القرآن الكريم بين الشرعية المعرفية وغيرية المتلقي.. الفكر الاعتزالي نموذجا

تعاليم القران الكريم.jpg

مختار لزعر | أستاذ مقياس اللسانيات، في جامعة عبد الحميد بن باديس (مستغانم)، الجزائر

 

إنّ الحديث عن الشرعية المعرفية لا يتأتى إلا بالوقوف عند محطتين اثنتين استطاعتا ـ إلى حد ـ بعيد أن تكشفا البُعد الحقيقي لمفهوم الشرعية بين واقع الذات القدسية (الوحي / الاستغناء)، والذات الإنسانية (التلقي / الاتباع)؛ وهما إذ ذاك ما وُجدا في هذا الوجود المطلق إلا لأن تستعين بهما الذات المتلقية للحدث الكلامي من أجل أن تتحلى برؤية علمية تنماز بها عن غيرها من الذوات، شريطة ألّا تلغي الطرف الآخر من حسبانها وهي تتعامل معه (أي: الذات المتلقية)؛ لأنّ ذلك يمثل السرّ الوجودي المعرفي في بحثها وتنقيبها عن تلكم الأبعاد المبثوثة في لبّ الحقيقة.

إنه بكل بساطة مفهوم الآخر (Autre)، وليس مفهوم الغيرية (Altérité) التي أضحت تتمركز عبر السرّ الوجودي الحركي المساير للذات الإنسانية على محطتين بارزتين: إحداهما تعلقت بتلكم الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية. والثانية محطة سابقة من حيث الجانب الأزلي المحطة الأولى؛ إلا أنها نزلت أنكرونيا Anachronique بعدها؛ فهي سابقة عليها، هذه المحطة لها علاقة بواقع النص القرآني الخالص والمتمثلة في تلكم الشرعية التي وقعت بين قابيل وهابيل، وهما يتنازعان في إدراك البُعد الحكمي الذي يجعل الذات تعيش لحظتها الفطرية والوجودية والمعرفية على السّواء.

الغيرية في العهد القديم

(L’Altéritè dans l’Ancien Testament):

كل ذات إنسانية مغايرة لذاتية (الأنا) الموجودة وجوداً حقيقياً أو وجوداً تصورياً. بعبارة أخرى ذلكم الشخص الموجود الذي نفكر فيه والذي يشكل في حدّ ذاته موضوع فكر أو ثقافة ما يُعدّ في الغالب الأعم ـ على حدّ تعبير أهل الأدب المقارن ـ شخصاً مختلفاً ومتأخراً إذا ما قورن بالذي يمتلك ناصية وزمام أبعاد الخطاب، أو إن شئتم صاحب الفكر الذي يعتني به أشد العناية، فيجعله موضوعاً له حتى يستطيع من خلاله سبر وكشف تلكم الخفايا والأبعاد المتسترة في طيات خلفية الخطاب أو الفكر.

إنّ بُعد مفهوم L›Altérité يختلف جذرياً عن مفهوم الآخر Autre من حيث إنّ الغيرية هي عكس هوية الناظر الذي ينظر تجاه الآخر المنظور، ومن هذا يمكننا القول: إنّ الغيرية لم تحبَل بنوايا حسنة تجاه محاولتها لمعرفة الآخر؛ إذ إنّ نظرة الأنا تحجبها حُجُبٌ نفسية، مادية، وفيزيولوجية بالمعنى الذي يفرده لها Bernard Fernandez والتي تولدت عن مخيال غربي لم يستوعب ذاك الشرق الذي ما يزال يكتشفه منذ العهود القديمة؛ أي: منذ تجربة كتبة النصوص المقدسة (اليهودية / المسيحية) إلى غاية فلاسفة وكتّاب القرن الثامن عشر، مرورا بـ : Hérodote أبي التاريخ الإغريقي والمخيال القروسطي (نسبة إلى القرون الوسطى). قلت: ليس الأمر كذلك؛ بل هي غيرية من حيث إنها تتصور الآخر ثم تعرفه معرفة تفضي إلى فهم حركية ثقافته فهْماً ينسج تبادلاً ثقافياً بمدى كوني، يصل إلى حتمية الإنسانوية التي تمكّن الآخر الناظر من أن يكشف غيريته أو أجنبيته في ثقافة الآخر المنظور.

بهذه الشاكلة والمنوال تؤخذ الغيرية مأخذ مبدأ الاختلاف بشكل نهائي؛ ولكنه اختلاف لا يسمن ولا يغني من جوع، خاضع لتلكم الكليشهات الأكثر تنوعاً، التي تتنوع حسب تنوع السياق الواقعي الحالي، وذلك عندما تكون هذه الأخيرة إما مرفوضة أو لربّما محكوماً عليها بالخضوع والانصياع إلى مساوئ الإيديولوجيا بالنسبة للثقافة المهيمنة التي راحت في كثير من المقامات تقصي الطرف الآخر من الفضاءات الراقية والمحجوزة في الغالب الأعم، وذلك تحت غطاء ما سمّي ولا زال لحدّ الآن بالثقافة. وفق هذا الوصف المذموم والمفروض في كثير من المقامات؛ فإنّ واقع (الآخر) يصبح اسماً موصوفاً غير واضح المعالم، يُنظر إليه في كل الأحوال بنظرة ضيقة ومحدودة؛ لأنه يمثل النكرة، المجهول، المختلف الحامل تلكم الشخصية المبهمة من قبل جماعة عرقية مهيمنة على غالبية المجالات، والتي همّها الوحيد هو التحامل على وجود هذا الطرف الآخر.

نعود فنقول: إنّ التعدد والتنوع الخاص لمفهوم (الآخر) يسمح في مجمله بتكوين فكرة عن واقع (الغيرية) تماماً كما يتصورها بعض من الفلاسفة على اختلاف نحلهم ومذاهبهم. من هذا المنطلق يؤكد جون پول سارتر J. Paul Sartre في مقولته التي يعرفها العام والخاص قائلاً: «الجحيم هو الآخرون» وبشكل واضح وبيِّن أنه لا يمكن اعتبار الآخرين أبداً من أنصار الخير؛ وإنما هم دوماً من أتباع الشّر. ولكن ليت شعري ألا يذهب هذا الفيلسوف إلى حدّ تقدير وجود أو تواجد هذا (الآخر) حين نجده يصرّح بصريح العبارة: «الآخر ضروري لوجودي» على الرغم أنه إن عدّ هذا (الآخر) هو الجحيم بعينه؛ فهو يمثل في المقابل الجانب الأساس لوجودنا على حدّ قوله. بل الأدهى والأمرّ من ذلك أننا نجد في هذا المقام نفسه مفكراً فرنسياً آخر يؤكد بأنّ الحبّ لا يُدمّر الآخر. في حين أنّه على تعريف آخر يصرح قائلاً: «الآخر، هذا الآخر يشير باحتقار إلى شخص ما» تماماً ذلكم (الآخر) الذي تعوّدت النفس البشرية كرهه واحتقاره بسبب متخيل شعبي متأثر في غالبية الأحيان بأحكام ثقافية مسبقة لا يستطيع الاستغناء عنها طرفة عين.

