مصادر ومسالك انتشار الفكر الأرسطي في الحضارة العربية الإسلامية

الفكر الأرسطي.jpg

أنجيليكي غريغوري زياكا | برفيسورة في الدراسات اللاهوتية، جامعة أرسطو، سالونيك، اليونان.


سوف نحيل في هذه الورقة على مصادر ومسالك الفكر الأرسطي التي سلكها في مساق نقله إلى الحضارة العربية الإسلامية؛ ذلك أن العرب كانوا قد تلقوا التقليد الأرسطي بعد أن انصرمت خمسمائة سنة على تطوره الأول في العصر الهلينستي المتأخر من الحقبة القديمة الكلاسيكية، وبعد أن مضت مائتا سنة صارت فيها آنها أعمال أرسطو متملكة من لدن النصارى السريان وواقعة بين أيديهم. والحال أنه في خلال هذه الحقبة الطويلة من الزمن كان الفكر الأرسطي قد تم إخضاعه إلى عدد هائل من تعاليق الدارسين وحواشيهم، وهم الذين ما كانوا كلهم أرسطيين خلصاً [مشائين]؛ وإن كان بعضهم كذلك حقاً؛ وإنما كان هذا المتن قد أخضع إلى تحشيات وشروحات أتباع الفلسفة الأفلاطونية المحدثة.

لا غرو أن أرسطو إنما كان أشهر فيلسوف عرفه التقليد التعليمي العربي بامتياز، وكان الرجل يعد ـ من لدن أغلب فلاسفة العرب ـ «الفيلسوف» بلا مدافعة، وأكثر من هذا، كان يُحسب «المعلم الأول»، وقد تلاه ـ عندهم ـ من حيث المنزلة الفارابي العظيم بوسمه «المعلم الثاني». وبفضل النشاط الترجمي الكبير الذي بدأ في القرن الثامن [الميلادي]، وبلغ ذروته خلال القرنين اللاحقين، انتهى العرب إلى المعرفة بكل مؤلفات أرسطو على وجه التقريب، باستثناء كتب «السياسة» و«الأخلاق إلى أوديموس» و«الأخلاق الكبير». ومن أجل فهم أفضل للسبل التي سلكتها أعمال فيلسوف ستاجيرا ـ أرسطو ـ إلى العربية، تلزمنا الأوبة إلى أرسطية العصر القديم المتأخر، وهي التي كانت قد تلقاها الفكر العربي. إن مشكلة أرسطو في التقليد العربي لذات صلة ـ إلى حدٍ كبيرٍ ـ بمجمل مشكلة التقليد الشرحي الدائر على مخطوطات أرسطو والتحويرات التي أجريت على فكره في العالمين الإغريقي والهلينستي، فضلا عن نقله إلى العالمين السرياني والعربي ـ الإسلامي.

ومع الأخذ بعين النظر أن عمل الفيلسوف قد امتد على نحو أصيل ملفت للنظر ليشمل كل حقول الفكر الفلسفي، وأنه هو من أرسى أسس العلوم؛ فإن المسألة التي ننظر فيها ههنا ليست تمتُّ بصلة إلى الفلسفة العربية الإسلامية والفيلولوجيا [فقه اللغة] فحسب؛ وإنما تضرب بسهم في كل مباحث العلم العربي خلال تلك الفترة من الزمن؛ فكل هذه العلوم إنما أثراها أرسطو إثراء. على أن كل فروع المعرفة هذه لم تغطِّها أعمال أرسطو الأصيلة المنقولة إلى العربية وحدها؛ وإنما فعلت فعلتها في ذلك أيضاً حواشي وشروح مدرسة الإسكندرية على أرسطو، فضلاً عن أعمال أتباع مدرسة أثينا، وقد مُزجت مزجاً بالفكر الأفلاطوني المحدث الذي تسرب إلى الآداب الشرقية والعربية، والذي بث العديد من الأفكار الأفلاطونية المحدثة بحسبانها أفكارا «أرسطية» خالصة النسبة. وأخيراً، فإن علينا أن نتناول أيضا مسألة أعمال أرسطو المنحولة.

