منهجية النقد الصوفي: السياقات التاريخية والتحولات

منهجية.jpg

محمَّد حلمي عبد الوهَّاب

باحث وكاتب من مصر.

تعرض التصوف الإسلامي، كسائر الظواهر الدينية والثقافية والاجتماعية لأطوار مختلفة من القوة والضعف، والاستقامة على الأصل الأول والانحراف عنه، فدعا ذلك الغيورين عليه والمعارضين له أن ينبهوا على مواطن الانحراف، وأن يسجلوا ظواهر الخروج عن الأصل الذي بُني عليه، بدافع الإصلاح والتقويم حيناً (النقد الذاتي من الداخل)، وبقصد الهجوم والتشويه حيناً آخر (النقد من الخارج).

ومما هو لافت للنظر في هذا السياق أنَّ الاتجاه إلى نقد التصوف من الداخل ـ متأثراً بلا شك بالدوافع والميول والنزعات المُعارضة ـ قد بدأ مبكراً جداً؛ خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أنَّ مصطلح «صوفي» كان معروفاً في النصف الثاني من القرن الأول الهجري بحسب إفادة الحسن البصري (توفي 110هـ/728م): «رأيت صوفياً في الطواف فأعطيته شيئاً ولم يأخذ، وقال: معي أربعة دوانيق فيكفيني ما معي»، كما روي عن سفيان الثوري (ت 161هـ/777م) أنه قال: «لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرياء». بل وظهر في عهده أدعياء في هذا المجال!! ولا أدلّ على ذلك مما أورده ابن عبد ربه في «العقد الفريد» من أبيات مساور الوراق التي يعيب فيها تظاهر شخص ما بالصلاح رياء ومكابرة، وفيها يقول:

تصوّف كي يُقال له: أمينٌ

وما يعْني التصوُّف والأمانة

ولم يُردِ الإلٰهَ بهِ؛ ولكـنْ

أرادَ بهِ الطريقَ إلى الخِيانة

 ولا شك أن ذلك كله قد دفع بعلماء الصوفية دفعاً إلى التدوين والتأليف فيه، وهو ما صرّح به غير واحد منهم؛ فهذا السراج الطوسي (ت 378هـ/988م) يصرح في كتابه «اللمع» ـ أقدم المصنفات الصوفية قاطبة ـ أنه وضع كتابه هذا استجابة لسؤال «سائل عن علم التصوف، ومذهب الصوفية، وزعم أن الناس اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من يغلو في تفضيله، ورفعه فوق مرتبته، ومنهم من يُخرجه عن حد المعقول والتحصيل.... ومنهم من يُسْرفُ في الطعن وقُبح المقال فيهم حتّى ينسبهم إلى الزندقة والضلالة». فهذا السائل يمثل طوائف مختلفة من أهل عصر الطوسي، وله نظراء في كل عصر، يختلط عليهم الأمر، وتتداخل لديهم الصور، ويحارون بين المؤيدين للتصوف والمعارضين له. ومن هنا يكتسب النقد الذاتي أو الداخلي قيمة ومغزى لا تقلّ في أهميتها عن قيمة النقد الخارجي، نقد خصوم التصوف ومعارضيه، لقضايا التصوف ومسالك الصوفية! كما أن هذا الأخير (النقد الخارجي) يُعبّرُ في جوهره عن جهود علماء الأمة في خدمة التصوف، ولا يقل أهمية عن النقد الذاتيّ.

في دراستنا هذه سنعرض لحملتي النقد الداخلية والخارجية، وذلك بالتركيز في الأولى على جهود كل من: الطوسي والسُلمي بصفة خاصة، فيما نعرض في الثانية لجهود ثلاثة من كبار الحنابلة في نقد التصوف من الخارج، ألا وهم: ابن الجوزي (ت 597هـ/1200م)، وابن تيمية (ت 728هـ/1327م)، وابن قيم الجوزية (ت 751هـ/1350م)، ثم نختم باستقراء حملة النقد التي شنها المتصوفة ضد الفقهاء وذلك من خلال الوقوف على غاياتها ووسائلها.

 

أولاً: مقاربة في النقد الذاتي .. نشأة وسيرورة ومَآلا:

ألمحنا من قبل إلى ظهور اتجاه مبكر جداً للنقد الذاتي في أوساط الزاهدين الأوائل، ولا أدل على ذلك من كثرة الآثار والنقول المروية عن كبار الزهاد التي تتعلق في مجملها بنقد المسالك، وتوضيح الحدود والفوارق ما بين الزهد الحقيقي ونظيره الزائف. وبمراجعة هذه الآثار وتلك النقول يتضح لنا أن جزءًا كبيراً منها يكاد ينحصر في مسائل ثلاث: أولها: توضيح المقصود بمعنى الزهد والفقر. ثانيها: يتعلق بفهم معنى التوكل والفرق بينه وبين التواكل. وأخيراً يختص ثالثها: بنقد تعامل ممثلي السلطة الدينية (قراء وفقهاء وفقراء) مع نظراتهم من ممثلي السلطة الدنيوية / السياسية.

وهكذا يصبح بالإمكان إذن أن نفرق ضمن هذا السياق بين اتجاهين رئيسين ينحصر أولهما في داخل الإطار الصوفي (النقد للداخل)، فيما يتسع ثانيهما ليشمل الفرق والطوائف والمذاهب الإسلامية كافة (النقد للخارج). وسنكتفي هنا بإيراد بعض الأمثلة التي تجسد كلا الاتجاهين: أما المثال الأول الممثل لاتجاه نقد التصوف من الداخل فهو ما ورد من قول الحسن البصري: إنه أدرك «سبعين بدرياً أكثر لباسهم الصوف لو رأيتموهم لقلتم [عنهم] مجانين، ولو رأوا خياركم لقالوا: ما لهؤلاء من خلاق!!، ولو رأوا أشراركم لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب!! لقد رأيت أقواماً كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب، ولقد رأيت أقواماً يمشي أحدهم لا يجد عنده إلا قوت يومه، فيقول: لا أجعل هذا كله في بطني، ولأجعلن بعضاً لله 8 ، فيتصدق ببعضه، وإن كان هو أحوج ممن يتصدق به عليه».

وفي السياق ذاته، يحكي الفرغاني عن إبراهيم الخواص أنه كان مجرِّداً في التوكل يدقق فيه، وكان لا يفارق الإبرة والخيوط والرَّكوة والمِقْراض، فقيل له: لِمَ تحملُ هذا وأنت تمنعُ من كل شيء؟! فقال: مثل هذا لا ينقص التوكل؛ لأن لله علينا فرائض، والفقير لا يكون عليه إلا ثوبٌ واحد، فربما تخرَّق ثوبُه، فإذا لم يكن معه إبرةٌ وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلاته؛ وإذا لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته، وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتَّهِمْهُ في صلاته. أما الأمثلة المتعلقة بنقد الخارج، فمنها ما رواه أبو همام الكلاعي عن الحسن البصري أيضاً أنه مرّ ببعض القرّاء على أبواب السلاطين فقال لهم: أفرختم حمائمكم [موضع السجود]، وفرطحتم نعالكم [أي: وسعتموها]، وجئتم بالعلم تحملونه على رقابكم إلى أبوابهم فزهدوا فيكم، أمَا إنكم لو جلستم في بيوتكم حتى يكونوا هم الذين يرسلون إليكم لكان أعظم لكم في أعينهم، تفرّقوا فرّق الله بين أعضائكم».