ومهما يكن من أمر ـ والحال هكذا؛ بل سنرى في الصفحات الموالية الأمر أكثر وضوحاً وإشراقاً ـ فإنّ الغيرية مفهوم من دون قيمة تعاني في جل سياقاتها الفكرية والوجودية أعراض ما تبيّته لها تلكم النوايا السيّئة للعين العرقية (Le Regard Ethnocentrique) التي تنظر إليها دون أن تراها أو تفهمها في اختلافاتها أو لربّما تدرك مميزاتها السيكولوجية، التاريخية، والأخلاقية باختصار. بعبارة أخرى هي تلكم الثقافة التي لا تحمل ـ بالنسبة لها ـ في ثناياها المعنى الحقيقي للثقافة نفسها. من هذا المنطلق استوجب منا مسار الجانب المنهجي الاستشهاد ببعض من الأمثلة التي تبيّن لنا تلكم الأبعاد على مختلف سياقاتها الداخلية والخارجية، كيف ظهرت واستفحلت تلكم الأحكام المسبقة والنعوت غير المؤسس لها عن واقع الآخر، والتي أوجدها وتوقف عندها مرسلو خطاب الكتاب المقدس، ومؤلفو النصوص الذين ينتمون إلى الأدب الاستعماري، في الوقت الذي يشير فيه هذا الآخر في واقع النص القرآني الخالص إلى أتباع الشياطين والذين راحوا في كثير من السياقات ـ كما بيّن هو ـ يؤمنون بتعدد الآلهة وغيرهم ممّن يتعمّدون الاستمرار على طريق الشّر مقصين من حسبانهم واقع الآخر بكل ما ينماز به من جانب فطري/ وجودي ومعرفي.

من المؤكد الذي لا شك فيه ولا ارتياب بأنّ بداية نسخ النصوص الدينية القديمة تمّ تقريباً في القرن العاشر قبل الميلاد 10 Siècle Avant J. - C وفي ظل حكم الملك دافيد (David) وابنه سالومون (Salomon) من بعده وذلك في كتابة النصوص التي تعدّ أولى العناصر المشكلة للنسخة القديمة أو ما يسمى بالكتاب المقدس اليهودي. وتظهر في هذا المقام بالذات أسفار موسى الخمسة في المقدمة لوحدها جزءًا أساسياً، في حين تتربّع بقية نصوص النسخة القديمة في مساحة قدرها مائتان وواحد وثلاثون صفحة، وهي تتكون من خمسة أقسام موسومة بـ: التكوين (La Genèse)، الخروج (lexique)، اللاويين (Le Lévitique)، العدد (Les Nombres)، التثنية (Le Deutéronome) وغالبا ما تُختصر هذه الأسماء حسب ورودها في الكتاب المقدس بـ: Ge., Ex., Lé., No., De.

لقد تمّ تصحيف الكتاب المقدس اليهودي La Matérialisation de la Bible Juive عبر تسعة قرون ونصف. وتعدّ الوصايا العشر (Dix Commandments) بمثابة المكونات الأساسية للرسالة التي نزلت على سيدنا موسى ‰ (Moise) وهو رسول من بني إسرائيل، وكان من المفروض لهذه الوصايا العشر أن تسبق نصوص الكتاب المقدس التي جاءت بعدها في عملية تنقيح لها، وبدلاً من ذلك فقد وردت متضمنة فيها.

واللافت للانتباه أنّ كثيراً من المؤلفين عن الكتاب المقدس يُولون أهمية بالغة للعامل الكرونولوجي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد جاء هذا الترتيب متعمداً؛ قصد إثبات قضية مهمة؛ لأنها كانت ولا تزال جزءًا من الرسالة الموجهة إلى موسى من قبل يهوه (Jehovah). على هذا الأساس ينكشف بُعد مفهوم الغيرية بشكل واضح ومميّز في النصوص التكوينية (La Genèse) ابتداء من الفقرات التالية: 16/1، 16/2، 16/3، 16/4، 16/5، 16/8، 16/9، 16/12، 21/9، 21/10، 21/12، 21/13، 21/21، 25/6، 26/7، 26/12، 27/46، 28/1، 28/6، 29/1.

الغيرية في القرآن الكريم (Le Coran et lanotiond’Altérité):

إذا كانت غيرية العرب (الشرقيين) ظاهرة بشكل واضح في واقع النصوص المقدسة؛ فإنّ تلكم التي تخصّ ابني آدم قابيل (Cain) وهابيل (Abel) لا تقلّ وضوحاً عنها في كثير من السياقات وهي مذكورة بإسهاب وافر. وهناك في هذا المقام دراسة معمقة لرموزها، والتي تسمح إلى حدّ بعيد بالكشف عن الكيفية التي يرى بها خيال قابيل هذه الغيرية أمام ما يُثني عليه الربّ به من قبول قربان أخيه هابيل ورفض قربانه هو. إنّ رفض قربان قابيل إنما يبرّره عتاب الربّ له على سوء تصرفه في النصوص التالية:

التكوين: 4/5: «... أما إلى قايين وتقدمته فما نظر برضى، فغضب قايين جدّا وعبس وجهُه».

التكوين: 4/6: «فقال الربّ لقايين: لماذا غضبت ولماذا عبس وجهُك؟».

التكوين: 4/8: «وقال قايين لهابيل أخيه: هيّا لنخرج إلى الحقل. وبينما هما في الحقل هجم قايين على هابيل أخيه فقتله».

إنّ إلقاء نظرة خاطفة إلى هذه النصوص أو الآيات يدرك العاقل عن طريقها بأنّها تمثل الدليل القاطع والسّاطع على أنّ قابيل لم يكن شخصاً محبّاً للخير، وأنه كان مهيئاً لانتهاك المحرمات؛ الأمر الذي أدّى بالإلٰه إلى قبول قربان أخيه هابيل ورفض قربانه هو. وعلى الرغم من التوجيه والنصح الذي خصّه الله به فقد رفض وأبى اتباع طريق الخير؛ حيث يظهر في النصوص ارتكابه للذنب جلياً وبوضوح رغم دعوة الإلٰه له بالنزوح عن اقترافه. ومن ثم تتعرّى غيرية قابيل أمامنا لتفضح ضعفه وغيرته بل عقوقه وشراسته، في حين راحت ذاتية هابيل تمثل شخصية الودود الطيّب المحب للخير والصلاح؛ لأنه لم يُعدم وجود الطرف الآخر من حسبانه بل هو موجود وجوداً عينياً وتصورياً في الآن نفسه.

