الانعكاس الديموغرافي الكبير: مجتمعات الشيخوخة، تضاؤل التفاوت الاجتماعي، وانتعاش التضخم

ديموغرافيا.jpg

تشارلز جودهارت ومانونج برادهان

محمد السالمي

خلال العقود الثلاث الماضية، ارتقت الصين لتكون ضمن الكيانات الاقتصادية العظمى في العالم، وتجدر الإشارة إلى أن النجاح الصيني بُني على عوامل عدة، متمثلة في الخلفية الاجتماعية والثقافية والتاريخية، والإرادة السياسية، ووجود قوة عاملة مرنة ومختصة، تغذيها ضوابط رأس المال، والتطوير المستمر للبنية التحتية، واستيعاب المعرفة التكنولوجية الغربية، كل ذلك صبغها بالمثال الحي للعولمة. في المقابل، فإنَّ مساهمة الصين مستقبلا في النمو العالمي قد تتأثر مع تقلص السكان في سن العمل، وزيادة كبار السن.

 

يناقش كل من تشارلز ومانوج في كتابهما " الانعكاس الديموغرافي الكبير"، أن القوى الكامنة في الديموغرافيا والعولمة ستنعكس في المستقبل في ثلاثة اتجاهات عالمية تتمثل في شيخوخة السكان، وارتفاع التضخم  وانخفاض التفاوت الاجتماعي. ما يجادل به  المؤلفان هو أن القوة الدافعة الرئيسية وراء هذه الاتجاهات المضادة في العقود الأخيرة كانت مزيجًا من الديموغرافيا والعولمة. على وجه الخصوص، إدماج الصين وأوروبا الشرقية إلى النظام التجاري العالمي، أدى إلى طفرة هائلة في المعروض من العمالة المتاحة في العالم. ولكن مع انخفاض السكان وارتفاع نسبة كبار السن يؤدي إلى ضغوط تضخمية في المستقبل. كما يغطي المؤلفان العديد من العوامل الاجتماعية والسياسية، بالإضافة إلى العوامل الاقتصادية الكلية البحتة. كما يتناولان موضوعات تشمل الشيخوخة والتفاوت الاجتماعي والشعوبية والتقاعد وغيرها. 

وللتعريف بمولفي الكتاب، فتشارلز هو أستاذ في العلوم المالية والمصرفية في كلية لندن للاقتصاد، كما عمل كمستشار نقدي في بنك إنجلترا لمدة ١٧ عاماً. تتمحور أعمال تشارلز في الأسواق المالية والسياسة النقدية، وكذلك الاستقرار المالي.

أما مانوج برادهان فهو الرئيس التنفيذي لشركة Talking Heads، التي قام بتأسيسها في عام 2016. كما شغل سابقًا منصب العضو المنتدب في مورجان ستانلي.

 

لم تكن الزيادة في عرض العمل المتاح في الصين بسبب إدراجها في نظام التجارة العالمي فحسب، بل كانت أيضًا بسبب عاملين إضافيين رئيسيين، أولهما الهجرة الداخلية الهائلة من المقاطعات الداخلية الزراعية إلى المقاطعات الصناعية وكذلك إلى المراكز الحضرية في الصين والمتمثلة في المناطق الساحلية. أما العامل الثاني، فهو التغيير الهائل في نسب الإعالة،  ويرجع ذلك جزئيًا إلى  "سياسة الطفل الواحد" مما أدى إلى انخفاض حاد في معدلات المواليد، وكذلك إلى انخفاض نسبي في المعالين من الشباب، وتجاوزهم خلال هذه العقود القادمة يسهم في ارتفاع نسبة الشيخوخة. وبالمثل، فقد حدثت هذه التغيرات الديموغرافية في كل الاقتصادات المتقدمة تقريبًا نتيجة الانخفاض الحاد في نسبة الشباب خلال العقود القليلة الماضية. ويؤكد المؤلفان أن انخفاض نسبة المعالين من الشباب هو بحد ذاته عامل مضاد للتضخم. بعبارات بسيطة للغاية، يجب على العمال إنتاج سلع وخدمات ذات قيمة أكبر من أجورهم؛ وإلا فلن يكون من الاقتصادي توظيفهم.

أدى تحول وظائف المصنِّعين من الغرب إلى الشرق نتيجة توفر القوى العاملة ذات التكلفة المنخفضة، وكذلك تحول الإنتاج في الغرب من التصنيع إلى الخدمات، إلى ضعف كبير في القوة التفاوضية للعمال. أفرز هذا التحول  ارتفاعا كبيرا في الأجور في الشرق. حيث  أدى الارتفاع النسبي في الدخل الآسيوي وكذلك في أوروبا الشرقية إلى انخفاض كبير في التفاوت الاجتماعي العالمي، بينما  بدأ التفاوت داخل هذه البلدان بالارتفاع. في المقابل،  فإن أجور العمال غير المَهَرة في الغرب راكدة، في حين استمرت أجور العمالة الماهرة بالزيادة بشكل ملحوظ للغاية. ونتيجة لذلك، ارتفع مستوى التفاوت الاجتماعي بشكل كبير، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية.


