طريق عبر الزمن والأرض: تقاليد الرحلات في روسيا

طريق 1.png

 فلاديمير كورشنكوف

 فيكتوريا زاريتوفسكايا

 يستكشف الكتاب موضوعًا ظريفًا لم يسبق البحث فيه بهذه الشمولية والدقة من قبل، أي تقاليد الرحلات الروسية. ويتبع الكاتب موضوع بحثه وفقًا لمواد ووثائق عديدة مؤرخة من النصف الأول من القرن السابع عشر وحتى القرن العشرين. وللحصول على دراسة شاملة مدعومة بأحاديث ومقولات ماتعة حول طرق روسيا وما حولها، يلتجئ المؤلف إلى الحقائق التاريخية والإثنوغرافية والفولكلور والمصادر الأدبية والصحفية، والمذكرات والوثائق الأرشيفية الفريدة، ناهيك عن الأقوال والعبارات المأثورة المرتبطة بمفهوم الطريق. كما ينظر في عدد من القضايا تبدو من الوهلة الأولى بعيدة عن الموضوع كالإدارة العامة وعلم النفس، ولكن الحقيقة أنها وثيقة الصلة بالطريق والتنقل من جهة الصراعات على الطرق الروسية والخصائص الإقليمية لتصميم وصيانة الطرق، وتصور أعباء الطرق من قبل المسافرين إلى جانب حزمة متنوعة من المخاطر التي تنتظر المشاة والسائرين، وذلك بالإضافة إلى ما تتميز به رحلات الزفاف من متعة الوصف مع غيرها من جوانب الحياة المرتبطة بالتنقل بين أنحاء روسيا.

   يبدأ الباحث الإثنوغرافي الروسي فلاديمير كورشنكوف موسوعته عن تقاليد التنقل عبر الطرق الروسية بتاريخ رحلات القياصرة الروس إلى المحافظات البعيدة لمعاينة شؤون الدولة. لقد تم تعزيز هذا التقليد من قبل أبناء الإمبراطور بافيل الأول، ألكسندر الأول، الذي طرد جيوش نابليون من روسيا عام 1812، وأخيه نيكولاي الأول الذي تولى العرش من بعده، حيث اعتبرا السفر والتنقل عبر البلاد واجبا ملكيا لهما. يقول المؤلف "سافرا كثيرًا وطرقا دروبا طويلة، في بعض الأحيان كانا يخاطران بحياتهما سحقا تحت عربة انقلبت في هاوية" (ص: 566).

   لقد نسينا بالفعل أنه قبل بضعة عقود فقط لم يكن ركوب عربة أو مزلقة أو ركوب الخيل أقل تهديدًا للحياة من التنقل على الطرقات السريعة على متن دراجة نارية أو سيارة سباق. نعم كانت هناك حوادث تدهور كثيرة وانقلابات وانهيارات مفاجئة، وكانت الخيول حين يتملكها الفزع تندفع بسرعة جنونية ينجم عنها حوادث كارثية.

   وفقًا لشهادة مؤلفة اليوميات الليتوانية المعروفة صوفيا تشويسول- جوفيير التي صادف لها أن تحدثت مع الإمبراطور ألكسندر الأول عام 1822 عن رحلاته، فإن إجابة الإمبراطور عن سؤال حول إمكانية أن تقوم روسيا بتوسيع الإمبراطورية وجعلها مستديرة وذلك بغزو الصين كانت كالتالي: "كلا، إن إمبراطوريتي مستديرة حقا وفكرتك لا علاقة لها بالسياسة. روسيا شاسعة كفاية، كما أن المسافات الطويلة بين المقاطعات تبطئ الاتصالات. وهذه الظروف تُعرقل تقوية النظام وتضعف السلطة المركزية. لا حاجة لنا لغزو أحد فنحن نُعاني مما لدينا بشدة" (ص: 17)

   إن هذه الكلمات التي قيلت قبل 200 عام على لسان القيصر تغني التفكير في هيكلية الدولة انطلاقا من حجمها وفعالية السيطرة التي  تتحقق للبلاد جراء ذلك. وحسب المؤلف لم تكن الدول في ذلك الوقت قادرة على فرض سيطرتها على المناطق التي يتجاوز نصف قطرها 400 كيلومتر. وكان متوسط نصف قطر الدولة الأوروبية في بداية القرن الثامن عشر أقل من ذلك ما عدا روسيا. وحتى الآن يُثار في الدوائر السياسية الروسية من وقت لآخر السؤال حول مدى قوة السلطة المركزية في البلاد.

   إن مسألة حجم الدولة لها جانب اقتصادي. يلاحظ كورشانكوف محقا أنه، وقبل اختراع السكك الحديدية، كان التغلب على المساحات البرية أكثر صعوبة من المساحات البحرية؛ ففي وقت السلم كان نقل البضائع من أرخانجيلسك، المدينة الروسية الشمالية، عن طريق البحر إلى لندن أسرع وأرخص من توصيلها من أرخانجيلسك برا إلى موسكو. لذلك، وبقدر ما يبدو في الأمر من تناقض، لم تكن الطرق الروسية ذات فائدة لإنعاش الاقتصاد المحلي، ولهذا السبب أيضًا لم تشهد روسيا معجزة اقتصادية.