 

ولهذا الداعي فإنه ينبغي البحث عن المصادر الأساسية للفكر الفلسفي العربي في أعمال أرسطو الأصيلة، مثلما ينبغي فعل ذلك في أعمال أولئك الذين قاموا بالتحشية على هذه الأعمال، شأن الإسكندر الأفروديسي وثاميسطيوس ويوحنا النحوي وسامبلقيوس وغيرهم. فإذا ما المرء أعمل النظر بدءًا منهم تبين له كم كان الفكر الفلسفي العربي منغرساً في تقليد الشراح الأرسطيين تمام الانغراس. وهكذا فإنه إلى جانب كتاب «الميتافيزيقا» [ما بعد الطبيعة] للفيلسوف الستاجيري [(المقصود بهذا الوسم أرسطو) نسبة إلى منطقة ستاجيرا ـ وهي منطقة تقع قرب مدينة تيسالونيكا] ومقالته في «النفس»، وجد كتاب «أثولوجيا» أرسطو، الذي هو ـ على التحقيق ـ شروح على الكتب 4 - 6 من تاسوعات أفلوطين، شأنه في ذلك شأن الكتاب الشهير «كتاب الخير المحض»، الذي عرف في النقول اللاتينية تحت مسمى «كتاب العلل». هذا ولقد كان للكتابين معاً تأثير واسع، على الأقل بين الفلاسفة الشرقيين. وما الكتاب الأخير ـ إذا ما هو حقق أمره ـ سوى توليفة من أجزاء كتاب الفيلسوف الأفلاطوني المحدث برقلس «مبادئ الإلٰهيات». والحال أن هذين الكتابين الأفلاطونيين المحدثين ـ الذيْن نسبا إلى أرسطو انتحالاً ـ كانا قد عُدَّا ذروة الميتافيزيقا الأرسطية. فكتاب أثولوجيا كان يروج على الأقل منذ القرن الخامس الميلادي بين الأوساط السريانية والغنوصية الشرقية في ترجمة سريانية أمست اليوم مفقودة. وقد نقل من السريانية إلى العربية حوالي عام 840 [ميلادية] من لدن عبد المسيح بن عبد الله (ابن عبد الله بن ناعمة الحمصي)، وأثر تأثيراً بالغاً في التقليد العربي الإسلامي؛ وذلك سواء بالنسبة إلى أمر التوفيق بين الفلسفة والوحي الإلٰهي أو بالنسبة إلى أمر الجمع بين أفلاطون وأرسطو. وقد عمد الكندي (توفي حوالي 870م) إلى إصلاح ترجمة ابن ناعمة، واجداً في وصف العالم بدءًا من المبدأ الأول ـ الواحد ـ فتدلياً إلى هبوط الأنفس في الأبدان (كما ورد في «مبادئ الإلٰهيات»)، وهي فكرة (أرسطية في نظره) مناسبة للتوفيق بين الفلسفة والوحي الإسلامي من جهة أولى، وبيان فيصل التفرقة بين الوحي والفلسفة من جهة ثانية. وقد عمد إلى نص الترجمة فأصلحه وأصلح لغته وحذف مختلف الأفكار التي تسربت إلى النص عبر الزمان، وإذ سواه هكذا فإنه سماه «كتاب أثولوجيا»، وقد وصلنا بالعربية تحت عنوان «كتاب أرسطوطاليس الفيلسوف المسمى باليونانية أثولوجيا والربوبية». وهذا أمر يثير استغرابنا؛ وذلك بالقدر نفسه الذي يثير فينا الاستغراب كون أفلوطين ـ الذي كان أثر تأثيراً واضحاً في الفلاسفة الشرقيين ـ كان كاتباً مجهولاً لدى العرب.

