الحركة النسوية: ملاحظات من النساء اللائي تجاهلتهن الحركة

HOOD FEMINISM الحركة النسوية.jpg

ميكي كيندال

فينان نبيل (كاتبة وباحثة مصرية)

اختلفت الحركات النسوية، والأيديولجيات التي تهدف إلى الوصول إلى الحقوق المتساوية للمرأة في جميع أنحاء العالم في الأهداف، والنوايا وفقاً للزمان والثقافة والمكان، وتؤكد مؤرخات النسوية الغربية أن جميع الحركات التي تعمل على حقوق المرأة هي حركات نسوية، وإن لم تكن قياداتها نساء، لكن يجب أن نُميز بين ماهو نسوي "حقيقي "دون الميل إلى اتجاه سياسي، أو معايير عنصرية، فالحركات النسوية كفاح من أجل المجتمع ككل، ولا ينبغي التحيز إلى مجموعة دون أخرى، ولا ينبغي التحيز ضد الرجال، فهم شركاء في الكفاح ضد العنصرية، وهم الأبناء، والآباء والأزواج، وزملاء العمل، فمشكلة النسويات مع النظام الأبوي، وليست ضد الرجل، فهناك معارك مشتركة يخوضها الجميع في كل جانب من جوانب الحياة. 

ينقسم تاريخ الحركة النسوية إلى أربع موجات، تعود الموجة الأولى إلى أربعينيات القرن التاسع عشر عندما طالبت النساء في الولايات المتحدة، وبريطانيا بحق الاقتراع، وتعود الثانية إلى ستينيات القرن العشرين، وسبعينياته، عندما نادت بالمساواة مع الرجل ليس فقط في الحقوق السياسية، لكن أيضاً في نطاق الأسرة والعمل، وتتميز الموجة الثانية بالشطط في المطالبة ببعض الحقوق مثل الحق في الإجهاض،إذ صاغت هذه الموجة قضيتها في" أن الرجل أفضل من المرأة، ولذلك أرادت أن تكون مثله، مما يعني هذا سجن المرأة في أدوار ثابتة ترتبط أساسا بنوع اجتماعي واحد هو "الرجل"، فتمردت النساء آنذاك على الدور الذي أُسنِد إليها بناءً على قدرتها على الإنجاب، والذي يجعلها ذات ارتباط وثيق بالمولود، فتتحمل تربية الأبناء عكس الرجل، وحتى تتحرر المرأة من هذا الدور الاجتماعي، لجأت إلى إنكاره، وطالبت بالأدوار والصفات الاجتماعية للرجل"، مما أدى لتوجيه النقد لهذه الموجة أكثر من غيرها. ظهرت في التسعينيات من القرن العشرين موجة ثالثة حاولت تقديم صورة للمرأة القوية الواثقة من نفسها وقدراتها، المتحكمة في مصيرها، التي تحتفي بجنسها، وتجاربها كما تعيشها بالفعل، مع الفخر بمشاعرها، وخبراتها. أسست هذه الموجة نقدها للموجتين السابقتين على أنهما صورتا المرأة بصفتها ضحية، ضعيفة، وأنهما موجهتان ضد الذكور، حيث هدفتا إلى التوسع في حقوق النساء، ومساواتهن بالرجال، مما يعتبر اعترافاً ضمنيًا بتفوق نمط الحياة الذكوري واعتباره معيارا لهن، كما لو كان تحرر النساء يتمثل بتحويلهن إلى رجال.اتخذت الموجة الثالثة اتجاها مغايرا حيث لم ترفض الخبرة الذكورية، وقامت الحركة على تضامن الرجال معها، عكس الموجتين اللتين كانتا تعتبران الرجال أعداء لهما. وفي حين أغفلت الموجتان السالفتان قضايا العرق، وأشعرت النساء الملونات، والأعراق المغايرة لها أنهن لسن جزءا من الحركة، ضمت الثالثة جميع أطياف المجتمع، وطبقاته، وهدفت إلى ضم جميع البشر رجالا ونساء من كافة الأعراق على تعدد توجهاتها، وميولها، كما انتبهت لأهمية استخدام وسائل الإعلام في التسويق للحركة النسوية.

ظهرت حديثا الموجة الرابعة، ومازالت لم تتبلور بعد، ولم تتوافر حولها سوى أدبيات قليلة إلا أنها ترتبط ارتباطا وثيقا بتبني قضايا التحرش، وتلجأ لمنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما تستخدمه النساء في كل مكان حول العالم تقريباً للتوعية بالتحرش والأضرار النفسية التي تلحق بالنساء بسببه. إن أهم ما يميز الموجة الرابعة عالميتها ولا مركزيتها الناتجة عن استخدام الإنترنت كوسيلة للنشاط النسوي، بعيدا عن القاعات الأكاديمية والمكاتب المغلقة لمنظمات المجتمع المدني.

