روح القوانين في التشريع السياسي الإسلامي

التشريع الاسلامي.jpg

«دراسة مقارنة»

فضل الله محمد إسماعيل | أستاذ فلسفة السياسة وعميد كلية الآداب، جامعة دمنهور.


المقدمة

إذا كان الإسلام منهجاً عاماً جاء لتنظيم الحياة الإنسانية، يتضمن مبادئ تنظم حياة الفرد والجماعة، تلائم مبادئه جميع الأوضاع، وتسمح بتطور التشريع وفقاً لحاجات كل مجتمع، بصرف النظر عن اختلاف الزمان والمكان فإنه يهمنا في هذا المقام معرفة بعض الأمور، أو الإجابة عن بعض التساؤلات التي تفرض نفسها علينا ونحن بشأن الحديث في هذا الموضوع، هذه التساؤلات أهمها:

هل يُعدُّ التشريع السياسي الإسلامي الذي تقرر في صدر الإسلام وما تلاه من عصور ملزماً لنا الآن في العصر الذي نعيش فيه؟ وهل نحن ملزمون أن نأخذ باجتهادات الفقهاء السابقين في عصورنا هذه؟

حين يريد المشرع في أي بلد إسلامي أن يضع لبلده في عصرنا دستوراً مستمداً من أحكام الشريعة الإسلامية أو متفقاً مع أحكامها، فهل يجب عليه أن يلتزم بما جاء بالنصِّ في الكتاب والسُّنَّة؟ بعبارة أخرى: هل يوجد في القرآن الكريم أو السُّنَّة نص ملزم ـ في المجال السياسي ـ يجب على المسلمين اتباعه مهما اختلفت الظروف أو تباعدت الأزمان؟

لقد عرفت الدولة الإسلامية في تاريخها السياسي طرقاً معينة لتولية رئيس الدولة، فهل تعد هذه الطرق هي فقط الإسلامية بحيث يُعدُّ ما عداها مخالفاً لتعاليم الإسلام؟

في تاريخ الإسلام السياسي مناقشات كثيرة تدور حول أهل الحل والعقد ووظائفهم، فهل يجب على المسلمين في العصر الحديث أن يوجدوا بينهم» أهل حل وعقد»؟

إذا كان المسلمون في صدر الإسلام يبايعون الخليفة أو الحاكم بطريقة معينة وألفاظ مخصوصة، فهل يجب على المسلمين في هذا العصر الالتزام بذلك؟

وتنبع أهمية هذه الدراسة من إيماننا بأن الدعوة إلى إقامة نظام للحكم في أية دولة من الدول الإسلامية على أساس من الإسلام يجب أن تقوم على المرونة والأخذ بروح الشريعة، كما يجب أن تكون قاصرة على القواعد الكلية دون أن يخوض أصحابها في التفاصيل التي تجلب الخلاف في الرأي، فهذه التفاصيل مرهونة بأوقاتها.

كما يكمن الهدف من هذه الدراسة في مطالبة الحكومات في الدول الإسلامية بأن تقوم مؤسسات الحكم فيها على أساس الالتزام بالقيم الإسلامية في المجال السياسي، أو بالقواعد الدستورية العامة التي جاء بها الإسلام، وحين تتفق أغلبية الناس في دولة إسلامية معينة على استلهام أحكام الإسلام في المجال السياسي لتنظيم حياتهم السياسية، فإن التفاصيل لن تكون أبداً مشكلة، وحتى إذا كانت لأي سبب من الأسباب، فيجب حلها على أساس الحاجات الاجتماعية بوضع الحلول العملية لها.

القرآن الكريم وروح القوانين:

عندما ألّف مونتسكيو كتابه «روح القوانين»l’ESPIRIT Des Lois رأى أن القوانين يجب أن تكون مطابقة لروح العصر الذي تنشأ فيه؛ إذ كيف يتيسر لنا تطبيق قانون ما، إذا لم نتوصل إلى معرفة حقيقة المجتمع الذي شرع له هذا القانون والظروف التي استدعت ذلك التشريع؟!

ويبدو أن ما تحدث عنه مونتسكيو قد سبقه به التشريع السياسي الإسلامي، فإذا كان القرآن الكريم قد أتى بالقاعد الكلية، ففي هذا يكمن سر إعجازه ليكون صالحاً للتطبيق في كل زمان ومكان حتى تتسع أحكامه لجميع حاجات الناس، طبقاً لاستنباط المجتهدين لها بما يحقق مصالح هؤلاء الناس.