وبالعودة إلى المسألة الرئيسة ـ أعني: النقد الذاتي في التصوف ـ نلاحظ أن المتصوفة يعبّرون فيه عن شدة انزعاجهم من خروج بعض منتسبي التصوف عن أصوله ومبادئه، ويكفي للتدليل على ذلك ما ذكره القشيري (ت 465هـ/1072م) في مطلع رسالته حين قال: «مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء، وقلّ الشباب الذين كان لهم بسيرهم وسُنَّتهم اقتداء، وزال الورع ... وأشفقتُ على القلوب أن تحسب هذا الأمر ـ على هذه الحالة ـ بني قواعده ... فعلقتُ هذه الرسالة إليكم». وفي السياق ذاته ألف السُلمي (ت 412هـ/1021م) «رسالة في غلطات الصوفية»، وعقد السهروردي (ت 632هـ/1234م) فصلاً صغيراً بعنوان: «من انتمى إلى الصوفية وليس منهم» ضمن كتابه «عوارف المعارف»، والتوجه نفسه يبدو ملاحظاً في كتابي: «المنقذ من الضلال» و»المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي (ت 505هـ/1111م).

بدايةً تنطلق حملة النقد الذاتي من التأكيد على ضرورة الالتزام بالأصول المتبعة في التصوف، ومن ثم تنقسم جملة غلطات القوم إلى: غلطات في الأصول، وغلطات في الفروع، وغلطات الزلة والهفوة. وفضلاً عن عشرات الآثار والنقول التي وردت عن أوائل الصوفية؛ كان النقد الذاتي دافعاً مهماً لتدوين علوم التصوف، فها هو ذا السراج الطوسي في مقدمة كتابه اللُمع يؤكد أنه جمع فيه أبواباً في معنى التصوف كي ينظر فيه الناظر المتيقظ «بحسن التوقف والتفكر والتأمل والتدبر، ... متقرباً إلى الله تعالى ذكره، وشاكراً له على ما منحه من تسديده وتوفيقه وهدايته إلى موالاة هذه العصابة [أهل التصوف]، ومناوأة من بسط لسانه فيها بالوقيعة، فيهم والإنكار عليهم وعلى سلفهم الماضين، رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين؛ لأنهم العصابة القليل عددها، العظيم عند الله قدرها وخطرها».

ثم يوضح سبباً لذلك يتعلق بضرورة وقوف العقلاء من أهل عصره على معرفة «أصول هذه العصابة وقصودهم، وطريقة أهل الصحة والفضل منهم، حتى يميّز بينهم وبين المتشبهين بهم، والمتلبسين بلبسهم، والمتسمين باسمهم». ويضيف بعد ذلك أسباباً أخرى في مقدمتها: «واعلم أن في زماننا هذا قد كثر الخائضون في علوم هذه الطائفة، وقد كثر أيضاً المتشبهون بأهل التصوف والمشيرون إليها والمجيبون عنها وعن مسائلها، وكل واحد منهم يضيف إلى نفسه كتاباً قد زخرفه، وكلاماً ألّفه، وليس بمستحسَن منهم ذلك؛ لأن الأوائل والمشايخ الذين تكلموا في هذه المسائل وأشاروا إلى هذه الإشارات ونطقوا بهذه الحِكَم، إنما تكلموا بعد قطع العلائق، وإماتة النفوس بالمجاهدات والرياضات والمنازلات والوجد والاحتراق، والمبادرة والاشتياق إلى قطع كل علاقة قطعتهم عن الله 8 طُرفة عين، وقاموا بشرط العلم، ثم عملوا به، ثم تحققوا في العمل فجمعوا بين العلم والحقيقة والعمل».

وعلى ما يبدو؛ فإن أحد أبرز الأسباب التي دعت الطوسي لتأليف كتابه هذا تتمثل في كثرة التصنيف في التصوف بغير علم، أو فوضى الفتوى في أمره، واتساقاً مع هدفه المعلن في تعريف عقلاء أهل عصره ـ وكل عصر بالتبعية ـ بحقيقة التصوف، قام الطوسي بحذف الأسانيد واقتصر على متون الأخبار وأجوبة المتقدمين؛ لأن فيها غنية عن تكلُّفِهِ «كتكلُّفِ المتأخرين في زماننا هذا إذا تكلموا في هذه المعاني بكلام، أو أجابوا عنها بجواب، أو أضافوا ذلك إلى أنفسهم وهم متعرون عن حقائقهم وأحوالهم». كما يدين أيضاً توظيف المتأخرين لأحوال الأقدمين خِدمة لجاههم ورغبة في اتساع نِطاق شهرتهم، يقول في ذلك صراحة: «وكل من أخذ من كلام المتقدمين الذين وصفناهم معنى من معانيهم التي هي أحوالهم ... وحلَّاها من عنده بحلية غير ذلك، أو كساها عبارة أخرى، أو أضافها إلى نفسه حتى يُشار إليه بذلك، أو يطلب بذلك جاهاً عند العامة، أو يريد أن يصرف بذلك وجوه الناس إليه لجر منفعة أو لدفع مضرة؛ فإنه عز وجل خصمه في ذلك وهو حسبه؛ لأنه قد ترك الأمانة وعمل بالخيانة، وهذه أعظم وأكبر من الخيانة التي في أسباب الدنيا.

وبالإضافة إلى ما سبق يُفرد الطوسي قرابة أربعين صفحة في نهاية كتابه لذكر «مَن غلط من المترسمين بالتصوف، ومن أين يقع الغلط وكيف وجوه ذلك»، فيبدأ أولاً بتأكيد أن الغلط في كل شيء أهون من الغلط في التصوف الذي هو عبارة عن مقامات وأحوال وإرادات ومراتب وإشارات؛ «فمن تخطّى في ذلك إلى ما ليس له فقد اجترأ على الله فيكون الله خصمَهُ، فإن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه بما شاء كيف شاء». ثم ما يلبث أن يضع أُسساً للمعيار الذي ينبني عليه التصوف الحق من الزائف فيقول: «وكل من ترسم برسوم هذه العصابة ... ولم يُحْكِم أساسه على ثلاثة أشياء فهو مخدوع، ولو مشى في الهواء ونطق بالحكمة، أو وقع له قبولٌ عند الخاصة أو العامة. أولها: اجتناب جميع المحارم، كبيرها وصغيرها. والثاني: أداء جميع الفرائض، عسيرها ويسيرها. والثالث: ترك الدنيا عن أهلها، قليلها وكثيرها إلا ما لا بد للمؤمن منها».

وتأسيساً على انبناء أمر التصوف على هذه الأمور الثلاثة، بحسب ما يؤكد كل من الطوسي والسُلمي، تقع الأغلاط في ثلاثة أوجه كذلك. ومن هنا جاء تصنيف الطوسي للغالطين في التصوف من ثلاث طبقات: «فطبقة منهم: غلطوا في الأصول من قلة إحكامهم لأصول الشريعة، وضعف دعائمهم في الصدق والإخلاص، وقلة معرفتهم بذلك، كما قال بعض المشايخ ...: (إنما حرموا الوصول لتضييع الأصول). وطبقة ثانية: منهم غلطوا في الفروع، وهي: الآداب، والأخلاق، والمقامات، والأحوال، والأفعال، والأقوال؛ فكان ذلك من قلة معرفتهم بالأصول، ومتابعتهم لحظوظ النفوس ومزاج الطبع؛ لأنهم لم يدنوا ممن يُروضهم، ويجرعهم المرارات، ويُوقفهم على المنهج الذي يؤديهم إلى مطلوبهم.... 