لعل السبب الرئيس في كون الأخوين يتصرف أحدهما بشكل مختلف تُجاه الآخر، إنما يكمن أساساً في أنّ الأول شخص رزين للغاية ينماز عن أخيه بعقل ثاقب وقدرة هائلة على التفكير الصائب؛ الأمر الذي مكنه فعلاً من الاختيار بين وضعيتين متناقضتين تماماً؛ حاول الآخر (قابيل) أن يجرّه نحو أسوئهما لعجزه عن التمييز بين الحق والباطل. وقد كان رمزاً لغيرية جاهلة حيوانية لا تتبع سوى دروب الردّة والشرّ، ولأنّه كان يفتقد العقل والحكمة فقد كان إنساناً مشتتاً متعجرفاً محمولاً على فعل الشر ليس غير. بعبارة أخرى لقد بات من المستحيل لقابيل أن يفهم خطاب الحكمة الذي خصّه به هابيل ويرتدع له؛ بل إنّ هابيل رغم حكمته لم يتمكن حتى من هزّ أحاسيسه؛ لأنّ قابيل فضّل الاستجابة إلى الميولات السيئة لغيريته الحيوانية المتناسبة مع طبيعة روحه المرتدة الأمّارة بالسّوء. إنّه بكل بساطة وسذاجة ذلكم الجانب العقلي الذي يطغى على تصرفات أحدهما (هابيل) على أساس أنّه قدّره تقديراً يليق بمقامه، فهو حاضر معه في كل لحظة لاسيّما عندما يكون في مقام التحاور والتخاطب، ويغيب عند الآخر (قابيل) لا تصافه بصفة تنافي هذا الواقع العقلي المبني على التفكر والتدبّر وإعطاء الأشياء مقاديرها التي تستحقها.

وممّا يسترعي التريث أنّ مثل هذه الوضعية المتناقضة الوجهين واردة أيضاً في واقع النصوص المقدسة وهي تقابل بين المؤمن والكافر؛ غير أنّ الفرق هو أننا نجد في النص القرآني يتم تحذير الكافر ممّا ينتظره إن هو استمر على كفره، في حين نجد في العهد القديم محكوم عليه بالهلاك لا محالة. من هذا المنطلق يمكننا أن نستشف بأنّ غيرية هابيل هي الغيرية التي أوحت بالشك لقابيل، وكشفت له عن باطل أفعاله. وعلى الرغم من ذلك فإنّ قابيل اتّبع وحي خياله المتأثر بالغيرة والحسد مع أنه كان من  لأفضل له أن يتقبل الوضع ويقبل بأخيه، خاصّة وأنّ هذا الأخير كان شخصاً طيباً لا يريد له سوى الخير، وبدلاً من ذلك فقد كان يرى فيه عدواً لا بدّ من تصفيته (القضاء عليه). إنّها الدراما الوجودية التي تجسّد تاريخ البشرية من خلال أول جريمة ـ كما يقولون ـ يقتل فيها الأخ أخاه وجهاً لوجه؛ فيصبح الخير والشرّ ـ المتناسب مع الروح الشيطانية ـ طريقين بينين يفترق أحدهما عن الآخر. منذ ذلكم اليوم المشهود أصبح لهذين الرمزين وجود في مختلف الثقافات العالمية، على أساس أنّ الغرب كان ولا يزال ينظر إلى الشرق نظرة اتّهام تُحمّله وزر كل تلك الشرور. لكن ليث شعري ـ والحال كذلك ـ ألم تلعب مختلف الثقافات التي ظهرت في الغرب دوراً سلبياً في رسم صورة الشرق (العربي) من خلال الدراسات التي قامت بها عنه، وهي تصفه بمواصفات إنسلاخية، وهي تريد أن تجعله في كل الأحوال تابعاً لا متبوعاً، باقياً على هذه الحالة والشاكلة حتى ولو أوتي ما أوتي من زاد معرفي وخلقي فمآله إلى التبعية ليس إلا؟

لعلها نظرة شاملة مركزة استطاعت إلى حدّ بعيد تقريب وتوضيح مفهومي الغيرية / الآخر، وهما يسبحان في ساحتهما الوجودية / المعرفية، تارة على نية التبعية والاقتداء، وتارة أخرى على نية النظر والتدبر والتفكير فيما ينبغي أن تكون عليه الظواهر والوقائع على اختلاف سياقاتهما. ولما كان مفهوم الغيرية (Altérité) مفهوما لا يمكن له بحال من الأحوال أن يُحتكر من قبل حقل الأدب المقارن؛ على أساس أنه ينبني أساساً على جانب المقارنة بين أدبين مختلفين لا يخرجان عن سمة التأثر والتأثير بمعناهما الواسع الشاسع، وإنما الحقيقة العلمية تقتضي من واقع المفاهيم أن تسير جنبا إلى جنب مع حركيتي: الذات الإنسانية ـ العارفة ـ ثم السياق الواقعي المتغير والمتجدد؛ الأمر الذي يجعل من هذه الغيرية الوجودية تحقق في نهاية المطاف بُعدها المعرفي والوجودي بالنسبة للطرف الآخر (Autre) ممّا يسهّل تحقيق عملية شرعية بين الباثّ ـ مهما كان يحتل المقام ـ ثم ذاتية المتلقي لأيّ حدث كلامي يتلقاه.

ثم إنّه ـ يا ترى ـ بأي حق معرفي وخلقي تدعي الذات المتلقية للحدث الكلامي بأنها فسّرت وبيّنت المعنى الكائن في واقع الخطاب سواء أكان قرآناً أم سُنَّة ـ السُّنَّة النبوية ـ وهي تقرّ في كثير من المقامات بأنّ مثل هذه النصوص هي صالحة لكل زمان ومكان؟. فليث شعري ـ والحال كذلك ـ أين يكمن موطن الجانب الذي له علاقة بصلاحية هذا النص المعجز ـ في لفظه ومعناه ـ أفي ذاته أم في ذاتية العملية التفسيرية التي يتوصل إليها المفسّر والمبيّن لحظة تعامله مع هذا الواقع الإطلاقي؟ أيكمن موطن الصلاح والبقاء السرمدي في تلكم التقريرات الاجتهادية المنطلقة أساساً من واقع حالي ظل يصاحب المفسّر والمبيّن حيناً من الدّهر وما على الجيل اللاحق إلا التبعية والاقتداء؛ لأنها تمثل المرحلة الأساسية والأخيرة للعملية التفسيرية المتعلقة بهذا الواقع الأخير؟ ثم كيف يُفسّر هذا الإهمال أو إبعاد الطرف الآخر من ذهنية المفسّر أو المبيّن؛ هل لأنّ الحقيقة المطلقة تكون فقط مرة واحدة في العمر بالنسبة لهذه الذات لحظة تعاملها مع الحدث الكلامي، ومن ثم فكل مرحلة تأتي بعد هذه المرحلة التفسيرية إنما هي من قبيل التبعية ليس إلا؟أم يفسّر الإهمال بعدم الإقرار الجازم بوجود الطرف الآخر شكلاً ومضموناً؛ الأمر الذي يجعل من واقع التفسير والبيان ينغلق على نفسه دون أن يتقبل بحال من الأحوال شيئاً من الجانب التأويلي التخريجي الذي يتماشى وما يقتضيه السياق الواقعي الحالي الذي يتماشى وحركية الذات الإنسانية؟ ثم بأيّ حق لا تزال الذوات على اختلاف نحلها ومذاهبها منذ حين من الدّهر تؤمن إيماناً جازماً وقاطعاً بوجود شرعية علمية ومعرفية، خيّل لها بأنها تتمتع بها وهي تتعامل مع مختلف السياقات الداخلية والخارجية، ظانّة بأنها بهذه الشرعية المزيّفة حيناً والمحدودة في كثيرة من الأحيان تعطي قيمة معرفية وخلقية للطرف الآخر سواء الموجود وجوداً عينياً وهي تخاطبه، أم الموجود في اللاشعور ـ مبدأ التصور ـ يوم يكون في وجود وواقع غير الواقع التي عاشت ووجدت فيه؟ومن ثمة فهل تفسّر الشرعية من منطلق غيري أم تفسّر من منطلق ذاتوي ينطلق منها ثم يعود إليها دون أن يعطي أدنى تأمل أو تدبر إلى الطرف الآخر الموجود وجوداً عينياً أو المرتقب وجوده في الأيام المستقبلية؟

