قراءة جديدة في فكر الإمام الأشعري

قراءة ابن الاشعري.jpg

سعيد بن سعيد العلوي 

أستاذ الفكر الإسلامي والغربي في جامعة محمد الخامس، المغرب


محاولة القراءة الجديدة التي نحاول القيام بها هي ثمرة انشغال بالفكر الأشعري في تجلياته الكلامية والأصولية والسياسية والأخلاقية. ومحاولتنا هذه تقتضي الأخذ بفكرتين اثنتين تُعَاضِد إحداهما الأخرى. فأما الفكرة الأولى فمدارها التقرير بأن فكر الإمام أبي الحسن الأشعري (مؤسس المذهب الذي ينتمي إليه السواد الأعظم من أهل السُّنَّة اليوم) يُستمد ـ أولاً ـ من المؤلفات الأساس التي وصلتنا وأخصها عندنا: «الإبانة عن أصول الديانة»، «مقالات الإسلاميين»، «مجموع الرسائل»، كما يستمد ـ ثانياً ـ من أعمال تلاميذته (الباقلاني، البغدادي، الجويني، الغزالي..) أي: أولئك الذين ينتسبون إلى الفترة التي نسميها بالعصر «الكلاسيكي» (وسيأتي ـ لاحقاً ـ توضيح القصد من عبارة «العصر الكلاسيكي»).

وأما الفكرة الثانية ـ التي تقضي القراءة التي نروم القيام بها بالأخذ بها فمفادها ـ أن الأشعرية منظومة قائمة الذات لها مكوناتها الذاتية، ومنطقها الداخلي، وموجهاتها، مثلما أن لها قوانينها العامة ومبادئها الكلية التي تصدر عنها. ودلالة هذه الفكرة الأخيرة الحكم بخطأ الرأي الشائع الذي لا يرى للأشعرية معنى إلا في تبيين موقعها بين طرفين، كلاهما مناقض لها أو مغاير لها في جوانب على الأقل، وهما الاعتزال من جانب والمنحى الحنبلي المتشدد من جانب ثانٍ. نقول ـ بعبارة المناطقة ـ : إن فكر الإمام الأشعري (وعموم المنظومة الأشعرية في العصر موضع حديثنا) لا يُحدد بالسلب وحده (الأشعرية غير الاعتزال، غير الحنبلية، غير الفكر الشيعي.. إلخ..) بل إنه يُحدد ـ أساساً ـ بالإيجاب (الأشعرية هي كذا وكذا...).

وحيث إنه يلزم كل «قراءة» بنود وأوفاق أن تحدد «البروتوكول» الذي تصدر عنه فإن ما ندعيه من محاولة «قراءة جديدة» مطالب بالكشف عن «بروتوكول القراءة» وتعيين دقيق للمنهج الذي تلتزم به. فما أوفاق القراءة التي ندعي إذن؟

متى تقرر ما سبق أمكننا الشروع في القراءة ذاتها، وقراءتنا تتوخى تسليط الضوء على عناصر ثلاثة من مكونات الخطاب الأشعري: مقام العقل، نظام المعرفة، العلم الكلي. ثم إننا ننتهي إلى خاتمة قصيرة نحملها جُملة تنبيهات وخلاصات عامة.

1 ـ الأشعرية في العصر الكلاسيكي

يفرد ابن خلدون لعلم الكلام فصلاً في «المقدمة» يستهله بتعريفه الشهير لعلم الكلام وموضوعاته، ويأتي فيه بنظره إلى تطور مباحثه في أرض الإسلام، إلى أن ينتهي به الأمر إلى ذكر الإمام أبي الحسن الأشعري ثم تلاميذته من بعده. وما يعنينا في الفصل المشار إليه هو الأحكام التي يصدرها صاحب «المقدمة» على الأشعرية.

يذكر أولاً أنه بعد أن كثر أتباع «إمام المتكلمين» وتعدد تلاميذه «أخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني، فتصدر للإمامة في طريقتهم وهذَّبها، ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والنظار؛ فأثبت قواعد شتى ودقق القول فيها، وجعل هذه القواعد تبعاً للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها لتوقف تلك الأدلة عليها، وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول. وجُعلت هذه الطريقة وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية». ولكن ضعف انتشار المنطق اليوناني في أرض الإسلام أو نفور المتكلمين من ممارسته جعل «صور الأدلة التي تعتبر بها الأقيسة» مهجورة عندهم. ولما كتب أبو المعالي الجويني «الشامل» ثم عاد فلخصه في «الإرشاد» حدث أن «انتشرت من بعد ذلك علوم المنطق في الملة، وقرأه الناس، وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية بأنه «قانون ومعيار للأدلة»، فعرفوا كيف يميزون بين «معيار المنطق» وبين «كلام الفلاسفة في الطبيعيات والإلٰهيات». فلما سبروها بمعيار المنطق ردهم إلى ذلك فيها، ولم يعتقدها بطلان المدلول من بطلان دليله كما صار إليه القاضي، فصارت هذه الطريقة من مصطلحهم مباينة للطريقة الأولى وتسمى «طريقة المتأخرين». ثم إن عبد الرحمٰن ابن خلدون يذكر بعد ذلك أن «أول من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحى الغزالي 5 ، وتبعه الإمام ابن الخطيب وجماعة قفُّوا أثرهم واعتمدوا تقليدهم. ثم توغل المتأخرون من بعدهم في مخالطة كتب الفلسفة، والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين فحسبوه فيهما واحداً من اشتباه المسائل فيهما».

حديث ابن خلدون عن الإمام الأشعري والمدرسة الأشعرية يقضي إذن بالتمييز بين طريقة «المتقدمين» وطريقة «المتأخرين»، وهذا من جهة أولى. كما أن حديثه يقضي ـ من جهة ثانية ـ باعتبار حجة الإسلام فارقاً بين الطريقتين بمعنى أنه يُدشن للطريقة الثانية فيكون كل اللاحقين عليه، مثل الفخر الرازي والإيجي وتلاميذة كل منهما منتسبين إلى «طريقة المتأخرين». فيْصل التفرقة عند ابن خلدون هو النفور من صور الأدلة والأقيسة المنطقية اليونانية في طريقة المتقدمين (والنموذج الأشهر في ذلك هو أبو بكر الباقلاني)، وهو الإقبال ـ على العكس من ذلك ـ على المنطق اليوناني والأخذ منه بغير حساب عند «المتأخرين». وأما العلامة المميزة في ذلك فهي ـ عند صاحب «المقدمة» ـ قول «المتقدمين» ببطلان المدلول لبطلان الدليل وذهاب «المتأخرين» ـ في مقابل ذلك ـ إلى الجزم أنه ليس من شأن بطلان المدلول بطلان الدليل.