وفي الوقت نفسه فقد نزل القرآن الكريم منجماً بحسب الأحوال والأحداث، مما يعني أن لكل آية ظروفها الخاصة التي لا بد من الإحاطة بها، وحاشا لله أن يُنّزل الله قرآناً على قلب نبيه لا يناسب مقتضى الحال، ومقتضى الحال يعني أنه سبحانه استهدف من قرآنه الكريم أن يراعي أحوال الناس وظروفهم.

وإذا كان القرآن الكريم لم يقرر شكلاً معيناً من أشكال الحكم تكون عليه الحكومة الإسلامية، ولم ينص على كيفية تنظيم سلطاتها؛ فإنه قرر الأُسس الثابتة العامة التي يجب أن يقوم عليها نظام الحكم تحقيقاً للمبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة الإسلامية، فعدم التعرض للشكل التنظيمي للدولة يمنح العقل الإنساني الحرية في أن يختار الشكل العام للدولة الذي يتناسب مع ظروف العصر الذي يعيش فيه، ويُعدُّ هذا رفضاً تاماً من الإسلام لفرض أي تصورات مثالية خيالية قال بها فلاسفة الغرب القدامى أو المحدثون.

وإذا كان القرآن الكريم قد تعرض لبيان التفصيلات أو الجزئيات في بعض فروع القانون، كما هو شأن أحكام الأحوال الشخصية، وبعض الأحكام المتصلة بالقانون الجنائي ـ كتحديد عقوبات بعض الجرائم، وهي التي يطلق عليها الحدود كحد السرقة وحد الزنا ـ فإننا نجد القرآن لا يتعرض للتفصيلات أو الجزئيات في الأحكام الشرعية المتصلة بالقوانين الأخرى، حيث اقتصرت نصوصه ـ بالنسبة للقانون الدستوري ـ على تقرير المبادئ الأساسية التي تقوم عليها كل سياسة دستورية، فإذا كان الإسلام قد أقرَّ الشورى كمبدأ سياسي عام يأخذ به المجتمع الإسلامي، فقد ترك طريقتها أو سياستها لاجتهاد كل عصر، ومن المعروف أن كل عصر يختلف عن سابقه وعن لاحقه في ظروفه وملابساته.

وإذا قارنا بين الشورى وبين الديمقراطية الغربية وجدنا أن الديمقراطية وإن كانت تشير إلى حكم الشعب، فإن هذا المعنى يضيق كثيراً عند التطبيق في الديمقراطية الأثينية ـ مثلاً ـ التي كان أساسها أرستقراطياً وليس ديمقراطياً. كذلك فإن الديمقراطية الحديثة التي يتشدقون بأن فيها سيادة شعبية، إذا سبر الإنسان غورها، وأمعن النظر في دخائلها، وجد أن أصحابها يضعون نظماً خاصة للانتخاب لا ينجح فيها إلا من يغري الناس ويستولي على عقولهم بماله ودهائه ودعايته الكاذبة، ثم يصير هؤلاء الناجحون بأصوات الشعب آلهة له، يشرعون ما يشاءون من القوانين لا لمصالح الشعب بل لمصالحهم الشخصية، ومصالح طبقاتهم التي ينتمون إليها، وهذا هو الداء الذي أصيبت به أمريكا وإنجلترا وغيرهما من البلاد التي تدعي الديمقراطية، وإذا كانت مراعاة روح القانون تُعدُّ في مقدمة العوامل والأسباب التي يرجع إليها حسن سير الأنظمة الدستورية الغربية فإن أحكام الإسلام قد أكدت هذه الرؤية، بل تشيد بها؛ أي بذلك التوسط، منها قوله تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ  ﴾ [البقرة: 143]. والأُمة الوسط هي الأُمة التي تتميز بالاعتدال، ويقصد بكون هذه الأُمة شهيدة على الناس «أن مقاييسها هي المقاييس الصحيحة وسننها هي السنن القويمة. وقد عبّر الله سبحانه عن مفهوم العدالة بمصطلح الإحسان «تبعاً للآية الكريمة التي تقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90].

وهذا ما أكده سيد قطب في «الظلال» حين قال: «لقد جاء الإحسان إلى جوار العدل ليلطف من حدة العدل، ويدع الباب مفتوحاً لمن يريد أن يتسامح في بعض حقه إيثاراً لود القلوب، وشفاء لغل الصدور». فالعدل هو تطبيق القاعدة القانونية التي أمر الشرع بها، والإحسان هو تطبيق القاعدة الأخلاقية التي يندب إليها الإيمان للتخفيف من حدة العدل، وهو يقضي بمقابلة الخير بأكثر منه، والشر بأقل منه. فمن تطبيقات العدل معاقبة المذنب لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ [النحل: 126].

وقوله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [المائدة: 45]، وقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [الشورى: 40].