وبغاية فهم تأويلات أرسطو هذه والتحويرات التي أجريت على فكره، فإنه علينا الأوبة إلى أرسطية العصر القديم المتأخر التي تلقاها العالم العربي؛ ففي كتاب «الفهرست» (وهو عبارة عن جرد للمخطوطات العربية وضَعَه ابن النديم (ص. 243) ثمة إشارة إلى أن وصول المتن الأرسطي إنما تم بفضل اكتشاف مخطوطات عدة في بيت مهجور. وسواء صحت هذه المروية أم لا؛ فإنها تفضي بنا إلى إبداء الاستنتاجين التاليين: أولاً: ما كانت المخطوطات ـ بكل تأكيد ـ مكتوبة باللسان العربي. وثانياً: ما اكتشف العرب كتب أرسطو الثابتة النسب إليه فقط؛ وإنما اكتشفوا أيضاً جملة من الشروح عليه كان قد كتبها شراحه. والحال أن أساس تأويل الأرسطية العربية يكمن بالذات في هذين العاملين؛ ذلك أن كتابات أرسطو نقلت فكره إلى العالم العربي عبر النشاط الترجمي، إلا أن هذه الأعمال كانت ممزوجة بعض المزج بتأويلات مدرستي أثينا والإسكندرية؛ حيث كانت قد درست بهما وحُشِّيَ عليها بحواشٍ. وكان العرب قد تلقوا هذا التقليد الأرسطي بعد أن مضت خمسمائة سنة على الشروع في إصلاحه من قِبل المدارس الهلينستية المتأخرة، وبعد أن كانت قد انصرمت مائتا سنة على العهد الذي آلت فيه ملكية أعمال أرسطو إلى النصارى السريان. وفي أثناء هذه الحقبة المديدة كان التقليد الأرسطي قد خضع إلى جملة من التحويرات والتأويلات قام بها الشراح الذين ما كانوا كلهم بالأرسطيين الخلّص؛ وإنما كانوا بالأولى من أتباع الفلسفة الأفلاطونية المحدثة. ذلك أنه تمت الشروح على متن أرسطو من قِبَل سلالة من الشراح، وعُدّت هذه ظاهرة فريدة إذا ما نحن أخذنا بعين النظر مدى انتشارها في تاريخ الفلسفة. وما تلا ذلك مما حدث في عهد الإسلام إنما شكل جزءًا لا يتجزأ من النزعة الهلينية الإسكندرية والأتينية التي كانت قد انتشرت انتشارها لتعم مختلف مدارس الشرق الهلينستية، إلى أن وصلت إلى بغداد في القرن العاشر بعد الميلاد. هذا مع تقدم العلم أنه في حوالي عام 718م ـ وكان الحكم أنها بالمشرق للدولة الأموية ـ كانت مدرسة الإسكندرية الفلسفية لا تزال قائمة، وكان العديد ممن تبقى من معلميها قد تحول إلى أنطاكية ـ المركز الهلينستي الكبير الآخر. وقد بقي أخلافهم بها إلى حدود حوالي عام 850م، وبعد ذلك انتقلوا إلى مركز حران الفكري الشهير ببلاد الرافدين، ثم كان ما كان من الهجرة الأخيرة للمدرسة الإسكندرية من حران إلى بغداد حوالي عام 900م، وقد وسمت هذه المدرسة «مدرسة بغداد المشائية» بميسمها الخاص.