نعلم أن ابن خلدون قد شرع بهذه القسمة الثنائية (طريقة المتقدمين/ طريقة المتأخرين) لتقليد في النظر إلى الأشاعرة سيسير عليه مؤرخو الفكر الإسلامي من بعده، بل ولا يزالون يسيرون عليه حتى اليوم. وعلى أحكام ابن خلدون هذه لدينا اعتراضات وملاحظات من مجموعها يتوضح معنى «العصر الكلاسيكي» الذي نتحدث عنه. ذلك ما نحاوله هنا في إيجاز وتركيز بعدما بسطنا القول فيه في كتابنا «الخطاب الأشعري».

إذا ما تناولنا بعضاً مما كتبه «المتقدمون» في أصول الدين (لنأخذ من تلك الكتابة نموذجين هما «التمهيد» للقاضي أبي بكر الباقلاني، و«أصول الدين» لعبد القاهر البغدادي)، ثم سعينا إلى مقاربة النموذجين مع ما كتبه «المتأخرون» حقيقة (اللاحقون على أبي حامد الغزالي) فنحن سنجدنا بالفعل أمام طريقتين مختلفتين كلية وأمام منهجين متمايزين تمايزاً كلياً. لنتناول كتاب «المباحث المشرقية» لفخر الدين الرازي وكتاب «المواقف» لعضد الدين الإيجي، ولنعمل النظر المقارن مع «التمهيد» من جهة و«أصول الدين» المذكورين سابقاً، من جهة أخرى. فماذا نجد؟

سواء تعلق الأمر بعرض المباحث وترتيبها أو بكيفية معالجتها، أو كان راجعاً إلى طرق الاستدلال والمعالجة فنحن نجد البون شاسعاً والاختلاف كبيراً وواضحاً بين المجموعة الأولى («التمهيد» «أصول الدين») والمجموعة الثانية («المباحث المشرقية»، «المواقف»). عند الفخر الرازي مزج شديد بين موضوعات الكلام ومباحث «العلم الإلٰهي»، وعنده حضور قوي بل طاغ للشيخ الرئيس؛ إذ ابن سينا يحظى بمكانة علية لا يزاحمه فيها أحد. ولو أنا أطلقنا على مؤلف «المباحث المشرقية» نعت «السينوي الجديد» لما أنكر النعتَ أحدٌ ولا استشنعه. ولا شك كذلك في أن من ينظر في «المواقف» ويقرأ «مراصده» ثم يمضي بعد ذلك فيقرأ «مقاصد» كل مرصد من المراصد التي يشكل مجموعها «موقفاً» على النحو الذي يصنعه عضد الدين الإيجي في كتابه، لا شك أن من يفعل ذلك لا يملك إلا أن يحكم بوجود الاختلاف، بل الخلاف البين أحياناً، مع «التمهيد» من جهة و«أصول الدين» من جهة أخرى. غير أننا نضيف أمراً آخر: هب أن قارئ الكتب الأربعة المتقدم ذكرها عمد إلى كتاب الغزالي «الاقتصاد في الاعتقاد» وطفق يقرأ التمهيدات الأربعة التي يوردها أبو حامد، وهي شبه «المدخل والمقدمة»، ثم تابع القراءة فتصفح «الأقطاب الأربعة» (وهي ـ كما نعلم جميعاً ـ لحمة الكتاب ومادته الأساس) ثم إن قارئنا التفت يمنة فوقعت عيناه على «التمهيد» و«أصول الدين»، والتفت يسرة فألفى أمامه كلّاً من «المباحث المشرقية» و«المواقف في علم الكلام» فأي حكم سيكون في مقدوره يصدر على الكتب الخمسة في نظره المقارن؟ لا غرو أن قارئنا هذا سيتردد طويلاً، ويحق له ذلك، قبل أن ينتهي إلى رأي واضح: فلو نظر في كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد» من حيث اللغة والمصطلح ومن جهة الموضوعات والقضايا التي يعرض لها فإنه يجد جامعاً قوياً بين الكتاب المذكور وبين كل من «التمهيد» و«أصول الدين». أما لو نظر في «الاعتقاد» من حيث «الحضور الإغريقي» لوجد فيه ما لم يجده عند الباقلاني ولم يألفه من البغدادي؛ ذلك أن في «الاعتقاد» ملامسة كثيرة للمنطق اليوناني، وتأثرًا بعبارة الفلاسفة وذكرًا للعقل المحض ولصور الأقيسة وتمييزًا بين المطالبة والبرهان (وهذه كلها مفاهيم غائبة في كتابة الباقلاني ومعاصره البغدادي، وهي غائبة لأنها لم تكن معلومة). وإذن يمكن القول ـ من هذا الوجه ـ : إن «الاقتصاد» يقترب من «المباحث المشرقية» بعض الاقتراب؛ لكن لا شيء في مؤلف الغزالي يقربه من الرازي من حيث المضمون، ولا شيء يسمح (من حيث «النظرة») بجعل «الاعتقاد» في خندق واحد مع «المباحث» و«المواقف».