ومن تطبيقات العدالة والإحسان العفو عن المذنب والصبر على أذاه لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: 14]، وقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ  ﴾ [الشورى: 40]، ومن تطبيقات العدالة والإحسان أيضاً إمهال المدين المعسر؛ لقوله تعالى: ﴿  وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 280].

 ومن هنا يمكن القول: إنه بالعدل تتحقق المساواة بين الناس، وبالعدالة والإحسان يتحقق التآخي والود والتراحم بينهم، وبذلك يتحقق بالإحسان ما لا يتحقق بالعدل، ومن ثم صح القول بأن الإحسان فوق العدل. وقد استخلص الفقه الإسلامي من نظرية الإحسان أو العدالة نظرية الضرورة التي يمكن تحديد مضمونها بأن الشريعة وإن كانت واجبة التطبيق، غير أنه لا يجوز أن ينشأ عن تطبيقها ضرر عام أو خاص، فقواعدها الموضوعية يجب أن تفهم وتطبق في إطار هذا المضمون، وتطبيق العدالة لا يتقيد بحالات معينة، فهي تنبع من الإحسان، والإحسان هو الخير المطلق.

وهذا المفهوم عن العدالة سوف يؤدي بنا إلى مبدأ آخر لا يقل أهمية وهو الاجتهاد، حيث ينطلق من مثل عليا تضع مصلحة الأمة قبل مصلحة الحاكم، وصالح المجتمع قبل صالح الفرد، وهذا بخلاف ما يحكم عملية الاجتهاد في المذاهب الوضعية التي يراعي فيها المجتهد الصالح الشخصي لفئة ما، غالباً ما تكون هي المسيطرة المتحكمة في مقدرات الناس.

مما تقدم يتبين أن نطاق العدالة في الشريعة الإسلامية ومن ثم في الفكر السياسي الإسلامي يتسع ليشمل كافة مجالات الحياة الإنسانية، وبذلك تتفوق النظرة الإسلامية في هذه القيمة الاجتماعية على غيرها من النظرات القديمة والمعاصرة.

أما حق المساواة فإذا كان الفكر الأثيني قد علق أهمية كبرى عليه؛ فإن هذا الحق كان مقصوراً على طبقة الأحرار دون غيرها من طبقات المجتمع، كما أن الأخذ بهذا المبدأ لم يكن يراعي في تقلد الوظائف تمييزاً أو تفرقة بين الأفراد، وفي الوقت الذي عمل فيه الرومان على نشر مبدأ المساواة كانت توجد لديهم بعض الطبقات الاجتماعية، مثل طبقة الأحرار وطبقة العبيد، وقد اكتسبت هذه الفكرة أهمية كبيرة في العصر الحديث؛ إذ استخدمها بعض المفكرين أمثال لوك وروسو، فالمساواة عند روسو مساواة أخلاقية معنوية.

أما الإسلام فعلى الرغم من تأكيده على مبدأ المساواة، وجعله أساساً لقيام الدولة الإسلامية؛ فإنه لا يحول دون تفاوت الأفراد ومراكزهم، إذا كان هذا التفاوت راجعاً إلى تفاوت في العمل والتقوى، كما وردت آيات قرآنية أخرى تبين أن الإسلام لا يستنكر مثل هذا التفاوت في الدرجات، كقوله تعالى، ﴿  وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 132]، وقوله تعالى:

﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9].

وإذا كان فلاسفة الغرب قد قسموا المجتمع إلى طبقات، واتفق في ذلك كبار فلاسفتهم، وترتب على التمييز الطبقي تمييزاً في الوظائف المقررة لكل طبقة؛ فإن الإسلام قد جعل الشرط الأساس لتولي الوظيفة العامة الكفاءة والصلاحية لأداء مهام الوظيفة، فإذا لم يتوفر هذا الشرط في المرشح للوظيفة فلا يرشح لها مهما كانت منزلته من الحاكم.

وإذا كان الإسلام قد أقرَّ حق الملكية؛ فإنه لم يجعله مطلقاً كالأنظمة الغربية ـ بل جعل للفقراء حقاً، حتى يتم التكافل الاجتماعي، لذلك فرض الله على المسلمين الزكاة عن أموالهم، ثم جعل للحاكم الحق في أن يأخذ منهم فوق الزكاة ما يلزم لحاجة المسلمين، كلما دعت الضرورة إلى ذلك دفعاً للضرر، وصوناً لمصالح المسلمين.

ومن هنا يمكن القول: إن الإسلام حين قرر ثبات المبادئ كان يهدف من ذلك إلى ضمان صلاح أمور الحياة واستقامة حركة المجتمع، ولكن بما أن الحركة تتطلب التكيف والمواءمة فقد جاءت التفصيلات مرنة دون إحداث تغيير في الجوهر.