 

هذا ولقد استمرت «مدرسة أرسطو المشائية» بأثينا بعد وفاته، وذلك تحت رئاسة تلامذته، ولقد كان ثيوفراسطوس (حوالي 371 - 286 قبل الميلاد) من أبرزهم. على أن هذا التراث الأرسطي القوي المميز خبت جذوته بعد وفاة ثيوفراسطوس، وذلك إلى أن تم إحياء هذا التراث حوالي النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد مع نشر أعمال أرسطو من لدن أندرونيكوس الروديسي بروما. وبعمله هذا، فإن أندرونيكوس (حوالي 70 - 50 قبل الميلاد) ـ وكان الرجل على رأس المدرسة المشائية ـ قد أرسى أسس التقليد الفلسفي الأرسطي. وبدءًا من هذه الحقبة فصاعداً بدأت السلسلة المديدة من الشراح الذين أوقفوا أنفسهم على الدراسة النسقية المنظمة لنصوص أرسطو، وذلك بسبب أن أعمال أرسطو كانت تصلح مداخل إلى العمل الفلسفي، واستعدادات أولية إلى الإقبال على تعلم مبادئ الفلسفة الأرسطية. على أن الشراح لما هم ركزوا على نصوص أرسطو ما بقوا أوفياء لفكره على وجه الدوام؛ إذ مزجوا آراء أرسطو بآرائهم الفلسفية، مقدمين بذلك إلينا تصورهم الخاص لأرسطو، وهو التصور الذي كان مطبوعا بالأفلاطونية المحدثة إلى مدى كبير.

وتعود أقدم الشروح على ميتافيزيقا أرسطو ومنطقه إلى نهاية القرن الثاني بعد الميلاد، ونحن مدينون بها إلى الإسكندر الأفروديسي (حوالي 200 بعد الميلادي)، أحد أشهر شراح أرسطو المعروفين في التقليد العربي. وبالفعل، فإن شروحه على «كتاب الميتافيزيقا»وعلى «كتاب النفس»صارت من كلاسيكيات الشروح وشهيراتها، وقد درست بكل عناية من لدن متأخري فلاسفة الإسلام؛ هؤلاء الذين عِبَرُهُم أمست بدورها موضوع دراسة من لدن الدارسين اليهود واللاتينيين في العصور الوسطى. هذا وقد أرسى الإسكندر أسس التقليد الفلسفي الأرسطي، على أن عهد الإسكندر كان قد تميز بتحول الفكر الفلسفي نحو وجهة اللاهوت [العناية بمبحث الإلٰهيات]. ولهذه الحيثية، فإنه مثلما أن الأفلاطونيين المحدثين سوف يقدمون إلينا أفلاطون محدثا بمسحة لاهوتية؛ فإن الإسكندر قدم إلينا أرسطو جديدا؛ عنينا به ذاك الذي كان يرضي اهتمامات عصره الميتافيزيقية، وذلك عبر الانعطاف بفكره وجهة العناية بالنظر في الشأن الإلٰهي [الإلٰهيات].

على أن المؤلِّف الذي أحدث التغير الكبير الذي لحق بعوادي التقليد الأرسطي إنما كان هو فورفوريوس (حوالي 300 بعد الميلاد) ناشر أعمال الشيخ أفلوطين على مستوى واسع وكاتب سيرته ومريده. ولقد صار ذاك الرجل معروفا في الأوساط العربية أولا بوسمه شارحاً لأرسطو؛ ذلك أن كتابه «المدخل إلى مقولات أرسطو» [الشهير في العربية تحت مسمى: «إيساغوجي» (المترجم)] كان هو العمل الأساس الذي أثر أشد ما يكون التأثير في الشرق والغرب معاً؛ إذ كان مدخل المبتدئ في دراسة منطق أرسطو؛ فلم يكن يتطلب هو من هذا المبتدئ سوى استئناس أولي بسيط. ومنذ زمن فورفوريوس هذا فصعداً، أمسى ما من طالب فلسفة إلا وعليه أن يدرس «المدخل» بوصفه المقدمة إلى دراسة المنطق.