الحق أن الأمر في «الاقتصاد في الاعتقاد» عجيب ومحير مثلما أن أمر الغزالي عجيب ومحير في مؤلفاته الأخرى من غير الكلام؛ أي: في أصول الفقه والتصوف والأخلاق والسياسة. ولن يرى القارئ إلا الاقتصار في الحكم على أبي حامد في مؤلفه الكلامي هذا بأنه يسلك طريقاً مغايراً للطريقتين اللتين رسمهما ابن خلدون، وأن حجة الإسلام بهذا يكون «أول من كتب» في الطريقة الثانية. نحن إذن أمام وجوب مراجعة صاحب «المقدمة» في قسمته الثنائية الشهيرة، والتحفظ الشديد في أمر هذا التقليد الذي سار عليه مؤرخو الأشعرية من بعده. فأحد أمرين اثنين يلزم الأخذ بهما: فإما القول بثلاثية القسمة عوض ثنائيتها والحديث عن طريقة وسطى بين طريقة «المتقدمين» وطريقة «المتأخرين»، وقد يتسع أمر هذه الطريقة الوسطى ليشمل المرحلة التي قعّد لها القواعد أبو المعالي، وإما التأكيد على صحة القسمة الثنائية مع تمييز وإضافة جديدين. والأقرب إلى المنطق والتاريخ معاً هو الأخذ بالرأي الثاني والقول بطريقة «أولى» حسب العبارة الخلدونية والجديد عندنا هو القول بتطور ذاتي، داخلي، في تلك الطريقة. تطور يبلغ مداه الأقصى عند أبي حامد الغزالي ويستكمل معه عناصره الفاعلة ليصير إلى قطيعة تامة، إلى ما يمكن أن نقول عنه ـ في لغتنا اليوم ـ : إنه «نقطة اللّاعودة» أو الخط النهائي الفاصل مع الفخر الرازي «المباحث المشرقية» من وجه ومع الإيجي في «المواقف» من وجه آخر. عند هذا الخط النهائي الفاصل تكون الطريقة الثانية، طريقة «المتأخرين».

يتعلق الأمر إذن بلحظتين معرفيتين متمايزتين: لحظة أولى بدايتها أبو الحسن الأشعري ونهايتها أبو حامد الغزالي. ولحظة ثانية هي تلك التي يقول عنها ابن خلدون ـ في حديثه عن علم الكلام ـ : إن مسائل الكلام تلتبس بمسائل الفلسفة، فلا «يتميز أحد الفنين من الآخر، ولا يحصل عليه طالبه من كتبهم». نعم، في فكر الغزالي ـ متى اعتبرناه في كليته ـ ما يشي بحال الأزمة، فهناك تصادم بين أبنية فكرية عديدة، وقد يحكم البعض من أجل ذلك على فكر أبي حامد بالاضطراب والتناقض، وقد يحار آخرون في تصنيفه؛ ولكن الحق أن المنظومة الغزالية تعكس واقع الثقافة العربية الإسلامية في القرن الهجري الخامس: واقع تطور الفكر الإسلامي السُّنِّي وبلوغه درجة عليا من النضج والاكتمال. تلك الدرجة وذلك الواقع الثقافي هو بالضبط ما ننعته بالعصر «الكلاسيكي» ـ أي: العصر الذي يحق اعتباره مرجعاً ونموذجاً. إن هذا الحال هو ما نقصده بالتمييز والإضافة الجديدين، وهو ما نقصده إذ نتحدث عن الأشعرية الكلاسيكية أو ـ بالأحرى ـ المنظومة الأشعرية في عصرها الكلاسيكي كما يرسي الإمام الأشعري قواعدها ويشرع في رَصِّ لبناتها الأساس في علم الكلام، وفي نظرية الإمامة، وفي العقل: مقاماً ووظيفة.

نحسب أننا ـ بتوضيح الأمور على النحو الذي حاولناه في هذا القسم خاصة ـ لا نبتعد عن أبي الحسن الأشعري، لا بل إننا على العكس من ذلك نقترب منه أكثر فأكثر. ذلك أن أتباع الإمام في العصر الكلاسيكي كانوا يسيرون على دربه، يرصدون خطاه خطواً بخطو ونعلاً بنعل على النحو الذي تبين عنه الدراسة القيمة (أكاد أقول: الفريدة في نوعها) التي خصصها له الراهب الفرنسي الأب ميشيل الآر.

2 ـ «بروتوكول» القراءة وبنودها

لا بد لكل قراءة تدعي «المعاصرة» أو تتوخى «الجدة» (أو تطمح إلى المغايرة على كل) من آفاق يلزمها الكشف عنها، ومنهج تلتزم به، وأهداف تروم إصابتها. وفي قول موجز نقول: إن بنود القراءة التي نتوخى القيام بها ترجع إلى أربعة أساسية نذكرها كما يلي:

أ ـ لا تعنينا في النظر في فكر الإمام الأشعري وأتباعه في العصر الكلاسيكي للأشعرية مضامين أصول الدين؛ ذلك أنه لا جدة إطلاقاً في الحديث عن المضامين، بل قد يكفي في معرفتها الوقوف عند «الإبانة عن أصول الديانة»؛ إذ ما كتبه الأتباع من بعده توضيح وشرح وإطالة نَفَسٍ (كما يقول المتكلمة) فيما كان فيه أبو الحسن الأشعري موجزاً. إن الأهم عندنا هو التنبيه إلى طريقة المعالجة وكيف النظر. في ذلك التنبيه تتبيّن الفروق وتتضح الصورة.

ب ـ استنطاق الخطاب الأشعري في العصر الكلاسيكي حتى يكون في الإمكان الوقوف ـ خلف القول المعلن والمفكر فيه ـ عمّا كان مضمراً وغير مفكر فيه. الاستنطاق يعني ـ لغة ـ استخراج النطق وحمل المخاطب على البوح بما كان يرفض البوح فيه أو يخشاه أو كان ـ دون علم منه ـ يعمد فيه إلى التمويه بفعل ضغط قوى لا شعورية.

ج ـ الخفي والمضمر في الخطاب الأشعري ـ في العصر موضع نظرنا ـ هو البعد الإيديولوجي. إنه الخلفية السياسية التي تفعل في الفكر الأشعري فعلها الحاسم، إنها تلك التي تجعل من نظرية الإمامة ـ من جانب أول ـ وتجعل من المخالفة للخصم الباطني ـ من جانب ثان ـ المحور الموجه. قراءتنا تطمح إلى كشف الغطاء عمّا كان بطبعه يجنح إلى التمويه والممانعة.