   وبما أن السؤال يمتلك أهمية راهنية، وله علاقة بالمستقبل، يتعمق الباحث في الأفكار الفلسفية حول ما إذا كانت الأراضي الشاسعة تُشكل ميزة للبلد أم عبئا عليها. يستشهد المؤلف بوجهة نظر واسعة الانتشار مفادها أن "اتساع روسيا هو ميزتها التي لا جدال فيها. الأرض لا حد لها وحقول الغابات لا حصر لها، والموارد هائلة. إنها أيضًا ورقة رابحة في القتال ضد عدو خارجي. فإلى أن يصل نابليون أو هتلر، وهما ينشران عدتهما وعتادهما على طول الحدود، إلى موسكو سيكون بمقدور الشعب أن يجمع  قواه كما سيتكفل الصقيع بإلحاق ضرر مميت بالعدو". ومع ذلك يكتب المؤلف: "من حيث الجوهر فروسيا عبارة عن مساحة فارغة ضخمة تشتعل فيها الأضواء النادرة للمستوطنات البشرية هنا وهناك. ترتبط هذه الجزر ببعضها البعض فقط عبر خيط رفيع من الطرقات، يستحيل من خلاله اتخاذ خطوة زائدة إلى اليمين أو إلى اليسار. إن الطريق هو فكرتنا الوطنية وجزء مهم من حمضنا النووي الجمعي".

   لإظهار الطريق كتجربة روحية يقدم المؤلف فصلًا يوضح فيه أن جميع عظماء روسيا أحبوا السفر: ليرمونتوف، غوغول، تولستوي، دوستويفسكي، غوركي وتشيخوف الذي سعى يائسا لاكتشاف شبه جزيرة سخالين في أقصى شرق روسيا. يحاول الباحث الإجابة عن أسئلة من قبل: ما هو السبب الحقيقي وراء أسفار العظماء؟ لماذا أصبحت انطباعاتهم أساسًا للعديد من الأعمال الأدبية؟ لماذا كُتبت بعض الأعمال، على سبيل المثال "سوناتا كرويتزر" لتولستوي، بصيغة اعتراف من مسافر لجلسائه؟ فالسفر، وفقًا لاستنتاج المؤلف، هو انقطاع وجودي حين "يتجاوز المرء العتبة ويخرج من شبقه المادي المعتاد، ويجد نفسه وحيدًا أمام عالم ضخم مجهول" (ص: 296).

   ولإظهار تفاصيل الطرق في روسيا يجد المؤلف في القاموس الوطني كلمات ومفاهيم يصعب ترجمتها إلى لغات أخرى، على الأقل نقلها المباشر في كلمة واحدة. هناك على سبيل المثال مشكلة شرح كلمة روسية تنطق (اللا طريق) وتعني (الطرق الوعرة). هنا ثمة تناقض بالنسبة للأجنبي ولكن ليس للوعي الروسي. فمفهوم الطرق الوعرة نشأ في الذهن الروسي في نفس الوقت الذي نشأ فيه مفهوم الطريق نفسه، فالطريق لكي يتمتع باسمه، يجب أن يكون سالكًا، أما وإن كان وعرًا فهو لا طريق، وإن نحن سلكناه مضطرين فإننا نسلك شيئًا نكرة. وقد كتب الأديب الشهير أنطون تشيخوف، الذي عبر عام 1890 سيبيريا بأكملها إلى المحيط الهادئ في فصلي الربيع والصيف، كتب في إحدى المراسلات لصحيفة نوفوي فريميا (الوقت الجديد) عن الترميم الساذج لطرق منطقة سيبيريا الكبرى، وينتهى بهذا الوصف: ستسقط الثلوج وتغطي الطريق بالمطبات التي ستأرجحك حتى تصاب بدوار البحر وهذا لا يحدث إلا هنا، ثم يأتي الربيع ومعه الطين، ثم ترمم الطرق مرة أخرى - وهكذا من سنة إلى أخرى". (ص: 136).

