من مآثر علم الكلام الإباضي بشمال إفريقيا: نظرة إجمالية

مآثر علم الكلام الإباضي.png

محمد الشيخ | أستاذ فكر الأنوار والحداثة والفلسفة السياسية والدينية، جامعة الحسن الثاني، المغرب


لا شكَّ عندي أن علم الكلام الإباضي ظُلم بظلم مزدوج: فمن جهة أولى: قد عانى ما عاناه علم الكلام بعامة داخل فضاء الفكر الإسلامي من بعض إهمالٍ ما طال تحقيق نصوصه فحسب؛ وإنما تعدى ذلك ليمتد إلى أن ينال أيضاً من درسها كما ينبغي ومع من ينبغي أن تُتدارس معه من أهل الاختصاص النادرين. ومن جهة ثانية، فإنه حتى داخل فضاء العلوم الإسلامية، التي اجتهد الإباضيون في التدوين فيها، ما حظي علم الكلام بالاهتمام من لدنهم إلا بالنزر اليسير.

ولعل من بين أسباب ذلك تشدد بعض علماء الإباضية ـ شأنهم في ذلك شأن العديد من علماء أهل السُّنَّة ـ في أمر الاطلاع على كتب المخالفين في الملة والمذهب؛ إذ ثبت في علم الاجتماع الديني أن ما من جماعة دينية إلا ولها أورثدوكسيوها (عقديوها)، ويكفي أن ننبه ههنا إلى مثالين دالين بهذا الشأن: الأول: هو مثال الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف النفطي القابسي (ت: 471هـ/1079م)، وهو من علماء القرن الخامس الهجري، فقد كان الرجل «شديداً» على من يقرأ كتب المخالفين ممن لم ترسخ قدمه في العلم مخافة الفتنة والاختلاف. ولئن كان قد قيد عدم الاطلاع على كتب المخالفين ـ وهو شرط من شروط إنشاء علم الكلام؛ إذ لا جدل ديني كلامي (لاهوتي) من غير معرفة بكتب المجادَلين ـ بعدم الرسوخ في العلم؛ فإن البادي أن المثال الثاني وهو الشيخ عبد الله بن عيسى الوسياني قد أطلقه ـ وكان للشيخ الأول معاصراً ـ حيث كان بدوره «شديداً» على من يقرأ كتب أهل الخلاف، هكذا بإطلاق؛ مهابة الاختلاف.

ثم إنه اشتهر عن علم الكلام أيضاً صعوبته على متعلمه ووعورة مأخذه، حتى أن الشيخ ماكسن بن الخير (ت: 491هـ/1097م) حكى عن فترة تعلمه فقال: «لما توجهت إلى جربة برسم الطلب، جزت على الشيخ أبي محمد [عبد الله بن مانوج]، واستشرته بأي فن أبتدئ؛ بالكلام أم بالفروع؟ قال: اقرأ الجميع، قلت: فإن قصر فهمي؟ قال: فدونك علم الفروع».

ولهذه الأسباب السالفة الذكر ولغيرها أخرى يعسر حصرها في هذا المقام؛ فإن من شأن المتفحص في الفهارس التي أفردت للمؤلفات الإباضية في سائر العلوم الإسلامية ـ من فقه وأصول وحديث وكلام وتصوف وسواها، وذلك أنظار «رسالة في كتب الإباضية» للبرادي و «مقالة في كثرة كتب الإباضية» للسالمي وغيرها من المدونات ـ أن تسترعي انتباهه الوفرة النسبية من المؤلفات التي أفردت للفقه وما يجري مجراه، وذلك تلقاء القلة البينة للأعمال التي خصصت للكلام والتصوف. يكفي أن ندلل على ذلك بالإشارة إلى أنه من ضمن ما يقارب التسعين كتاباً من مؤلفات الإباضية، التي يشير إليها البرادي، لا تتعدى الكتب في الكلام الصِّرف العشرة. كما يكفيه استدلالاً على ذلك الاطلاع على مسارد كتب الإباضية الواردة في أشهر تراجم إباضية شمال إفريقيا ومعاجم المصادر الإباضية؛ لكي يقف بنفسه على ندرتها الندرة.

ومن أمر الناظر في الدراسات الحديثة التي أفردت للفكر الإباضي بشمال إفريقيا أن يلحظ الفراغ النسبي للدراسات الكلامية. يكفي أن نلقي ـ بهذا الشأن ـ نظرة على نظير لتلك الببليوغرافيا، التي أفردتها جمعية التراث بغرداية إلى ما كتب عن المجتمع والفكر الإباضيين بشمال إفريقيا حتى عام 1989 ، لنلمس أن أغلب الكتب والمنوغرافيات والمقالات التي دارت على الشأن الفكري والحياتي الإباضي؛ إنما ركزت على الجوانب الجغرافية والرحلية والتاريخية والاجتماعية، وأهملت ـ بالتلقاء ـ المؤلفات الكلامية والعقدية (التوحيدية)؛ اللهم باستثناء بعض الحالات النادرة التي لا تتعدى أصابع اليد الواحدة من بين ما يقارب المائتي دراسة وبحث.

على أنه يلزم تقييد هذه الملاحظة بذكر أمرين اثنين:

بدءًا؛ منذ أمد ليس باليسير كان قد لاحظ بعض خصوم الإباضية أن أهل هذا المذهب كانوا ـ من حيث التأليف ـ مقلين غير مكثرين، بل ومن أكثر فرق ومذاهب الإسلام إقلالاً في التأليف؛ مما اضطر معه العلامة الإباضي نور الدين السالمي إلى تدبيج مقالة «في كثرة كتب الإباضية» للرد على هذا الادعاء، كان مما ورد في مستفتحها ـ على وجه الخصوص ـ بسطه للادعاء تمهيداً لدحضه: «قد بلغني أن بعض المخالفين يطعن في المذهب بقلة الكتب في زعمه». والحق أن ما كان قد فات أصحاب هذا الزعم هو ما ينبغي أن ننبه عليه ههنا، وهو: أولاً: ما تعرضت إليه كتب الإباضية من إتلاف؛ ويكفي أن نذكّر هنا بحرق مكتبة الرستميين في تاهرت من لدن أبي عبد الله الشيعي ـ الحجاني ـ داعية العبيديين، وذلك لما دخلها عنوة عام 296هـ، وما ضاع فيها من نفائس كتب الإباضية في مختلف مجالات العلوم الإسلامية. ونظير هذه الفعلة ما كان قد فعله بالمشرق خردلة بن سماعة؛ فإنه لما قتل الشيخ ابن النظر أحرق خزانة كتبه. ثانياً: اضطرار أهل الإباضية إلى التواري والتخفي عن خصومهم من أصحاب السلطة، وقديما كان قال ابن النديم في الفهرست، رواية عن محمد بن إسحاق: «الرؤساء من هؤلاء القوم [يعني: الإباضية] كثير، وليس جميعهم صنف الكتب، ولعل من لا نعرف له كتاباً قد صنف ولم يصل إلينا؛ لأن كتبهم مستورة محفوظة». ثالثاً: ـ وهذه ظاهرة تخص ولا تعم ـ ما أصاب كتب الأقدمين مما سماه السالمي «استيلاء الزمان على غالبها»، فما كان أشد هشاشة من كتاب أدنى شيء قد يفسده، هذا إن لم يتلفه، لا سيما إن كان الكتاب متهما وصاحبه مطارداً.

تثنية: إن العقود القليلة الماضية شهدت على استدراك ولو جزئياً على ما فرط؛ وذلك بإيلاء العناية إلى الجوانب الكلامية في فكر إباضية شمال إفريقيا. وعلى مستوى الكتابات العربية المعاصرة، فإنه منذ بحث عمار الطالبي في فكر أبي عمار الكافي والنسق الكلامي ومقالته عن الاتجاه الكلامي عند الإباضية بالغرب الإسلامي تواترت الدراسات حول الفكر الكلامي الإباضي، على نحو بحوث المستشرق بيير كوبرلي بدءًا من نشره لعقيدة أبي زكريا يحيى الجناوي المسماة «عقيدة نفوسة» (1980 - 1981) ودراسات كل من مصطفى باجو ودليلة خبزي وغيرهما لفكري الوارجلاني وعبد الكافي الكلامي. هذا إن نحن لم نرد الإتيان على ذكر جهود علي يحيى معمر وعمرو خليفة النامي وفرحات الجعبيري ومحمد صالح نصر وسعود مزهودي وصالح بو سعيد وغيرهم، وإن كانوا لم يفردوا كلاميات الإباضية بمؤلفات مخصوصة.