ثم إن ثمة شارحاً مهماً آخر لأرسطو هو ثامسطيوس القسطنطيني (عاش في القرن الرابع بعد الميلاد) الذي أضحى شرحه للكتاب الثاني عشر من كتاب الميتافيزيقا [المؤلف من أربعة عشر كتابا] مؤلفاً كلاسيكياً في الإلٰهيات الطبيعية، وقد تم نقله إلى اللسان العربي، فمن ثمة إلى اللسان العبري واللاتيني. وبدءًا من القرن الخامس، بدأت الشروح على أعمال أرسطو القيمة والمؤثرة تُؤَلَّفُ من لدن جماعة من الفلاسفة ـ بعضهم كان نصراني الملة وبعضهم كان وثنيها ـ الذين كانوا متأثرين بأفلاطون وأفلوطين أكثر مما كانوا واقعين تحت تأثير أرسطو نفسه، ثم إنه سرعان ما اكتست الأفلاطونية المحدثة أحجاماً كبيرة. على أن الأفلاطونية المحدثة ما كانت متماثلة في كل المناطق، وحتى عندما كانت أسس تعاليمها متماثلة إلى هذا الحد أو ذاك؛ فإنها كانت تتبع ـ بكل من مدرستي أثينا والإسكندرية ـ سبلاً متباينة في تطورها؛ بحيث كانت لكل واحدة من هاتين المدرستين مياسمها التي تفردت بها؛ ذلك أن مدرسة أثينا كانت قد وقعت تحت التأثير القوي ليامبليخوس (حوالي 270 - 330 بعد الميلاد)، وكانت قد قامت على منحى غنوصي شعبذي، وكان أحد مساعدي الرجل ـ ويدعى سريانوس ـ قد كتب شرحا على كتاب «الميتافيزيقا» لأرسطو. ثم إن برقلس (حوالي 410 - 485 بعد الميلاد) ـ الذي اشتهر اشتهاراً واسعاً في أوساط العرب، وخاصة بفضل الكتاب الذي أشرنا إليه آنفا والمعروف في الغرب اللاتيني تحت مسمى «كتاب العلل» ـ كان قد درس المتن الأرسطي في مجمله، وطعَّمه بعناصر أفلاطونية محدثة في كتابيه «مبادئ الإلٰهيات» و«مبادئ الطبيعيات». هذا مع تقدم العلم أن الشارح المتميز لأرسطو ـ سامبلقيوس الذي سبق أن أشرنا إليه فيما تقدم أيضاً ـ كان عضواً في هذه المدرسة.

 

وفي تاريخ الفلسفة الإغريقية، فإنه وحده في مدرسة أثينا شهد على الفلسفة والإلٰهيات يدرسان جنباً إلى جنب. ومن المحتمل جداً أن وجهة نظرها هذه قد تم تبنيها من لدن الفلاسفة وعلماء اللاهوت النسطوريين من أنطاكية والرها الذين صاروا على صلة متينة مكينة بالتقليد الأفلاطوني المحدث القائم بأثينا والذي تم نقله ـ فيما بعد في زمن متأخر ـ إلى المراكز الفكرية الجديدة في بلاد الرافدين وفي بلاد الفرس، وذلك بعد أن أقدم الأمبراطور زينون على إغلاق مدرسة أثينا (489 بعد الميلاد) بسبب نزعته النسطورية. ثم إن النسطوريين أنفسهم نقلوا هذا التقليد إلى نصيبين ببلاد الرافدين. والحال أن النسق الفلسفي الأفلاطوني المحدث كان عليه أن يخضع إلى التبسيط والتيسير طوال القرون التي مضت من عهد إغلاق مدرسة أثينا (529م) إلى فترة تأسيس الخلافة العباسية (750م) وبداية نشاط الترجمة الأعظم ونقل الموروث الفكري إلى العالم العربي الإسلامي.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية كانت أشهر الأسماء ـ التي مثلت النزوع التعليمي في مدرسة أثينا والمتضمن لشراح أفلاطون والأفلاطونيين المحدثين وأرسطو ـ هي أمونيوس وأولمبيودوس ويوحنا فيلبونس [يوحنا النحوي (المترجم)] الذي تنصر فيما بعد. ولقد تقدم أن رأينا كيف أن هؤلاء الفلاسفة الأخيرين انتقلوا إلى أنطاكية عام 718م، ومن هنالك إلى حران ببلاد الرافدين حوالي عام 850م، وذلك قبل أن ينتهي بهم المطاف ببغداد في العقود المبكرة من القرن العاشر الميلادي.

