رابطة المسلمين في تاريخ كيرالا

رابطة المسلمين في كيرالا.png

 لـ أن. بي. تشيكوتي

فيلابوراتو عبد الكبير

 من الأحزاب السياسية المُعترف بها من قبل لجنة الانتخابات الرسمية في الهند رابطة المسلمين، تعود جذورها إلى الهند البريطانية. ويمكن تقسيم نشاطاتها إلى مرحلتين، مرحلة ما قبل تقسيم الهند ومرحلة ما بعد تقسيمها. أمّا الكتاب الذي نعرضه الآن فهو دراسة مرتكزة على نشاطاتها في مرحلة مابعد تقسيم الهند وإسهاماتها في مجال تحقيق أحلام الأقلية المسلمة في الهند وفي الدفاع عن حقوقهم الدستورية مع الإشارة إلى عدد من مواطن ضعفها في بعض مواقفها السياسية وكذلك إلى فشل استراتيجياتها في قضايا حاسمة. تأسس هذا الحزب باسم رابطة المسلمين لعموم الهند عام 1906 للدفاع عن حقوق المسلمين في العهد البريطاني.

كان للرابطة دور كبير مثلما لحزب المؤتمر في الكفاح في سبيل استقلال البلاد من الاستعمار البريطاني إلاّ أن جُلّ همومها كانت في تلك الحقبة مرتكزة على مواجهة حزب المؤتمر الذي سيطرت عليه الأغلبية الهندوسية مما خافت منه الرابطة أنه قد يؤدي بالدولة الجديدة التي تتشكل بعد استقلال البلاد إلى اتخاذ سياسة تضرّ مصالح الأقلية المسلمة. خلال فترة 1934 – 1947 ناضلت الرابطة بقيادة محمد علي الجناح (1876 -1948)من أجل تحقيق حكم ذاتي للمسلمين في الهند ثم من أجل إقامة دولة مُستقلة. وأخيرا اضطر حزب المؤتمر ليخضع لمطالبة الجناح بتقسيم البلاد حتى أتت باكستان في حيز الوجود عام 1947م. بعد تقسيم الهند استمرت نشاطات رابطة المسلمين في الهند بتعديل طفيف في اسمها بالرغم من رغبة القيادة الباكستانية في حلها؛ فأصبح اسمها رابطة مسلمي الهند المتحدة(Indian Union Muslim League) بدلا من اسمها القديم "رابطة المسلمين لعموم الهند (All India Muslim League). وبعد تقسيم البلاد وهجرة معظم قيادة الرابطة في شمال الهند إلى باكستان اقتصرت نشاطاتها في ولاية كيرالا وتامل نادو رغم بقائها اسميا على نطاق عموم الهند. وهي الآن قوة سياسية لا يستهان بها في كيرالا حيث شاركت في تشكيل الحكومة مرارا بالتحالف مع الأحزاب الأخرى. بعيدا عن افتراضات غير حقيقية يقوم الصحفي اليساري البارز أن. بي. تشيكوتي بإلقاء الضوء على دور حزب المسلمين هذا في مسار سياسة كيرالا وبتقييم مواقفها من قضايا متعددة في تاريخها الطويل. ويتميز هذا التحليل السياسي بأنه أول دراسة في اللغة المالايالامية يقوم بها كاتب صحفي يساري من خارج الملة الإسلامية.