والطبقة الثالثة: كان غلطهم فيما غلطوا فيه: زلة وهفوة، لا علة وجفوة؛ فإذا تبين ذلك عادوا إلى مكارم الأخلاق، ومعالي الأمور، فسدُّوا الخلل، ولَمُّوا الشَّعَث، وتركوا العناد، وأذعنوا للحق، وأقروا بالعجز؛ فعادوا إلى الأحوال الرضية والأفعال السنية والدرجات الرفيعة، فلم تنقص مراتبهم هفوتُهم، ولم تظلم الوقتَ عليهم جفوتُهم، ولم تمتزج بالكدورة صفوتُهم».

على أن كل طبقة من الطبقات الثلاث على أحوال شتّى من التفاوت والإرادات والمقاصد والنيات، فمن غلط في الأصول فلا يسلم من الضلالة، ولا يُرجَى لدائه دواء، إلا أن يشاء الله ذلك. أما الغلط في الفروع فأقل آفة وإن كانت بعيدة من الإصابة. ولعل ذلك هو ما دفع الطوسي لأن يبدأ بها، وإن كان أولى به أن يبدأ بذكر الغلط في الأصول نظراً لأهميتها ولما يترتب عليها. وهكذا الأمر بالنسبة لأبي عبد الرحمٰن السلمي الذي مضى على الطريق ذاته ولم يحد عنه! يبدأ الطوسي بذكر «من غلط في الفروع التي لم تؤدهم إلى الضلالة»، وفي مقدمتها ذكر أولئك الذين غلطوا في فهم معنى الفقر والغنى.

 

1 ـ الأغلاط في الفروع، وهي:

أ ـ تفضيل الغني على الفقير: وبالتالي ترك التوكل والاعتماد على الكسب بدلاً من الثقة بما وعد الله، ويشدد الطوسي في هذا السياق على أن «الفقر في ذاته محمود، فإذا صحبته علة [كالتواكل] فالعلة فيه مذمومة». أما السُلمي؛ فيتابع: «وطبقة غلطت في ألفاظ الفقر والغنى: فقوم فضلوا الغنى على الفقر، وإنما أشاروا بذلك إلى الغنى بالله 8 ؛ لأن الغنى به أجلّ من الافتقار إليه، ولم يشيروا بقولهم (الغنى) إلى الغنى بأعراض الدنيا».

ب ـ الغلط في التوسع وتركه بالتقشف؛ أي: الغلط في الاكتساب وتركه: فمنهم من «تعلقوا بالتقشف والتقلل، واعتادوا الدون من اللباس والقليل من القوت، وظنوا أن كل من رفق بنفسه، أو تناول شيئاً من المباحات، أو أكل شيئاً من الطيبات: أن ذلك علة وسقوط من المنزلة، وكل حال غير الحال الذي هم عليه عندهم زلة؛ وقد غلطوا في ذلك؛ لأن العلة كائنة في التقلل والتقشق؛ كما أن العلة كائنة في الترفع والترفه».

وفيما يتعلق بمسألة الكسب، ثمة طبقة من المتصوفة «تعلقوا بأخذ القوت من الكسب، وركنوا إلى اكتسابهم، وأنكروا على من لم يكتسب مثلهم»، في حين طعنت طبقة أخرى «على المتكسبين، وجلسوا معتمدين على حالهم، متشرفين إلى من يتفقدهم، وعندهم أن هذا هو الحال».

وكعادة الطوسي يغلط كلا الفريقين: أما دعاة الاكتساب فقد غلطوا في توهمهم أن الحال لا يصح إلا بتصفية الغذاء، وأن تصفية الغذاء لا تصح عندهم إلا بالاكتساب؛ وذلك «لأن الكسب رخصة وإباحة لمن لم يُطِق حالَ التوكل؛ لأن التوكل حال الرسول ژ، وكان الرسول مأموراً بالتوكل والثقة بالمضمون من الرزق، وكذلك الخلق كلهم ... فمن ضعُفَ عن ذلك ولم يُطق فقد سنَّ له رسول الله ژ الكسب المباح بشروطه حتى لا يهلك».

أما الذين طعنوا على المكتسبين، فقد غلطوا في ذلك أيضاً؛ «لأن الجلوس عن المكاسب ينبغي أن يكون من قوة اليقين والصبر، فمن ضعُفَ يقينُه وغلب عليه طبعه وطمعه يؤمر بالدخول في الطلب، والطلب مباح، وترك الطلب بقوة الإيمان أتم وأفضل».

ج ـ فتور الهمة نتيجة التبرُّم بطول المجاهدة والرياضة: والكسل والتواني والاستسلام للأماني الكاذبة. ويكاد ينقل السلمي ما سبق وذكره الطوسي في اللمع: «وطبقة من المريدين غلطوا في حال الفترة. وذلك أنهم لما سمعوا مجاهدة من كان قبلهم من المشايخ الأبرار والسادة المتقدمين، اجتهدوا وعملوا في الاجتهاد مدة. فلما طال بهم الأمر طمعت نفوسهم في الكرامات فلم يجدوها، فلما رأوا ذلك كسلوا عن مجاهداتهم فسموا ذلك الكسل فترة ... ولو جذبهم الحق سبحانه جذبة لما كسلوا فكانت فترتهم رجوعاً عن المجاهدة؛ لأن الفترة تكون استرواحاً لقلوب المجتهدين وأبدانهم وقتاً دون وقت، ثم يعودون إلى حال الاجتهاد، كما حُكي عن أبي علي الروذباري، أنه قال: «النهاية كالبداية والبداية كالنهاية. فمن ترك في نهايته شيئاً مما كان يفعل في بدايته فهو مخدوع».

د ـ ترك الطعام والعزلة والانفراد والظن بأن ذلك كاف لردع النفس الأمارة، مع أن الآفات موجودة في الباطن فالنفس «لا يُؤمَن شرُّها، ولا يذهبُ عنها ما جُبلت عليه من الشر، وهي الأمارة بالسوء، فمن ظن أن النفس إذا انكسرت بالجوع بقلة المطعم فقد زال عنها شرها وآفات بشريتها، حتى يأمنها صاحبها، فقد غلط». وفي السياق ذاته يقول السُلمي: «وطبقة غلطوا في ترك الطعام والعزلة، وتوهموا أن النفس إذا كُسرت بترك الطعام انكسرتْ وذُلَّتْ ويُؤمَنُ شرُّهَا. وذلك غلط، إنما يؤخذ طريق تذليل النفس وكسرها من المشايخ... حتى لا يكون على صاحبها مما يريده من الخير شر؛ فإن الشر إذا تولد من طريق الخير لا يمكن تداركه. والإنسان إذا ترك الطعام أياماً أدّاه ذلك إلى خلل يقع في الفرائض، وتقصيرٌ يقع في فريضةٍ أضرّ على المريد من تمادي النفس في كل وقت».