بل أبعد من ذلكم كله بأيّ صورة نمنحها لهذه الشرعية التي ظلت حيناً من الدّهر تبحث عمّن يُخرجها من الحيّز التقييدي المعياري إلى عالم الإطلاق والتخريج؟ بأيّ طريقة نسير وفقها ونحن نتعامل مع هذه الشرعية الوجودية المعرفية التي عن طريقها تستطيع الذات الإنسانية المتلقية للحدث الكلامي سبر أغواره وأبعاده العميقة؟ ما هي أنجع الطرق والسّبل التي تجعل الشرعية تتجه نحو اتجاه وسطي؛ الأمر الذي يجعل من ذاتيتي (الوحي/ المتلقي) يسيران جنباً إلى جنب مع ما اقتضاه صاحب الرعاية المطلقة أن يكون في هذا الوجود المطلق؟ ثم أين يكمن سرّ التكامل أو التوافق بين ذاتيتي (الوحي/ المتلقي) هل في تنازل الذات الإنسانية عمّا بثه فيها صاحب الرعاية المطلقة من عقل وتدبّر وتأمل من أجل أن يبسط واقع الوحي أرضيته الخصبة على واقع العقل، ومن ثم ما عليه إلا الانقياد والتسليم؟ أم في ذلكم التعامل الذاتوي على حسب رؤية الذات المتعاملة مع هذا الحدث الكلامي الإطلاقي (الوحي)، ومن ثم تصبح الشرعية تسير بعين واحدة في وجودها المعرفي الإجرائي؟ إذا كانت الشرعية تعني فيما تعنيه تلكم الوسطية بين ذاتية المتلقي مع ذاتية الباث؛ فكيف نفسّر تلكم التفاسير لواقع النص القرآني بالنسبة لعلمائنا الأقدمين، والتي راحت مصنفاتهم في هذا المجال الأخير تنماز من تفسير لآخر إن على مستوى المفهوم أو المنهج، وحجتهم في ذلك كله أنّ لهم الشرعية الكافية واللازمة لسبر أغوار هذا المعطى الإطلاقي لواقع النص القرآني، ونسوا أو تناسوا في كثير من السياقات أنّ واقع الشرعية التي تتحلى به الذات العارفة يستوجب ويستدعي الإيمان الجازم بوجود الطرف الآخر للتحاور معه، مهما كان المقام المعرفي الوجودي الذي يحتله؟ إنها من دون شك غيرية الآخر التي تجعل من الشرعية ـ وهي تتوسّط بين ذاتية الباث والمتلقي ـ تؤتي أكلها من تلكم النظرة التقاربية التآلفية الكائنة بين عالمين اثنين: عالم الذات القدسية ثم عالم البشر على اختلاف مستوياتهم على الإطلاق ابتداءً من الأنبياء إلى أقل درجة في بني البشر؟

من هذا المنطلق ارتأينا أن نختار بعضا من المفاهيم التي لربّما نستطيع عن طريقها أن نستشف ذلكم البُعد الحقيقي لمفهوم الشرعية التي كان يتعامل معها القدامى من مثل: الدليل العقلي كشرط للدخول في سبر واقع المعرفة، وأثر علم الكلام في تفسير واقع النص القرآني، وأخيراً تلكم القاعدة التي أحدثت ضجة كبيرة في المعتقد الاعتزالي والمنصبة أساساً على مفهومي: العام / الخاص، وهي قولهم: الأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب.

الدليل العقلي شرط في المعرفة:

لقد كان الدليل العقلي عند المعتزلة بمثابة الشرعية المعيارية لواقع الحقيقة الدينية، سواء تعلق الأمر بالذات القدسية في حقّه 4 ، أم بالفطرة المنبثقة عن هذه الذات القدسية، التي أوجبت عليها أن تعبده وتوحدّه توحيداً يليق بمقامه. ونجد بعضاً من المعتزلة ـ كالجاحظ (255هـ) ـ قد استطاع أن يُخرج نظرية الدليل العقلي التي توقف عندها سابقيه ـ أمثال: واصل بن عطاء، والأصم، والعلاف، وإبراهيم النظّام وغيرهم ـ في ثوب قشيب يعتمد أساساً على أنّ الحجة الكاملة والكافية في هذا الوجود إنما تقوم أساساً على المعرفة بمفهومها العقلي، والتي من خلالها تستطيع أن تنكشف للنفس البشرية ما لها وما عليها، وهي تعبد الخالق، وتتعرف عليه بالمعرفة التي اقتضاها هو لذاته 4 .

يقول الجاحظ في هذا الشأن ما بيانُه: «إنّ كل منطوق محجوج، والحجّة حجتان: عيان ظاهر، وخبر قاهر. فإذا تكلمنا في العيان وما يفرّع منه فلا بدّ من التعارف في أصله وفروعه منه. ولا بدّ من التصادق في أصله والتعارف في فرعه، فالعقل هو المستدل، والعيان والخبر هما علة الاستدلال، والعقل مضمّن بالدليل، والدليل مضمّن بالعقل، ولا بدّ لكل واحد منهما من صاحب، وليس لإبطال أحدهما وجه مع إيجاب الآخر». بمعنى أنّ الجاحظ يحدد شرعية الدليل العقلي في ثلاثة عناصر أساسية هي: العقل، وما بثّه الخالق من المشاهدات الكونية التي لها علاقة بالغاية التي خلقت من أجلها هذه النفس البشرية، ثم أخبار القرآن والحديث، وهو بهذا لا يخرج عمّا كان يؤمن به المعتزلة من كون أنّ العقل سابق على النص ومترتب عليه. في ضوء هذا المفهوم الذي عبّر عنه الجاحظ فيما يخص الدليل العقلي ـ على أنّه الأساس الجوهري الذي لا ينبغي أن يخرج عن المعرفة التي كلّف الخالق 8 عباده بها ـ راح غالبية المعتزلة من بعد الجاحظ يفسّرون النص القرآني وفق هذه الشرعية المنبثقة من الدليل العقلي يوسّعونها ويبرهنون على صدقها وأصالتها بتأويل أي من النص القرآني.

ولقد غدا المعتزلة يتدبّرون، ويتوقفون عند الكثير من الآيات القرآنية، قصد المزيد من معرفة وإدراك الوجوه والأبعاد التي تدلّ على صدق هذه الشرعية الأخيرة والمتعلقة بما يخص الدليل العقلي وتقديسه، وذلك بما يتأوّلونه عن طريق النص القرآني.