وفي الفصول الأولى يلتفت الكاتب إلى خلفية تشكيل الرابطة من جديد بعد تقسيم الهند مع تسليط الضوء على الفكرة المتجذرة في وعي مسلمي كيرالا وتراثهم حول الدولة وعلى جروح تقسيم البلاد والتعقيدات المترتبة عليه. وبعد تقسيم البلاد اجتمعت اللجنة الوطنية التابعة للرابطة في ديسمبر 1947 في كاراتشي للتشاور حول مستقبل الحزب في الهند. ولكن كثيرًا من أعضاء اللجنة ابتعدوا عن الاجتماع وكانوا قد قدموا الاستعفاء من الحزب، وكانت بعض اللجان المحلية في شمال الهند قد حلّت. وكان ممن شارك في الاجتماع محمد إسماعيل رئيس اللجنة في منطقة مدراس ومساعده عبد القادر جمالي مع عدد قليل من أعضاء آخرين. شاركوا فيه بإذن من حكومة الهند الوطنية. واتخذ الاجتماع قرارا يفيد بتشكيل حزبين مستقلين في كل من الهند وباكستان بعد حل الرابطة بعموم الهند. واختير محمد إسماعيل مسؤولا لتنظيم الحزب من جديد في الهند، ولم يتقدم أحد ممن شارك في هذا الاجتماع غيره ليتحمل هذه المسؤولية. وعرض الاجتماع على محمد اسماعيل 17 ألف روبية من أصل 40 ألف روبية موجودة في صندوق الرابطة في بنك كراتشي إلاّ أن محمد إسماعيل امتنع من استلامها تفاديًا لتهمة قد تُنسب إليه فيما بعد أنه تقدم لتشكيل الحزب حرصاً على أموال من باكستان. ووضّح محمد إسماعيل في الاجتماع أن سياسة الحزب الجديد في الهند ستكون مستقلة تمامًا عن سياسة الشق الباكستاني في جميع الأمور ولن تكونَ تابعة له في أي معنى. وهذا الموقف يدلّ على نظر محمد إسماعيل البعيد والرشيد وعلى شفافية موقفه. وبعد ثلاثة أشهر من هذا الاجتماع انعقد اجتماع آخر للأعضاء المتبقين الهنود في لجنة الرابطة في قاعة راجاجي في مدراس، فلم يشارك فيه إلا 30 عضوا من أصل 140 عضوا، وكان أكثرهم من ولاية مدراس (حاليا تاميل نادو). كانت حكومة الهند وقياديو حزب المؤتمر مثل نهرو لا ينظرون إلى هذه التحركات بعين الرضا. حتى إن بعض الأعضاء داخل الحزب أيضاً كانوا يُفضِّلون أن ينضم المسلمون إلى أحزاب أخرى بدلا من إحياء الرابطة من جديد. وتقدم في الاجتماع حسن كويا، أحد الأعضاء من حلقة التُجّار في كاليكوت بقرار يطلب بموجبه تعطيل أنشطة الرابطة بتاتاً في الهند. ولكن أغلبية الحاضرين من منطقة مليبار لم يوافقوا على هذا القرار. وفي النهاية توصل الاجتماع إلى قرار يفيد باستمرار نشاطات الرابطة في الهند بتركيزها رئيسيا على المجالات التربوية والاقتصادية والاجتماعية. وفي تشييد الرابطة على قواعد راسخة بسياسات حكيمة دور مذكور لمحمد إسماعيل. منذ البداية كانت الاستراتيجية التي اتخذها في هذا الصدد السعي قدر الإمكان للتحالف مع أحزاب أخرى، ونجح فيه إلى حد كبير في ولايته تاميل نادو وولايات أخرى من ممباي وكيرالا مما نال الحزب من خلاله عددا من المقاعد في الانتخابات التي جرت لمجالس التشريع في تلك الولايات، حتى فازت مرة بمنصب وزير في حكومة مان موهان سينغ. نقرأ تفاصيلها في الفصول الأولى من الكتاب. 

مثلما للحزب الماركسي لرابطة المسلمين أيضا حضور قوي بقواعدها الشعبية العريضة في ملعب السياسة في كيرالا، والهيمنة التي يتمتع بها الحزب الماركسي على المجتمع في كيرالا نراها تتمتع بها الرابطة أيضاً من خلال قواعدها المتشكلة من منظمات دينية وجاليات في الدول الخليجية وطبقة من أثرياء ورجال روحانيين داخل الملة ومن خلال خدمات اجتماعية تقوم بها الرابطة في الحياة العامة. وقد نجحت في أن تُبهر قوتها الضاغطة سواء بوجودها في التحالف اليساري بقيادة الحزب الشيوعي أو في الجبهة الديموقراطية المتحدة بقيادة حزب المؤتمر. وفي الوقت نفسه لم تكن هناك دراسات جادة في تحليل مدى فعاليتها في عملية تحديث رؤى الأقلية المسلمة وتحقيق حقوقها الشرعية. وجدير بالذكر أن الغالب الأعم الذي يؤيد الرابطة هم أتباعها من الطبقة السفلى في المجتمع. كيف وإلى أي حد تمثلهم الرابطة فيما يتعلق بمصالحهم؟ كم هي مخلصة في مقاومة الإجراءات القمعية والاضطهادات التي تواجهها الأقلية المسلمة في الهند؟ هل اهتمت الرابطة بمسؤوليتها في أداء عملية التحديث بين المسلمين مع حفظ هويتهم الثقافية؟ هذه أشياء لم يتطرق إليها أحد بجدية. يخوض المؤلف في أروقة هذه الحقائق بغير أحكام مسبقة. ثمة من يُعجَب بإنجازات الرابطة في مجال السياسة كما أن هناك منتقدين يقومون بتعتيم دورها كله في إحراز التقدم للمسلمين في شتى المجالات في كيرالا وفي توفيرهم الفرصة للحصول على الوظائف الحكومية. بمعزل من هذين الاتجاهين، كما يقول مقدم الكتاب كونجامو، يضع المؤلف حزب الرابطة في مكانها الصحيح مرورا بحالاتها الحقيقية التاريخية. حين يقوم بإبراز نشاطاتها ينتقد أيضا مواقف حزبي المؤتمر والشيوعي الماركسي الذين تحالفا مع الرابطة في حين وفارقاها في حين آخر. ومعناه أن الكتاب يتصمن تاريخ التيارات السياسية في كيرالا. حيث أنه يناقش حالات ومآلات أقوى طائفة دينية في الولاية ويحمل في طياته جانبا من تاريخها الاجتماعي أيضا. الدقة والأمانة اللتان يتصف بهما الكتاب تجعلانه متميزا عن كثير من الكتب المتوفرة في لغة مالايالام التي تتناول تاريخ الرابطة بتلميع صورتها.