وبعد؛ فإن هذه المقالة تبتغي التعريف بمنزلة علم الكلام الإباضي في شمال إفريقيا من العلوم الإسلامية التي ألَّف فيها إباضيو هذه الديار، والوقوف عند ملامحه الأساسية، مستدلة على هذه المكانة وهذه الملامح بعملين لأحد أبرز علماء كلام إباضيين: مصنف «الموجز» لأبي عمار عبد الكاف، ومؤلَّف «الدليل والبرهان» لأبي يعقوب الوارجلاني، منتهية إلى بيان مآل علم الكلام بعد هذين العلمين الذين يعدان ـ بحق ـ علامة فارقة في تاريخ علم الكلام الإباضي بشمال إفريقيا.

 

– I –

اللمع في علم الكلام الإباضي بشمال إفريقيا ومنزلته بين العلوم الشرعية عهد ما قبل أبي عمار عبد الكافي وأبي يعقوب الوارجلاني

ـ معالم ومآثر ـ

لا غرو عندي أن الملاحظ المتتبع لكتب التراجم والسير التي أفردت للحديث عن مناقب علماء الإباضية وشيوخها وأئمتها بشمال إفريقيا ـ على قلتها ـ يلفي أنها اهتمت ـ بالدرجة الأولى ـ بالجوانب السياسية والفقهية والسيرية للإباضية. على أن القضايا العقدية والتوحيدية والكلامية ما كانت غائبة بالتمام والكمال عن ذكرها، وإنما كانت تشير إليها بين الفينة والأخرى، وإن كان يتم ذلك على نحو متفرق مشتت وفي تضاعيف متون هذه السير وثناياها. وعادة ما كان يرد الحديث عن «الفقه»، عند أوائل إباضية شمال إفريقيا، موصولاً بالفتوى، وعن «التفقه في الدين» مرسلاً حيث يعم ولا يخص، وقد تنضوي ضمنه الأمور العقدية والكلامية والتوحيدية التي آثر العديد من مصنفي الإباضية ضمها تحت مسمى «أصول الديانات» تارة و «التوحيد» طوراً و «العقائد» طوراً آخر، وكلها تنويعات على علم الكلام. وكم من عالم إباضي دوّن «عقيدته» أو ما عدَّه «العقيدة» بعامة، وكم منهم نظمها في أبيات نظماً، وفي كل طور من الأطوار التي تقلب فيها الفكر الإباضي حدث أن تم تقرير «عقيدة» للطلاب يتعلمونها. وقد ظل الحال على ما هو عليه إلى أن استقل إباضيو شمال إفريقيا بوضع الكتب المخصوصة في علم الكلام وضعاً.

والحال أن ثمة طرقاً عدة للتمييز في تاريخ الفكر الكلامي لدى إباضية شمال إفريقيا بين فترات، وذلك بوصفها معالم يُستعرَف بها على الأطوار التي تقلب فيها هذا الفكر ويُستعلم: إما بحسب القرون، أو بحسب الطبقات، أو بحسب تعاقب الدول والإمارات، أو حتى بحسب الطريقة التي أوحى لنا بها الوارجلاني لما ميز ـ تمييزاً عفوياً ـ بين طريق الدعوة لدى «الأئمة المتقدمين» و «طريقة المتأخرين من أهل الدعوة»؛ لكن لما كان علم الكلام الإباضي ـ كما سوف نقف على ذلك فيما بعد ـ قد اتسم بكونه ـ على الوجه الأعم ـ علم كلامِ مَنْفَى وعلم كلامِ أقليةٍ وعلم كلام كتمانٍ مضنوناً به على غير أهله؛ فإننا ألزمنا أنفسنا الأخذ بالواقع الاجتماعي والسياسي الذي انساق في سياقه هذا العلم، فكان أن ارتأينا أن نميز فيه بين «زمن الظهور» (عهد الدولة الرستمية التي دامت زهاء قرن ونصف من الزمن ـ من تولي عبد الرحمٰن بن رستم الحكم بعاصمة الحكم تاهرت عام 160 أو 162هـ إلى تدميرها عام 296هـ)، من الطبقة الأولى إلى حدود الطبقة الخامسة بحسب تحقيب الدرجيني ـ إلى «زمن العودة إلى الكمون» (ما بعد الطبقة الخامسة إلى حدود الفترة التي تهمنا (فترة أبي عمار عبد الكافي وأبي يعقوب الوارجلاني)، وذلك بعد الكمون الأول وبعد اندثار أول دولة إباضية أُنشئت بشمال إفريقيا. على أن هذا التقسيم ليس يعني بروزاً لعلم الكلام بدءًا، فضموره تثنية؛ وإنما يساوق الواقع السياسي للدعوة والإمامة الإباضية ما بين فلاحها في الظهور وتأسيس الدولة (الرستمية) واضطرارها إلى التخفي والكتمان. على أننا نزعم أن علم الكلام الإباضي في شمال إفريقيا ازدهر في عهد الكمون السياسي أكثر من ازدهاره في عهد الظهور القصير.

1 ــ علم الكلام الإباضي بشمال إفريقيا: عهد الظهور

من المعلوم في أدبيات الأنتربولوجيا التاريخية أن ما من طائفة من طوائف قوم ـ مهما كانوا وأنى وجدوا ـ إلا ولها ضرب من «الأسطورة المؤسسة لبدايتها»، تتوارثه أجيالها المتعاقبة بالتواتر، وما كانت إباضية شمال إفريقيا لتشذ عن هذه القاعدة أو لتشكل استثناء؛ إذ تواردت الأخبار وتواترت عن «الجماعة الأولى» المؤسسة للإباضية ـ «الخمسة نفر» أو «الخمسة الميامين» أو «النفر الخمسة» أو «حملة العلم الخمسة» أو «النفر الخمسة الحملة للعلم» أو «الرهط الناهضين من عنده [مسلم بن أبي كريمة] إلى جهة المغرب» ـ وهم على التوالي: أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، وعبد الرحمٰن بن رستم الفارسي، وعاصم السدراتي، وإسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو داود القبلي. على أنه ما كان بالإمكان التمييز بين القضايا «الكلامية» التي تعلمها هؤلاء في المشرق على يد شيخهم والمسائل «الفقهية»، فضلاً عن «أدلوجة» الدعوة، التي أخذوها عنه والتي يبدو أنها كانت الأغلب.

والحال أنه ما كان شيخهم هذا الذي يعد بمثابة شيخ إباضية شمال إفريقيا ـ على الوجه الأعم ـ إلا أبا عبيدة مسلم بن كريمة (ت: 145هـ/762م). وكأني بهذا الإمام ـ فضلاً عن الأثر البين لجابر بن زيد الأزدي (ت: 93هـ/711م) ـ قد خرج من جبته علم الكلام الإباضي بشمال إفريقيا. على أن بداية علم الكلام الإباضي بشمال إفريقيا انطبعت بطبيعة اهتمامات الإمام، وقد اهتم أكثر ما اهتم من العلوم الإسلامية بالأحاديث وترتيبها وبالفتوى وبالفقه، وتخرج على يديه ـ ممن تخرج من علماء الإباضية الأولى ـ فقهاء في المعاملات والأحكام؛ إلا أنه يحق القول أيضاً: إنه ما كان ليذهل الذهول أكمله عن مسائل علم الكلام؛ شأن مسألة «القدر» و «الاستطاعة» التي تكلم فيها وإن عن ضرب من الاستثقال والاستكراه، هذا فضلاً عن مسألة «الإيمان والكفر»؛ بل تنسب إليه إحدى أقدم المواجهات الجدلية بين الإباضية والمعتزلة في مجابهة له مدعاة مع واصل بن عطاء حول مسائل كلامية، ولعله لهذا السبب كانت تقل الإشارات إلى علم الكلام في كتب تراجم القوم الأُوَل.