امتد تاريخ النضال النسوي وبلغ صداه جميع أنحاء العالم، وامتدت موجاته لتشمل دول العالم العربي وتركزت الحركة النسوية في العالم العربي على النضال من أجل تعليم المرأة، وحقها في الانتخاب، والعمل، واستند تاريخ النضال النسوي إلى جهد ضخم من النقد المستمر، والمراجعة الدائمة للحركة وتاريخها، ونتائجها من أجل تطويرها المستمر.

 لا يمكن فهم الحركة النسوية دون تسليط الضوء على مصطلح "النوع الاجتماعي"، وهو المفهوم المركزي للحركة النسوية، ويشير مصطلح النوع الاجتماعي إلى مجموعة الصفات والوظائف التي يسندها المجتمع إلى شخص ذي جنس بعينه، بينما النوع هو الخصائص البيولوجية التي يولد بها الإنسان، فيوضع الاثنان في مقابلة. فبينما يعد "الجنس" طبيعياً عند النسويات، يعد "النوع الاجتماعي" "ثقافيا". تتمحور معظم نقاشات الحركة النسوية حول مفهوم الدور الاجتماعي، وتعود دعوة النساء إلى المساواة بالرجل، وإسناد مهام الرجل إلى المرأة، ومحاولة إثبات أنَّ المرأة قادرة على أداء المهام التي يؤديها الرجل إلى تصور مؤداه أن الدور الاجتماعي الذي يؤديه الرجل أفضل من ذلك الدور الذي تؤديه المرأة، وتسليم من النسويات بأفضلية مكانته، مما قلل في الواقع من شأن المرأة، وأدى إلى سحب المرأة إلى مساحة الرجل، فيما لم يتجه الرجل لمساحة المرأة. يعني ذلك أنه ما كان  يجب أن تتمثل مطالب الحركة النسوية في رفض المرأة لدورها، وإنما بضرورة اكتساب الرجل بعض الأدوار الاجتماعية للمرأة، مثل المعاونة في تربية الأطفال، ولا يعني هذا النقد بالتأكيد أن هذه المطالب دون فائدة، لكنه يعني أنها ربما كانت قاصرة في رؤيتها حتى الآن.

ضم كتاب الحركة النسوية نقدا شديدا للتيار النسوي السائد الآن، ودعا لقيام عمل نسوي أفضل، لا سيما أن الحركات النسائية التي يتبناها البيض،لا تلقي اهتماما كافيا بالقضايا والاهتمامات المشتركة للنساء ككل، وما زلن يتجاهلن الاحتياجات الأساسية للنساء الملونات، والفقيرات،كما تؤكد أن  الحركات النسائية للبيض،تركز فقط على احتلال مكانة إلى جانب الرجال، وترى أنه من المؤلم أن الأشخاص الذين من المفترض أن يكونوا حلفاءك،هم من قد يضطهدوك على صعيد آخر.

ترى الكاتبة أن الحركة النسوية السائدة الآن لا تلبي الاحتياجات الأساسية للقضايا النسائية الحقيقية مثل، قضايا الأمن الغذائي، والحصول على تعليم جيِّد، والحياة الآمنة، والأجور العادلة، والرعاية الطبية، بل وأحيانا كثيرة قضايا البقاء للكثير من النساء، وتتهم الكاتبة بعض النساء البارزات بقصر النظر فيما يتعلق بقضايا العرق والطبقة، والتعامل مع النوع، مؤكدة أنَّ الحركات النسائية لن تؤتي ثمارا طالما لم تتضامن جميع النساء، وطالما كان هناك احتمال أن تقمع بعض النساء نساء أخريات على خلفية التمييز العنصري أو الطبقى.

تلجأ كثير من النساء لتبني خيارات فوضوية، وقد تكون غير قانونية لمجرد البقاء على قيد الحياة بسبب الفقر،لأنه لا يمكنك "الاتكاء، والراحة" عندما لا يمكنك كسب أجر معيشي عادل، ومازلت بحاجة لإطعام نفسك، وإطعام أولئك الذين يعتمدون عليك، وغالباً ما يتم ازدراؤهن من حركات النساء الميسورات ماليا، والمتميزات اجتماعيا، واللائي قد يعملن لصالح الأطفال، بينما هي ترى أن التخفيف من وطأة الفقر للآباء، والأمهات ذوي الدخول المنخفضة، يجب أن يكون قضية نسوية أولية؛ إذ إن عدم كفاية الأجور وانعدام الأمن الغذائي،وظروف المعيشة غير الميسورة، وغير الآمنة، وسوء الرعاية الصحية والتعليم،هي ظروف تواجهها ملايين النساء وأطفالهن، ولا يخص الأمر بعض البلدان دون غيرها، إنما هو أمر عام.