د ـ لا تريد القراءة الاكتفاء بطريق السلب في الحديث عن الأشعرية، بل إنها تطمح إلى سلوك طريق الإيجاب. نقول ـ بعبارة المناطقة ـ حيث يكون الاختيار في التحديد (التعريف) بين الحديث السالب عن الموضوع (ليس كذا، مخالف لكذا، ليس ذاك...) والحديث الموجب (تعيين الخصائص والسمات) فإن القراءة تلتزم بسلوك النهج الثاني؛ فهو ماهية القراءة ومبرر وجودها.

نقول ـ في كلمة جامعة ـ : إن القراءة المأمول القيام بها تتوخى الكشف عن الآليات المعرفية من جانب أول، والتنبيه على المكونات الأساس من جانب ثان.

3 ـ المكونات الأساس للفكر الأشعري الكلاسيكي

المكونات الأساس للفكر الأشعري في العصر الكلاسيكي ـ متى اعتبرناها من حيث الصورة أو الشكل الذي تُفرغ فيه الفكر ـ هي عينها تلك التي تحدد وتوجه الفكر الإسلامي إجمالاً. إذا ما اعتبرنا الفكر (في عبارة أخرى) نظاماً معرفياً له قوانين وموجهات كان القول ـ إجمالاً ـ بأن النظام ذاك تحكمه نوعية العلاقة التي تقوم بين العقل والنقل صادقاً. ليس الفكر الإسلامي (في مجموعه) سوى كيفيات مختلفة للنظر في النقل، وليست الكيفيات المختلفة سوى العقل وهو يعمل. نحن أمام سؤال أول هو: على أي نحو تتحدد العلاقة بين المعقول والمنقول في المنظومة الأشعرية؟ وسؤال ثانٍ ـ ينبع من السؤال المتقدم ـ وهو: ما صفة العقل وما مقامه في الوجود؟ وسؤال ثالث ـ يجمع بين السؤالين السابقين ـ هو: كيف يكون التأصيل للمعارف وأصولها؟

يمكن للأسئلة الثلاثة السابقة أن ترتب على نحو آخر، أكثر بيداغوجية وأقدر على تقريب المدارك، فتكون طلباً للإجابة عن قضايا كلية ثلاث: ما نظام المعرفة في المنظومة الأشعرية في العصر الكلاسيكي؟ ما العقل في الفكر الأشعري وما مقامه؟ ما العلم الكلي وماذا يحدث فيه؟

3 - 1. نظام المعرفة في المنظومة الأشعرية الكلاسيكية

تنقسم العلوم عند الأشاعرة عدة تقسيمات أو تصنيفات؛ فقسمة أولى تكون العلوم بها عقلية (كالطب، والحساب، والهندسة)، ودينية (كالكلام، والفقه، وأصوله، والتفسير، والحديث..). وقسمة ثانية هي بموجبها كلية تتقرر فيها مبادئ العلوم وتثبت مقدماتها، وجزئية تحدد فيها العلوم أحاداً خاصة. وقسمة ثالثة تكون العلوم بحسبها إما راجعة إلى الضرورة، فالمرء مضطر إلى التسليم بما يكون عنها، وهو لا يبذل في تحصيل ذلك أدنى جهة، أو إلى النظر والاستدلال، فلا بد فيها من إعمال الفكر وإجهاد العقل. وقِسْمَةٌ رابعة وأخيرة توصف العلوم فيها بأنها تفيد اليقين والقطع أو بكونها لا تتجاوز حدود التخمين والظن. يمكن القول ـ في عبارة أخرى ـ بأن التصنيف في العلوم يكون تصنيفاً لها إما بحسب المجال الذي تنتمي إليه (العقل / النقل) وإما بالنسبة إلى موضوعها (علوم كلية / علوم جزئية)، أو تصنيف لها بالنظر إلى طبيعتها المعرفية (ضرورية / نظرية). والتصنيف يكون أخيراً بالنظر إلى الصفة التي تفيدها (اليقين / الظن).

لندع جانباً تصنيف العلوم من حيث المجال الذي تنتمي إليه، ولننظر فيها بإيجاز من جهة التصنيفات الأخرى الثلاث. ليكن أول الكلام النظر في العلوم من حيث طبيعتها المعرفية (ضرورية / نظرية)، والملاحظ أنه لا اختلاف بين المتكلمة عموماً في قسمة العلوم إلى ضرورية ونظرية، كما أنه لا خلاف فيما يتعلق بالعلم الضروري وتعريفه فمرده عند المتكلمين عموماً إلى الاضطرار والحمل. كما أنه لا اختلاف في معنى العلم النظري وحصوله عقب النظر وإعمال الفكر. لكن اختلافاً يظهر فيما يتعلق بأنواع العلم النظري وأقسامه. والأشعرية الكلاسيكية تجعله ـ على لسان البغدادي ـ أقساماً أربعة «أحدها استدلال بالعقل من جهة القياس والنظر، والثاني معلوم من جهة التجارب والعادات، والثالث معلوم من جهة الشرع، والرابع معلوم من جهة الإلهام في بعض الناس أو بعض الحيوانات دون بعض».

لنسجل ـ مع البغدادي ـ أن للمعرفة النظرية مصادر أربعة ترجع إليها وهي: العقل، والتجربة والعادة، والشرع، والإلهام. لننتبه فقط كيف أن «العادة» تكون أحد مصادر المعرفة النظرية.

لننظر الآن ـ في إيجاز كذلك ـ إلى قسمة العلوم من حيث موضوعها.

إن كانت العلوم كلها (ما كان منها متعلقاً بمجال العقل وما كان راجعاً إلى مجال النقل) تنقسم إلى علوم كلية وعلوم جزئية؛ فإن العلم الكلي ـ في العلوم الدينية ـ هو علم الكلام «وسائر العلوم من الفِقه وأصوله، والحديث والتفسير علوم جزئية؛ لأن المفسر لا ينظر إلا في معنى الكتاب خاصة، والمحدّث لا ينظر إلا في طرق الحديث خاصة، والفقيه لا ينظر إلا في أحكام المكلفين خاصة، والأصولي لا ينظر إلا في أدلة الأحكام الشرعية خاصة. والمتكلم هو الذي ينظر في أعم الأشياء وهو الموجود؛ فيقسم الموجود أولاً إلى قديم وحادث، ثم يقسم المحدث إلى جديد وعارض (...) الكلام هو المتكفل بإثبات مبادئ العلوم الدينية، فهي جزئية بالإضافة إلى الكلام. فالكلام هو الأعلى في الرتبة؛ إذ منه النّزول إلى الجزئيات».

