ﴿ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾ [الحج: 27].

[25] وفي موضع آخر من كتاب أشعيا: «سأبعث من الصبا قوماً فيأتون من المشرق مجيبين أفواجاً كالصعيد كثرةً ومثل الطيّان الذي يدوس برجليه الطين» [انظر: أشعيا 41. 25]. والصبا يأتي من مطلع الشمس، يبعث الله من هناك قوماً من خراسان ومن صاقبها، وممن هو نازل بمهب الصبا فيأتون مجيبين بالتلبية أفواجاً كالتراب كثرة، و «مثل الطيان الذي يدوس برجليه الطين»، يريد أن منهم رجاله كالّين، وقد يجوز أن يكون أراد الهرولة إذا طافوا بالبيت.

[26] [131 ب] وقال: في ذكر الحجر المستلم: قال أشعيا: «قال الرب السيد: ها أنا ذا مؤسس بصهيون وهو بيت الله حجراً حجراً في زاوية مكرمة، فمن كان مؤمناً فلا يستعجلن، واجعل العدل مثل الشاقول والصدق مثل الميزان فيهلك الذين ولعوا بالكذب» [انظر: أشعيا. 28. 16 - 17]، والحجر بما ذكر الله 8 في زاوية البيت، والكرامة أن يُثلم ويُستلم.

[27] وقال أشعيا في ذكر مكة: «سُرِّي واهتزي أيتها العاقر التي لم تلد، وانطقي بالتسبيح وافرحي إذ لم تحبلي، فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي» [انظر: أشعيا. 54. 1]. يعني بأهله أهل بيت المقدس من بني إسرائيل، وأراد أن أهل مكة يكونون بمن يأتيهم من الحجاج والعمار أكثر من أهل بيت المقدس، فشبّه مكة بامرأة عاقر لم تلد؛ لأنه لم يكن فيها قبل النبي إلا إسماعيل وحده، ولم ينزل بها كتاب، ولا يجوز أن يكون أراد بالعاقر بيت المقدس؛ لأنه بيت الأنبياء ومهبط الوحي، فلا يشبّه بالعاقر من النساء.

[28] وفي أشعيا أيضاً من ذكر مكة: «قد أقسمت بنفسي كقسمي أيام نوح: إني لا أغرق الأرض بالطوفان، كذلك أقسمتُ أني لا أسخط عليك ولا أرفضك، وإن الجبال تزول والقلاع تنحط ونعمتي عليك لا تزول» [انظر: أشعيا 54. 9، 10].

[29] ثم قال: «يا مسكينة يا مضطهدة، ها أنا ذا بانٍ بالحسن حجارتك ومزينك بالجواهر ومكلل باللؤلؤ سقفك، وبالزبرجد أبوابك، وتبعدين من الظلم فلا تخافي من الضعف فلا تضعفي، وكل سلاح يصنعه صانع لا يعمل فيك وكل لسان ولغة تقوم معك بالخصومة تفلحين معها» [انظر: أشعيا. 54. 11، 12، 14، 17].

[30] ثم قال: «وسيسميك الله اسماً جديداً» [انظر: أشعيا. 62. 2]. يريد أنه سمى المسجد الحرام وكان قبل ذلك يسمّى الكعبة.

[31] «فقومي فأشرقي، فإنه قد دنا نورك ووقار الله عليك: انظري بعينك حولك، فإنهم مجتمعون، يأتيك بنوك وبناتك عَدْواً فحينئذ تسرّين وتزهرين ويخاف عدوك ويتسع قلبك، وكل غنم قيذار تجمع إليك، وسادات نباوث يخدمونك» [انظر: أشعيا. 60. 1، 4، 5، 7]. ونباوث هو ابن إسماعيل، وقيذار هو أبو النبيّ وهو أخو نباوث.

[32] ثم قال: «تفتح أبوابك دائماً الليل والنهار ولا تغلق، ويتخذونك قبلةً وتُدعين بعد ذلك مدينة الربّ؛ أي بيت الله» [انظر: أشعيا. 60. 11، 14]

[33] وفي موضع آخر من أشعيا: «ارفعي إلى من حولك بصرك، تستبهجين وتفرحين من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر، ويحج إليك عساكر الأمم حتى تعمرك قطر الإبل المؤبلة وتضيق أرضك عن القطرات التي تجتمع إليك، وتساق إليك كباش مدين ويأتيك أهل سبأ، وتسير إليك بأغنام قاذار ويخدمك رجالات نباوث» [انظر: أشعيا. 60. 5، 7]، يعني سدنة البيت، إنهم من ولد نباوث بن إسماعيل.