 يرى الكاتب أن الرابطة، رغم نجاحها في حالات كثيرة في تطبيق سياساتها، حين تتخذ القرارات كانت عينها منصوبة فقط على قطاعات من أخبار تُرمى إليها من مراكز السلطات. أما مصالح جمهور المسلمين على النطاق الواسع فما كانت في مقدمة جدول اعتباراتها أبدا. متى ما انضمت إلى جبهة الحزب الماركسي أو انفصلت منها للدخول في تحالف مع جبهة حزب المؤتمر كان همها الأكبر البقاء في الحكم أياً كانت طريقته. ويشير المؤلف إلى موقف الرابطة حين أعلنت السيدة إنديرا غاندي حالة الطوائ عام 1975 وحين جرت الانتخابات العامة في سنة 1977 حيث أيدت حزبَ المؤتمر بقيادة إنديرا بينما جمهور المسلمين في جميع أنحاء الهند اتخذوا موقفا مخالفا لحزب المؤتمر . وفي تلك الانتخابات حين هزم المسلمون إيندرا وحزبها على المستوى الوطني كانت الرابطة ملتصقة مع جبهة حزب المؤتمر، حزب إينديرا في كيرالا. كان إعلان حالة الطوارئ بالنسبة للرابطة نعمة مستورة لأن الحزب كان قد انشق إلى فريقين في تلك الفترة بسبب الاختلاف حول الموقف الذي يجب أن يُتخذ من المشاركة في الحكم مع حزب المؤتمر. كان الوزير سي أتش محمد كويا، الشخصية الكارزمائية لدى صفوف الحزب ذرة في عيون القيادة التي تحكم قبضتها على الحزب أمثال مامو كييي وعمر البافقيه وأم كيه الحاج. كانوا يتهمونه بأنه يُفضِّل مصالحه الخاصة على مصالح الحزب بميوله إلى حزب المؤتمر وخضوعه له. نجحوا في تنحيته من مناصب عليا بنفوذهم على رئيس الرابطة آنذك عبد الرحمن البافقيه الرجل المقبول لدى عامة المسلمين بسبب ارتباط نسبه بالنسب النبوي، وبعد وفاة البافقيه اختارت المجموعة التي تؤيد كويا سيد بوكويا من منطقة مالابورام رئيساً للحزب المحلي في ولاية كيرالا، وهو أيضاً كان مرتبطا بالنسب النبوي كما يعتقد عامة الناس. ولكن جناح الشباب للحزب وقفوا مع القيادة التي تخالف مجموعة كويا، فحمي وطيس المعركة بين الفريقين، وكانت جريدة "تشاندريكا" الناطقة بلسان الرابطة تحت قبضة الفريق المخالف لفريق كويا. وفي تاريخ 2 أبريل عام 1975 اجتمع المنشقون في منطقة تاليشيري حيت قاموا بتشكيل حزب جديد باسم "رابطة المسلمين لعموم الهند" اسم الحزب القديم زمنَ تقسيم الهند. وبينما اشتد العراك بين الفريقين أُعلِنت حالة الطوارئ. فغدت فرصة ذهبية للحزب الرسمي الشريك في الحكم مع حزب المؤتمر للزج بقيادة مخالفيهم في السجون مما ساعدهم على منع صفوف الحزب من الانضمام إلى الفريق المنشَق. وهذا الحزب الجديد انضم إلى جبهة المعارضة بقيادة الحزب الشيوعي الماركسي وشارك في تشكيل الحكومة عقب الانتخابات التي جرت عام 1980 وأصبح بي أم أبوبكر أحد قيادييهم عضوا في مجلس الوزراء. ولكن هذا التحالف لم يستمر كثيرًا. وفي عام 1985 اضطر الحزب الجديد لمغادرة الجبهة الماركسية نتيجة للهجوم الشديد الذي قام به الحزب الماركسي على الشريعة الإسلامية. وهذه المستجدات قادت إلى المصالحة والاتحاد بين شقي الرابطة. 