ويرى القرضاوي أن من يدقق في كتاب الله، يجد فيه أصلاً لقاعدة المرونة والتطور، وذلك في عدد من الآيات التي قال كثير من المفسرين فيها: منسوخة وناسخة.

والحقيقة أنها ليست منسوخة ولا ناسخة، وإنما لكل منهما مجال تعمل فيه، وقد تمثل إحداهما جانب العزيمة، والأخرى جانب الرخصة، أو تكون إحداهما للإلزام والإيجاب، والأخرى للندب والاستحباب، أو إحداهما في حال الضعف، والأخرى في حال القوة، ويضرب لذلك مثلاً بقوله تعالى:  ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾[الأنفال: 65]، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا  ۚفَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 66]، والمعنى ـ كما يقول الشيخ محمد عبده ـ : «إن أقل حالة للمؤمنين مع الكفار في القتال أن ترجح المائة منهم على المائتين، والألف على الألفين، وأن هذه رخصة خاصة بحال الضعف، الذي كان عليه المؤمنون في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآيات، وهو وقت غزوة بدر، فقد كانوا لا يجدوا ما يكفيهم من القوت، ولم يكن لديهم إلا فرس واحد أو فرسان، وأنهم خرجوا بقصد لقاء العير، غير مستعدين للحرب، ومع ذلك كله كانوا أقل من ثلث المشركين الكاملي العدة والاستعداد.

وعندما اكتملت للمؤمنين قوتهم ـ كما أمرهم الله تعالى أن يكونوا في حال العزيمة ـ كانوا يقاتلون عشرة أضعافهم أو أكثر، وينتصرون عليهم، وهل تم لهم فتح ممالك الروم والفرس وغيرهم إلا بذلك، وكان القدوة الأولى في ذلك أصحاب رسول ژ في عهده ومن بعده.

وذهب بعض المفسرين إلى أن آية العزيمة من هاتين الآيتين منسوخة بأية الرخصة التي بعدها، بدليل التصريح بالتخفيف فيها: ﴿  الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا  ﴾ ولكن الرخصة لا تنافي العزيمة، لا سيما وقد عللت هنا بوجود الضعف، ونسخ الشيء لا يكون مقترناً بالأمر به والظاهر أن الآيتين نزلتا معاً.

وروى البخاري عن ابن عباس ^ أنه قال: لما نزل قول الله تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ شق ذلك على المسلمين، وذلك حين فرض عليهم ألا يفر أحد من عشرة، فجاء التخفيف في قوله تعالى:

﴿ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 66].

وهذه الآية لا تدل على النسخ وهو رفع الحكم الذي تضمنته الآية الأولى، وانتهاء العمل به إلى الأبد ـ فقد تبيّن أن الآية الأولى عزيمة؛ أي: مقيدة بحال القوة، والثانية رخصة مقيدة بحال الضعف. ومعنى هذا أن الآية الثانية تشرع لحالة معنية، لغير الحالة التي جاءت لها الآية الأولى.

وتتمثل المرونة في الإسلام ـ أيضاً ـ في تشجيع الابتكار والاختراع في أمور الدنيا، مثل وسائل الموصلات التي يشير إليها قوله تعالى بعد ذكر الخيل والبغال والحمير: ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 8]، وكذلك أدوات الحرب التي تدخل في قوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 60] مثل إنشاء السدود العظيمة التي تشير إليها قصة ذي القرنين في سورة الكهف، وسائر الصناعات الحربية والمدنية، التي تشير إليها الآية الكريمة

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ

 وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحديد: 25].

 

روح القوانين في عهد رسول الله ژ 

لقد أكد النبي ژ على أن كل ما يتصل بتبليغ الوحي، أو ما يتعلق بكليات الدين، وقيمه، وأُسسه العقائدية والأخلاقية لا مجال فيه للتهاون أو التنازل، وفي مقابل ذلك ثمة مرونة واسعة في مواقف السياسة ومواجهة الأعداء، بما يتطلبه الموقف المعين من حركة ووعي وتقدير لكل الجوانب والملابسات، دون تزمت أو تشنج أو جمود، والأمثلة على ذلك كثيرة نسوق منها: قبول رسول الله ژ شروط صلح الحديبية مع قريش رغم ما فيه من قسوة.

وإن المطلع على ما رواه ابن هشام نقلاً عن ابن إسحاق في وصف مسلك النبي ژ عند عقد هذا الصلح وأثناء تنفيذه ليلمس بطريقة مباشرة مدى المرونة التي تحلى بها المصطفى ژ ، ومدى أخذه بروح القانون رغبة منه ‰ في إقرار السلام»، حينما قال ژ: (والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها)».