ذكر طريق مكة في أشعيا

[34] [132 أ] وفي أشعيا عن الله: «إني أعطي البادية كرامة لبنان وبهاء الكرمال» [انظر: أشعيا. 35. 2] وكرمال ولبنان الشام وبيت المقدس، يريد: «أجعل الكرامة التي كانت هناك بالوحي وظهور الأنبياء للبادية بالحج وبالنبي ‰ ، ثم قال: «ويشق في البادية مياهاً وسواقي في أرض الفلاة، ويكون الفيافي والأماكن العطاش ينابيع ومياهاً، ويصير هناك محجة وطريق الحرام لا يمر به أنجاس الأمم، والجاهل به لا يصل هناك، ولا يكون به سباع ولا أسد، ويكون هناك ممر المخلصين» [انظر: أشعيا. 35. 2، 6، 8، 9].

[35] وفي كتاب حزقيل أنه ذكر معاصي بني إسرائيل وشبّههم بكَرْمَةٍ عداها، فقال: «لم تلبث تلك الكرمة أن قلعت بالسخطة ورمي بها عن الأرض، فأحرقت السمائم ثمارها. فعند ذلك غُرِسَ غرسٌ في البدو وفي الأرض المهملة العطشى فخرجت من أغصانها الفاضلة نار أكلت ثمار تلك حتى لم توجد فيها عصى قوية ولا قضيب» [انظر: سفر حزقيال. 19. 12 - 14).

[36] وذكر الحرم في كتاب أشعيا قال: «إن الذئب والحمل فيه يرعيان معا وكذلك جميع السباع لا تؤذي ولا تفسد في كل حرمي» [انظر: أشعيا. 6.11، 9] ثم ترى تلك الوحوش إذا خرجت من الحرم عاودت الذعر وهربت من السباع، وكان السبع في الطلب والحرص على الصيد كما كان قبل دخوله الحرم.

ذكر أصحاب النبي وذكر يوم بدر في أشعيا

[37] قال أشعيا وذكر قصة العرب يوم بدر: «يدوسون الأمم كدياس البيادر، وينزل البلاء بمشركي العرب ويُهزمون» [انظر: أشعيا. 21. 10]، ثم قال: «وينهزمون من بين يدي سيوف مسلولة وقِسِيٍّ مؤتّرة ومن شدّة الملحمة» [انظر: أشعيا. 21. 15].

[38] فهذا ما في كتب الله المتقدمة الباقية في أيدي أهل الكتاب من ذكر نبيّنا وصفاته وأعلامه [132 ب] وأهل الكتاب يتلونه ولا يجحدون ظاهره، خلا اسم نبيّنا، فإنهم لا يسمحون بالإقرار به تصريحًا. ولن يُغني ذلك عنهم؛ لأن اسم النبيّ بالسريانية عندهم مشفحا، ومشفح محمد بغير شكّ، واعتباره أنهم يقولون: شفحا لالاها، إذا أرادوا أن يقولوا: الحمد لله. وإذا كان الحمد شفحا فمشفح محمد، ولأن الصفات التي أقرّوا بها هي وفاقٌ لأحواله وزمانه ومخرجه ومبعثه وشرعته. فليدلّونا على مَن له هذه الصفات ومَن خرّت الأمم بين يديه وانقادت لطاعته واستجابت لدعوته، ومَن صاحب الجمل الذي هلكت بابل وأصنامها به؟ وأين هذه الأمة من ولد قيدر بن إسماعيل والذين ينادون من رؤوس الجبال بالتلبية وبالأذان، والذين جعلوا له الكرامة وبثّوا تسبيحه في البرّ والبحر؟ هيهات أن يجدوا ذلك إلّا في محمد ژ وأمته؟

[39] ولو لم نأت بهذه الأنباء والقصص من كتبهم ألم يكن مما أودع الله القرآنَ دليلٌ على ما أودعها من ذكره، وفي تركهم جحد ذلك وإنكاره، وهو يقرعهم به دليل على اعترافهم له، فإنه جلّ وعزّ يقول: ﴿  الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157] ويقول عن المسيح: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ [الصف: 6] ويقول: ﴿   يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ 70 يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [آل عمران: 70 ، 71] وقال: ﴿  الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 146] وقال: ﴿  يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 43] وقد كان رسول الله ژ يدعوهم إلى اتباعه وتصديقه فكيف يجوز أن يحتجّ عليهم بباطل من الحجج ويُحيل بذلك على ما عندهم وفي أيديهم، ويقول: من علامة نبوتي وصدقي أنكم تجدوني عندكم مكتوبًا، وهم لا يجدونه كما ذكر، وأيضًا <أوليس> ذلك مما يزيدهم منه بعادًا أو عما يزيدهم عليه بعدًا وقد كان غنيًا عن أن يدعوهم بما ينفّرهم ويستميلهم بما يوحشهم، ولِمَ أسلم من أسلم من علمائهم كعبد الله بن سلام وتميم الداري وكعب وقد وقفوا منه على مثل هذه الدعاوى التي لا تصحّ عندهم، لا سيّما وهو يحتجّ بهم على قريش ويقوى عليهم، أو لم يكن له آيةً أن تعلمه علماء بني إسرائيل.