هـ ـ التكلف في لبس الصوف والتشبه بكبار المشايخ في الملبس والإشارات وحفظ الحكايات: واستعمال الألفاظ الصحيحة والعبارات الفصيحة، والظن بأن ذلك يؤدي إلى أن يكون المرء منهم يقول الطوسي في ذلك: «وجماعة تكلَّفُوا لبس الصوف، واتخذوا المرقعات المعمولة، وحملوا الركاء ولبسوا المصبوغات، وتعلموا الإشارات، وظنوا أنهم إذا فعلوا ذلك، أنهم من الصوفية. وقد غلطوا في ذلك؛ لأن التحلّي والتلبُّس والتشبُّه، لا يُورث لصاحبه غير الحسرة والندامة، والعتب والملامة، والشنار والنار في يوم القيامة». أما السُلمي فيقول في أمر هؤلاء: «وطائفة غلطوا في لبس الصوف والمرقّعات من غير ضرورة، وأخذ الرّكاء والأباريق وتعلموا شيئاً من إشارات القوم وعلومهم فظنوا أنهم إذا فعلوا ذلك كانوا منهم. وليس التَّحلِّي والتَّشبُّه من الحقيقة بشيء؛ لأن النبي ژ قال: «ليس الإيمان بالتّمنّي ولا التّحلّي». وقال أيضاً: «المتشبّه بما لم يُعْطَ كلابس ثوبي زور».

و ـ الظن بأن التصوف هو «السماع والرقص، واتخاذ الدعوات، وطلب الإرفاق، والتكلف للاجتماعات على الطعام: وعند سماع القصائد والتواجد والرقص، ومعرفة صياغة الألحان بالأصوات الطيبة، والنغمات الشجية، والاختراع من الأشعار الغزلية، بما يشبه أحوال القوم، على نحو ما رأوا من بعض الصادقين، أو بلغهم ذلك عن المتحققين». يقول السُلمي في وصفهم: «وطائفة توهَّمَت أن التصوف هو القول والرقص وسماع النغم والقصائد واتخاذ الدعوات والتّكلّف للاجتماعات لما رأوا من بعض الصادقين انبساطاً في السماع في بعض الأوقات. وغلطت في ذلك ولم تعلم أن كل قلب تلوّث بشيء من الدنيا وكل نفس فيها شيء من البطالة والغفلة لا يصح لها السماع، بل لا يحل لها السماع».

 

(2) الأغلاط في الأصول، وفي مقدمتها:

أ ـ الغلط في فهم معنى الحرية والعبودية: حيث تكلم قوم من المتقدمين في معنى الحرية والعبودية، على معنى أن العبد لا ينبغي له أن يكون في الأحوال والمقامات التي بينه وبين الله تعالى كالأحرار؛ لأن من عادة الأحرار طلب الأجرة، فيما لا ينتظر العبد من مولاه أجرة ولا عوضاً: «فظنت الفرقة الضالة أن اسم الحرية أتم من اسم العبودية، للمتعارف بين الخلق: أن الأحرار أعلى مرتبة، وأسنى درجة في أحوال الدنيا من العبيد، فقاست على ذلك، فضلّت وتوهّمت أن العبد ما دام بينه وبين الله تعالى تعبُّد فهو مسمى باسم العبودية، فإذا وصل إلى الله فقد صار حرًّا، وإذا صار حرّاً سقطت عنه العبودية ... وقد خفي على هذه الفرقة الضالة أن العبد لا يكون في الحقيقة عبداً حتى يكون قلبه حرّاً من جميع ما سوى الله 8 ، فعند ذلك يكون في الحقيقة عبداً لله. وما سمى الله تعالى المؤمنين باسم أحسن من اسم العبد، إذ يقول:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴿٦٣﴾ [الفرقان: 63].

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٤٩﴾ [الحجر: 49]، لأنه اسم سمى به ملائكته فقال:

﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴿٢٦﴾ [الأنبياء: 26]».

يقول السُلمي في شأن أرباب هذه الطائفة: «وطائفة غلطت في اسم الحرية والعبودية، وتوهمت أن الحرية أجل من العبودية، ولم يعلموا أن اسم الحرية إنما أطلقه من أطلقه بشيئين: أحدهما أنه قال: (لا يكون العبد على الحقيقة عبداً حتى يكون عمّا سوى الله حراً) وهذه طريقة صحيحة. ومنهم من ذمّ ... الحرية وهجنها وقال: (إن الحر إذا عَمِلَ عمِلَ لطلب جزاء وعوض ولا تخلو معاملة الأحرار عن طلب الأعواض. والعبد ليس له طلب جزاء وعوض من سيده لكن إذا أعطاه أعطاه متفضلاً وإن لم يعطه لم يستحقّ عليه شيئاً) فغلطوا في هذا القول. وطائفة توهمت أن العبد بينه وبين الله بُعْدٌ باسمه عبداً، فإذا صار حراً وسقطت عنه العبودية قرب منه. وهذا غلط كبير؛ فإن اسم العبودية أتمّ؛ لأن الله سمّى أولياءه عباده، وسمّى ملائكته عباده، وسمّى أنبياءه عباده، وقدّم للنبي ژ العبودية على النبوة في التشهُّد فقال: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، ولا مقام أبلغ من مقام النبي ژ».

ب ـ الغلط في الإخلاص: حيث زعمت فرقة «أن الإخلاص لا يصح للعبد، حتى يخرج عن رؤية الخلق، ولا يوافقهم في جميع ما يريد أن يعمله، كان ذلك حقًّا أو باطلاً. وإنما ضلت هذه الفرقة لأن جماعة من أهل الفهم والمعرفة تكلموا في حقيقة الإخلاص: ألا يصفو لهم ذلك حتى لا يبقى على العبد بقيةٌ من رؤية الخلق والكون وكل شىء غير الله تعالى، فظنت هذه الفرقة وطمعت أن يصحّ لهم بالدعوى، والتقليد، والتكلف قبل سلوك مناهجها، والتأدب بآدابها، والابتداء ببدايتها، حتى يؤديه ذلك إلى نهايتها حالاً بعد حال، ومقاماً بعد مقام. فأدَّاهم الدعوى، والطمع الكاذب، إلى قلة المبالاة، وترك الأدب، ومجاوزة الحدود؛ فأسرهم الشيطان، وغلبتهم النفس والهوى، بما خُيِّلَ إليهم أنهم برسم المخلصين في الإخلاص، وهم في عين الضلالة والانتقاص، وأنّى لهم من ذلك الخلاص؟».

ويوضح الطوسي مكمن الخطأ في اعتقادهم هذا بأنه قد خفي عليهم، لفرط شقاوتهم، «أن العبد المطلوب بدرجة الإخلاص هو: العبد المهذب المؤدب، الذي هجر السيئات، وجرَّد الطاعات، وعمل في الإرادات، ونازل الأحوال والمقامات، حتى أدَّاه ذلك إلى صفاء الإخلاص». يقول السُلمي في وصف حال هؤلاء: «وطبقة غلطوا في الإخلاص فظنوا أنه قلة المبالاة، وأن يخرج العبد عن رؤية الخلق ولا يوافقهم في جميع ما يريد أن يعمله حقاً كان أو باطلاً. وإنما وقعوا في هذه لأن طائفة من مشايخ القوم سُئلوا عن الإخلاص فقالوا: (لا يصفو لأحد الإخلاص حتى لا يبقى عليه شيء من رؤية الخلق والكون)... ولم يعلموا أن العبد المطلوب بالإخلاص هو المهذب المؤدب الذي اجتنب السيئات وأقبل على الطاعات ونازل الأحوال والمقامات حتى أدّاه ذلك إلى صفاء الإخلاص؛ فأما الذي ضيّع البدايات كيف يصل إلى حقائق الرعايات؟».