التحولات الكبرى التي طرأت فيما بعد على المستوى الوطني والدولي والتي حرّكت جمهور المسلمين في الهند لم تتأثر بها رابطة المسلمين في حينها. وفي عام 1992 تعرض الحزب للانشقاق مرة أخرى على خلفية تدمير المسجد البابري. مثلما سكت عن أنواع القمع والاضطهادات التي تعرض لها المسلمون في شمال الهند تحت حالة الطوارئ لم يُقدَّر للرابطة حظُّ التماهي مع إحساسات جمهور المسلمين الهنود حين قام راجيف غاندي بفتح باب المسجد البابري للهندوس مما أدى إلى تدمير المسجد بعد ذلك عام 1992 بل فضّلت بقاء مشاركتها في الحكم بقيادة حزب المؤتمر في كيرالا. وعندما دُمِّر المسجد البابري رأى رئيس الرابطة لعموم الهند إبراهيم سليمان سيت، النائب البارز البرلماني، مع بعض القياديين ومن يتبعهم من صفوف الحزب الانفصالَ عن التحالف الديموقراطي المتحد بقيادة حزب المؤتمر والاستعفاءَ من حكومة كيرالا، إلاّ أن القيادة في كيرالا التي استمتعت بحلاوة السلطة تآمروا على رئيسهم حتى نجحوا في إخراجه من رئاسة الحزب، فانشق هو ومن معه من الحزب وشكّلوا حزبا مستقلا باسم الرابطة الوطنية لعموم الهند بحذف لفظ المسلمين من اسم الحزب بناء على اقتراح الحزب الشيوعي الماركسي حيث اشترطه هذا الأخير لضمِّه إلى جبهته بما أنه يساعد في قبولية الحزب لدى الأوساط العلمانية في رأيه. ولكن التحالف اليساري بقيادة الحزب الماركسي لم يستعد لتخصيص أي مقعد للحزب الجديد في الانتخابات التي جرت بعد ذلك حتى اضمحلت قوته السياسية في كيرالا وخاصة بعد وفاة قيادييه البارزين مثل مامو كييي وبي أم أبوبكر ويو أيه بيران ورئيس الحزب ذاته.

وفي ضوء الحقائق المذكورة أعلاه يرى المؤلف أن أولويات الرابطة كانت دائما مرتكزة على مناصب في السلطة، ومادامت هذه الأولويات لم تتعين من جديد لا تستطيع الرابطة أن تقوم بأداء واجباتها كقوة بديلة تمثل الأقلية وخاصة المسلمين. وثمة في شمال الهند أمم منبوذة غير مسلمة تعاني نفس ما تعاني الأقلية المسلمة من التخلف في المناحي الاجتماعية والاقتصادية وكذلك من حرمان حقها في الوظائف الحكومية، لم تأخذ الرابطة بعين الاعتبار الاتحاد مع هذه الطبقات التابعة (Subalterns) بوضع برامج لتمكينها أو بالمشاركة معها في تحالف سياسي. وبالرغم من حدود الرابطة في ميدان العمل يرى المؤلف أنها قد بدأت تعيد نظرها في مواقفها على خلفية الأزمة التي دفع إليها تقدُّمُ السياسة الهندوسية سياسةَ أحزاب الأقليات. وعلى سبيل المثال الحزب الذي رفض موقف رئيسهم إبراهيم سليمان سيت من قضية المسجد البابري تقدم بطلب لاستئناف حكم المحكمة العُليا في تلك القضية، وكذلك كانت الرابطة في مقدمة المحتجين على مشروع تعديل قانون الجنسية داخل البرلمان وخارجه. ولكن يشك المؤلف في ثبات موقف الرابطة، لأن سمتها الأبرز في رأيه المصالحة مع الظروف أيا كانت القضية. وفضلا عن هذا فإن التحكم بالرابطة لا يزال يستمر في قبضة الطبقات العليا. وتعزز شكوكه نتائج الانتخابات التي جرت في كيرالا في ابريل الماضي حيث أظهرت هبوط حظ الرابطة في الأصوات التي حصلت عليها مما دفع جناحي الشباب والطلبة للرابطة لإعادة النظر في استراتيجيات الحزب. 

 

عنوان الكتاب : رابطة المسلمين في تاريخ كيرالا

المؤلف: ان. بي. تشيكوتي، اللغة: مالايالام

عدد الصفحات:267 ، سنة النشر: 2020 

الناشر: Institute of Objective Studies, New Delhi