[40] وفي الحديث أن رسول الله ژ دعا اليهود فقال: كيف عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: عالِمنا وابن عالِمنا وسيدنا وابن سيدنا، قال: أرأيتم إن أسلم تسلمون، قالوا: نعم، فخرج عليهم عبد الله بن سلام فشهد بالحقّ واحتجّ له، فلما سمعوا ذلك قالوا: خَرِف الشيخ. ويقال: إياه عنى الله تعالى بقوله ﴿ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾ [الرعد: 43]، وليس احتجاجنا على المكذّبين بالرسل بما في كتب الله؛ لأنا رأيناهم يؤمنون بها ومن لم يؤمن بالرسول المبلغ للكتاب لم يؤمن بالكتاب، ولكنا رأينا الحجّة تلزمهم فيها بإخبار موسى عن عيسى وإخبار عيسى عن محمّد، وبين المُخْبِر والمخبَر عنه قرون كثيرة وأحقابٌ، وهذا لا يجوز إلّا عند من آمن بالرُسل لإخبارها عن الله بذلك، فإن ادّعوا أن الكتب التي في أيدي أهل الكتاب مصنوعة صنعها كبراؤهم ليعقدوا لأنفسهم بها الرئاسة ويستدعوا من العوامّ الانقياد والطاعة، وأن ما فيها من ذكر نبيّ يسمّى عزير(؟)، وأنه لا إبراهيم ولا داود ولا موسى ولا عيسى، خرجوا بهذا القول عن كل فطرة وأبطلوا به كل معرفة إلّا ما لحقته العيون وكفى بذلك جهلًا وحيرةً.

[41] ولو كانت الحجّة لا تثبت إلّا بإقرار الخصم أو سكوته لم تثبت أبدًا إلّا [133 ب] بمشيته؛ لأن الكلام واسع واللسان كلفٌ وقد رأيتُ من الناس من لا يسكت وقد أسكته الحقّ، ولا ينقطع وقد قطعته الحجّة، ورُبّ كلام أبلغ منه العِيّ، وقول أحسن منه للانقطاع، وإنما يكفيك من الكلام أن يخرج خصمك عما عرف الناس وعما اختلفوا عليه، فإذا بلغ هذه الغاية، فأمسك عنه فلا تزده، فإن الزائد فيما لا مزيد فيه متعرّض للخطأ بعد الصواب، ومساوٍ للخصم في الشتم وسوء الأدب بعد الظهور، وليس يجوز الكذب على الإخبار بأتية موسى وعيسى وأعلامهما؛ لأنهما خبر قرن عن قرون وأمم مختلفة في الدين عن أمم مختلفةٍ، ولو جاز أن يكون مثله باطلًا لجاز أن يقولوا في نبيّنا ژ مثله، وأن يقولوا في القائمين بعده وأن يكون المولود في زمن المعتصم يشكّ في المنصور، والمشاهد لخلافة وُلد العباس يشكّ في خلافة بني أمية، وهذا وأشباهه من الأمور التي تقرب منا بوحش السامع لقرب العهد، ولا فرق بينها وبين الأمر الأول؛ لأنها كلّها أخبار قرن عن قرنٍ إلّا أن القرن قلّ عددها في واحدٍ وكَثُرَ في آخر.

[42] وأما قولهم: إن ما في الكتب من ذكر نبيّ منقلع لآخر بعده عزير(؟) فمَن النابذون لأهل الكتاب العابدون؟ وهذا مستحيل لأن اليهود أعداء النصارى ويكذّبون بنبوة المسيح، والنصارى أعداء المسلمين ويكذّبون بنبوة محمّد ‰ ، فكيف يزيدون في كتبهم ذكر أنبياء هم بهم جاحدون، وكانوا بحذف الذكر ونقص المدح والثناء أجدر لو وجدوا إلى ذلك سبيلًا لذمّ(؟) المسلمين، وهذا أشدّ استحالة؛ لأن المسلمين لو أرادوا الزيادة في كتبهم لم يزيدوا إلّا ليحتجّوا عليهم بذلك، فكيف يصلون إلى الزيادة سيّما من حيث لا يعلمون، وإن قالوا: إن للأنبياء أصحاب شبهاً ومخاريق فإن الشبه باطلة كاسمها فهل يتّبعون في الشبه بعلماء الغيب […] وفلق البحر لتسعمائة ألف حتى عبروا وإطباقه على أكثر منهم حتى غرقوا [134 أ] وكإحياء الموتى وخلق الطير من طين، وهل يجوز أن يحتال محتال حتى يأتي بطير من البحر بطير أبابيل معها حجارة من سجّيل فيُهلك بها أمةً وينصر بها أمة، بل كيف يحتال بهذا مولود في ذلك الوقت أو كيف أمر الفيل من قريب قد لحقه وراءه بشر كثير، فمن كان في عصر رسول الله ژ فهو لنا كالعيان وفي عام الفيل كان مولده بأمّي هو وأمّي وسنذكره في ما بعده إن شاء الله.