لعل من أقدم متكلمي إباضيي شمال إفريقيا الخلص الذين ألَّفوا في العقيدة ـ ممن أشار إليهم الشماخي وغيره في سيرهم التي أفردوها لأئمة وعلماء الإباضية ـ عيسى بن علقمة المصري (الطبقة 3: 100 - 150هـ/718 - 767م)، وذلك لما أثنى عليه ثناء، فقال: «وهو من متكلمي الإباضية وحذاق علمائها». ثم ما لبث أن أورد رأي الشيخ أبي عمار عبد الكافي فيه والذاهب فيه القول: «إن مثل عيسى لمن حذاق متكلمي هذه الدعوة المباركة فيما بلغنا عنه». وكان من آرائه الكلامية ـ التي أوردها أبو عمار، ونقلها عنه غيره من مؤلفي السِّير ـ أن أسماء الله مخلوقة، وأن صفاته محدثة. هذا مثلما نسب هو إليه كتاب «التوحيد الكبير»، وأثنى على آرائه الكلامية بوسمها كانت مقنعة بما فيه الكفاية.

ثم إنه تنبغي الإشارة إلى أن من إباضيي جبل نفوسة من الطبقة الرابعة (150 - 200هـ) الذين حفظتهم لنا كتب التراجم: مهدي النفوسي الويغوي (ت: 196هـ/811م)، وقد قيل عن الرجل: إنه كان هو «المقدم في علم الجدال، الذي له اليد العليا في البرهان والاستدلال، القامع كل ملحد ومحيد، والناصر كل مجد مجيد»، وقد حدث أن انتدب هو لمناظرة المعتزلة بتاهرت، وله كتاب بالبربرية في الرد على الفرقة النفاثية وزعيمها. هذا فضلاً عن المتكلم الإباضي لواب بن سلام التوزري المزاتي (ت: بعد 273هـ/887م) الذي يذكره الوارجلاني في دليله، ويورد له مسائل في علم الكلام، كما يذكر أن من بين مؤلفاته: «كتاب بدء الإسلام وشرائع الدين».

ومنهم: الخليفة محمد بن أفلح (حكم ما بين 261 - 281هـ/874 - 894م) ـ أبو اليقظان ـ الذي ذكر أن: «له في الرد على المخالفين كتباً كثيرة»، وذكر له البرادي «رسالة إلى المسلمين في الرد على من لا يقول بخلق القرآن»، ومما ذُكر عنه أيضا أنه: «ألّف كتباً كثيرة، ووضع في الاستطاعة أربعين كتاباً وحدها»، وقد كان أبو زكرياء ـ صاحب كتاب السيرة وأخبار الأئمة ـ قد ذكر عن أبيه أفلح أنه قعد عليه قبل بلوغ الحلم ثلاث حلق يتعلمون فنون العلوم من الكلام واللغة والفقه....

ومن متكلمي الإباضية الأوائل بشمال إفريقيا ممن عاش في أوائل القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي: عبد الخالق الفزاني الذي يقال: إنه وضع كتابين معروفين في علم الكلام. وقد ذكر أبو العباس الدرجيني عن عمروس بن فتح المساكيني (ت: 283هـ/896م) أنه «كانت له مصنفات في الفروع والعقائد». ويذكر عن عمروس هذا أنه هو من بَعثَ إليه بعضُ الأشياخ من المتكلمين من أهل فزان أن يؤلف له كتاباً في الأصول [وعادة ما تعني «الأصول» عند الشماخي: علم الكلام بإقراره هو نفسه]، وكتب إليه رسالة بذلك، فلما رآه الفزاني ـ وهو الذي وضع الكتابين المعروفين في أصول الكلام ـ قال: النفوسي أقوى مني، والذي يبدو أن هذا الكتاب هو كتاب «الدينونة الصافية».

ثم إنه في قلب خصوم الإباضية وجد هناك من ينافح على المذهب الإباضي ويناظر، وهو الشيخ العنبري، الذي ذكر أنه كان من المناظرين عن الإباضية والمناضلين ضد فرق الخلاف، وكانت له مع علماء الأغالبة مناظرات بمحضر الأمير الأغلبي زياد الأول. وكان العلّامة أبو عبيدة بن الأعرج (ق: 3هـ) إذا اختلفوا في مسألة في الكلام والفقه صدروا عن رأيه، وكان الرجل عالماً بالكلام والفقه والنحو والوثائق.

ومن علماء القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي أيضاً الذين اهتموا بعلم الكلام والمناظرة، والذين استدعاهم الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمٰن بن رستم (حكم ما بين 171 - 208هـ/787 - 823م) من نفوسة إلى تاهرت لمناظرة الواصلية المعتزلة: أبو الحسن الأبدلاني. ومنهم: محمد بن يانس الدركلي النفوسي (ط 5: 200 - 250هـ) الذي رشحته نفوسة لمواجهة الواصلية المعتزلة بتاهرت، وذلك لما طلب الإمام الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمٰن المدد العلمي والعسكري منها. ومن علماء الإباضية الذين كانت لهم عناية بالعقائد والكلام والمناظرات ـ فضلاً عن هؤلاء الذين ذكرناهم ـ سعيد الحدائي (كان حياً عام 275هـ)، الذي يذكره الوارجلاني في مواضع من دليله، وكان الرجل قد اشتهر بمناظراته مع علماء عصره في علم الكلام والسياسة. ومن علمائهم في هذا القرن كذلك: عبد الله بن يزيد الفزازي، ذكر أن له كتاباً في علم الكلام، هو كتاب «الرد على الروافض». وقد ظهرت رسائل وكتب للفزازي تغيّر من أفكارنا بشأن تطورات علم الكلام لدى الإباضية. ويعمل عليه في السنوات الأخيرة الأستاذان مادلونغ وعبد الرحمٰن السالمي.

فإذا ما نحن انتقلنا إلى علماء أواخر القرن الثالث الهجري، عثرنا على يسجا بن يوجين الذي أقنع العديد من نكارية جربة بالتحول إلى المذهب العقدي الوهبي، وكم لاقى منهم من الأذى وصبر وكتم، وقد ورد في ترجمة عبد الله اللمطي (أواخر القرن 3هـ/9م) وابنه ما يلي: «وكان الشيخان غاية في علم الكلام، وكانا يردان على الفرق، وينقضان مقالات المبتدعة، وألَّفا كتباً في ذلك». فكان الأب عبد الله اللمطي الهواري قد اشتهر بالجدل والمناظرة، وكان غاية في علم الكلام، وقد ألف في الرد على الفرق، وأبدع في مناظرة المعتزلة الواصلية، وحاول الموافقة بين ما شجر بين أئمة الإباضية في العهد الرستمي.

وبالجملة، فإنه في عهد دولة الرستميين ـ وهي الدولة الأولى التي أفلحت الإباضية في إقامتها بشمال إفريقيا ـ بدأ علم الكلام يحتل شيئاً فشيئاً مكانته بين العلوم الإسلامية في هذه الدولة وما كان بالمنتبذ. وقد كتب أبو زكرياء يقول مشيراً إلى مكانة هذا العلم بين القوم: «وكان بيت الرستميين بيت العلم في جميع فنونه، ومن الأصول والفقه والتفاسير، وفنون الرد على المخالفين، وعلم اختلاف الناس، وعلم النحو واللغة والإعراب والفصاحة، وعلم النجوم». وكان ابن الصغير قد ذكر رجلاً من العرب يعرف بمحمود بن بكر قال فيه: «وكان مدارهم [يعني الإباضية] الذي يذب عن بيضتهم ويدافع عن دينهم، ويرد على الفرق في مقالاتهم، ويؤلف الكتب في الرد على مخالفهم»، ولطالما جرت المناظرات بينهم وبين المعتزلة. وما زال هذا العلم يتقدم في طلب المنزلة من العلوم الإسلامية، من حيث المتعاطين له، حتى ذكر الشماخي ـ لربما بشيء من المبالغة غير يسير، في معرض ترجمته لأبي المنيب محمد بن يانس (ط5: 200 - 250هـ/ 815 - 864م) ـ أنه لما أرادت الإباضية مناظرة ومقاتلة فرقة الواصلية، كان طلب أمير الإباضية أن يبعث إليه بمائة ممن يقومون بعلم الكلام، وفي ذلك لا محالة مبالغة عظيمة وإرادة تهويل، فكان أن كفوا أمر مناظرة المعتزلة في إفحامهم بأربعة وحسب!