وتتلخص جوهر الروح الساسية للإسلام في العهد الذي أعطاه النبي ژ لليهود بعد وصوله المدينة المنورة، حين أقرَّ ژ معاهدة دولية تعد نموذجاً تقدمياً وسباقاً لأرقى أشكال التعامل الإنساني، معاهدة بكامل المضمون العصري لكلمة معاهدة في المجالات الدولية، وهي المعاهدة التي كانت في شكل كتاب وعهد من الرسول ژ لليهود والذي يعنينا الإشارة إليه هنا بعض نصوص قليلة من هذه المعاهدة التاريخية، وأول هذه النصوص هو القول في افتتاحيتها:

«بسم الله الرحمٰن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي ژ ، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم.........».

وهذا النص يقرر ـ ولأول مرة في التاريخ ـ مبدأ جواز الانضمام إلى المعاهدات بعد توقيعها، وبالتالي يفتح باب الانضمام إلى الدولة الناشئة لقبائل أخرى غير القبائل المؤسسة التي أبرمت المعاهدة أو كتبت الوثيقة، وهذا ما يكشف عن أمرين جوهريين:

أولهما: عنصر الاستمرار والدوام في الدولة الناشئة.

وثانيهما: أن الانتماء إلى هذه الدولة الجديدة لم يعد قائماً على أمور لا دخل لإرادة الإنسان فيها كالولادة في إقليم معين أو في قبيلة معينة، وإنما أصبح هذا الانتماء قائماً على الاختيار الحر.

أضف إلى ذلك أن هذه الوثيقة قد قررت «أن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم». وبذلك تقرر المعاهدة أو الوثيقة مبدأ حرية العقيدة ـ أحد المبادئ التي يقال: إنها ظهرت في العصر الحديث ـ وتضعه موضع التنفيذ.

كما تؤكد الوثيقة على أنه من خرج فهو آمن، ومن قعد فهو آمن في المدينة، وهي بذلك تقرر بدورها مبدأ الحرية الشخصية قبل أن يظهر هذا المبدأ على ألسنه فلاسفة العقد الاجتماعي بعشرة قرون على الأقل، فليست الحرية الشخصية في جوهرها إلا حقا في الأمن، حق الفرد في أن يكون آمنا من الاعتداء عليه في نفس، أو عرض، أو مال، أو مأوى، له الحرية في أن يغدو ويروح.

وبهذا التشريع الحكيم أضفى الإسلام على العلاقات الخارجية صفة أخلاقية، فمعاملة المسلمين لغير المسلمين ليست سوى امتداد لمعاملة المسلمين لإخوانهم من المسلمين، تخضع للقانون الأخلاقي نفسه المنظم للعلاقات الداخلية والخارجية.

ويمكن القول هنا: إن القانون الدولي الإسلامي هو القانون الدستوري الإسلامي، وهذا يناقض ما ذهب إليه مفكرو السياسة الغربيون من أمثال ماكيافيللي وهيغل ممن يرون أن الخلق الاجتماعي لا يوجد إلا داخل الوطن الواحد، ولا وجود له فيما وراء الحدود، بل إن الحرية من كل قيد سوى مصلحة الوطن هي القاعدة المنطقية للسلوك الدولي، ولهذا كانت المعاهدات في رأيهم غير ملزمة إلا إلى الحد الذي تراه الدولة محققاً لمصلحتها، ولقد كان لهذه الأنانية الفكرية والسياسية دورها الهدام في العلاقات الدولية، مما تجلى بوضوح في الحربين العالميتين، وفيما يحدث في العالم الآن.

وهناك أحاديث كثيرة يمكن الاستدلال بها على مرونة المصطفى ژ منها: التعبير العملي والتطبيقي للمغزى الذي يهدف إليه حديث رسول الله ژ  حينما قال: «اللهم مَنْ ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به». ومن الأحاديث المشهورة المأثورة عن النبي ژ قوله: «لا ضرر ولا ضرار»، فدفع الضرر أو المفسدة إذن هو نوع من المصلحة، ويترتب على ذلك أن الأحكام الشرعية يجب أن تكون مسايرة للصالح العام، متغيرة بتغيره.

وقد امتدت مرونته ژ في المجال السياسي إلى أخذه بآراء أصحابه حتى لو خالفت رأيه، من ذلك: نجده ژ يأخذ برأيهم في الخروج يوم بدر، وفي المنزل الذي ينزله عندها، وأخذه برأي سلمان الفارسي في حفر الخندق، وفي مصالحة بعض الأحزاب على ثلث ثمار المدينة، وفي قوله ژ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» يقرر مبدأ «الاجتهاد» لاستنباط الحكم الشرعي لكل واقعة تحدث، إما من نص أو من قياس عليه، ومن مرونته ژ ـ حتى في آخر حياته ـ أنه ژ لم يعين أحداً يخلفه من بعده، رغبة منه ژ في إفهام المسلمين أن أمر اختيار الخليفة موكول إليهم، يختارون من يناسبهم ويرعى مصالحهم في العصور المختلفة.