   يستشهد الباحث بمذكرات ورسائل وانطباعات أجانب سافروا في البقاع الروسية. في منتصف خمسينيات القرن السادس عشر زار بطريرك أنطاكية مكاريوس الثالث روسيا للمرة الأولى، وكان ابنه بولص الحلبي ضمن حاشيته وهو من قام بوصف هذه الرحلة. يقول المؤلف مستقيا من بولص: "الجنوبيون العرب، الذين يشكلون غالبية الحاشية عانوا بشدة من صقيع الشتاء. يرصد بولص الشتاء الروسي بالتفصيل وبصورة معبرة. كان عليهم أيضًا السفر على طريق شتوي في وسط روسيا وبالتالي أولى بولص اهتمامًا خاصًا بطريقة تنقل المزالق الغريبة. ووفقا له، فإن الثلوج الكثيفة في أراضي موسكو تتساقط منذ بداية صيام الميلاد ولا تتوقف عن التساقط حتى أبريل: "إنه يتجمد طبقة تلو الأخرى، وعندما يكون الصقيع شديد البرودة، فإن الطرق من كثرة السير عليها تكون مغطاة بالجليد وتصبح مثل كتلة من الرخام. أما الحقول، فقد أصبحت غير سالكة بسبب وفرة الثلوج التي تكون أعلى بضعة مرات من قامة الإنسان" (ص: 224).

   تجدر الإشارة إلى أن بعض الضيوف القادمين من الشرق قد لعبوا دورًا إيجابيًا في إصلاح الطرق الروسية التي ظلت مهملة أمدا طويلا، ومن بين أولئك الضيوف الفيل الذي أهداه خان بخارى للقيصر الروسي. "تم إدراج ملاحظة عن دور الفيل في إصلاح الطرق الروسية والجسور الضعيفة عام 1849 من قبل الأديب الروسي إيفان آكساكوف المعروف أيضًا بكونه زعيم ومفكر حركة السلافوفيليا التي كانت تدعو إلى وحدة الشعوب السلافية، ومعارضته للمؤثرات الأوروبية على المجتمع. كان آكساكوف وقتذآك في مدينة ريبينسك على نهر الفولغا. وكان الفيل يمر بريبينسك، وبتعبير أدق فقد أبحر الفيل على طول نهر الفولغا في قارب وجاء جميع سكان المدينة، بمن فيهم أكساكوف نفسه، ليراقبوا المشهد المذهل عند الرصيف حيث رسى ذلك القارب. "من المضحك – يكتب آكساكوف – أنه قام في كثير من الأماكن بصيانة طرق كانت قبل ذلك الحدث شبه مدمرة. مشى بعدها إلى نيجني نوفغورود سيرًا على الأقدام، ولأنه كان جبانًا للغاية، صعد إلى الجسر وشعر باهتزازه فتقهقر إلى الوراء. عاد فورًا إلى الوراء. عندئذ لم يكن أمامهم سوى أن يبنوا جسرا متينا ليبعدوا مخاوف الفيل" (ص: 181)

      والحال كذلك لم يجد الباحث بدءً من إيفاء الخيول حقها فخصص لها فصلا كاملا شرح فيه كيفية سرج الخيول وتجهيزها: ثلاثة بصف واحد أو واحد خلف الآخر. هناك من لا يمتلكون الحق في تسخير أكثر من حصان واحد، وغيرهم يسافرون بثلاثة أحصنة لاكتساب الاحترام. كما يتناول المؤلف مسألة سرقة الخيول، وهي مسألة وردت في أهم الكتب الفقهية "روسكايا برافدا" - أساس القانون الروسي الأول العائد إلى القرن الحادي عشر، باعتبارها جريمة بالغة الخطورة، تتبعها عقوبة شديدة تضمنت مصادرة جميع ممتلكات الجاني وطرده مع عائلته من القرية، مرة وإلى الأبد. إن سرقة الخيل وإضرام النار كانا أبشع الجرائم التي يمكن أن يُقتل المجرم عليها من قبل الفلاحين بلا محاكمة.

   خصص المؤلف فصلًا من الكتاب للتقاليد والعادات القومية المرتبطة بالتنقل وأهمها ما يسمى قطار الزفاف. فحركة الزفاف لا تعني التنقل في الفضاء بقدر ما تعني في حالة العروسين تغيير وضعهم المعيشي والانخراط في حياة جديدة. لذلك كان يُنظر إلى أي مشكلة قد تطرأ في مسار الزفاف كفأل سيء للعروس والعريس، باختصار كان يجب أن تتم كل هذه الرحلات بسرعة ودون عوائق، حتى لا يتمكن السحرة ومختلف أنواع الأرواح الشريرة من إيذاء الأشخاص الطيبين. وسرعة السفر في حفل الزفاف هي سمة مميزة لها. وهي أيضًا جزء لا يتجزأ من ثقافة الطريق وثقافة السفر التقليدية وثقافة التنقل الشعبة، والتي بدأت مؤخرًا دراستها من قبل علماء الثقافات القومية.

يذكر أن هذا الكتاب كان وراء ظهور موسوعة عن الحياة الروسية التي تتمتع بالغنى الجغرافي والثقافي والتي يتجلى فيها الأرضي بالأسطوري بصورة جديرة بالتأمل والمغامرة.

 

الكتاب: طريق عبر الزمن والأرض.

المؤلف: فلاديمير كورشنكوف .

دار النشر: ريدكايا بتيتسا/ موسكو/ 2020.

اللغة: الروسية.

عدد الصفحات: 642.