ج ـ الغلط في تفضيل الولاية على النبوة: والذي جرهم إلى الوقوع في هذا الغلط قصة موسى والخضر 6 ، إذا استخلصوا منها أن الولي أفضل من النبي؛ لأن الخضر يبدو فيها هو العالم ببواطن الأمور وأسرار الحوادث: «فظنت هذه الطائفة الضالة، أن ذلك نقص في نبوة موسى ‰، وزيادة للخضر ‰ على موسى في  الفضيلة، فأدَّاهم ذلك إلى أن فضلوا الأولياء على الأنبياء 1 . وقد ذهب عنهم أن الله، جلَّ وعز، يخصُّ من يشاء بما يشاء كيف شاء، كما خصَّ آدم ‰ بسجود الملائكة له، وخصَّ نوح ‰ بالسفينة، وصالح ‰ بالناقة، وإبراهيم ‰ بأن جعلت عليه النار برداً وسلاماً، وخصَّ عيسى ‰ بإحياء الموتى، وخصَّ نبينا ژ بانشقاق القمر ونبع الماء بين أصابعه». وعلى ما يبدو فإن فئة من المتصوفة كانت تؤمن أن الولاية أعلى مرتبة من النبوة، وإلا لما تصدَّى الطوسي للرد عليها، الأمر الذي جعل البعض يتساءل: «هل يعتبر نقد الطوسي هنا نقداً غير مباشر للحكيم الترمذي الذي لم يذكر اسمه؟ أو لبعض تلاميذه من (الحكيمية) ممن انحرفوا عن نهج الترمذي؟ أو هو، على أقل تقدير، نقد موجه ضد أولئك الذين أسهموا بتأويلاتهم الفاسدة في تشويه مذهب الترمذي في الولاية؟».

لم يقدّم الطوسي إجابة شافية عن هذه التساؤلات، الأمر الذي يدفعنا إلى الرجوع مرة أخرى إلى الهجويري الذي أفاض في ذكر أوصاف الحكيمية، لنتعرف ما إذا كان هؤلاء قد شوهوا آراء أستاذهم أم لا؟ بَيْدَ أننا نجد الهجويري لا يزيد عند التعرُّض لهم، عما ذكره الطوسي، وعمّا هو موجود عند الترمذي، مع ذكر بعض النوادر والروايات، مؤكداً قولهم: إن كل الأنبياء أولياء، فيما ليس كل الأولياء أنبياء. ولا يبيّن الطوسي، كعادته، شيئاً هو أيضاً، إذ يقول: «ثم ضلّت فرقة أخرى في تفضيل الولاية على النبوة». فهل يتحدث هنا عن تصور مشوه، ذاع في أوساط العامة أو أذاعه المناوئون للترمذي في وسط الفقهاء والمتكلمين؟ لا أحد يستطيع أن يجزم بهذا أو ذاك. أما السُلمي؛ فيقول عن هذه الطائفة: «وطبقة غلطت في النبوة والولاية وزعمت أن الولاية أعلى وأتمّ من النبوة، وذلك لأنهم نظروا إلى قصد موسى للخضر ... وذكروا أن الأنبياء يوحى إليهم بواسطة والأولياءَ يتلقون علمهم من الحق سبحانه. وذلك غلط؛ لأن الأنبياء 1 لهم رسالة بالواسطة والتلقّف معاً وأنها بعيدة من الاغترارات، والاغترارات وقعت في أحوال الأولياء لا في أحوال الأنبياء، والولاية والصديقية إنما تمامها بأنوار النبوة، ولو ألقي على الخضر ذرة مما شاهد موسى من سماع وكلام أو رؤية النور لامتحق الخضر ‰ حتى لا يبقى منه شيء، وحجب علم الخضر عن موسى تهذيباً لا تعليماً».

د ـ الغلط في الإباحة والحظر: وذلك بزعم «أن الأشياء في الأصل مباحة، وإنما وقع الحظر للتعدِّي، فإذا لم يقع التعدِّي تكون الأشياء على أصلها من الإباحة... فأدَّاهم ذلك بجهلهم، إلى أن طمعت نفوسهم بأن المحظور الممنوع منه المسلمون: مباح لهم، إذ لم يتعدّوا في تناوله». والذي دفعهم إلى ذلك، أنهم سمعوا بما كان يحدث بين كبار مشايخ الصوفية من مشاركة بعضهم البعض في المال والطعام، مما دفع الطوسي إلى القطع بأن الأولى، والحال هذه، أن يقال: «إن الأشياء في الأصل محظورة، وإنما وقعت إباحتها بالأمر والنهي، في التوسعة والرُّخص».

هـ ـ غلط الحلولية: الذين زعموا «أن الحق، تعالى ذكره، اصطفى أجساماً حلَّ فيها بمعاني الربوبية، وأزال عنها معاني البشرية». ويتابع الطوسي القول بأنه إن صحّ هذا الكلام عن جماعة من الصوفية فقد ضلوا ضلالاً بعيداً؛ «لأنهم لم يميّزوا بين القدرة التي هي صفة القادر، وبين الشواهد التي تدلُّ على قدرة القادر وصنعة الصانع، فتاهت عند ذلك [عقولهم]. فبلغني أن منهم من قال بالأنوار، ومنهم من قال بالنظر إلى الشواهد المستحسنات...فمن صحَّ عنه شيء من هذه المقالات فهو ضالٌ بإجماع الأُمة، كافر يلزمه الكفر بما أشار إليه، ... لأنه لم يُحسن أن يميز بين أوصاف الحق وبين أوصاف الخلق؛ لأن الله تعالى لا يحل في القلوب، وإنما يحل في القلوب الإيمان به، والتصديق له، والتوحيد والمعرفة، وهذه أوصاف مصنوعاته، من جهة صنع الله بهم، لا هو بذاته أو بصفاته، يحل فيهم».

و ـ الغلط في فناء البشرية: وذلك بزعم أن من تضعف بشريته يجوز أن يكون موصوفاً بصفات الإلٰهية؛ وغلطهم ناشيءٌ من كونهم لم يستطيعوا التفريق «بين البشرية، وبين أخلاق البشرية؛ لأن البشرية لا تزول عن البشر، كما أن لون السواد لا يزول عن الأسود ...، وأخلاق البشرية تتبدل وتتغير بما يرد عليها من سلطان أنوار الحقائق، وصفات البشرية ليست هي عين البشرية». ويوضح الطوسي أن هؤلاء سمعوا كلام المتحققين في الفناء، فظنوا أنهم يقصدون به فناء البشرية! والحال أن الذي أشار إلى الفناء من المتحققين إنما «أراد به فناء رؤيا الأعمال والطاعات ببقاء رؤيا العبد لقيام الحق للعبد بذلك. وكذلك فناء الجهل بالعلم، وفناء الغفلة بالذكر».