علم الكلي هو العلم الكلي من العلوم الدينية أو هو ـ كما سيصفه الإيجي لاحقاً ـ «رئيس العلوم»، ومعنى ذلك هو ما يوضحه أبو حامد في النص أعلاه: مبادئ العلوم وكلياته تتقرر في أصول الدين. هذه ملاحظة مهمة أولى، بل قاعدة كلية تتقرر عند الأشاعرة مثلما تتقرر عند المتكلمين عامة، وإليها يلزم التنبيه إلى قاعدة كلية عامة، الأحق إلحاقها بموجهات القراءة التي نحاول القيام بها لفكر أبي الحسن الأشعري وتلاميذته. والقاعدة المشار إليها تقبل الصياغة على النحو التالي: كل مبدأ كلي يتقرر في المذهب (علم الكلام) فإنه يسري ـ ضرورة ـ في كافة العلوم التي يحدد العلم الكلي (علم الكلام) مبادئها وكلياتها. يمكن صياغة القاعدة هذه في عبارة يسيرة: العلم الكلي من العلوم الدينية، من حيث إنه الدفاع عن العقيدة على قول معلوم هو قول المذهب، يقضي بوجوب سريان الأصل (علم الكلام) في الفروع كلها (باقي العلوم الدينية على النحو الذي يذكره أبو حامد في النص المتقدم الرجوع إليه).

يلزمنا التنبيه ـ في ملاحظة مهمة ثانية ـ إلى أن الأشاعرة، وزعيم المذهب في مقدمتهم كانوا من أشد المنافحين عن شرعية علم الكلام ومباحثه ضداً على الحشوية خاصة، وخلافاً لما يزعم خصومهم، والتزاماً بالقاعدة العامة الكلية التي يقررها المتكلمون، والتي تفضي بأن معرفة الله تعالى، والقول بصحة النبوة وصدقها يثبتان بالعلم النظري لا الضروري، وبناءً على ذلك يتقرر مبدأ آخر: أول ما أوجبه الله تعالى على المكلف النظر المؤدي إلى معرفته تعالى.

نقرأ لأبي الحسن الأشعري في رسالته في «استحسان الخوض في علم الكلام»:

«إن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين، ومالوا إلى التخفيف والتقليد، وطعنوا على من فتش عن أصول الدين ونسبوه إلى الضلال، وزعموا أن الكلام في الحركة والسكون، والجسم والعرض، والألوان والأكوان، والجزء والطفرة، وصفات الباري 8 بدعة وضلالة، وقالوا: لو كان هُدى ورشاداً لتكلم فيه النبي ژ وخلفاؤه وأصحابه. قالوا: ولأن النبي ژ لم يمت حتى تكلم في كل ما يُحتاج إليه من أمور الدين وبيَّنه بياناً شافياً ولم يترك لأحد بعده مقالاً فيما للمسلمين إليه حاجة من أمور دينهم وما يقربهم إلى الله 8 ويباعدهم عن سخطه. فلما لم يرووا عنه الكلام في شيء مما ذكرناه، علمنا أن الكلام فيه بدعة والبحث عنه ضلالة؛ لأنه لو كان خيراً لما فات النبي ژ ولتكلموا فيه. قالوا: ولأنه ليس يخلو ذلك من وجهين: إما أن يكونوا عَلِموه فسكتوا عنه، أو لم يعلموه بل جَهِلوه. فإن كانوا عَلِمُوهُ ولم يتكلموا فيه وَسِعَنَا أيضاً نحن السكوت عنه كما وَسِعَهُمْ السكوت عنه، وَوَسِعَنَا ترك الخوض فيه كما وَسِعَهم ترك الخوض فيه، ولأنه لو كان من الدين ما وَسِعَهم السكوت عنه. وإن كانوا لم يعلموه وَسِعَنا جهلهُ، كما وَسِعَ أولئِك جهله؛ لأنه لو كان من الدين لم يجهلوه فعلى كلا الوجهين الكلامُ فيه بدعة والخوض فيه ضلالة».

أفسحنا المجال كبيراً لإمام المذهب، خلافاً لما تقضي به الأعراف الأكاديمية التي تلزمنا بالشرح والتوضيح عوض النسخ والتقديم، ونحن آثرنا ذلك لسببين اثنين: أولهما أننا أمام مرافعة بليغة في الدفاع عن علم الكلام، شرعيته وحجيته (وأبو الحسن في باقي الرسالة القصيرة محام بارع ومتكلم صلب قوي المراس)، وفي الدفاع عن الكلام دفاع عن العقل وتقدير لدوره ومكانته من العلوم الدينية. وثانيهما أن النص ـ من حيث استنتاجاته البعيدة ـ يرسم الخطوط العريضة للعلاقة الموجودة بين العقل والنقل، فالنقل مقدم ومتبوع، والعقل متأخر وتابع؛ ولكنه يظل يقظاً وجوباً، بل إن يقظته وفعاليته من صلب الدين والدفاع عنه.

 

والآن، ما القول في العقل مَاهِيَّةً ووظيفة ومقاماً؟

3 - 2. العقل ومقامه في الفكر الأشعري

صلة العقل بالنقل في المذهب الأشعري جلية واضحة، لا لبس فيها ولا تردد عند أبي الحسن الأشعري وتلاميذته من بعده في العصر الكلاسيكي للأشعرية. أول ما يتقرر هو وجود كل منهما في تمايز عن الآخر، والأشعرية توافق المتكلمة في ذلك. وثاني شيء هو أن الأصل في العلوم الدينية وما يتصل بها هو النقل، فالنقل أول في الوجود وأول في الرتبة والشرف كما يقول المناطقة، والنقل متبوع في حين أن العقل تابع ورديف. وثالث شيء أن الأشعرية تنتصر للعقل لأسباب أخصها اثنان: الأول منهما هو الانتصار لعلم الكلام حتى يكون ممكناً، والنص الطويل الذي أوردناه لصاحب «الإبانة» دليل ناصع. والثاني هو أن في الانتصار للعقل رفضاً قطعيّاً للتعليمية والتعليم، فنحن نصير إلى طريقتين تكون بهما المعارف: فإما استناد إلى العقل وأنواره وثقة فيه، وإما نفي مطلق له وارتكان واستكانة تامّان إلى «المعلم المعصوم» وعلمه السري.