والحق أن كل هذه الأحداث والأسماء المذكورة إنما تدل دلالة بينة على المسالك التي سلكها الفكر الأرسطي بالشرق؛ ذلك أنه ما تم نقل أرسطو إلى العالم العربي بأعماله الأصيلة الثابتة النسبة إليه فحسب؛ وإنما أيضاً عبر شراحه الذين كانوا ـ في الأغلب ـ أفلاطونيين محدثين، وقد كانوا متشبعين بمعتقداتهم الخاصة التي مزجوها بأفكار أرسطو مزجاً. ولقد كان رواد هذا المشروع الترجمي من السريانيين الذين ـ ومنذ البدء المبكر للقرن الخامس ـ نقلوا العديد من الأعمال الأرسطية والأفلاطونية المحدثة من اللسان الإغريقي إلى اللسان السرياني. ثم إنه حدث لاحقاً ـ من القرن الثامن [الميلادي] فصاعداً، لما كان النشاط الترجمي تدعمه الخلافة العباسية ـ أن عمد الدارسون السريانيون والمسلمون إلى نقل الترجمات السريانية المتوفرة إلى اللسان العربي، ثم سرعان ما طفقوا ـ فيما بعد ـ في إعداد ترجمات عن اللسان الإغريقي مباشرة إلى اللسان العربي [من «الترجمة عن الترجمة» إلى «الترجمة عن الرأس» بلغة القدماء (المترجم)].

ذلك أن السريانيين ما كانوا قد ترجموا منطق أرسطو جملة؛ وإنما وقفوا هم عند كتاب «التحليلات الأولى» [I, 1 - 7]. وكان أول من نقل كل النصوص الدائرة على المنطق إلى اللسان العربي ثاودوروس أبو قرة (توفي عام 820/25م) الذي كان أصلاً راهباً بدير مار سابا بجنوب فلسطين، والذي صار فيما بعد أسقف حران ببلاد الرافدين. ثم إن من خلفه من النقلة كان ـ بلا ريب ـ من أشهر الدارسين السريانيين الذين اعتنوا ـ على وجه التخصيص ـ بأورغانون أرسطو: سرجيوس الرأسعيني (توفي عام 696م) وأثناسيوس البلدي [نسبة إلى البلد بالعراق] (توفي عام 696م) ويعقوب الرهاوي (توفي عام 705م) وثيوفيلوس الرهاوي (المتوفى عام 785م) وجورجيوس «أسقف العرب» (المتوفى عام 724م).

 