ز ـ ادعاء الرؤية بالقلوب في دار الدنيا، كالرؤية بالعيان في الدار الآخرة: وهذا الأمر بلغ الطوسي عن جماعة من أهل الشام، ولكنه لم ير أحدا منهم، ولا بلغه عن إنسان أنه رأى أحداً منهم، ثم يعود فيذكر أنه رأى لأبي سعيد الخراز 5 ، كتاباً كتبه إلى أهل دمشق يقول فيه: «قد بلغني أن بناحيتكم جماعة قالوا: كذا وكذا، وذكر قولاً قريباً من هذا القول، ويشبَّه أن في زمانه قوم غلطوا في ذلك وضلّوا وتاهوا». وكعادته دائماً يوضح الطوسي منشأ غلطهم، فيقول: «والذي تاه وتوسوس في هذا المعنى قوم من أصحاب الصُبيحيّ من أهل البصرة، وقد رأيتُ جماعة منهم، وذلك أنهم حملوا على أنفسهم في المجاهدة والسهر، وترك الطعام والشراب والانفراد والخلوة، وكثرة التوكل، وصحبهم الإعجاب مع ذلك بما هم فيه، فاصطادهم إبليس ـ لعنه الله ـ فخُيِّلَ إليهم: كأنهم [رأوا الله] على عرش أو سرير، وله أنوار تتشعشع».

ح ـ الغلط في الصفاء والطهارة: حيث ادعت طائفة حصول الصفاء والطهارة على الكمال والدوام، وأن ذلك لا يزول عنهم، وزعموا أن العبد يصفو من جميع الكدورات والعلل، بمعنى البينونة منها. ومنشأ غلطهم، بحسب الطوسي، أن العبد لا يصفو على الدوام من جميع العلل، وإن وقعت له الطهارة وقتاً فلا يخلو من العلل، وإنما تصفو له وقتاً دون وقت، فيذكر الله بنعت الصفاء، ثم يبقى عليه الذكر مع جريان ادّكار الأشياء عليه. فالطهارة تكون لقلب العبد من الغل والحسد، والشرك والتهم «فأما الصفاء الذي لا يحتمل العلة، والطهارة من جميع أوصاف البشرية، على الدوام بلا تلوين ولا تغيير: فليس ذلك من صفات الخلق؛ لأن الله تعالى هو الذي لا تلحقه العلل، ولا تقع عليه الأغيار، والخلق مراد بالابتلاء...، وحكم العبد إذا كان كذلك أن يتوب إلى الله تعالى، ويستغفر الله تعالى، في كل وقت».

ط ـ أخيراً يضيف الطوسي إلى ما سبق أغلاط بعض المتصوفة في فهم كل من: عين الجمع، حيث «لم يضيفوا إلى الخلق ما أضاف الله تعالى إليهم، ولم يصفوا أنفسهم بالحركة فيما تحركوا فيه، وظنوا ذلك منهم احترازاً حتى لا يكون مع الله شيء سوى الله 8 . فأدَّاهم ذلك إلى الخروج من الملة وترك حدود الشريعة»، وفي معنى الأنس والبسط، حيث توهَّم قومٌ «أن بينهم وبين الله 8 حالاً من القرب والدنو» فلم يُراعوا الحشمَّة والآداب والحدود، وثمة جماعة من البغداديين غلطوا في قولهم: إنهم عند فنائهم عن أوصافهم دخلوا في أوصاف الحق، مما يؤدي إلى الحلول أو إلى مقالة النصارى في المسيح ‰ . وثمة من غلط في القول بـ فَقْدِ الحسِّ عند المواجيد، ومن ثم الخروج «عن أوصاف المحسوسين»، مع اعتراف الطوسي بإمكانية أن «يغيب العبد عن حسه بحسه عند المواجيد الحادثة عن الأذكار القوية، كما حكى جعفر الخلدي ـ فيما قرأت عليه ـ عن الجنيد 5 أنه قال: سألت سري السقطي 5 عن المواجيد الحادثة عند الأذكار القوية مما يقوى على العبد. فقال: نعم! يُضْرَبُ وجْهُهُ بالسيف ولا يحس» وأخيراً هناك آخر الأغلاط التي يوردها الطوسي والتي تتعلق بـ الغلط في الأرواح، «وهم طبقات شتى، كلهم تاهوا وغلطوا، لأنهم تفكروا في كيفية ما رفع الله عنه الكيفية ونزهه عن إحاطة العلم في أن يصفه أحد إلا بما وصفه الله به».

تلك هي الغلطات الثلاث عشرة التي ذكر الطوسي أن الصوفية وقعوا فيها، وإذا قارناها بما يأخذه ابن الجوزي وابن تيمية على الصوفية لوجدنا اشتراكاً في بعضها، وخصوصاً فيما ذكره ابن تيمية حتى ليكاد يتفق مع الطوسي أكبر المدافعين عن التصوف الحق والصوفية الصادقة: فابن تيمية يتفق معه في نقد دعاة الحلول والاتحاد بين الصوفية ودمغهم بالكفر، ويتفق كلاهما في إنكار دعوى بعض الصوفية الفناء عن صفات البشرية في أحوال المواجيد العالية، ويتفقان في إنكار دعوى تفضيل الولي على النبي، وعلى هذا الإنكار يتفق كلُّ أو جُلُّ الصوفية، وأخيراً يتفقان في استنكار دعاوى الأنس ورؤية الأنوار.

وهكذا يتبيّن لنا من خلال استعراض النقاط السابقة حجم الجهود التي قام بها المتصوفة، خصوصا الطوسي والسُلمي، في النقد الذاتي الذي تعرَّض لأبرز مقولات ومسالك الجماعات الصوفية بالمراجعة والتمحيص. أما النقد من الخارج؛ فيتأسس في أغلب الأحوال وفق منطق شرعيٍّ حيث تتذرع حملة النقد بأسباب دينية على نحو ما عبّر عن ذلك ابن الجوزيّ بالقول: «تأملتُ أحوال الصوفية والزهاد، فوجدت أكثرها منحرفاً عن الشريعة، بين جهل بالشرع، وابتداع بالرأي»، ثم يقول في موضع آخر: «ونحن نذكر بعض ما بلغنا من أغلاط القوم، والله يعلم أننا لم نقصد ... إلا تنزيه الشريعة والغيرة عليها من الدّخَل ... وإنما نؤدي بذلك أمانة العلم».

أما نقد التصوف من الخارج؛ فيتوزع على محاور ثلاثة، ألا وهي: الشخصيات الصوفية والحكم عليها، ونقد المؤلفات الصوفية، ونقد الطرق الصوفية. بينما يحدد لاوست أسباب المآخذ ويرجعها إلى أمور ثلاثة أيضاً، وهي: المعرفة الشخصية التي تحل محل المعرفة القائمة على الكتاب والسنة، والتحلل من الواجبات الشرعية، أي الإباحة، وما يتصل بالتصوف من ممارسات كالخلوة واعتزال المجتمع.