متى تقررت لدينا هذه الأمور فإنه يكون في الوسع إدراك أركان وقواعد مكينة في الفكر الأشعري. متى فهمنا العلاقة بين المنقول والمعقول على النحو المذكور فنحن نفهم لِمَ يكون التعبد توقيفاً وليس استحساناً، كما نفهم مصدر الخطأ في نظرية الحسن والقبيح العقليين. كما نفهم لم كان انبعاث الأنبياء مِنّةً من الله ولطفاً ولم يكن ذلك واجباً عليه. وبالجملة فنحن ندرك أمرين اثنين متلازمين في الوقت ذاته: أولهما أن مجال العقل وتصرفه شيء، ومجال الشرع ونظره شيء آخر. وثانيهما أن للعقل حدوداً يقف عندها بالضرورة وأحوالاً لا يقدر على تبينها بَلْهَ القول فيها.

نقترح الآن ـ توخياً للإيجاز والتوضيح معاً ـ التنبيه على أمور أربعة، إليها يرجع القول في العقل عند الأشعرية ماهية ووظيفة ومقاماً:

ـ التنبيه الأول هو أن العقل يُدْرِكُ ـ في المنظومة الأشعرية ـ تمام الإدراك ما يطيقه ويقدر عليه مثلما أنه يدرك ـ بالدقة نفسها ـ ما لا يطيقه ولا يقدر عليه.

يقول أبو حامد الغزالي في «المستصفى»: «إذا قلنا للعقل: احكم على النبيذ بالحرام، فيقول: لا أدري ولم يُصَدِّق به. فعلمنا أن ليس يلتقي في الذهن طرفا هذه القضية وهو النبيذ والحرام، فلا بد أن يطلب واسطة ربما صَدَّق العقل بوجودها في النبيذ وصَدَّق بوجود وصف الحرام لتلك الواسطة (...) فيقال: هل النبيذ مسكر؟ فيقول: نعم، إذا كان قد عُلِمَ ذلك بالتجربة. فيقال: وهل المسكر حرام؟ فيقول: نعم، إذا كان حصل ذلك بالسماع هو المدرك بالسمع».

مصادر المعرفة وطرائقها متعددة (كما رأينا في القسم السابق مع البغدادي)، والعقل واعٍ بطريقه مثلما هو واعٍ بقدرته، مدرك لحدوده.

ـ التنبيه الثاني هو أن العقل ـ إذ يدرك الفرق بين ما يطيقه وما لا يطيقه ـ لا يملك في الأمور التعبدية وفي الاعتقادات الإيمانية إلا الموافقة والتسليم.

يسلم أبو الحسن الأشعري بأن «القرآن العزيز على ظاهره، وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة، وإلا فهو على ظاهره». وترجمة هذا الإقرار، في معرض الحديث عن الحقيقة والمجاز، أنه ليس لنا أن نحمل على المجاز ما كان يحتمل الخروج على الحقيقة. وجوهر القضية في هذا الشأن هو القول في «الرؤية»، رؤية الله بالأبصار يوم القيامة.

يقول الإمام الأشعري: «والنظر في القرآن يفيد أحد معانٍ أربع: فإما نظر هو نظر الاعتبار مثل قوله تعالى:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿١٧﴾﴾ [الغاشية: 17]. أو نظر يفيد الانتظار: ﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴿٤٩﴾ ﴾ [يس: 49]. أو نظر هو نظر التعطف: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ ﴾. وإما نظر رابع لا يخرج عن معنى نظر الرؤية

﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿٢٣﴾﴾ [القيامة: 22، 23]». فأما المعنى الأول عند أبي الحسن الأشعري فغير وارد البتة؛ «لأن الآخرة ليست بدار اعتبار». وأما المعنى الثاني فغير جائز؛ «إذ الانتظار معه تنغيص وتنكيد لا يجوز أن يكون لأهل الجنة». وكذلك يبطل المعنى الثالث (التعطف)؛ لأن فيه إذلالاً لا يصير إليه أهل الجنة أبداً، «فإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر».

ترتفع الحيرة والوله عن العقل، متى أقر بأن للنقل مجاله الخاص به وسلَّم للنقل بالأولية والتبعية.

ـ التنبيه الثالث يتصل بالتنبيه الأول (مرده كما تبينا طبيعة العلاقة بين المعقول والمنقول، وتحديد مجال كل منهما) من وجه، ويتصل بالتنبيه الثاني من وجه آخر (ما يطيقه العقل وما لا يطيقه) ومفاده أن كل ما لا يستطيع العقل البرهنة على استحالته فإنه لا يسعه إلا التسليم بجوازه. وفي عبارة منطقية واضحة نقول: يملك العقل الأشعري، بموجب الآليات التي يعمل بها، والمبادئ الكلية التي يسلم بها أن يقرر بأن الأحوال ليست نفياً محضاً أو إثباتاً قطعياً؛ وإنما هناك حال ثالثة، توسط وإمكان لا يملك العقل أن يقضي برفضه؛ ذلك هو الجواز.

مبدأ التجويز عندنا ـ متى أمعنا النظر في معناه ومغزاه معاً ـ لا يرقى إلى مستوى البرهان الإيجابي فعلاً، فيكون إثباتاً كاملاً، وليس يقنع بمنزلة البرهان السلبي أو البرهان بالسلب فيكون نفياً قاطعاً؛ بيد أنه يصير إلى تدعيم النقل؛ إذ يفتح طريق الإمكان، ويجعل العقل ذاته في حال تردد وقلق لا يخرج منهما إلا متى عاد فسلم ـ مرة أخرى ـ بما كان مطيقاً له وما كان غير مطيق له، متى قرر أن هناك في البرهنة والإثبات طرقاً ودروباً شتى (النقل، التجربة والعادة، الإلهام...).