 

روح القوانين في عهد الصحابة والتابعين

تعلم الصحابه من قائدهم ومعلمهم ژ ـ قبل وبعد وفاته ـ الأخذ بروح القوانين في تسيير أمور الحكم، والأمثلة التطبيقية على ذلك كثيرة، وقد تجلى ذلك في النقاش الذي تم بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة حتى تمت البيعة لأبي بكر  .

وقد أكد أبو بكر ƒ هذه الروح عندما تمت له البيعة وصعد المنبر وخطب في الناس فقال ـ بعد أن حمد لله وأثنى عليه ـ : «إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني.... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم».

ففي هذه الخطبة يقرر خليفة رسول الله ژ  أن الحاكم أو الخليفة ليس حاكماً مطلقاً، بل إن للأمة حق القوامة عليه؛ لأنها هي التي ولتّه، فهي تعاونه إن أحسن، وتقومه ـ أي تحاسبه وتنتقده وترشده ـ إن أساء. فالأمة هنا هي مصدر السلطات، وقد طلب منهم أبو بكر مشاركتهم إياه؛ لأنه يجتهد فيصيب ويخطئ مثل أي مجتهد، فإذا لم يخضع لتقويمهم فلهم حق عزله، كما كان لهم حق توليته.

عمر بن الخطاب  ـ الذي يعد من أكثر الصحابة عملاً بروح القوانين ـ لم يقتصر فحسب على الاجتهاد، أو استعمال الرأي في عدم وجود نص من الكتاب والسُّنَّة؛ وإنما ذهب إلى مدى أبعد من ذلك؛ إذ كان يعمد إلى الاجتهاد أو استعمال الرأي مع وجود النص، فكان لا يفسر النص طبقاً لحرفيته؛ أي طبقاً لألفاظه وظاهره، وإنما يفسره طبقاً لحكمته أي طبقاً لمغزاه ومقصده، وهو ما يطلق عليه الدكتور عبد الحميد متولي روح التشريع، ولو أدى هذا التفسير إلى عدم تطبيق النص، فلم يقف عمر  عند حد عدم تطبيق حد السرقة في زمن الحرب كما فعل رسول الله ژ ، وإنما نجده ينهى عن قطع يد السارق في عام المجاعة، مع أن النص عام شامل، ولا يفرق بين زمن الرخاء وزمن القحط والمجاعة، يقول تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ﴾ [المائدة: 38]، وكذلك لم يوقع في زمن الحرب أية عقوبة على شارب الخمر.

وكانت الاتفاقية التي عقدها عمر بن الخطاب ƒ مع أهل إيلياء «بيت المقدس» نموذجاً رائعاً للتسامح الإسلامي وللروح الإسلامية العالية بعد أن طال حصار المسلمين لبيت المقدس دون أن يريقوا دماء أهله ورغب أهله في الصلح، واشترطوا أن يتولى توقيع العقد معهم الخليفة عمر بن الخطاب ƒ بنفسه.

وتظهر مرونة عمر بن الخطاب في تأخيره فريضة الزكاة عن أرباب الماشية من الإبل والبقر والغنم في عام الجدب تيسيراً على الناس، على أن يأخذها منهم بعد أن تتحسن ظروفهم.

ومثل ذلك مرونته في موقفه من نصارى بني تغلب الذين طلبوا أن تؤخذ منهم الصدقة مضاعفة، على ألا تسمى جزية، وقد امتنع عمر  عن ذلك في أول الأمر، ثم وافق عليه بعد ذلك؛ لما فيه من جلب المصلحة ودرء المفسدة، وروى عنه أنه قال: هؤلاء حمقى، رضوا بالمعنى وأبوا الاسم.

وقد عمد عمر بن الخطاب  إلى الأخذ بروح التشريع حتى آخر حياته، فعندما طعن  ، هرع إليه بعض الصحابة يطلبون منه أن يستخلف، ولكنه أبى بادئ الأمر بقوله: «لا أحمل همكم حياً وميتاً».

ويتجلى الأخذ بروح الشريعة في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان  عندما قُتل عمر بن الخطاب  وانطلق ابنه عبيد الله في ثورة الغضب لمقتل والده يبحث عن أبي لؤلؤة المجوسي الذي اغتال أمير المؤمنين فلم يجده في بيته، ووجد طفلة له فقتلها كما قتل الهرمزان بعد أن شاع نبأ تآمره مع أبي لؤلؤة.