ولقد انعكس صدى كل ما أشرنا إليه آنفاً أو سالفاً في تفسير الكشاف؛ إذ أصبح واضحاً جلياً عند الزمخشري في تقريره الذي لم يخرج عن سابقيه، وهو أنّ شرعية الدليل العقلي في هيئات الآيات القرآنية يعدّ بمثابة المدخل الحقيقي، والمنفذ الوحيد للتأويلات الصحيحة التي تتماشى والبُعد الذي اقتضته كثير من الآيات. يقول الزمخشري في معرض حديثه عن قوله تعالى: ﴿  كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [صۤ: 29] ما نصّه: «إنّ تدبر الآيات القرآنية ينبني أساساً على التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يدبّر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة؛ لأنّ من اقتنع بظاهر المتلوّ لم يحل منه بكثير طائل، وكان مثله كمثل من له لِقْحَةٌ دَرُورٌ لا يحلبها، ومُهْرة تثور لا يستولدها» بمعنى أنّ الدليل العقلي هو كل شيء في العملية الاستنباطية والاستدلالية التي تقوم عن طريق النص القرآني.

بل نجده يواصل في تبيان شرعية الدليل العقلي للحقيقة الدينية التي لا مناص لها منه حين نجده يصرّح بصريح العبارة على أنّ العقل بيّنه الخالق 8 لخلقه بياناً مطلقاً، على أساس أنّ به تستطيع الذات الإنسانية أن تعرفه معرفة يقينية مبنية على تلكم الشواهد المبثوثة في هذا الوجود المطلق البائن. يقول في قوله تعالى: ﴿  أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ۚ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ  ﴾ [هود: 17] ما بيانُه: «أي؛ على برهان من الله تعالى، وبيان أنّ دين الإسلام حقّ، وهو دليل العقل، (ويتلوه) ويتبع ذلك البرهان (شاهد منه)؛ أي شاهد يشهد لصحته وهو القرآن، (منه) من الله تعالى أو شاهد من القرآن».

ومن اللافت للانتباه أنّ الزمخشري يؤكد أنّ ما ركّبه الخالق سبحانه في عقول عباده هو بمثابة الميثاق الذي واثقهم به يوم أن خلق الخلق؛ بل أبعد من ذلكم كله حين نجده يقرّ إقراراً جازماً وقاطعاً بأنّ واقع العقل يمثل عنده وعند غالبية المعتزلة تلكم المنزلة العهدية الوجودية التي جعلها صاحب الرعاية المطلقة آية من آياته التي لا مناص للذات من الابتعاد عنها وتجاوزها. يرى في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [البقرة: 27] ما نصه: «فإن قلت: ما المراد بعهد الله؟ قلت: بما ركّب وركّز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنّه أمرٌ وصاهم به، ووثّقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 172]».

ويتخذ الزمخشري من قوله تعالى: ﴿  إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190] دليلاً قاطعاً وساطعاً على أنّه من تمسّك بالنظر والاستدلال استطاع أن يفارق البشر، ونجاحه في الجانب القصدي. يقول في هذا السياق ما بيانُه: «إنّ معنى (لآيات) أي؛ لأدلة واضحة على الصانع، وعظيم قدرته، وباهر حكمته، (أولي الألباب): الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار، ولا ينظرون إليها نظر البهائم الغافلين عما فيها من عجائب الفطر».ِولا يقف عند هذا الحد من أهمية هذا الدليل العقلي في الكشف عمّا احتواه النص القرآني، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين نجده يحمل ما انتهى إليه غالبية المعتزلة في استخدام هذا الدليل العقلي كدليل قاطع على حجية التوحيد والعدل، حيث يتأوّل قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ۚ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: 35] قائلاً: «إنّ الخالق 8 هو وحده الذي يهدي بحكمته للحق الذي هو لذاته ولخلقه، وبالتالي ركّب وركّز في المكلفين من العقول، وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم فهل من شركائهم الذين جعلهم أندادًا لله تعالى أحد من أشرفهم وغيرهم يستطيع أن يهدي إلى الحق الذي أراده مثل هداية الله تعالى وحده».

وبناءًا على ذلك فقد تمسّك الزمخشري ـ كغيره من المعتزلة ـ في كشافه باقتفاء هذه الشرعية المعرفية؛ لما يقتضيه واقع الدليل العقلي من المنظور الاعتزالي، والذي كان يُعدّ بمثابة المنهج الذي ارتضاه النص القرآني لمن أراد تدبّره وتنقيبه قصد استنكاه غوره العميق. يقول ابن أبي الحديد في هذا السياق ما نصّه: «إنّ هؤلاء هم أصحابنا المعتزلة لا شبهة في ذلك؛ ألا ترى أنّهم يعلّلون أفعال الله تعالى بالحِكَم والمصالح. فإذا ضاق عليهم الأمر في تفصيل بعض المصالح في بعض المواضع قالوا: نعلم على الجملة أنّ لهذا وجه حكمة ومصلحة، وإن كنا لا نعرف تفصيل تلك المصلحة، كما يقولون في تكليف من يعلم الله منه أنّه يكفر» بمعنى أنّ ابن أبي الحديد ـ كغيره من المعتزلة ـ يطلقون على أنفسهم الراسخين في العلم، وهم يؤولون الآية الكريمة بما يتفق ومذهبهم الاعتزالي، وهي قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ﴾ [آل عمران: 7] وعليه تكون الواو ـ كما أشار القاضي أيضاً ـ على العطف لا على الاستئناف.

إنها ـ على الرغم من قلة سرد النصوص ـ عملية تكشف لنا عن مدى تلكم الشرعية المعرفية التي كانت تتحلى بها غالبية المعتزلة وهم يتعاملون مع واقع النص القرآني بالتفسير والبيان، وهم إذ يقرّون بهذه الشرعية إنما يفعلون ذلك وهم يتغافلون بين الحين والآخر عن واقع المتلقي الذي لربّما ذُكر في سياقات ولم يُذكر في سياقات أخرى. بعبارة أخرى إنها إطلاقات اعتزالية في شأن هذه الشرعية المتعلقة في العلاقة بين الجانب العقلي وما يقتضيه النص القرآني من جانب تلاحمي لا يستطيع الواحد الاستغناء عن الآخر. من هذا المنطلق جعل المعتزلة الدليل العقلي شرطاً أساسياً في العملية التفسيرية التي يسلكها ويتخذّها المفسر لحظة دخوله إلى النص القرآني؛ قصد كشف معانيه وأغواره العميقة. وعلى هذا الأساس كانت نشأة علم الكلام الإسلامي ـ بحق ـ أشرف نتيجة وصل إليها المعتزلة من خلال تطبيقاتهم للدليل العقلي في تفسيرهم للنص القرآني؛ إذ كان هذا العلم ـ علم الكلام ـ له منهج خاص يقوم على البحث والتقرير والتدليل، لاسيّما ما تعلق الأمر بالقضايا التي لها علاقة وطيدة بالجانب العقلي؛ فإننا نجد المعتزلة يفيضون في تبيان واسترسال تلكم المعارف العقلية التي أخذوها عن طريق احتكاكهم باليونان وغيرها من الأمور.