وفي أثناء القرنين الثامن والتاسع الميلاديين استعر نشاط ترجمي محموم في العالم العربي الإسلامي، وبخاصة في دمشق، وبعد ذلك في بغداد، ويعود الفضل في ذلك إلى خلفاء بغداد المتنورين، وهم: [الخليفة] المنصور (حكم ما بين 754 و775م) وهارون [الرشيد]، وابنه الأصغر المأمون (الذي حكم ما بين الأعوام 813 - 833م) الذي أسس بيت الحكمة الشهير ببغداد. والحال أن المترجم الأعظم الذي تفتقت عبقريته خلال حكم المأمون ما كان سوى يحيى بن البطريق الذي نقل إلى العربية محاورة «طيماوس» لأفلاطون وكتب «النفس» و«الآثار العلوية» و«التحليلات الأولى» لأرسطو، فضلاً عن الكتاب المنحول «سر الأسرار»، الذي عرف خلال القرون الوسطى تحت مسمى Secreta Secretum، والذي كان قد نحل إلى أرسطو. هذا ولقد كان رئيس النقلة في بيت الحكمة ـ بطبيعة الحال ـ حنين بن إسحاق (توفي عام 873م)، والذي أنشأ برفقة ابنه إسحاق بن حنين وغيره من تلامذته مدرسةً في الترجمة كاملة، واستحدثوا الاصطلاحات العربية المخصوصة بهذا الشأن والدائرة على الأعمال الإغريقية. هذا ولقد كانت إحدى أكبر اهتمامات حنين هذا نقل أعمال جالينوس وأفلاطون، على أن ابنه إسحاق تخصص في أرسطو، مترجماً كتاب «المقولات» وكتاب «الكون والفساد» وكتاب «الطبيعيات» وكتاب «النفس» وكتاب «الأخلاق إلى نيقوماخوس» والكتاب المنحول إلى أرسطو «كتاب النبات» الذي إنما كان قد ألفه الفيلسوف المشائي نيقولا الدمشقي (القرن الأول قبل الميلاد). غير أنه يبقى أن الكتاب الأهم الذي نقل إلى اللسان العربي خلال هذه الفترة هو كتاب «الميتافيزيقا»، والذي عرف في المصادر العربية تحت مسمى «كتاب الحروف» و«كتاب الإلٰهيات». ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن أول من حاول نقل كتاب الميتافيزيقا لأرسطو من اللسان الإغريقي الأصلي رأساً إلى اللسان العربي إنما كان هو الراهب اليعقوبي أسطات. وقد نَقَل الكتاب بطلب من الكندي حيث كان التعاون بين المترجم والفيلسوف على قدم وساق. هذا مع تقدم العلم أن الفيلسوف المسلم الكندي كان أول ممثل للفلسفة الأرسطية في الإسلام، وقد اشتغل إلى جنب حنين مشرفاً على بيت الحكمة.

ثم إنه كان هناك مترجم آخر للأعمال الفلسفية اليونانية هو قسطا بن لوقا، هذا الذي كان يمتلك ناصية اللسان الإغريقي بوسمه اللسان الذي نشأ عليه، فضلاً عن معرفته باللسانين السرياني والعربي، وهو الذي نقل أول كتب الطبيعيات الأربعة، في الكون والفساد، رأساً عن اللسان اليوناني الأصلي وبلا واسطة من السريانية، وذلك مثلما هو نقل شروح الإسكندر الأفروديسي ويوحنا النحوي. وقد أعقبه الحكيم أبو عثمان الدمشقي (توفي حوالي عام 910م)، وكان الرجل رئيس الأطباء بمارستانات بغداد ومكة والمدينة وعضواً مميزاً في فريق ترجمة حنين بن إسحاق. وهو الذي نقل أيضاً أعمالاً طبية متنوعة. وفيما يخص أرسطو؛ فإنه ـ فضلاً عن نقله «مدخل» فورفوريوس ـ ترك لنا نقول الكتب الستة الأولى من «كتاب الطوبيقا» [المواضع الجدلية]، بالإضافة إلى العديد من رسائل الإسكندر الأفروديسي وثامسطيوس. ونود أن نلفت العناية هنا إلى أنه كان قد اهتم كثيراً بترجمة كتاب برقلس «مبادئ الإلٰهيات». وتأسيسا عليه يمكن للمرء أن يتساءل عما إذا كان هو أيضاً من قام بنقل العمل الأفلاطوني المحدث الشهير المشار إليه آنفا؛ عنيت «كتاب الإيضاح في الخير المحض» الذي عرف على أنه تفسير لأجزاء من كتاب برقلس «مبادئ الإلٰهيات».

هذا ولقد كان أبو علي بن زرعة (توفي عام 1008م) هو من قام بنقل الكتب الخمسة الأولى من شروح نقولا الدمشقي (القرن الأول بعد الميلاد)، «في فلسفة أرسطو»، وذلك بينما كان أبو بشر متَّى بن يونان [يونس] (المتوفى عام 940م) عالم منطق حاذقاً، وهو الذي كان ـ إلى جانب اليعقوبي يحيى بن عدي ـ أشهر من ألف في مسائل اللاهوت المسيحي والأخلاق باللسان العربي. هذا بينما كان الحراني ثابت بن قرة (المتوفى عام 901م) عالم رياضيات مميز وعالم فلك، وذلك مثلما اشتهر بكونه ناقلاً ومترجماً سواء بسواء.