ومع أن الشريعة الإسلامية كانت توجب القصاص، لكن الخليفة اجتهد في القضية اجتهاداً كان مبعثه تقديره للظروف التي دفعت ابن أمير المؤمنين للثأر لأبيه وللإسلام، كما أنه لم يشأ أن يجمع على آل الخطاب حزنين وكارثتين في وقت واحد، الأولى: مقتل عمر ƒ غدراً، والثانية: قتل ولده قصاصاً، ثم أنه لم يطلق سراح عبيد الله مهدراً بذلك الدم الذي أراقة، بل استبدل الدية بالقصاص ودفع لأولياء الدم دية سخية وكبيرة من ماله الخاص، كذلك لقد وحّد الخليفة الثالث المصاحف كلها في مصحف واحد وجمع المصاحف الأخرى وأحرق أوراقها عندما رأى أن وضعاً جديداً قد طرأ، اقتضى هذا الوضع اجتهاداً جديداً يدرأ عن المسلمين شر الخلاف والفتنة(٭).

أما علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه فقد كان أخذه بروح القوانين واضحاً في قضايا كثيرة(٭٭) نأخذ منها على سبيل المثال لا الحصر الرسالة التي بعث بها ƒ إلى الأشتر النخعي يحضه على قبول اتفاقية الصلح، وقد جاء فيها: «لا تدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك ولله فيه رضى، فإن الصلح دعة لجنودك، وراحة أمن لبلادك... وإن عقدت بينك وبين عدو لك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالأمانة فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم، وتشتت أرائهم، من تعظيم الوفاء(٭).

ومن الملاحظ في هذه الرسالة أن الروح الإسلامية تغلب عليها، فتجعل أمير المؤمنين يطلب من الأشتر النخعي كل ما ورد فيها، فهل يجوز لنا أن نعقد مقارنة بين هذه الروح السمحة، وبين ما نراه اليوم من التواء وتحايل في تطبيق مواد القانون الدولي حين يكون أحد الأطراف المتصارعة بشأن اتفاق أو عقد صلح؟

وكان عمر بن عبد العزيز  يغير الفتوى بتغير البيئة والزمن والحال، وزاد على قواعد القوانين الدولية العامة منذ تاريخ طويل عندما حرم إقرار الرسوم الجمركية «في حركة التبادل التجاري في البحار الإسلامية»1.

وفي عهد التابعين أيضاً نجد أمثلة كثيرة للأخذ بروح التشريع، مثل ما روي عنهم أنهم أجازوا التسعير للسلع، دفعاً للضرر عن عامة الناس لتغير أحوال الناس عما كانت عليه في عهد رسول الله ژ  الذي منع فيه التسعير، وقبول قضاء المرأة في غير الحدود والدماء قياساً على الشهادة.

 

روح القوانين عند مفكري الإسلام

إذا كان ابن تيمية قد رأى أن رئاسة الدولة ضرورية لتحقيق الخير ومنع الشر، فقد أكد على استشارة الفقهاء والعلماء والعارفين بأمور الشريعة حين يعجز الحكام عن إيجاد الطريق الصحيح.

كذلك يرى ابن تيمية أن من يتولى منصباً أو ولاية في دولة الإسلام يجب أن يتوفر فيه شرطان: القوة والأمانة.ورأى أن القوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب، والقدرة على أنواع القتال.

والقوة في الحكم ترجع إلى القدرة على تنفيذ الأحكام بالعدل، والأمانة ترجع إلى خشية الله، وترك خشية الناس. ولكن هل يتوفر القوي الأمين دائما؟

هنا يتنازل ابن تيمية عن شروطه وينزل إلى الواقع فيقول: إن اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا رشح رجلان أحدهما أعظم أمانه، والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضرراً فيها، فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع ـ وإن كان فيه فجور ـ على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أميناً.

وقد سبق ابن خلدون عصره في حديثه عن أثر العوامل الجغرافية على السياسة، وسبق مونتسكيو في ذلك، فلم يكتف بتوضيح أهمية الاجتماع البشري وطبيعته وضرورته بصفة عامة، ولكنه تناول أيضاً تنوع المجتمعات البشرية وفقاً للإقليم وتأثرهم بظروف المناخ وأثر ذلك على أخلاق البشر وأحوالهم، ومن ثم فكل نظام صالح في الحكم يجب أن يستند إلى ضوابط وقواعد مناسبة مهمتها توجيه الحكم إلى خدمة الصالح العام.