أثر علم الكلام في التفسير لدى المعتزلة:

تذكر الأخبار في طبقات المعتزلة أنّ أبا بكر الأصم أوّل من قنّن لعلم الكلام، وأوّل مطبّق له في تفسير النص القرآني؛ فلقد توقف الأصم عند قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٤٣﴾﴾ [الأعراف: 143]؛ إذ صرّح بصريح العبارة أنّ المقصود «من هذا السؤال الذي جاء على لسان موسى ‰ يوم كان يناجي خالقه: أن يذكر تعالى من الدلائل السمعية ما يدل على امتناع رؤيته؛ حتى يتأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء». بمعنى أنّ المعتزلة كانوا يتخذون المنهج الكلامي في تفسيرهم للنص القرآني دون أن يغفلوا الدليل العقلي الذي يقوم ويترتب عليه في كل شيء.

ويشير الجاحظ إلى غالبية بحوث العلّاف (236هـ) ـ قضايا الدين ومسائل علم الكلام ـ على أنّها كانت في الغالب الأعم تنطلق من منبع واحد لا شريك له، وهو ما تعلق ببُعد حركيّة علم الكلام الذي اتخذه كثير من رجال المعتزلة طريقة لتقوية الحجة التي تقربّهم من معرفة سرّ واقع المعرفة التي كلف بها العبد، ومن ثمّ معرفة خالقه 8. يقول في هذا الشأن ما نصّه: «إنّ الكلام فيما كان وفيما يكون وفي الكل وفي البعض وما يتناهى وما لا يتناهى من غامض الكلام ولطيفه؛ إنّما كان أبو الهذيل يكثر من ذكره، والكلام فيه لشدته وعنايته به. وهذه هي سبيل العلماء إنّما يعنون من العلم بأشده وأصعبه» بمعنى أنّ العلّاف عند تطبيقه لعلم الكلام فيما يخص التوحيد انتهى إلى معرفة ما يليق وما لا يليق بالذات القدسية من توحيد ذاته وصفاته.

في ظل هذه الشرعية المنبثقة من علم الكلام وما يمتاز به من خصائص ومميزات غدا العلاف المعتزلي يؤوّل الصفات الخارجية التي وردت في كثير من السياقات القرآنية في حق الذات القدسية تأويلاً مجازياً، مؤكداً في نهاية المطاف وحدانية الخالق 8 ، ومن ثمّ نفيا للجانب التجسيمي الذي يمكن أن يُخل بمفهوم الذات القدسية وما تنماز به من عالم إطلاقي يتماشى وإطلاقية الذات القدسية. فلفظة الوجه والنفس في قوله تعالى: ﴿  وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمٰن: 27]، وكذا قوله تعالى: ﴿  وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 116] يتأولها قائلاً: «إنّ لله تعالى وجهاً هو هو، فوجهه هو هو، ونفسه هي هو». بمعنى أنّ الله تعالى له وجه ارتضاه هو لذاتيته القدسية الجليلة التي لا يعلم بها إلا هو، كما له نفس هي في علمها وبرزخها الإطلاقي لا يُدركه ولا يعلم بسرّه ونجواه إلا هو 4 .

لا شك أنّ النظرة الاعتزالية العقلية فيما يخص شرعية الدليل الكلامي تولد عن طريقها الحقيقة الدينية المطلقة ـ على حدّ اعتقاد المعتزلة ـ وأكسبتها في الوقت نفسه طابعاً خاصّاً يختلف تماماً عن بعض وجهات النظر التي لربّما لم تكتف في الغالب الأعم إلا بظاهر النص وما يقتضيه من أحكام خارجية دون الولوج إلى أغواره وأسباره العميقة. في هذا المقام وجدنا النظّام المعتزلي لا يخرج عن أستاذه أبي الهذيل العلّاف الذي كان يستخدم البراهين الكلامية والدلائل العقلية وهو يفسّر النص القرآني، وبخاصّة ما تعلق بتوحيده سواء أكان ذلك عن طريق الصفات أم الأسماء. يقول النظام في هذا السياق ما نصّه: «ومعنى قولي: (عالم): إثبات ذاته، ونفي الجهل عنه تعالى. ومعنى قولي: (قادر): إثبات ذاته، ونفي العجز عنه 4 . ومعنى قولي: (حيّ): إثبات ذاته ونفي الموت عنه»، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يصرّح بصريح العبارة بأنّ «الصفات للذات إنّما اختلفت لاختلاف ما يتقي عنه من العجز والموت كسائر المتضادات من العمى والصمم وغير ذلك؛ لاختلاف ذلك في نفسه». إنّ النظّام ـ كغيره من المعتزلة ـ لا يكفيه الجانب السطحي التفويضي الذي يتوقف عند مبدأ التسليم؛ وإنما يغوص وراء معاني الآيات القرآنية، يحاول من خلال ذلك استخراج ما فيها من الدلائل والبراهين التي لها علاقة بالجانب العقلي وكذا الكلامي.

لقد سلك غالبية رجال المعتزلة في تفسيرهم للنص القرآني ـ هذه الشرعية الأخيرة المنبثقة ممّا يقتضيه المبدأ الكلامي ـ مسلكاً خالفوا عن طريقه غالبية المفسرين الذين كانوا يعتمدون أساساً على تلك المقاييس والمعايير التي أشار إليها علماء القرآن، ومن ثمة راح المعتزلة يشترطون شرطاً أساسياً ـ زيادة على المنهجين: اللغوي والعقلي ـ يكمن في كون المفسّر ينبغي أن يكون على دراية تامة بشرعية علم الكلام؛ لأنّ المفسّر عندهم ولو كان «أعلم الناس باللغة لم ينفعه ذلك في باب الدين حتى يكون عالماً بعلم الكلام».

ويؤكد الجاحظ أن المفسّر متى كان عالماً بهذه الشرعية الكلامية المنسوبة إلى علم الكلام؛ استطاع لا محالة أن يردّ على الملحدين الطاعنين في حرمة النص القرآني وأصوله. يقول في هذا الشأن ما بيانُه: «إنّ المصيب هو الذي يجمع بين تحقيق التوحيد، وإعطاء الطبائع حقها من الأعمال. وإنما ييأس منك الملحد إذا لم يَدْعُك التوفر على التوحيد إلى بخس حقوق الطبائع؛ لأنّ في دفع أعمالها دفع أعبائها، وإذا كانت الأعمال الدالة على ذلك قد دفعت الدليل فقط أبطلت المدلول عليه فيقول: لعمري إنّ في الجمع بينهما شدّة». بل نجده يذهب إلى أبعد من ذلك حين نراه يعلي من شأن شرعية المنهج الكلامي على أساس أنه العصمة من كل ذلك، والاستغناء عنه يوقع النفس في متاهات بعيدة عن الغاية التي خلقت من أجلها. يقول في شأن هذه الحقيقة ما نصّه: «إنه لولا مكانة المتكلمين لهلكت العوام من جميع النِحَلِ؛ فإن لم أقل: ولولا أصحاب إبراهيم وإبراهيم لهلكت العوام من المعتزلة؛ فإني أقول: إنه قد أنهج لهم سبلاً، وفتق لهم أمورا، واختصر لهم أبواباً، ظهرت فيها المنفعة وشملتهم بها النعمة»، إنها الشرعية الإقرارية التي راح الجاحظ عن طريقها يثني الثناء الحسن ـ على النظّام طبعاً ـ لمن كان سبباً في تجسيدها وتطبيقها تطبيقاً يتماشى ومقتضيات السياق الواقعي الحالي، إلى أن جاءت النفوس وهي تحاول بكل ما أوتيت من زاد معرفي إعطاءها بُعداً علَّه يزيد منها شيئاً لم يكن من ذي قبل موجوداً بكيفيته السابقة.