وفي الأحوال كلها، قد طال النقد الخارجي كلاً من: المعتقدات، والأفكار، والممارسات الصوفية على حد سواء. ويكفي للدلالة على ذلك أن ابن الجوزي قد خصَّ أكثر من نصف كتابه «تلبيس إبليس» بنقد المتصوفة مؤكداً تجلي الباطل في صورة الحق في معتقداتهم، وهو ما يعنيه بكلمة «تلبيس» وكذلك تعددت مؤلفات ابن تيمية التي تناول فيها التجربة الصوفية بالنقد والتحليل، ويكفي ما ورد بمجموع رسائله وفتاويه.

وفيما انتقد ابن الجوزي من المتصوفة كلاً من: شقيق البلخي (ت 194هـ/809م)، وحاتم الأصم (ت 237هـ/851م)، والحارث المحاسبي (ت 243هـ/857م)، وذي النون المصري (ت 345هـ/956م)، والبسطامي (ت 261هـ/874م)، والتستري (ت 283هـ/896م)، وأبي سعيد الخراز (ت 286هـ/899م)، وبطبيعة الحال الحلاج (ت 309هـ/921م). أضاف ابن تيمية إلى هؤلاء كلا من: الغزالي (ت 505هـ/1111م)، وابن الفارض (ت 632هـ/1234م)، وابن عربي (ت 638هـ/1240م)، وابن سبعين (ت 669هـ/1270م)، وصدر الدين القونوي (ت 673هـ/1274م)، والتلمساني (ت 690هـ/1291م)، وأبي الفتح المنبجي (ت 719هـ/1319م).

كما لم تسلم كتب المتصوفة من النقد كذلك، وفي هذا الإطار نقد ثلاثتهم: كتاب اللمع للطوسي (ت 387هـ/997م)، وقوت القلوب لأبي طالب المكي (ت 386هـ/996م)، وكتابي السُلمي (ت 427هـ/1035م): السُنن، وحقائق التفسير. أيضاً نقدوا حلية الأولياء لأبي نعيم (ت 430هـ/1038م)، والرسالة القشيرية (ت 465هـ/1072م)، ولم يسلم أيضاً إحياء الغزالي ولا صفة الصفوة للمقدسي (ت 517هـ/1123م)، وكذلك فصوص الحكم لابن عربي.

وتتعدد الأسباب التي تدفع بهم لنقد المصنفات الصوفية وتتنوع ومن بينها: اشتمال هذه المؤلفات على أحاديث ضعيفة أو موضوعة، وأحكام مردودة، ولاختلاط الغث والسمين بها، ولتضمنها أموراً مذمومة من بقايا الفلسفة وأغاليط المتصوفة. وبالمثل انتقد ثلاثتهم من الطرق الصوفية: الملامتية لإظهارهم ما لا يُحمدون عليه زهدا بآراء الناس، والقادرية، والقلندرية، والحريرية، والشاذلية، والأحمدية الرفاعية.

وبطبيعة الحال، لن يكون في مقدورنا هنا أن نقوم بسرد وتحليل جميع المآخذ التي وردت في كتاباتهم، لأنها متداخلة فيما بينها لدرجة كبيرة، ومن الصعوبة بمكان فصل ما يتعلق بما هو نظري عمّا هو عملي فيها. ورغم ذلك يمكن القول إن جهود كل من ابن الجوزي وابن تيمية وابن قيم الجوزية لم تُؤتِ ثمارها، ولم تفعل شيئاً ذا بال في العصور المتقدمة، بل على العكس تماماً استطاع التصوف أن يسود منذ زمن الغزالي وحتى انتهاء الخلافة العثمانية، ولا يزال ذا أثر بالغ في تشكيل الوعي الشعبي إزاء الواقع والغيب.

ومن اللافت للنظر في هذا السياق، أن بعضاً من فقهاء الحنابلة المتأخرين قد مالوا إلى التصوف، نذكر منهم على سبيل المثال: شهاب الدين بن المنجّا التنوخيّ (ت 949هـ/1542م)، وشهاب الدين الفتوحيّ بن النجّار (ت 980هـ/1572م)، ومحمد بن قيصر القُبيبانيّ (ت 975هـ/1567م)، وتقي الدين بن الذبّاح (ت 980هـ/1572م)، وعبد الرحمٰن البعليّ (ت 1192هـ/1778م) فيما تابع محمد بن عبد الوهاب وحركته حملة النقد الحنبلية، والتي لا تزال تدور رحاها حتى اليوم.

 

ثانياً: نقد المتصوفة للفقهاء .. جدل الوسائل والغايات:

لا شكَّ أن بصيرة المتصوف تلامس بصره حتى ليبدو له ما هو في عين البصيرة وكأنه في عين البصر وضمن هذا المعطى المميز والمهم لطبيعة التصوف وما يحدثه من أثر في وجود الولي التاريخي، يمكننا فهم حملة النقد التي شنها المتصوفة ضد كثير من الفقهاء الذين خانوا أمانة العلم ورسالته، وهي أكثر من أن تحصى، بَيْدَ أنها تتمحور في الغالب الأعم حول ثلاثة أمور رئيسة:

أولها: اشتغالهم بالظاهر دون الباطن، وثانيها: التعاطي مع السلطة الجائرة، أما ثالثها: فيتعلق بعدم التخلق بأخلاق العلماء. بداية ينطلق المتصوفة من فهم مغاير للفظة «فقيه»، ففي رواية مبكرة تاريخياً للحسن البصري يقول فيها لفرقد السبخي: «ثكلتك أُمك، فريقد، وهل رأيت بعينيك فقيها قط؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه 8 ، الورع الكاف عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم».

كما أوضح الحكيم الترمذي أيضاً أن كلمة «فقيه» إنما تطلق بمعنيين: الأول: بمعنى علم الأحكام، والفقيه، بهذا المعنى، هو الذي يتعلم هذا العلم ويتفقه فيه. والثاني: وهو المعنى الحقيقي، بمعنى فقه القلب؛ أي: قوة الفهم والإدراك. وفي حين يزداد الأول فقهه وعلمه بزيادة التعلم، يستعمل الثاني النور الذي قذفه الله تعالى في قلبه، ويمكن أن يطلق عليه لهذا أنه فقيه في الدين، وفي هذا منازعة للفقهاء في ألقابهم، وفقيه الدين بهذا المعنى، قادر على استنباط الخواطر على موافقة الحقيقة مما قد يحمله ظاهر المسألة من إشارة وعلم، فيستنبط ما يوافق مراد الله ويهدي إلى محبته.

ومن المعلوم أن الحكيم الترمذي شنَّ حملة لا هوادة فيها على متفقهة عصره ومحدثيه، أولئك الذين يعجبون بأنفسهم، ومحصول ما عند الواحد منهم لا يبلغ ألف مسألة من أصول الدين، فيما يقول، ويوهمون العوام أن الصوم والزكاة والحج غاية العلم ومنتهى الطلب، وبدهي أن تخلو كتبهم من دقائق علوم المتصوفة! وقد بلغ الحال به أن أحصى مجموعة من المسائل الفقهية التي تحايل فيها هؤلاء على ظاهر الشرع، تحت عنوان «المسائل العفنة»، أبان فيها عن تحايلهم مؤكداً أنهم يمثلون قذى الفقهاء، يصحبون السلطان ويساعدونه على جوره، ويظهرون الذلة والمسكنة في عهد الطلب، حتى إذا تأكدت رياسة الواحد منهم وجدتَهُ في آخر أمره جباراً عتياً، قد تمرغ في الدماء والأموال مع أئمة الجور، وشاركهم في جميع أمورهم.