يتطرق الكتاب أيضًا إلى شيخوخة السكان. حيث يتمثل أحد الجوانب غير السعيدة في ارتفاع متوسط ​​العمر في زيادة نسبة أولئك الذين يعانون من الأمراض المزمنة. ونظرًا لأن متوسط ​​الأعمار في ارتفاع متزايد، فإن النسبة المئوية للزيادة في إجمالي عدد السكان من كبار السن، ستنمو بشكل أسرع بكثير من بقية السكان، وستكون إعالتهم المتوقعة عبئا متزايدا على المعاشات التقاعدية، كما أن البحث والتشخيص والعلاج كلها تعاني من نقص التمويل، بالإضافة إلى حاجة كبار السن  للرعاية والدعم الطبي. 

ولكن  ماذا عن المستقبل؟  من أبرز التحديات المستقبلية التي تواجه الاقتصاديات الكبرى مثل ألمانيا والصين، ارتفاع نسبة الإعالة وانخفاض  عدد السكان وتراجع إنتاجية العمال . يشير المؤلفان، في حال استمرار المؤشرات الديموغرافية المذكورة فإن البدائل تنطوي على ضرائب أكبر، ورفاهية أقل، والمزيد من التضخم، أو التخلف عن السداد. لذلك، على سبيل المثال ، ستكون النتيجة المحتملة هي فرض ضرائب أعلى، خاصة على الأغنياء وشركات الكربون الضار. أما في سياق السياسة، شهدت العقود الأخيرة توافق الرؤى بين محافظي البنوك المركزية ووزراء المالية، حيث سمح الانخفاض المستمر في أسعار الفائدة الاسمية بأن تظل معدلات خدمة الدَّيْن مستقرة، بل وانخفضت بشكل طفيف. هذه الصداقة التكافلية تتجه نحو طلاق حاد، وبالتالي سيكون مستقبل الأهداف التضخمية أكثر صعوبة وإشكالية مما كان عليه في الماضي. وتعليلا على طرح الكتاب، صحيح أنه يعيد تقييما لديناميكيات التضخم، ويذكر الجمهور بأن تفسير التضخم عبر مزيج السياسة المالية والنقدية يعطي نتائج مضللة. ولكن سيحدد الوقت ما إذا كان تحليل المؤلفين قد أثبت صحة ذلك. 


يعيد الكتاب تقييم هذه التحولات الديموغرافية في سياقات أخرى من العالم. يطرح المؤلفان مثال اليابان حيث إنها كانت في طليعة التغيير الديموغرافي المذكور آنفاً والمتمثلة في ارتفاع نسبة المتقاعدين، وانخفاض عدد السكان في سن العمل، ولكنها لم تنعكس على التضخم أو التفاوت الاجتماعي. ولكن هناك عددًا من العوامل التي يجب مراعاتها فيما يتعلق باليابان. أولاً ، كانت الإنتاجية لكل عامل في اليابان أفضل بكثير من أي دولة أخرى تقريبًا. ثانيًا، حدثت الشيخوخة المبكرة للقوى العاملة اليابانية تزامنا مع وجود العمالة بوفرة عالمياً. استفادت الشركات اليابانية من ذلك عبر نقل إنتاجها من السلع وبعض الخدمات إلى الخارج، وتمكينها من الحفاظ على تنافسيتها وتقليل القوى العاملة في اليابان بشكل حاد للغاية، لذلك انتقلت القوى العاملة في اليابان بشكل كبير إلى قطاع الخدمات. ثالثًا، إن الروح السائدة في اليابان عند مواجهة انخفاض في الطلب لا تتمثل في خفض العمالة، ولكن تقليل ساعات العمل. 

كما يذكر المؤلفان بعض العوامل التي قد تفضي بتخفيف الضغوط التضخمية من خلال تحويل الإنتاج إلى إفريقيا والهند حيث أن عدد السكان يتزايد بوتيرة سريعة. من جهة أخرى، إن الكيفية التي سيتعامل بها العالم مع إفريقيا خلال العقود القادمة هو سؤال كبير حقًا. وتبرز تحديات عدة تكمن في مشكلة كفاءة وقدرة الحكم والإدارة التكنولوجية المحسنة. وبالتالي يشكك الكتاب في تقليل الضغوط التضخمية والقدرة على موازنة الاتجاهات الديموغرافية والعولمة المعاكسة الحالية.