ووجهت جائحة كوفيد-19 نظر الجميع إلى أن العمل إما سيكون نادرا، أو محفوفا بالمخاطر،لا سيما بالنسبة للعاملين في الوظائف الأساسية مثل خدمات الطعام، وتوصيل الطرود، ورعاية المسنين، والرعاية الصحية، مما قد يؤثر بنسب متفاوتة على الأسر ذات الدخل المنخفض. فقد تحتاج الأسرة التي لديها ثلاثة أطفال وأحد الوالدين العاملين إلى أربعة أجهزة حتى يتمكن الأطفال من مواصلة تعليمهم عن بعد، بينما يعمل الوالد من المنزل، حتى لو وفر مكان العمل أو الدراسة والأجهزة، فإنَّ الملايين سيحتاجون إلى شبكة إنترنت في المنزل احتياجاً لايقل عن الماء والكهرباء، الأمر الذي يحتاج دعماً حكومياً لم يتحقق بعد في العديد من الدول.

تتساءل الكاتبة مرارا  وتكرارا عن سبب تجاهل الاحتياجات الأساسية للعديد من النساء،  وإلقاء اللوم على النساء المحتاجات في محنتهن، وترى الكاتبة أن"الجوع" الحقيقي يثير اليأس لدى النساء ويؤدي بهن إلى اختيارات غير مفهومة؛ فكيندال نفسها لجأت للالتحاق بالجيش لدفع تكاليف دراستها، وربت ابنها الصغير في إسكان عام،على كوبونات الطعام، والرعاية الطبية المقدمة من الدولة، وترى أن شبكة الأمان الاجتماعي باتت تتراجع في عديد من المجالات. 

نستنتج أن ما ينقص التيار النسوي السائد ليس الوسائل، والإرادة، والقيادة، والسياسات الصحيحة، بل التعاطف تجاه النساء الفقيرات والملونات في جميع المجالات. تستشهد "كيندال" بدراسة نشرت عام 2017، في "مجلة الجامعيات" تؤكد أن البيض يقدمن مساعدة أقل لضحايا الاعتداء من السود لأنهن "يشعرن بمسؤولية شخصية أقل تجاههن"، وأنهن لا يبدين أي تعاطف معهن بل لا ينظرن إليهن كبشر لهن حق الرعاية والحماية، هذا الموضوع هو أحد أكثر الاهتمامات الأخلاقية إلحاحًا في عصرنا.

نجح الكتاب في استخلاص نتيجة حتمية مفادها أن النساء الفقيرات، ونساء الطبقة العاملة، ولا سيما النساء الملونات يعشن حياة مختلفة تماماً في أمريكا عن حياة نظرائهن الأكثر ثراء وذوي البشرة البيضاء، ولا يستطعن شراء كثير من المنتجات الأساسية الخاصة بهن، أو تلبية التزامات تعليم أبنائهن افتراضيًا. وترى الكاتبة أنَّه سيكون أمراً جيداً أن يفتح حلفاء النسوية الباب لأصوات أخرى وأن يسمحوا لآخرين بجذب الانتباه الذي يحتاجه إنجاز عملهن. وعلى التيار النسوى ألا يتعامل مع المساحة التي يأخذها الملونون على أنها منحة منهم، يجب أن تتعلم الفتيات اللواتي يعملن بجهد مضاعف أن لهن الحق في الحصول على قدر متساوٍ من الحياة.

تؤكد كيندال على المُعاناة المزدوجة للنساء ذوات البشرة الملونة؛ لأنَّ المجتمع قد يكون أبويا وعنصريا في آن واحد. كذلك تتعرض النساء المسلمات لنوع آخر من الاضطهاد،حيث ينظر الغربيون بشكل عام إلى الحجاب باعتباره مظهرًا من مظاهر اضطهاد المرأة وقهر الرجل لها، وأنهم لا يفهمون كيف أن كثيرًا من النساء المسلمات يرتدينه بمحض إرادتهن.يمثل الحجاب إشكالًا مزدوجًا بالنسبة للنسوية في الغرب، فهو يطرح التساؤل من جهة ما إذا كان واجبًا على النسويات نقده باعتباره واحدًا من آليات القمع الذكورية، أم عليهن تقبله باعتباره واحدًا من أبعاد الوجود الأنثوي المختلف لثقافة مغايرة مما يجعل من الضرورة أن تتطلع النسوية لأن تشمل تجارب جميع النساء مؤكدة على فكرة "تضامن النساء البيض".