ويبدو أن هذا التوجه قد لازم التصوف في جميع مراحله، فقد عاب أبو هاشم الزاهد، أول من لُقب بالصوفي، على شريك القاضي تردده على دار يحيى بن خالد وزير الرشيد، قائلاً: «أعوذ بك من علم لا ينفع»!! بل إن هذه النقطة بالذات، أعني رفض التعاطي مع أرباب السلطة، نالت جانباً كبيراً من حملة النقد الذاتي للتصوف من قبل المتصوفة أنفسهم! فهاهو تاج العارفين الإمام الجنيد يشير إلى رويم البغدادي بعد توليه القضاء بالقول: «من أراد أن ينظر إلى مَن خبأ في سرّه حبَّ الدنيا عشرين سنة، فلينظر إلى هذا».

وبحسب سرّي السقطي، فإن العالم يكون مسيئاً «إذا كثر بقبابه وانتشرت كتبه وغضب أن يرد عليه شيء من قوله»؛ لذا كان شديد النقد للفقهاء الذين يضعون أيديهم في أيدي الأمراء من سراق الأقوات، وكان يصيح: «فيا غماه من فتنة العلماء، واكرباه من حيلة الإدلاء». كما عاب المتصوفة على الفقهاء وتلامذتهم، ندرة الإخلاص في طلب العلم وارتباطه بالرئاسة وحب الدنيا، وفي رسالته إلى أبي يعقوب يوسف بن الحسين الرازي، يرثي الجنيد لحالة العلم «مع كثرة منتحليه وانتشار طالبيه بقلة صدقهم في قصده، وتركهم العمل بواجب حقه، [حتّى أصبح] كالعازب المتغرب البعيد المتفرد». وفي موقف ساخر رأى الشبلي رجلاً راكباً، فقال الناس: هذا مسخرة الأمير، فتقدم الشبلي فقبل فخذه، فترجَّل الرجل من دابته وقال: يا سيدي، لعلك لم تعرفني. فقال: بلى، أنت الذي تأكل الدنيا بما يساويها، وأنت خير ممن يأكل الدنيا بالدين.

يتحصَّل مما سبق، أن التجربة الصوفية أثارت، ولا تزال، جدلاً كبيراً في الأوساط الفقهية بصفة خاصة، ما أدى إلى تعرضها للكثير من النقد والاتهامات قديماً على يد أهل السُّنَّة، وحديثاً لدى مختلف الحركات الإصلاحية، ابتداء بالوهابية، ومروراً بالتوجهات العلمانية، وليس انتهاء بالحركات السلفية المتشددة. ومع ذلك جمع العديد من أئمة التصوف بينه وبين الفقه، كالجنيد، ورويم البغدادي، الذي تولى القضاء، ومنصور بن عمار الذي كان فقيهاً ومحدثاً، وكان في تصوفه منسجماً مع نهج الفقه السائد. وكانت هناك علاقات مميزة تربط بعض الفقهاء بالمتصوفة، كالشافعي وابن حنبل وابن سريج وابن عطاء والعز بن عبد السلام وغيرهم. على أن الحنابلة كانوا من أشد المذاهب تحاملاً على المتصوفة، على نحو ما لاحظنا لدى ثلاثة من كبار أئمتهم. وفي النهاية يمكننا رصد مجموعة من الملاحظات المهمة فيما يتعلق بحملتي النقد الداخلي والخارجي للتصوف، في مقدمتها:

أ ـ لا نكاد نجد عند المنتقدين رفضاً للتصوف بالكلية، فغالباً ما يؤكد هؤلاء وجوب التفرقة بين التصوف الأصيل الملتزم بسنن الشرع وقواعده، والتصوف المخالف المغالي الذي تستر به الباطنيون على اختلاف مشاربهم وتنوع توجهاتهم. وفي إشارة لافتة يذكر ابن الجوزي ـ على سبيل المثال ـ تفاقم أمر هؤلاء الأدعياء قرناً بعد قرن، فيما كان سلفهم يعولون على الكتاب والسُّنَّة. والأمر ذاته ملاحظ عند ابن تيمية الذي اشتد في نقد المتأخرين منهم لوقوعهم في البدع الكثيرة. فيما يثني على كل من: إبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، أبي سليمان الداراني، سهل التستري، أبي عمرو المكي، الجنيد، الشبلي، ابن خفيف، وغيرهم.

ب ـ من خصوم المتصوفة من تتعدد مواقفه وتتأرجح ما بين التأييد تارة والرفض تارة أخرى، فمنهم من مال إليه أول الأمر، ثم عاد عن ذلك معلناً توبته، كابن عقيل (ت 513هـ/1119م) الذي تتلمذ في التصوف على يد أبي منصور العطار (ت 468هـ/1075م). ومنهم من تساهل في الأمر ممهداً لحدوث توافق بين الفقهاء والمتصوفة، كابن قدامة المقدسي (ت 620هـ/1223م) الذي يرجع لاوست تساهله نظراً لتأثره بعبد القادر الجيلاني (ت 561هـ/1165م) بحكم جمعه بين كل من ممارسة التصوف والانتماء إلى المذهب الحنبلي. وكان أبو عبد الله الأنصاري الهروي يجمع ما بين المذهب الحنبلي والتصوف، إلا أنه كان متعصباً للمذهب الحنبلي، حيث صنف كتابه «ذم الكلام وأهله» في رد أبي الحسن الأشعري، وكان يلعنه على رؤوس الناس، ويسمي الأشاعرة الشياطين، وكان ينشد على المنبر:

أنا حنبلي ما حييت فإن أمت، فوصيتي للناس أن يتحنبلوا ومنهم من تعرض لدراسة التصوف بالنقد مرتضياً بعض أفكاره وأخلاقياته كابن تيمية وابن قيم الجوزية.

ج ـ استطاعت الأفكار الصوفية، رغم حملات النقد المتكررة، أن تتغلغل في أشد معاقل خصومها، وأن تؤثر ـ بدرجة ملحوظة ـ في معظم من تعرّضوا لحركة التصوف بالنقد. ويكفي للدلالة على هذا الأمر أن مفهوم الولاية يكاد يتطابق كلياً بين الجيلاني وابن تيمية. وفي العصور المتأخرة، تغلغل الفكر الصوفي في المقررات الفقهية، «ففي حواشي الفقه التي تدرّس بالأزهر [سنة 1948] يقررون أن السيد البدوي قد غسَّل نفسَهُ بعد مماته، ويقولون إنها كرامة من كراماته، ويفرعون على هذا مناقشة طويلة فيما إذا كان غسل الميت لنفسه مما يسقط هذا الفرض على المسلمين أم لا».

د ـ قام المتصوفة بحركة نقد ذاتية ومراجعة فكرية لأهم الأسس المعرفية التي تقوم عليها التجربة الصوفية، وفي ضوئها تمَّ الحكم على بعض الممارسات بخروجها من دائرة التصوف الصحيح، وقد كان هذا من أهم الأسباب التي دفعتهم لتأليف الكتب الكبرى كاللمع والرسالة القشيرية وغيرهما.