ـ التنبيه الرابع والأخير يتصل بمبدأ التجويز، أو قُل إن شئت: إنه الجواز، وقد كان النظر إليه بكيفية أخرى: إنه طريق «العادة» الأشعرية، تلك التي تقضي بوجود التلازم والاضطراد دون أن يكون في الأمر ـ ضرورة ـ فعل وانفعال وسبب ومسبب. وعن العادة يكون «الكسب» والقول في الوجود بـ «الانفصال» عوض الاتصال.

ما نريد أن ننتهي إليه هو القول بأن العقل ينسج شبكة من المفاهيم تنتظم فيما بينها في حقل دلالي منسجم ومقفل، في منظومة كلية مفتاحها هو مبدأ التجويز أو مفهوم «الجواز»، بحسبانه رُتْبَة ثالثة ممكنة بين القطع والنفي، بين الوجود والعدم.

 

3 - 3. العلم الكلي من العلوم الدينية

بعد إذ تبيّنا منزلة أصول الدين في النظام المعرفي الذي يرتسم في المنظومة الأشعرية، وبعد إذ تبينا مع أبي الحسن الأشعري خاصة ضرورته، وأدركنا جدواه في الاحتجاج عن العقيدة وفي إقرار ركنيها المكينين (إثبات الربوبية وما يتصل بها من القول في الوحدانية والتنْزيه، ثم إثبات صحة النبوة وصدق النبي) يلزمنا الآن ـ استكمالاً لمعرفة المكونات الأساس للمنظومة الأشعرية ـ أن ننبه على وظيفة العلم الكلي (والوظيفة هنا مفرد ينوب عن الجمع، كما يقول النحاة) في ملاحظات ثلاث تتصل بجوهر علم الكلام وعمق إشكالاته.

ـ الملاحظة الأولى تقضي ـ من جهة القراءة التي نقوم بها ـ أن نتساءل عن كيفية الدفاع عن العقيدة أو الاحتجاج لها، ما دام علم الكلام يحدد من حيث إنه كذلك. نقول: إن ما يقوم به المتكلم على الحقيقة، في عمل البناء المذهبي وتقرير قواعده، هو قراءة للقرآن الكريم؛ من حيث إن الكتاب العزيز كتاب في العقيدة. أليس القول في تفسير بعض آي القرآن الكريم في ضوء الحقيقي والمجاز شيئاً آخر سوى «قراءة»؟ هل ترى للاختلاف في ذلك بين المعتزلة والأشاعرة (بل وعموم أهل السُّنَّة) معنى آخر سوى المغايرة في «النظرة» والخلاف في مبادئ القراءة وموجهاتها عند كلا الفريقين؟

المتكلم «يقرأ» القرآن الكريم بحسبان الكتاب العزيز كتاباً عقدياً، وهو ـ في «القراءة» التي يقوم بها ـ يرتكن إلى ما يتقرر في المذهب الذي ينتمي إليه، أو المذهب الذي يريد أن يضيف إليه لبنة جديدة، حتى تكون لفهمه القوة والمصداقية.

ـ الملاحظة الثانية تقضي (على النحو الذي نستفيده من النتائج التي انتهينا إليها في القسمين السالفين) بفعل جديد، ينضاف إلى الفعل المتقدم (الدفاع عن العقيدة على قول معلوم هو الذي يقرره المذهب، أو ـ كما قلنا ـ قراءة القرآن الكريم بتوجيه من مقررات المذهب الكلامي). هذا الفعل الجديد هو التشريع للعقل وتعيين أحكامه. بيد أن الفعل الثاني ليس منفصلاً عن الأول ولا تابعاً له؛ بل إنه مُسَاوِقٌ له كما يقول المناطقة والمتكلمة. يمكن القول ـ في عبارة أخرى ـ إن: الفعل في أصول الدين (أو العلم الكلي من العلوم الدينية إذن) فعل مزدوج: هو ـ من جانب أول ـ تأصيل لأصول الدين وهو ـ من جانب ثانٍ ـ تأصيل لأصول المعرفة وكلياتها. والقول في الأشعرية هو إذن قول في الكيفيتين معاً. وما دامت القراءة استنطاقاً أو إنطاقاً للنص بما يحاول أن يخفيه أو يموه فيه، فإن قراءة جديدة للأشعرية تقوم في «الإبانة» عن الكيفيتين والتنبيه إلى الآليات التي تعملان بموجبها.

أما الملاحظة الثالثة (والأخيرة) فهي تتصل بالملاحظة أعلاه اتصالاً مباشراً، بل إنها محاولة في كشف الغطاء وإزالة الحجاب عن فعل ثالث ومُسَاوِقٍ للفعلين السابقين المتقدمين. فعل يستدعي ـ بطبيعته ـ مَزِيدَ إلحاح ومُضَايقة حتى يخرج النص عن صمته؛ لا، بل حتى لا نظل سجناء ما يحاول النص أن يقيد القارئ به من أحابيل ويرسم له من شراك. والقصد هو كيف الحديث عن «الإمامة» في المنظومة الأشعرية.

يجتهد الأشاعرة، بدءاً من الإمام الأشعري في «الإبانة» (في الباب الأخير الذي يفرده للكلام في إمامة أبي بكر الصديق) وفي «مقالات الإسلاميين» (وأول القول فيه ـ كما نعلم ـ هو في «اختلافهم في الإمامة») إلى الغزالي في «الاقتصاد في الاعتقاد»، مروراً بالباقلاني في «التمهيد» والبغدادي في «أصول الدين» ثم بأبي المعالي في «الإرشاد» خاصة؛ يجتهدون جميعاً في التقليل من شأن الإمامة وخطورتها. فهذا الغزالي يقول: «إن النظر في الإمامة ليس من المهمات، وليس أيضاً من فَنِّ المعقولات منها من الفقهيات». وهذا أستاذه يقول قبله: إن الكلام في بابها «ليس من أصول الاعتقاد والخطر على من يزلّ فيه يربو على الخطر على من يجهل أصله». ثم هذا أبو حامد يبرر إفراده فصلاً من «الاقتصاد» ـ هو الفصل الأخير ـ للقول في الإمامة بكونه مجرد جريان «الرسم باختتام المعتقدات به». الحق أن الأشاعرة جميعهم يحققون الوظيفة العليا للإيديولوجيا أفضل ما يكون التحقيق: التمويه والإخفاء، يقللون من شأن «الإمامة»، ولا يَنْسُبُونَها إلى «المهمات في الدين»، بل إن التشنيع على الخصم الشيعي الباطني يكون من هذا الوجه، ثم هم يطوحون بها على الفصل الأخير من الكتاب، في حين أن «الإمامة» مدار القول ومربط الفرس كما يقول المثل العربي. يمكن صوغ الملاحظة الأخيرة التي ننتهي بها من قراءتنا لفكر أبي الحسن الأشعري وتلاميذته من بعده في العصر الكلاسيكي للأشعرية على النحو التالي: إن النظرية السياسية الأشعرية هي ما يوجه القضايا الكلامية ويشرع لها، تماماً كما كانت نظرية الإمام المعصوم هي مدار القول في النظرية الشيعية والموجّه لها.