أما من جانب التفاوت الاجتماعي وظهور الشعبوية، فيناقش الكتاب أنه بعد قرنين من التفاوت العالمي المتزايد، أدى النمو المتسارع في آسيا مقارنة بالغرب إلى تراجع هذا التفاوت. في المقابل، ازداد التفاوت الاجتماعي داخل البلدان بشكل عام. تتوزع المسؤولية عن هذا التفاوت، في التكنولوجيا، وتزايد قوة الاحتكار، والزيادة في عرض العمالة بسبب العولمة والديموغرافيا. ربما كان المرء يتوقع أن يفيد هذا التفاوت المتزايد داخل البلد الأحزاب السياسية ذات الميول اليسارية، وهذا ما حدث في أمريكا اللاتينية. أما في أمريكا الشمالية وأوروبا فقد أدى ذلك إلى زيادة الدعم للأحزاب اليمينية الشعبوية. ويعزا هذا إلى حد كبير إلى نفور الجمهور من الهجرة. ويجدر القول أن الهجرة هي قضية تقسم بشدة آراء خبراء الاقتصاد، من الذين يرحبون بها بشكل أساسي ، والذين يريدون تقييدها.

يتساءل المؤلفان حول مقدرة البنوك المركزية في تحقيق هدف التضخم الخاص بها، ففي ظل الظروف العادية، سيؤدي بها إلى رفع أسعار الفائدة. ولكن المشكلة تكمن  في نسب الديون في كلا القطاعين العام والخاص، ففي معظم البلدان هي مرتفعة للغاية لدرجة أن أي ارتفاع كبير في أسعار الفائدة من المرجح أن يعيد تلك الاقتصادات إلى الركود، مما سيجعل كل شيء أسوأ. ستؤدي المخاوف بشأن تأثيرات ارتفاع أسعار الفائدة في ظل هذه الظروف إلى ضغوط سياسية على البنوك المركزية للسماح بالتضخم الذي يتجاوز بشكل كبير المستويات المستهدفة الحالية .

 

في الختام، إن التحدي الذي يواجه صانعي السياسات يتمثل في جمع الأموال لتمويل احتياجات الرعاية الصحية للسكان المسنين المتزايدين. تشير المشكلة إلى أن الزيادات الضريبية ربما تكون الحل الوحيد، وقد تتعدى لتشمل زيادة ضريبة الدخل، والتغييرات في سياسات ضرائب الشركات، وإلى الزيادات في الضرائب على الممتلكات. يقود النفور السياسي زيادة الضرائب إلى استنتاج أنها ستؤدي إلى تضخم أعلى، وسياسة نقدية أكثر صرامة، واحتمال فقدان استقلالية البنك المركزي. في حين أن الآفاق مخيفة، فإن البحث والتحليل المدروس يوفران للقارئ نافذة ثاقبة في مشاكل السياسات التي تواجه الاقتصادات النامية والناشئة على حد سواء في مواجه المستقبل.

هذا الكتاب هو مراجعة حديثة حول تأثيرات الديموغرافيا على الاقتصاد الكلي، والتدابير الممكنة لمكافحة التضخم، وعيوب الضرائب، والعديد من الأشياء الأخرى. لسوء الحظ، يتبع المؤلفان التحليل المبسط مما ينتج عن ذلك رؤية مشوهة للغاية. 

على سبيل المثال، يذكر الكتاب أمثلة  إذا لم يتغير معدل المشاركة، إذا لم تتغير عادات الاستهلاك، إذا ظل النظام النقدي دون تغيير، إذا لم تكن هناك صراعات أو كوارث كبيرة، إذا كانت التدفقات التجارية الدولية لا تتغير، ولذلك مع  الكثير من الشروط تكون هناك علاقة سبب مقابل نتيجة، ولكن العالم أعقد من ذلك بكثير. 

قدم لنا تشارلز جودهارت ومانونج برادهان جولة قوية مفصّلة بشكل مثير للإعجاب ومدروسة بدقة للقوى الديموغرافية التي أثرت على تطور الاقتصاد العالمي وعلاقاتها المتبادلة على مدار العقود الماضية. وكيف أثرت هذه التطورات الديموغرافية على التضخم والعمالة ونمو الناتج المحلي الإجمالي على مدى المتوسط والطويل. كتاب "الانعكاس الديموغرافي الكبير" يجب أن يقرأه كل شخص لديه اهتمام بما يتجه إليه الاقتصاد العالمي. هو كتاب رائع، ولا داعي لأن تكون خبيرًا اقتصاديًا للاستمتاع به. حاز الكتاب على استحسان القراء والنقاد وتم تصنيفه ضمن أفضل الكتب الاقتصادية لعام ٢٠٢٠م. 

 

تفاصيل الكتاب:

الكتاب: الانعكاس الديموغرافي الكبير: مجتمعات الشيخوخة ، تضاؤل التفاوت الاجتماعي، وانتعاش التضخم

المؤلفان: Charles Goodhart and Manoj Pradhan

الناشر:  Palgrave Macmillan

سنة النشر: 2020

عدد الصفحات: 280 

اللغة:  الإنجليزية