2 ــ علم الكلام الإباضي في عهد الكتمان

مضت الدولة الرستمية إلى حال سبيلها مضياً تراجيدياً، وما صارت سوى ذكرى حنين ماضٍ وعصر ذهبي لطالما حن إليه متأخرو الإباضية، ولكن علم الكلام الإباضي كان قد ترسخ. وهكذا، فإنه في أوائل القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي نجد جنونا بن يمريان اليهراسني ينهض بآراء في العقيدة، مثلما نعثر على سعيد بن زنغيل الذي كان مما برع فيه فنون الجدل والرد على المخالفين، ولا سيما مناظراته للمعتزلة وللنكارية، وقد ذكر له البرادي كتاباً في العقيدة. كما نعثر على يغلا بن زلتاف الوسياني (أبو خزر) (ت: 380هـ/990م) الذي برع في علم الكلام وانفرد فيه بآراء متميزة، وترك تأليفاً هو: «الرد على جميع المخالفين». ولا يفوتنا أن نذكر سحنون بن أيوب (ط 7: 300 - 350هـ/912 - 961م) وقد وصف بأنه عالم متكلم بارع.

ومن علماء القرن الذي يليه أبو الربيع سليمان بن يخلف النفطي القابسي (ت: 471هـ/1079م) الذي ينسب إليه كتاب السؤالات في العقيدة، فضلاً عن كتاب له في علم الكلام وفي أصول الفقه، إلا أنه كان شديداً على من يقرأ كتب المخالفين ممن لم ترسخ قدمه في العلم، وذلك مخافة منه من الفتنة ومن الفرقة. ومنهم: عبد الله بن محمد السدراتي الذي ذكره الوسياني، فقال: «كان عالماً متكلماً». ومنهم: محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (345 - 440هـ/956 - 1049م) الذي أسكت فتنة فرقة السكاكية، وأقنع سكان إحدى القرى بالتحول عن الاعتزال إلى الإباضية. ومن بينهم أيضاً: أبو زكرياء ـ صاحب كتاب السيرة وأخبار الأئمة ـ الذي يذكر أن له أجوبة وفتاوى في علم الكلام. ومن علماء كلام الطبقة السابعة (300 - 350هـ/912 - 961م)، فضلاً عمن ذكروا، إبراهيم بن ملال المطكودي المزاتي، وهو الذي ذكر الشيخ أبو عمار عبد الكافي أن «مسألة الإنسان» إنما كان هو من أضافها إلى كتاب الجهالات في العقيدة والكلام. ومن علماء القرن الخامس الهجري أيضاً علي بن أبي علي الياجري الذي ذكر عنه الوارجلاني مسائل كلامية وأصولية، هذا بالإضافة إلى محمد بن أبي خالد (النصف الثاني ق: 5هـ/11م) الذي ذكرت كتب السِّير أنه ألف اثني عشر كتاباً في الرد على النكار.

وهكذا، فإننا قبيل زمن الشيخين أبي عمار عبد الكافي وأبي يعقوب الوارجلاني (الطبقة الثانية عشر: 550 - 600هـ)، نعثر على طائفة من علماء الإباضية ومتكلميها. وذلك نظير أبي بكر بن يحيى الزواغي النميلي (قتل: 431هـ/1093م) وقد استقل بآراء في العقيدة وفي السياسة الشرعية، وتوزين بن موليه المزاتي الزواغي (ط 10: 450 - 500هـ) وكان عالماً متكلماً حفظت عنه مسائل في العقيدة وردت في كتاب السؤالات، وسعيد بن ثينا الدجمي المزاتي الذي حفظت له مسائل في العقيدة رواها كذلك صاحب السؤالات أبو عمرو السوفي، وأحمد بن محمد الفرسطائي النفوسي (ت: 504هـ/1111م)، وقد ألف الرجل في مسائل كلامية شأن «تبيين أفعال العباد»، وفي أمور توحيدية نظير «مما لا يسع الناس جهله»، وقد وقف عليه الوارجلاني وقفات في الدليل والبرهان. كما نعثر على عالمهم تبغورين بن عيسى الملشوطي الذي لطالما نسب إليه «كتاب الجهالات» العقدي، مثلما أن له كتاباً في أصول الدين يعرف باسم «عقيدة تبغورين». هذا مثلما نعثر على صنادي بن محمد السدراتي وقد اهتم بعلم الكلام. ونعثر على الشيخ زرقان (قبل ق: 6هـ/10م) الذي يذكره الوارجلاني في دليله، كما يذكر أن له مؤلفاً في التوحيد، ويذكر ابن خليفة السوفي مسائل له في التوحيد والعقيدة. وذلك مثلما وجب التنبيه على مرصوكسن الصاويني (ق: 6هـ) الذي كان عالماً بالكلام وراوياً للمسائل العقدية في كتاب السؤالات. والأمر عينه يقال بالإضافة إلى أبي مسعود اليهراسني الذي كان متكلماً عالماً بالأصول، له روايات ومسائل في كتاب السؤال ومراسلات مع أبي عمار عبد الكافي.

وهذا يصل بنا إلى الطبقة الثانية عشر (550 - 600هـ). وهي التي نجد فيها أبا عمار عبد الكافي وأبا يعقوب الوارجلاني بحسب تصنيف الدرجيني لطبقات العلماء. وهذان هما قمتا الفكر الكلامي الإباضي بشمال إفريقيا. وقد كانا من الأهمية بمكان بحيث أفردنا لهما بحثاً مستقلاً. وفي هذه الفترة نعثر على الشيخ حنيني بن القاسم الذي كان معاصراً لهما والذي ذكر عنه الشماخي أنه «تعلم العلم والكلام وعلمهما»، وقد أشار إليه الوارجلاني في الدليل. كما نعثر على سليمان بن علي النفطي الدرجيني (النصف الثاني من ق: 6هـ/12م) الذي يذكر أنه ترك كتاباً في علم الكلام من مجلدين. وعلى سليمان بن إسحاق الذي عاصر أبا عمار عبد الكافي وأبا يعقوب الوارجلاني، وكان من الشيوخ المتكلمين، وقد روى عنه الأول مسائل في العقيدة. وعلى عثمان بن خليفة السوفي المارغني الذي يروى أنه تميز بمقدرته الجدلية على الدفاع عن المذهب، بل وفي رد من تولى عنه إليه، وقد قال عنه الشماخي: «كان إماماً في العلوم لا سيما في الكلام»، وقد ترك الرجل تأليفين مهمين في علم الكلام هما «كتاب السؤالات» و «رسالة في الفرق»، وكان من رفاق أبي عمار وأبي يعقوب. كما نعثر على يحيى بن إبراهيم بن ويجمن الوارجلاني، وهو صاحب تأليف في التوحيد اشتهر به «العقيدة في علم التوحيد والعلم والسِّير».

والحال أنه ترجمت عن تزايد الاهتمام بهذا العلم في عهد ظهور الإباضية وضمورها ووشت بذلك أمور؛ منها:

ما تخلل كتب سيرهم من إشارات كثيرة إلى قضايا علم الكلام التي استأثرت باهتمامهم، فقد أثيرت بمناسبة ترجمة أبي محمد النهدي مسألة الأحداث من أهل القبلة وما إذا كانوا كفاراً ليسوا مشركين ولا مؤمنين، كما أثيرت مسائل أخرى شأن أفضلية الآدمي على الملاك، وطرحت على أبي زكريا يحيى بن ويجمن (ت: 467هـ/1074م) مسألة الشرك ومخالفة الصفرية في هذا الأمر، ومسألة حكم أبناء المخالفين، ومسألة تشريك الشاك فيمن دفع الرأي المجتمع عليه، ومسألة التفرقة بين كبائر الشرك وكبائر النفاق، ومسألة تشريك أهل الإسلام. ومنها مسألة الاستطاعة، وقد حدثت فيها المناظرات على شاكلة المناظرة بين الإباضية والواصلية. وبعث عبد الرحمٰن الكرتي المصعبي برسالة إلى علماء وارجلان يستفتيهم في مسائل العقيدة؛ شأن اليقين والقدر...