خـاتـمــة

يمثل ظهور الأشعرية ـ في الصياغة الأولى للمذهب مع أبي الحسن الأشعري، وعلى النحو الذي رسم له الملامح العامة ـ تطور الفكر السُّنِّي في الإسلام وبلوغه درجة عالية من التطور. الحديث عن الدرجة العالية من التطور يعني بلوغ مرتبة يكون فيها احتواء تيارات ونظريات غريبة عن ملة الإسلام، والشأن كان كذلك في القرن الهجري الرابع؛ ذلك أنه تَم تعريب عدد من المفاهيم الواردة من الشرق والغرب، وتَمّ ـ على وجه الخصوص ـ استقبال الفكر القوي المغاير للإسلام في القرون الأولى من العصر الميلادي، والقصد به التراث اليوناني، ثم التراث الهيليني. نشأ النحو والبلاغة وعلم الكلام وأصول الفقه، وكان ظهور كوكبة الفلاسفة الكبار في الإسلام، وكل هذه العلوم نهلت من المعين الإغريقي ونسجت على منواله، أو هي سعت ـ بسبل شتى ـ إلى «تبيئته» في أرض الإسلام وفي الثقافة العربية الإسلامية. والشأن إذ يكون كذلك فهو لا يخلو من صعوبات ومشاكل، بل إنه يُسْلم في المعتاد إلى «أزمة»، ويطرح مشكلات وصعوبات عديدة. والفكر الأشعري كان ـ بمكوناته وفروعه ـ يعكس تلك الصعوبات ويصور تلك المشكلات، فهو لا يُفَهم خارج سيرورة التطور التي أشرنا إليها، ولا يُدرَك إلا من حيث هو تلخيص وتركيب لتلك الصعوبات والمشكلات، ولعل المثال الساطع في ذلك هو أبو حامد الغزالي؛ بمواقفه التي يبدو فيها الاضطراب والتردد حيناً، وهذه قليلة معدودة، ومواقفه الأخرى (في أصول الفقه خاصة) التي يكون فيها المفكر الإسلامي قوياً وبانياً لمشروع جديد يقوم على أرضية صلبة.

نحسب أن المحاولة التي أَبَنَّا عن جانب منها (هو علم الكلام خاصة)، حسب ما اقتضاه مقام الحديث، والمحاولات الأخرى (أصول الفقه من جانب، الفكر السياسي الأشعري من جانب آخر)، تكشف عن هذه الصعوبات والمشكلات، مثلما أنها تُعلم على جوانب القوة والثقة. وقراءتنا للفكر الأشعري ـ في عصره الكلاسيكي خاصة ـ تكشف لنا عن جوانب من القوة وإن كانت تبين ـ في أعين البعض ـ عن ضعف وتقاعس. الشأن عندنا كذلك في مفاهيم العادة، التساوق، الجواز، والقوة في تقديرنا تكمن في نقد العقل العربي الإسلامي (من حيث إن النقد تدليل على مواطن القوة وتعيين لمكامن الضعف) تحديد مجال العقل وما يطيقه، وتعيين الحدود التي يقف عندها مسلماً بإمكان كون غيرها مما لا يقدر على دركه. حيث يرى البعض قولاً بإبطال السببية وتعطيل المعرفة العلمية الدقيقة، ننبه ـ من جانبنا ـ على إمكان الاحتمال وفتح الباب أمامه. والاحتمال أساس المعرفة في العلوم الإنسانية والموجه فيها، لا، بل إن العلوم الدقيقة ـ في التطور الذي تشهده جوانب منها ـ تُحمل على التشكيك والمراجعة في اليقين المطلق الذي يكون مصدره الاستكانة إلى «سببية» مطلقة وصارمة.

والشيء نفسه نراه في القول بـ «العادة»، بديلاً عن الحتمية الصارمة، ولا شك أن أبواباً كثيرة قد أمكن فتحها أمام العلوم الإنسانية إذ مضت في سلوك هذا الطريق.

نحسب، أخيراً، أن «قراءتنا» قد أسلمتنا إلى إدراك أمرين اثنين غير يسيرين من حيث الدلالة والآثار البعيدة: الأمر الأول هو الانتباه إلى ما يحدث في «العلم الكلي» من تأسيس مزدوج لكل من العقل ومقامه ووظيفته، وكذا من تمكين العلوم الإسلامية من الأسس النظرية التي تكون في حاجة إليها. وأما الأمر الثاني فهو التنبيه إلى مكانة الصدارة التي تحتلها الفكرة السياسية في النظام المعرفي الأشعري وإلى حضور «السياسة» في البناء المعرفي، في لحظة التأسيس وإقامة الأركان، الأمر الذي يبدو من «الأشعرية» ممانعة في إقراره وتمويه وهروب (لاشعوري؟!) من الكشف عنه.

نقول ـ في كلمة أخيرة ـ إن: حسن قراءة الفكر الأشعري في العصر الكلاسيكي أو ـ بالأحرى ـ إعادة قراءته في ضوء المكتسبات المنهجية للعلوم الإنسانية اليوم، من شأنه أن يدل على الوسطية على الحقيقة تلك التي يكون فيها العقل سيداً وسلطاناً، يعصم من الوقوع في شَرَك السلبيات الروحانية أو الروحانيات الزائفة، دون أن يعصف به غرور الندية المتوهمة أمام النقل ومسلمات الشرع.

أخبار ذات صلة