وهذا الزمخشري المعتزلي لا يخرج تأثره باقتفائه لشرعية المنهج الكلامي عن سابقيه؛ النظّام والجاحظ وغيرهما؛ إذ تحولت غالبية السياقات القرآنية بين يديه من أنماط أدبية ولغوية إلى مسار له علاقة بالجانب العقلي وكذا الكلامي؛ فراح ينظر إليها نظرة عقلية تنطلق أساساً من خلفية اعتزالية محضة؛ الأمر الذي أهّله سلفاً لأن يستخدم ثقافته المنطقية التي لا تخرج عن ضابطها العقلي، ورياضته الفكرية المنبثقة من علم الكلام في تشقيق المعاني والأبعاد التي تحتويها الآيات القرآنية، وبخاصّة ما له علاقة بالذات القدسية؛ التي كان يتأولها في الغالب الأعم تأويلاً وما يتفق المذهب الاعتزالي. يقول مصطفى ناصف في هذا المقام ما نصّه: «إنّ الزمخشري عندما ينظر إلى القضايا الأدبية؛ فإنّ نظرته لا تخرج عن نظرته إلى القضايا العقلية التي يبتغي فيها تمام الإيضاح، فتكفل العناصر المؤدية إليه».

وحين يتأول الزمخشري قوله تعالى مثلا: ﴿  وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ﴾ [الأنعام: 75]؛ فإنه يبني كلامه في الآية الكريمة على شرعية كلامية، محاولاً من وراء ذلك كله إعطاء الدليل القاطع على إثبات الصانع وتوحيده وفق الحِكَم الربانية التي لا يعلم بها إلا هو 4 .  يقول في تفسير الآية السالفة الذكر ما نصّه: «لقد كان أبوه آزر وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر وغيرهما، فأراد أن ينبّههم على الخطأ في دينهم، وأن يُرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويُعرّفهم إلى النظر الصحيح مؤدّ إلى أنّ شيئاً منها لا يصح أن يكون إليها لقيام دليل الحدوث فيها، وأنّ وراءها محْدثاً أحدثها، ومانعاً منعها، ومدبّراً دبّر طلوعها، وأفولها، ومسيرها، وسائر أحوالها».

بل إننا نجده في سياق آخر يتوقف عند سؤال الملائكة حين خلق الخالق آدم ‰ وأمرهم بالسجود الاحترامي التقديري؛ يُخرجه من مشهد التعجب المعروف والمتداول محاولا تقريبه إلى سياقه الحالي الذي يتماشى مع حُرمة صاحب النص القرآني. يقول في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30] ما بيانُه: «أتجعل فيها: تعجُّب من أن يُستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية، وهو الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير ولا يريد إلا الخير؛ فإن قلت: من أين عرفوا ذلك حتى تعجبّوا منه وإنما هو غيب؟ قلت: عرفوه بإخبارٍ من الله تعالى أو من جهة اللوح، أو ثبت في علمهم أنّ الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم، أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر حيث أُسكنوا الأرض فأفسدوا فيها».

إنّ الزمخشري ـ كغيره من المعتزلة ـ كان يستعين بعلم الكلام ـ زيادة على المنهج العقلي اللغوي ـ للدفاع عن عقيدته، ودحض حجج خصومه، سواء أكانوا من بني جلدته تجمعهم قِبْلة واحدة، أم من الملحدين الطاعنين في كثير من الآيات القرآنية. وبالتالي غدا من خلال كشافه يبني أحكاماً تنطلق أساساً من البحث والتقرير والتدليل مع عدم إغفالها للجانب العقلي الذي يُعد بمثابة النبراس المضيء، يستضيء به في كثير من الأحيان في القضايا التي كان يتوقف عندها بشيء من التحليل والبيان.

الأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب:

لقد وضع علماء أصول الفقه قاعدة أصولية فيما يخص قضية العام والخاص، مفادها أنّ العام الذي يرد على سبب خاص وذلك إما في سؤال سائل، أو وقوع حادثة معيّنة؛ فإنه يبقى على عمومه، وهذا لظاهر اللفظ، وبالتالي لا يمكن أن يتخصّص بحركيّة السبب، وهو المقصود من قولهم: «إنّ العبرة تكون بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، كما أضافوا أيضاً أنّه يجوز تخصيص عام النص القرآني، وذلك بما ورد فيه تخصيص منه، وكذا الخبر المتواتر الذي ورد عن طريق الحديث الشريف.

وإذا كان الأمر كذلك؛ فإنّ المعتزلة ـ كغيرهم من علماء الكلام ـ كان لهم رأي في هذه القضية التي أشار إليها علماء الأصول في أبحاثهم الشرعية؛ إذ كانوا ينكرون عليهم تخصيص الآية الكريمة بمخصوص خارجي، وهم يستدلون على ذلك بأن أصل النص القرآني إنما ورد على العموم ليس إلا. ولا ينسى المعتزلة كعادتهم الحجَر الأساس في المعرفة وهو الجانب العقلي، فيقررون على إثر ذلك أن هذا العموم الأصولي لا ينبغي بحال من الأحوال أن يخرج عن نطاق ما يمليه عليه العقل في كل شيء. يقول النظّام في هذا السياق ما نصّه: «إنّ الخبر الذي يكون ظاهره يفيد العموم، ولم يكن في العقل ما يخصّصه، فعلى المفسّر أن يقف في عمومه حتى يتصفّح النص القرآني، والإجماع، والأخبار؛ فإذا لم يجد للخبر تخصيصاً فيها قضى على عمومه»، بمعنى أنّ الخبر يكون حسب السياق التركيبي، ثم حسب ما يقتضيه العقل الذي يكون سبباً في تخصيص هذا العام.

وهذا الجاحظ لا يخرج عما أشار إليه أستاذه النظام من أنّ النص القرآني يفيد العموم. يقول في هذا السياق ما نصّه: «لو أنّ إنساناً سمع قوله تعالى: ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ﴿١١٩﴾  [النساء: 119] فقال: (إنّما يعني: الخصاء) لم يقبل ذلك منه؛ لأنّ اللفظ ليست فيه دلالة على شيء دون شيء. وإذا كان اللفظ عاما لم يكن لأحد أن يقصد به إلى شيء بعينه إلا أن يكون النبي ‰ قال ذلك مع تلاوة الآية؛ لأنّ الله تعالى لا يضمر، ولا ينوي، ولا يخص، ولا يعم بالقصد؛ وإنّما الدلالة في بنية الكلام نفسه، فصورة الكلام هو الإرادة وهو القصد». بمعنى أنّ الكلام يبقى على حكمه الذي يفيد العموم إلا إذا وردت معه بعض القرائن التي توقف عندها الجاحظ آنفا في هذا النص، فإنّه يخرج من دلالة العموم إلى دلالة مقيدة تبعاً لما تقتضيه القرينة الواردة داخل السياق التركيبي.