على أن مسألة المسائل عندهم ـ بل أم المسائل ـ التي ما تأدت إلى اختلافهم عن غيرهم وحسب، وإنما إلى اختلافهم في أنفسهم، كانت مسألة كلامية بامتياز وبلا مدافعة، وهي مسألة الإمامة؛ ففي البدء إذن كانت قضية الإمامة. ثم إن مسائل الكلام جد في جد، حتى إنه قد يكون جداً قاتلاً مميتاً، وذلك كما في مسألة الإمامة هذه. ولقد كانت المناظرات في مسألة الإمامة هذه ـ التي تتنزل من كلاميات الإباضية منزلة القطب من الرحى ـ مناظرات داخلية وخارجية كثيرة عديدة مديدة.

ومن هذه السمات ما يرد في سيرهم من نعوت كبار أئمتهم بالإقبال على علم الكلام، وذلك مثل ما ذكر عن أبي نوح ـ سعيد بن زنغيل (أوائل ق: 4هـ) ـ من أنه كان عالماً «بفنون المناظرة والرد على جميع المقالات»، والإشارة إلى أنه من بين أشهر مناظراته للمخالفين المناظرة في الصنعة والصانع، ومناظرته للنكارية. وما ذكر عن الشيخ أبي ربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت: 471هـ/1079م) من أنه «تعلم مسائل الحجة والنظر في الأصول»، ومن أنه «تعلم الكلام» أيضاً. وكذلك فعل أبو محمد ويسلان بن يعقوب الدجمي الذي علم الأصول والحجة والكلام لمدة ست عشرة سنة.

وما كان الجدل الكلامي جدلاً خارجياً وحسب؛ أي: جدلاً ضد المخالفين لهم من صفرية وواصلية وشيعة وسُنيَّة، وإنما كان الجدل فيما بين أنفسهم يدور، ومنه مسألة الحارث وعبد الجبار الشهيرة. ثم إنه لما انشقت طائفة منهم وانقسموا إلى وهبية ونكارية وسمحية وخلفية ما فتئ الجدل يشجر فيما بين الفريقين، على نحو ما هو معلوم من أمر الخلاف حول الإمامة وبعض القضايا الأخرى غير الإمامة، مثل مسائل الكسب والاضطرار والاستطاعة. أكثر من هذا، اختلفوا حتى في أثناء الفريق الواحد؛ وذلك على نحو ما أورده أبو زكرياء ـ في كتاب السِّيرة وأخبار الأئمة ـ من خلاف كلامي في بعض جوانبه بين الوهبية، وذلك شأن الخلاف بين أبي القاسم يزيد بن مخلد وأبي خرز يعلى بن داود مثلاً.

ولا تحسبن أن مسائل علم الكلام كانت مسائل النخبة من أهل الإباضية، وإنما كانت تصير في بعض الأحايين ـ فضلا عن كونها حديث الخاصة ـ حديث العامة في الشارع الإباضي. وقد أورد أبو زكرياء ـ في كتاب السيرة وأخبار الأئمة ـ مثالاً عن مدى فشو قضايا علم الكلام بين الناس ـ خاصتهم وعامتهم ـ فذكر أنه لما دخل الشيخ أبو القاسم يزيد بن مخلد الوسياني الحامي (ت: 365هـ/968م) ـ وكان بعلم الكلام عالماً ناهضاً ـ مدينة القيروان اضطربت المدينة كلها من أجله بفنون العلم والسؤالات المعضلة التي يدخرها أهل المدينة؛ يسأله عنها من المخالفين من أراد تعلم مذهبه... ومما حدث له بهذه المدينة: أنه جاز برجل من الوراقين يقال له: «إبراهيم المشبه»، فمر به وهو يكتب تشبيه الله بخلقه، فعجب منه أبو القاسم وجرى بينهما كلام حتى قال له المشبه: «إذا زعمت أن الله ليس بجسم ولا صورة ولا عرض، فأخبرني عمن أراد أن يبطل ربه كيف يقول»، فقال له أبو القاسم: «فليقل مثلما تقول»، فانقطع الكلام بينهما. هذا فضلاً عما روي عن مناظرة عالمهم وسلان بن يعقوب المزاتي لامرأة أبي القاسم يزيد بن مخلد ـ وكان شيخه في مسائل علم الكلام ـ؛ فقد ذكر أنه كان في أيام قراءته على أبي القاسم حضر يوماً إلى منزله، فوجده راقداً، فطفق يتناظر هو وزوج الشيخ في مسألة من علم الكلام، قال: فلما أفاق الشيخ قال له التلميذ: هل سمعت ما نحن فيه؟ قال: نعم سمعتكما تتراميان بالخزف؛ يريد ضعف جحجهما في المناظرة.

والظاهر أن نظمهم استقرت بهم في شأن تعليم العلوم الإسلامية ـ سواء تعلق الأمر بالعلوم الغاية (المطلوبة لذاتها)، أم بالعلوم الآلة (المطلوبة لغيرها) ـ على النحو الذي نجده في سير محمد بن يدر الدرفي الزنزفي ومحمد بن سدرين ومحمد بن بكر النفوسي ـ وكلهم من علماء النصف الأول من القرن الخامس الهجري ـ حيث كان على الطلبة أن يتعلموا بداية علم السِّير والأدب وبعضاً من يسير المعارف، فإذا ما اشتد عودهم درسوا على يد محمد بن سدرين الإعراب والنحو، فإذا ما تناهوا فيهما تخصصوا عند الشيخ الثالث في علوم الأصول والكلام والفقه، تلك هي منزلة علم الكلام بينهم.

ويؤيد فكرة هذا النظام التعليمي ما ورد بمناسبة ذكر أخبار الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت: 471هـ/1079م) من أنه التحق بحلقة طلاب العلم من بلاد شتى ممن أراد تعلم الكلام، بعد أن كانوا قد أنهوا تعلمهم الفقه والأصول من ذي قبل، فكانوا يجتمعون ويقرؤون كتابهم [في الكلام] على حدة، وبقية الطلبة لا يزالون في طور قراءة العلمين السابقين، وكانت مشايخ بني يهراسن ـ وهم أولاد من كان له اهتمام بعلم الكلام: الشيخ أبو زكرياء والشيخ أبو بكر بن يحيى ـ يجتمعون إليهم ويعينونهم ويودونهم على عزم علم الكلام. ثم إن أولئك المشايخ اهتموا بهؤلاء الفتيان الذين أرادوا تعلم علم الكلام، فأرسلوا إلى النفر الذين تعلموا عند الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر ـ وهم أبو الربيع سليمان بن يخلف ويعقوب بن يعدل ومصالة بن يحيى ـ رسولاً يرغبونهم في القعود للفتية الذين راموا تعلم علم الكلام، ولحوا عليهم في الطلب، إلا أن الاثنين الأخيرين اعتذرا بانشغالهما بالتعلم على يد الشيخ أبي محمد ويسلان، باستثناء أبي الربيع فقد كان يأتيهم بعد قيامهم من الحلقة عن الشيخ أبي محمد ويسلان. واستمر الحال على ذلك زمناً من الأزمان، وكان قعودهم بمكان به شجرتان من الخروب؛ كانت الشجرة القبلية موضع حلقة أبي محمد ويسلان، والشمالية بها عزم أصحاب الكلام. ثم انتقلوا إلى المسجد الكبير، وكثر أصحاب الكلام، فاجتمع من أهل البلد وغيرهم كثير حتى صاروا كثرة وأصحاب الفقه قلة.

ولا شكَّ أنه كان لهم وعي بأهمية علم الكلام ودوره في إرساء العقيدة والدفاع عنها، حتى كانوا يعقدون مجالس علم الكلام لذلك، وما زال هذا الدور موعى به حتى إن أبا الربيع ـ وهو مَنْ هو في تاريخ المذهب ـ كان يحض على ضرورة تعلم أساليب علم الكلام والتعاطي لقضاياه، فيوصي الوصية «بألا يقصر في النظر في التوحيد والحجة ومعانيها لكي ينفي عن الله ما لا يوصف به من صفة خلقه وتشبيهه على ما هو به من صفته عزَّ وجلَّ»، مريداً بذلك أن يُتعبد الله على علم؛ أي: عن دراية بعلم الكلام. وقد حرض تلامذته على الاجتهاد والعزم، قائلاً: «انظروا في هذه المسائل» ـ يعني: مسائل التوحيد والكلام والحجة ـ وذلك «لئلا تعبدوا غير الله وأنتم تصومون وتصلون». فقد تبيَّن من هذا أنهم حملوا مسائل علم الكلام على أنها مسائل وجودية لاهوتية، وعد الكثير منهم أن إيمانهم لا يكتمل ـ فضلاً عن أن يتجدد التجدد المطلوب ـ إلا بالدراية بما يؤمنون بهم أفضل ما تكون الدراية، فلا يكونون قد اتخذوا أهواءهم إلههم مثلاً.