يحمل تاريخ نضال النسويات قدرًا كبيرًا من المعارضة للنظام الرأسمالي الذي استغلهن، بتكريس أدوار اجتماعية معينة لهن، من خلال استغلال صورة الجسد للفت الانتباه لسلعة معينة في الإعلانات، مما أدى بالضرورة إلى تقاطع النضال النسوي مع النضال ضد الرأسمالية في حالات كثيرة، إلى حد تصنيف بعض الباحثين الموجة الثانية من الحركة النسوية بتسميتها "موجة ماركسية".

تركز الأطروحة المركزية لكتاب "الحركة النسوية" على أن الحركة النسوية السائدة في الولايات المتحدة لم تكن شاملة على الإطلاق، على الرغم من كونها "حركة تستمد الكثير من قوتها من الادعاء بأنها تمثل أكثر من نصف سكان العالم".كشفت كيندال فشل النسوية في التوسع في القضايا المؤثرة على الحياة اليومية لملايين النساء مثل العنف المسلح، والجوع، والفقر، والتعليم، والإسكان، وبقاء الصورة النمطية عن العرق والطبقة.

ركزت الكاتبة بشكل كبير على تجارب المهمشين ومعالجة القضايا التي تواجهها معظم النساء بدلا من التركيز على القضايا التي تهم قلة من النساء فقط كما هي الممارسات الشائعة الآن، لأن معالجة هذه القضايا مفتاح المساواة بين جميع النساء. وحتى تمثل النسوية جميع النساء حقا، يجب أن تتخلص من افتراض أن جميع النساء يعانين من نفس التحديات، وتركز كيندال على فكرة "التقاطع" وهو مصطلح صاغه البروفيسور"كيمبرلي وليامز" ليعكس كيف يتحد العرق والجنس على النساء السود، ليعبر عن كيفية أداء الهويات المتعددة بالضرورة إلى تجارب وأولويات مختلفة.

تشدد كيندال على ضرورة توسيع نطاق ما يعتبر قضايا نسوية. على سبيل المثال، تتأثر النساء بشكل غير متناسب بعدم الاستقرار في السكن، لذلك "لا تستطيع الحركة النسائية أن تترك أي امرأة وراءها، سواء من ذوات الاحتياجات الخاصة، أو حتى من الجانحين، ويجب التعامل مع سكنهن كأولوية من قبل كل شخص أو منظمة تدافع عن حقوق المرأة ".

تفتقر الحركة النسوية إلى التضامن الحقيقي، في حين أن من أهم أعمال المنظمات النسائية أن تدافع عن حقوق جميع النساء على أساس العدالة العرقية؛ ففي حين ترفع النسوية شعار معارضة العنف ضد المرأة، لم تحرك تلك المنظمات ساكنا تجاه تعرض بعض الفتيات السود للعنف في مدارسهن، كما فشلت في مهمتها لمكافحة وفيات الأمهات من السود بسبب الفقر والجوع.

تضع كيندال طريقة للوصول إلى نسوية أكثر شمولاً وتقاطعًا، رغم اعترافها أن المسار سيكون صعبًا، وتؤكد أن "التضامن النسوي الحقيقي عبر الخطوط العرقية يعني الاستعداد لحماية بعضنا البعض، والتحدث عندما لا تكون النساء المفقودات من مجتمعك، واستدعاء الطرق التي يمكن أن تمنع العنف المفترس أن يمتد إلى مجتمعات متعددة". سيتطلب ذلك عملاً جادًا، لكنه عمل  يجب أن يلتزم به كل من ينسب نفسه للنسويات. تقتبس كيندال من الشاعر جويندولين بروكس: " نحن حصاد بعضنا البعض ؛ نحن نتاج عمل بعضنا البعض ". الكتاب له أهمية كبيرة لكل من يؤمن بالمساواة الفطرية بين جميع الأجناس، ويعتقد أن التضامن بين المجتمع النسائي هو عنصر رئيس في العالم الذي تريد أن يعيش فيه.

 

الكتاب: الحركة النسوية: ملاحظات من النساء اللائي تجاهلتهن الحركة

المؤلف: ميكي كيندال

الناشر: بنجوين – الولايات المتحدة الأمريكية- 2020 

أخبار ذات صلة