ويواصل الجاحظ في بيان ما كان يؤمن به من إطلاق لفظ النص القرآني على العموم، وذلك حين نجده يردّ على عبيدة لتأويله الآية الكريمة: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ﴾ [النجم: 51]؛ إذ يرى أنّ ذلك إنّما وقع على الأكثر وعلى الجمهور الأكبر؛ يقول الجاحظ في هذا المقام ما بيانه: «وليس أن يجيء إلى خبر عام مرسل غير مقيّد، وخبر مطلق غير مستثنى منه فيجعله خاصاً كالمستثنى منه، وأي شيء بقي لطاعن أو متأول بعد قوله: ﴿  فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ  ﴾ [الحاقة: 8]، فكيف يقول ذلك إذا كنا نحن قد نرى منهم في كل حي باقية؟ معاذ الله من ذلك»؛ بمعنى أنّ الجاحظ لا يرى أنّ لفظ العام الذي ورد في النص القرآني في حاجة لتخصيص أو الاستثناء فيه؛ وإنّما هو باقٍ على العموم. ولا يقف المعتزلة عند هذا الحد من اهتمامهم بالعام؛ بل يذهبون إلى أبعد من ذلك حين يرون أنّ الخاص إذا ورد في سياق ما فإنّهم يقدمون العام عليه ويعطونه الأولوية على الخاص، وهي شرعية نحسبها متّبعة من جميع رجال المعتزلة على الإطلاق. يقول القبلي في هذا الشأن ما نصّه: «إنّ متكلمي المعتزلة يقدمون الكبرى التي دلالتها عموم، على الصغرى التي دلالتها خصوص، ثم يقولون: والخاص لاحق بالعام، أو التفصيل لاحق بالجملة».

كما نجد الجبائيين اللذين كانا يتأوّلان الكثير من الآيات القرآنية تأويلاً لا يخرج عن قاعدة العموم التي دلّ عليها النص القرآني. من ذلك تأويلهم لقوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأحقاف: 31]؛ إذ يرون أنّ السياق من الخاص الذي أريد به العام؛ بمعنى أنّه لفظ عام في كل من علم بدعوته ‰.

ثم إنّ المعتزلة وهم يتوقفون عند الكثير من القضايا ـ وبخاصة ما تعلق بالذات القدسية ـ نجدهم لا ينسون مشربهم ومعتقدهم الاعتزالي في عملية تحليلهم واستدلالهم بالنسبة للنصوص التي يناقشونها. فالقاضي عبد الجبار حين كان يتحدث عن رؤية الخالق 8 أنّها مستحيلة في حق الذات الإنسانية، فإنه يستشهد على ذلك بما ورد في واقع النص القرآني من أنّه باقٍ على عمومه، على نحو ما ورد في قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 103] ناكراً بشدّة أن تكون مخصصة بقوله تعالى: ﴿  وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [القيامة: 22، 23] بمعنى أنّ الخالق 8 عندما مدح نفسه القدسية بعدم الرؤية، فإنّ هذا المدح الرباني لا يعلم كنهه وجوهره إلا هو. ومن ثمّ فإن ثبتت الرؤية ـ على حدّ اعتقاده ـ في الذات القدسية فإنّ ذلك يعدّ نقضا في حقه سبحانه، وهذا ما لا يليق في ذاته تعالى، ومن ثمة استحالة رؤيته تعالى.

وهذا الحاكم الجشمي يصرّح بصريح العبارة في قضية دلالة اللفظة التي ترد في النص القرآني على أنها ينبغي أن تبقى على عمومها، دون أن تقيّد عن طريق الأسباب؛ يقول في هذا الشأن ما نصّه: «إنّ الواجب على المفسر اعتبار دلالات اللفظ دون تقييد بالأسباب» ويقول في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118] ما بيانُه: «إنّ الآية تقول على معجزة النبي ‰ ، ولا يمتنع أن تكون الآية قد وردت في حق المنافقين. وتحمل على جميع الكفار؛ لأنّ العلّة في ذلك هي مراعاة اللفظ لا مراعاة السبب، وعلى هذا ينبغي أن تحمل جميع الآي القرآني».

والزمخشري لا يخرج عن هذه الشرعية الاعتزالية في تخريج واقع العام الوارد في واقع النص القرآني، على أساس أنّ العبرة في واقع النص القرآني إنما هي باقية على صيغة العموم، مبيّناً وموضّحاً من وراء ذلك ما ورد من أغراض بلاغية ومقاصد دينية تحقّق أصوله الاعتزالية التي كان يؤمن بها. من هذا المنطلق نجده يفسر عموم الوعيد الذي يشمل المؤمن والفاسق على السواء. فعل هذا تماشياً مع مذهبه ومعتقده الاعتزالي. يقول في هذا المقام ما نصّه: «إنّ سبب نزول الآية: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: 20] أنّه وقع شجار بين علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر.... فقال له علي ƒ : اسكت فإنّك فاسق، فنزلت عامة للمؤمنين والفاسقين، فتناولتها وكل من كان في مثل حالتهما على السواء».

من هذا المنطلق ـ والحال هذه ـ ظلت شرعية مفهوم لفظ العام سائرة على كل قلم ولسان بالنسبة لأيّ ذات اعتزالية تؤمن وترى وفق ما يراه الضابط الفكري الاعتزالي العقلي الخاص الذي انماز في كثير من السياقات. إنه العام الذي ينبغي أن يبقى ـ على حدّ المعتقد الاعتزالي ـ على عمومه مهما دخل إليه شيء من الخصوص، اللهم إلا ما تضارب والمشرب الاعتزالي فذلكم مما يجوزه السياق الواقعي الحالي أن يخرج عنه حسب الظروف الميسّرة وقد تكون داخلية أو خارجية.

إذن هلا اتقينا الله تعالى في شرعية حرمة النص القرآني وهو يحتوي على شرعية معرفية إطلاقية، وهو لا يتصف بهذه الصفة إلا من أجل تلكم الذات المتلقية الموحّدة، التي راحت تؤمن به إيماناً جازماً وقاطعاً؛ الأمر الذي يجعلنا فعلاً نحترم الطرف الآخر مهما كان المقام الذي يحتله، فنبتعد حينها عمّا تتحلى به الغيرية من نظرة تحقيرية لا تعطي للطرف المتلقي المستمع حقّه الوجودي والمعرفي بل حتى الخلقي. هذه حقيقة نحسبها أنّها وُجدت ولا زالت في واقع تراثنا العربي الزاخر، اللهم إلا على النزر القليل من القدامى، الذين راحوا يتعاملون مع واقع النص القرآني بجرأة علمية موضوعية أهّلتها فعلا لأن تكفر كفرا محمودا بتلكم المسلمات والطرق التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وإن كنا قد وجدنا في تاريخ هؤلاء الرجال الذين يعدّون على الأصابع من قُتل أو ذبح أو عومل معاملة لا تليق بحرمة الشرعية المعرفية التي بثّها الخالق 4 في الوجود الإنساني على الإطلاق.

أخبار ذات صلة