والحال أنه يمكن أن نميز عندهم بين ما يمكن أن ندعوه «عفوي الكلام» وما نصطلح على تسميته «صنعي الكلام»؛ فأما مقصودنا بعفوي الكلام فهو ما أتى عفو الرأي من غير قصد جدلي أو عزم سجالي. وذلك كأن يثبت الرجل ـ من غير ما قصد كلامي بَيِّن ومن غير أن يدعي أنه يمارس علم الكلام الممارسة ـ الاختيار مبدأً كلامياً؛ كأن يقول مثلاً أبو محمد عبد الله اللواتي ـ وما كان متكلماً بالأولى ـ: «إنما جعلنا الله أحراراً لنملك أمرنا»؛ فإن هذه قضية كلامية حتى وإن ما كانت مقصودة لذاتها، أو ما كان صاحبها يبغي بها المناظرة في علم الكلام، والأمثلة على هذا النحو بالمئات. وأما «صنعي الكلام» فهو مقصودنا بهذا البحث؛ أي: الكلام الذي قصد به علم الكلام لذاته وفي ذاته. والحال أن هذا الصنف من علم الكلام ما زال يزدهر عندهم ازدهاره، حتى إن أبا الربيع ـ حوالي 460هـ ـ لما أسف لما عده اندراس الإسلام في بلدان الإباضية وفقد العلماء وانطماس الآثار، قفى بالقول: «فقد الناس من مسائل الحلال والحرام والفقه أكثر مما فقدوا من مسائل الأصول والكلام والحجج».

وليس لنا أن نطرح مسألة الباعث على علم الكلام عندهم؛ إذ ما من فرقة إسلامية إلا وأنشأت علم كلام خاص بها، إن لم نقل: إن الأصل فيها اختلاف في أمر الكلام؛ لكن محيي هذا العلم عندهم أمران: واحد داخلي، والثاني خارجي:

فأما الداخلي فيتمثل في الانشقاقات التي عاشوها وعايشوها؛ إذ تقدم بنا القول أنهم انقسموا إلى وهبية ونكارية وغيرها من الأفراق... وكان أن احتاجوا إلى معرفة دقيقة بعلم الكلام للتناظر، فوجدنا ـ مثلاً ـ سليمان بن زرقون النفوسي يعكف في مزاتة بإفريقية يدعوها إلى مذهب الوهبية ويردها عن مذهب النكارية. وإذا ما نحن علمنا أن مسألة الخلاف الجوهرية بين الفرقتين كانت هي مسألة الإمامة ـ وهي مسألة كلامية بامتياز ـ علمنا أن المناظرات التي كانت تتم كانت ذات نفس كلامي، حتى وإن لم تكن تخلو من بعض الخلافات في الأصول والفقه. أكثر من هذا، كانت تنشأ بعض الخلافات العقدية الطفيفة في الفرقة الواحدة؛ وذلك على نحو ما ذكر في ترجمة زكرياء بن أبي بكر اليراسني (ط11: 500 - 550هـ) من أن الشيخ أبا محمد العاصمي كان قد اختلف مع الشيخ عيسى بن يرصوكسن في مسألة عقدية جزئية، فبلغ قولهما صاحبنا ذاك فصوب قول أبي محمد واستحسنه.

وأما الداعي الخارجي، فقد تمثل في محيطهم الذي ما كان على وفاق لا فقهي ولا كلامي معهم: الواصلية والصفرية والشيعة العبيدية وما اعتبروه دوماً «الحشوية» المالكية. والمناظرات مع هذه الفرق هي التي كان من أثرها أن تركت هذا العلم حياً بينهم... وكم كانت تعقد من المجالس ـ مجالس علم الكلام ـ في ذلك، وما زالت تعقد، حتى عقدت في قصور المخالفين في المذهب، وحتى إن السلطان الزيري منصور بن بلجين سلطان القيروان (حكم ما بين 373 و 368هـ/981 - 996م) جمع بين الشيخ الإباضي ـ «العالم بفنون المناظرة والرد على جميع المقالات» ـ أبي نوح سعيد بن زنغيل الإباضي وبين الشيخ ابن حمو المعتزلي، فتناظرا، فسأله أبو نوح عن علامة الصنعة، قال: الحدث والحركة والسكون والانتقال والزوال. قال: وقلت له: وكل محدث مخلوق. قال: كل مخلوق محدث، لا العكس. قال أبو نوح: من المحدث مخلوق وغير مخلوق. فيلزم أن القديم خالق وغير خالق. قال: القديم كله خالق. قال أبو نوح: المحدث كله مخلوق، فوافق. قال أبو نوح: والكفر محدث مخلوق. قال: الكفر مخلوق لي. قال أبو نوح: فهو إذن مربوب لك ومألوه. فأنت إلٰه فعلك وربه. قال: لا يلزمني ذلك المخلوق ـ إذا كان مخلوقاً لي ـ أن يكون مربوباً لي. قال: قلت: يلزمك أن يكون مخلوقاً لله غير مربوب له (...) كذا الله يجوز أن يكون غير مربوب. فأفحم وهو معتزلي. قال المنصور: ماذا يقول؟ قلت: يقول: لله خلق، وله خلق، وكل انفرد بما خلق. قال له: لقد جعلت لله شريكاً، وهذا هو الشرك بعينه، فأجازه إجازة سنية».

وحتى إن أبا تميم ـ المعز لدين الله الفاطمي (حكم إفريقية ما بين 953 و 973م) كان «يجمع بين يديه علماء الفرق، ويتكلمون بين يديه وقوفاً ويتناظرون، فيحكم بينهم». ولطالما بعث إلى الشيخ الإباضي أبي القاسم يزيد بن مخلد الوسياني الحامي (ت: 365هـ/968م) ليناظر بين يديه المخالفين. وحدث ذات مرة أن قال له: «يا أبا سعيد اسأل ما بدا لك من السؤال؟» فقال له أبو نوح: «فبدأت وقلت»: «ما الدليل على أن لهذه الصنعة صانعاً؟» قال: فلبث جلساؤه حيناً ساكتين ثم أخذوا في الجواب، فقالوا أقاويل كثيرة، فما وافقوا فيها جواباً قاطعاً. فقال لهم أبو تميم: «أجيبوا ابن زنغيل من حيث يفهم؛ وذلك أنه لم يرض بأجوبتكم». فقال أبو نوح: «فرأيت في وجه أبي تميم إرادة الجواب وما أراد أن يجيبني إن لم أسأله من كثرة أدبه وحسن سيرته في مثل ذلك». فقلت له: «إن رأى مولانا أن يتفضل على رعيته بالجواب فليفعل»، فرأيت في وجهه تبسماً وانطلاقاً، فقال: «يا أبا سعيد يقال لهذا السائل: اشرح سؤالك لعله يستحق جواباً، وفي شرح سؤاله جواب لقوله، وقوله «صنعة» دليل على صانعها». وكان هذا جواباً قاطعاً منه.

وذكر أيضاً أنه أرسل إليه أبو تميم ذات مرة، فحكى أبو نوح قال: «فقدمت عليه فوجدته ورجلاً من المعتزلة واقفاً بين يديه، فأخذ في مسألة الأسماء، فنصبت إليه وأفرغت ذهني إلى كلامه حتى عثر عثرةً ما نجا منها بحمد الله؛ إذ قال: «إن أسماء الله متغايرة كزيد وعمرو»، فأقبلت إليه بالكلام وقلت له: «إن كلامك إليَّ أم إلى مولانا؟» قال له السلطان: «كلامك إليه». فقلت له: «أليس لهما مغير غيرهما فجعل أحدهما غير الآخر، زيداً غير عمرو؟» فقال لي: «نعم»، فقلت له: «وكذلك الله والرحمٰن، هذا غير هذا، ولهما مغير غيرهما فجعل أحدهما غير الآخر». قال: فقطع السلطان جوابه فقال: «هذا والله الكفر بعينه».