وبالجملة، لقد عمل الدارسون المسلمون على تثمير ثروة اليونان هذه بعامة وتراث الفكر الأرسطي بخاصة، وبهذه الكيفية التثميرية تم إنشاء الفلسفة الإسلامية والعلم الطبيعي الإسلامي. وبالفعل، لقد استثمر الفكر الإغريقي استثماراً حسناً في حقبتين طويلتين ـ مع وجود فاصل تاريخي وجغرافي بين الحقبتين ـ وهما: الحقبة الأولى: منذ العهد المبكر من القرن التاسع الميلادي إلى النصف الأول من القرن الحادي عشر منه، وذلك لما بلغ فرع الفلسفة الشرقية أوجه. والحقبة الثانية: في القرن الثاني عشر الميلادي، وذلك لما تم إنشاء الفرع الغربي من الفلسفة الإسلامية بالأندلس.

من بين الوجوه المميزة من بين العديد من فلاسفة الشرق، ثمة ثلاثة أساس: الكندي (808 - 873م)؛ أول وأكبر ممثلي الفكر الأرسطي الأفلاطوني المحدث في الإسلام، وهو من حاول التوفيق بين مبادئ الوحي الإلٰهي والفكر الفلسفي، مثلما حاول تنسيق [مبادئ] دين الإسلام عبر استخدام مفاهيم فلسفية. وقد تلاه الفارابي [أبو نصر محمد الفارابي] (870 - 950م)، هذا الذي بفضل معرفته العميقة بالأرسطية وبالأفلاطونية المحدثة نشط للجمع بين أفلاطون وأرسطو. وأخيراً ابن سينا [أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا] (980 - 1037م) الممثل العظيم والأهم للأفلاطونية المحدثة وقد مزجت هي مزجا بالأرسطية.

 

وفي خلال القرن الثاني عشر الميلادي بالغرب [الإسلامي] وعلى طول امتداده، كانت قد سيطرت الوجوه الهامة: ابن باجه وابن طفيل والوجه العظيم ابن رشد. ولقد كان ابن رشد ـ قبل كل شيء وبالأولى والأجدر والأحق ـ فيلسوفاً أرسطياً قُحّاً أوفى لنا بشرح على مجمل المتن الأرسطي، وأنتج ثلاثة أضرب من الشروح على أعمال المعلم الأول: الصغرى والوسطى والكبرى.

وبالمقابل، فإن عظماء فلاسفة الإسلام أدوا خدمة جليلة إلى الغرب المسيحي؛ وذلك لأنه بفضلهم بلغت الآداب الإغريقية العالم اللاتيني. وهكذا، فإننا نشهد بأن لوغوس أرسطو، والفكر الإغريقي بعامة ـ وبعد أن كانا قد سلطا نورهما وصارا موضوعاً لتثاقف خلاق في العالم العربي الإسلامي ـ دخلا الغرب المسيحي دخول الفاتح المنتصر في القرن الثالث عشر الميلادي، ممهدين الطريق إلى روح النهضة الأوربية وإلى التنوير. والحال أنه بعد انقضاء فترة قصيرة قبيل وبعيد أن يُسقط العثمانيون الإمبراطورية البيزنطية، فإن هذه الدائرة من النور سوف تستكمل من لدن الدارسين اليونانيين الجدد [الذين كانوا يحيون في هذه الإمبراطورية، والذين اضطر أغلبهم إلى الهجرة بعد سقوط القسطنطينية عام 1453 م (المترجم)]، وذلك بما أنهم كانوا هم من حمل معهم إلى الغرب ذخائر الفكر الإغريقي في أصولها.