 

الآن وقد استعرضنا بعض معالم ومآثر علم الكلام الإباضي في شمال إفريقيا، ما القول في السمات الأساسية التي اتسم بها هذا العلم عندهم؟

الحال أن من أبرز هذه السمات سمات أساسية ثلاثًا تبدت لنا:

1 ـ كأننا بهذا الكلام كلام منفى؛ فما كان متكلمو إباضيي شمال إفريقيا ـ باستثناء الحقبة الرستمية على قصر مدتها ـ يشعرون أنهم في أوطانهم، وأن كلامهم كلام أوطان؛ إذ عادة ما سعوا إلى الهروب إلى حيث ما طاب الزمان. ويا لطول غربة علم الكلام الإباضي بشمال إفريقيا، حتى في معاقل الإباضية نفسها ـ جبل نفوسة وتاهرت ووارجلان وجربة... ـ بل لا يكاد يوجد علماء إسلام عابوا زمانهم وتبدل أحوال مدنهم وسعوا إلى الهجرة بدينهم قدر ما فعل هؤلاء.

2 ـ وسمة ثانية هي أيضاً ذات وشيجة بهذه الأولى، هي سمة «الأقلية»؛ إذ يكاد يكون هذا الكلام كلام أقلية. وقد حاول هذا الكلام إثبات الذات أمام أعتى فرق الكلام الإسلامي من معتزلة وأشعرية، فلا شك بسبب من هذه الرغبة الدفينة أن يكون اندمغ بدمغة إرادة إثبات الذات هذه، لا سيما فيما رواه من مناظرات مع الخصوم، مما وشى بما كان يحدوه من رغبة في إثبات الذات، ولِمَ لا الغلبة.

3 ـ ومن سمات كلامهم أيضاً روح الاجتهاد الجماعي التي تميز بها؛ وذلك بادٍ في صلة علماء الكلام الإباضية بالمجتمع الإباضي القائم على فكرتي «الحلقة» و «العزابة»، فمثلما كانت المجتمعات الإباضية مجتمعات تكافل، فكذلك كان علم الكلام الإباضي علماً جماعياً لا يسهم فيه شيوخ الإباضية من متكلمتها فحسب؛ وإنما الطلبة أيضاً لهم كلامياتهم المشاطرة لكلاميات شيوخهم، وهذه ظاهرة غريبة عجيبة وسمت علم الكلام الإباضي بشمال إفريقيا حيث تجد الطلبة ـ في خطوة اجتهاد جماعية ـ يكتبون الرسائل الجماعية ويدبجون الردود التأليفية على أسئلة غيرهم أو على استفسارات أنفسهم. ولطالما هم أداروا الرأي بينهم في القضايا العقدية وغيرها، حتى لكأنك تشعر في بعض الأحايين أن المسألة الكلامية ما عادت بين أيديهم مسألة فردية وإنما إلى مسألة جماعية. وهذا ما دعا الجعبيري إلى أن يذهب إلى أن كتاباً شأن «كتاب الجهالات» ما كان مؤلفه مؤلفاً واحداً ـ هو تبغورين كما يفترض ـ وإنما «اشترك في تأليفه عدد من الشيوخ». والحقيقة أن من يطلع على سيرة مجتمعاتهم ليس يجد في هذا الأمر من غرابة، فقد ذكر الدرجيني في طبقاته ـ بمناسبة ترجمة أبي يعقوب بن سهلون ـ أنه «كان دأبهم في ذلك الزمان إذا نزلت مسألة أن يجتمعوا، فمن شأنهم الاجتماع للتشاور في النوازل»، وقد عيّن لذلك مكاناً معروفاً هو «الموضع المعروف منبر وارجلان». ولهذا لا عجب أن نجد لديهم ـ في بعض الأحايين ـ تأليفات جماعية ـ شأن «ديوان العزابة» و «ديوان الأشياخ» ـ وذلك مثل اجتماع العزابة على تأليف كتاب في المذهب الفقهي يسهل على المبتدئ فهمه واستخدامه، ويكفي المنتهي مؤنة التنقيب الدقيق، هذا يستقل بجزء الصلاة، وثانٍ يضطلع بجزء الصيام، وثالث ينهض بجزء الحيض، ورابع يختص بالحج، وهكذا دواليك إلى أن بلغوا به منتهى اثني عشر جزءًا... وعلى النهج نفسه ساروا في تأليف ديوان الأشياخ.

على أن ثمة سمة أخرى إضافية ذات صلة بهذه، وهي أن علم الكلام ما كان عندهم شأن المتخصصين وحسب منهم؛ بل كان بعض قادتهم علماء كلام. وهكذا يحكى عن خليفتهم محمد بن أفلح أنه كانت له «مؤلفات في الفروع والعقائد»، يذكرون منها «كتاب الاستطاعة».

– II –

علم الكلام الإباضي بشمال إفريقيا

عهود ما بعد أبي عمار عبد الكافي وأبي يعقوب الوارجلاني

مع مراعاة ضياع العديد من مخطوطات علم الكلام الإباضي بشمال إفريقيا لأسباب ذكرنا بعضها عند تقديم هذا البحث، يمكن الزعم ـ انطلاقاً مما وصلنا من المطبوعات ـ أن هذا العلم شهد أزهى فترات ازدهاره مع هذين الشيخين ومن عاصرهما. على أن هذا التأكيد ليس من شأنه أن ينفي أنه كانت لعلم الكلام الإباضي بشمال إفريقيا ـ فيما بعد القرن اللذين عاشا فيه ـ حياة مستقلة مزدهرة؛ وذلك مهما خفت بعض وهجها أو ذوى بعض بريقها.

والبداية بتلامذة الشيخين المباشرين: هذا إبراهيم بن سليمان بن ويجمن (أوائل ق: 6هـ/12م) أخذ العلم عن أبي عمار عبد الكافي، وله آراء في العقيدة وغيرها. وهذا سليمان بن يومر، كان عالماً متكلماً تتلمذ على يد أبي عمار عبد الكافي وغيره، وروى عنه بعض آرائه العقدية، كما انفرد بمسائل كلامية أوردها السوفي في كتاب السؤالات.

والحق أن كتابي هذين العالمين ـ «الوجيز» و «البرهان والدليل» ـ غمطا حقهما، فلا نكاد نعثر لهما عند المتأخرين على كبير عناية يستحقانها، اللهم باستثناء بعض الشروح الضئيلة. ومن آخرها «حاشية على كتاب الموجز» لإبراهيم بن أبي بكر القراري (ت: 1337هـ/1954م) وشرح القطب أطفيش (1237 - 1332هـ/1821 - 1914م). مثلما وجدت عديد من الحواشي على كتاب شرح الجهالات لأبي عمار في العقيدة والكلام، إحداها لأبي يزيد بن أبي ستة (ت: 1100هـ/1688م)، وثانية لسليمان بن أحمد بن أبي ستة (كان حيا عام 1088هـ/1677م)، وثالثة ليوسف بن محمد المصعبي المليكي (1079 - 1187هـ/1669 - 1773م)، ورابعة ليونس بن سعيد بن تعاريت الخيري الجربي (ق. 10). بما أظهر أن عناية الباحثين بشرح الجهالات لربما فاقت عنايتهم بالموجز. هذا فضلاً عن استنساخ كتابيهما، شأن استنساخ ابن محمد الغرداوي المصعبي (ت: 1207هـ/1792) لكتاب الوجيز. وذلك بالإضافة إلى تعليق يوسف بن باحمد بن كاسي (ت: 1242هـ/1826م) على الدليل والبرهان للوارجلاني.

ففي قرنهما نفسه ـ القرن السادس ـ يذكر أن إبراهيم بن مناد العطفاوي (النصف الأول من القرن السادس) اجتهد في نشر المذهب الكلامي الإباضي بين واصلية بني ميزاب من المعتزلة، ولا بد أنه كان للرجل اقتدار على الجدل والمناظرة الكلاميين حتى يقنع معتزلة هذا البلد بالتحول عن العقيدة الواصلية.

وفي القرن السابع الهجري نجد عمرو بن جميع يقوم بترجمة «عقيدة التوحيد» ـ المنسوبة خطأ إليه ـ من البربرية إلى العربية، فينفح علم الكلام بنفحة جديدة تثمر أربعة شروح على متن الرسالة. كما نعثر على فتح بن نوح الملوشائي الذي كان عالماً متكلماً، وقد ألف نونية في خلق القرآن وأخرى في أصول الدين.

ونلاحظ هذا التلازم بين العناية بالمنطق والفلسفة ـ على ندرة فشوه ـ والعناية بالتوحيد خاصة والكلام بعامة، ولا غرابة في ذلك، فلئن نحن عدنا إلى تصنيف العلوم في الثقافة العربية الكلاسيكية لألفينا التعالق بين هذه المباحث فيما سمي «العلوم العقلية» أو «العقليات» في مقابل «الشرعيات» أو «النقليات». أكثر من هذا، ما كان علم الكلام يذكر مفرداً؛ وإنما كان يتم الإيماء إليه أحياناً في إطار الحديث عن علم التوحيد وعن علم العقائد.

ونذكر من متكلمة علماء إباضية القرن الثامن الهجري أيوب الجيطالي، وأبا سعيد بن أبي بكر الذي يذكر أنه كان يتردد على المعتزلة من وارجلان ليناظرهم ويرشدهم إلى مذهب الإباضية العقدي. فضلاً عن عامر بن علي الشماخي الذي ذكر أنه ألّف «كتاباً في العقيدة» لنوح بن حازم، وأبي عزيز بن إبراهيم الباروني الذي ترك «لقطاً» في العقيدة والفقه.

وفي القرن التاسع الهجري نعثر على بدر الدين الشماخي صاحب السير، وقد عني بمسائل التوحيد والكلام، فأخرج فيها «شرحاً على متن الديانات» في علم الكلام، و «شرحاً على عقيدة التوحيد» لعمرو بن جميع، وهي التي كانت المقرر في العقيدة وعلم الكلام عند الإباضية لعقود من الزمن. كما نعثر على سعيد بن عبد الواحد الشماخي الذي درس الأصول والمنطق والبيان، وناظر العديد من المخالفين. وعلى أبي القاسم البرادي الذي ألّف مجموعة رسائل في التوحيد وعلم الكلام، من بينها «رسالة في بيان كل فرقة وما زاغت به عن الحق»، و «رسالة في بيان اعتقادنا والرد على من نسبنا لغير الحق» وغير ذلك. وعلى إبراهيم الغدماسي الذي ألف في الرد على من لا يقول بخلق القرآن. كما نعثر على من ألف منهم قصيدة في الاعتقاد. وعلى يعقوب بن صالح التندميري الذي ألّف سؤالاً في العقيدة والفقه وجهه إلى بعض المخالفين على شكل مناظرة.

وفي القرن العاشر منه نعثر على عناية بشرح عقيدة التوحيد لأبي حفص عمرو بن جميع الجربي (ت: 967هـ/1560م) ـ وهو الكتاب الذي شكّل مرجعاً للطلبة في أمور العقيدة الإباضية لعقود طويلة، على نحو ما نجد عند أبي سليمان داود بن إبراهيم التلاتي الجربي.

فإذا ما نحن بلغنا القرن الحادي عشر الهجري، ألفينا في مبتدئه أمغر بن صابر الصدغياني يبرز اسمه بوسمه عالم كلام قام بترتيب كتاب تبيين أفعال العباد لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر. كما نجد بأحمد أبا أيوب يذيل استنساخه «الكشاف» للزمخشري برسالة في «التنزيه المطلق للمولى 8 »، دلل فيها ـ من بين ما دلل عليه بالحجج ـ على نفي الرؤية. كما ألف عبد العزيز الثميني (1130 - 1223هـ/1718 - 1818م) كتاب «معالم الدين» في علم الكلام. أكثر من هذا، عمل محمد بن عمر بن أبي ستة ـ الشهير بالمحشي ـ على إحياء تقاليد علم التوحيد والكلام الإباضيين، وذلك بالتحشية على جملة من هذه الكتب، شأن التحشية على كتاب شرح الجهالات لأبي عمار وشرح العقيدة للشماخي وتبيين أفعال العباد لأبي العباس بن بكر...

وفي القرن الذي يليه ظلت جذوة علم أصول الديانات منيرة، فألفينا سعيد بن يحيى الجاودي الأجيمي يهتم أيما اهتمام بالعلوم العقلية، ويرد الشبه التي أدخلها الخصوم على المذهب، ويدافع ضد مطاعنهم. وذلك مثلما استمر التعالق بينا بين العناية بالعقليات والنظر في الكلام على نحو ما نجده لدى عمرو بن رمضان الجربي التلاتي من كتابة حواشي بديعة في علم المناظرة والتوحيد. وعلى نحو ما نلفيه أيضا عند يوسف بن محمد المصعبي المليكي (1079 - 1187هـ/1669 - 1773م) من حواشي على كتب علم التوحيد والكلام المهمة شأن شرح الجهالات والنونية في التوحيد.

وفي القرن الثالث عشر الهجري نعثر على «تلخيص عقائد الوهبية في نكتة توحيد خالق البرية» لإبراهيم بن بيجمان الثميني اليسجني (ت: 1232هـ/1817م)، كما نجد من العلماء الذين برعوا في المعقول وعلم المناظرة سعيد بن عيسى الباروني (ت: 1284هـ/1868م)، وموسى بن علي الباروني الذي برز في المناظرة وعلم الكلام، وسليمان بن أبي القاسم الجاودي الذي اهتم بعلم التوحيد وحشى على كتاب السؤالات بحاشية لم تكمل، وعلى قاسم بن أبي الربيع الشماخي (ت: 1265هـ/1848م) الذي أنشأ «تكملة حاشية على كتاب أفعال العباد» و «اللؤلؤة» في التوحيد. ولعمر بن موسى اليسجني (ت: 1268هـ/1852م) كتاب «ترياق الكبائر وشفاء المذنبين» في العقيدة. ولمحمد بن يوسف المصعبي المليكي الجربي (ت: 1207هـ/1792م) حاشية على كتاب تبيين أفعال العباد.

وفي القرن الرابع عشر نعثر على رسائل ذات نفحة كلامية في التفرقة بين الخوارج والإباضية على نحو رسالة «الفرق بين الإباضية والخوارج» لإبراهيم بن محمد بن أطفيش (ت: 1385هـ/1965م)، كما نعثر على رسالة كلامية تحمل العنوان ذاته لإبراهيم بن صالح المدعو باباحمو أعزام (ت: 1384هـ/1965م). والمتقدم ألف ما يقارب العشرين كتاباً في التوحيد والكلام من شروح وردود واجتهادات، فكان بهذا من أغزر علماء الإباضية في التأليف في علم الكلام، ومن أشدهم إحياء له في العصر الحديث. مثلما نعثر على من واصلوا إحياء التقليد الكلامي الإباضي على نحو ما فعل أحمد بن الحاج النوري من أنه كان متضلعاً في مسائل الخلاف من علم الكلام والفقه، كما نلحظ بعين النظر جهود قاسم بن سعيد اليفرني (ت: 1334هـ/1916م) في التأليف في عقائد الإباضية: «سرد الحجة على أهل الفصلة» و «القول المتين في الرد على المخالفين».

... إلى أن دخل الاستشراق مجال الاهتمام بعلم الكلام الإباضي بشمال إفريقيا، فوجدنا مقالة مرسيه عن «إلٰه الإباضيين وإلٰه البورغواطيين» (1936)، ومقالة علوش في العام نفسه والتي ترجم فيها نصين من كتاب الدليل للوارجلاني في تفنيد نظرية الصفات عند الأشاعرة وفي مسألة الوعد والوعيد ورؤية الله يوم القيامة، ومقالة تاديوس لڤيتسكي عن «فرق الإباضية» (1958)، وما تلاها من اهتمامات بيير كوبرلي بالفكر العقدي الإباضي عند إباضية شمال إفريقيا بدءًا من الثمانينات من القرن الماضي.

أخبار ذات صلة