وفي حديثة عن مقومات القانون يتحدث محمد عبده عن مقومات تتعلق بالواقع الاجتماعي، فلا يصح ـ من وجهة نظره ـ استرداد قوانين معينة من مجتمع ما لتطبيقها على مجتمع آخر يختلف معه في الظروف المادية وغير المادية؛ وذلك لأن أحوال الأُمم وأوضاعها الاجتماعية هي المعيار الذي يستند إليه شكل القانون وأساسه؛ لأنه لما كانت القوانين مناط ضبط الأعمال لتكون منتجة لجلائل الفوائد، وهي ثمرة الأعمال النظرية، وخلاصة الأبحاث الفكرية، صارت قوانين كل أمة على نسبة درجتها في العرفان، واختلفت القوانين باختلاف الأمم في الجهالة والعلم.

ويتفق محمد عبده هنا مع مونتسكيو وإن كان يتميّز عنه في تأكيده على الفكر كأساس لروح القانون إلى جانب الظروف الطبيعية.

لقد وجّه الإمام محمد عبده النقد إلى علماء عصره، الذين كانوا يقفون ويجمدون على ما ورد في كتب السابقين، وألقى على هؤلاء العلماء مسؤولية ترك الحكام والعوام لأحكام الشريعة الإسلامية، فنجده يقول: «إن الناس تحدث لهم باختلاف الزمان أمور ووقائع لم ينص عليها في كتب السابقين، فهل نوقف سير العالم لأجل كتبهم؟ هذا ما لا يستطاع، ولذلك اضطر العوام والحكام إلى ترك الأحكام الشرعية ولجأوا إلى غيرها، والفقهاء هم المسؤولون عند الله عن هذا، وعن كل ما عليه الناس من مخالفة الشريعة؛ لأنه كان يجب عليهم أن يعرفوا حال العصر والزمان، ويطبقوا عليه الأحكام بصورة يمكن للناس اتباعها، كأحكام الضرورات، لا أن يقتصروا على المحافظة على نقوش هذه الكتب، ورسومها، ويجعلونها كل شيء، ويتركون لأجلها كل شيء.

 

.............

المراجع والمصادر:

المراجع والمصادر:

(1) صدر هذا المؤلف عام 1748، وعلى حد قول مونتسكيو: فقد توافر على كتابته طوال حياته، وقد أحدث هذا المؤلف آثاراً عظيمة في الأوساط السياسية.

عبد الرحمٰن الخليفة، مقالات سياسية (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1985) ص 382.

(2) ـ Montesquieu, The Spirit of Laws, Translated by Thomas Nugent (New York: Harfeard Publishing Co., 1949) p. 20.

(3) ـ محمد سلام مدكور، الوجيز في المدخل للفقه الإسلامي (القاهرة: دار النهضة العربية، 1976) ص 254.

(4) ـ ثروت بدوي، أصول الفكر السياسي والنظريات والمذاهب السياسية الكبرى (القاهرة: دار النهضة العربية، 1970) ص 112.

(5) ـ خيرالله طلفاج، الإسلام دين ودولة، ج 3 (بيروت: مؤسسة المطبوعات العربية، 1976) ص 213.

(6) ـ محمد أحمد خلف الله، القرآن والدولة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981) ص 253.

(7) ـ Ebenstein.W., Great Political Thinkers from Plato to Present (New York: Holt, Rinehart and Winston. 1921) p. 45.

(8) ـ عبد الحميد متولي، مبادئ نظام الحكم في الإسلام (الإسكندرية: منشأة المعارف، 1978) ص 42.

(9) ـ عبد الوهاب خلاف، مصادر التشريع الإسلامي مرنة (القاهرة: مجلة القانون والاقتصاد، عدد إبريل ومايو، 1945) ص 254.

(10) ـ محمد عبد الله العربي، نظام الحكم في الإسلام (بيروت: دار الفكر، 1968) ص 84.

 

(11)ـ راجع في ذلك: أفلاطون، الجمهورية، ترجمة: فؤاد زكريا (القاهرة: المؤسسة العامة للتأليف والترجمة والنشر، 1968).

(12)ـ فتحي عبد الكريم، الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي (القاهرة: مكتبة وهبة، 1984) ص 321.

(13) ـ عبد الحميد متولي، أزمة الأنظمة الديمقراطية في العصر الحديث (الإسكندرية: دار المعارف، 1963) ص 165.

(14) ـ عبد الحميد متولي، أزمة الفكر السياسي الإسلامي في العصر الحديث (مظاهرها، أسبابها، علاجها) (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985) ص 136.

(15) ـ سيد قطب، في ظلال القرآن (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1967) ص 191.

(16)ـ المرجع نفسه، ص 191.

(17) ـ سيد قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق، ص 192.

(18) ـ عبد السلام الترمانيني، العدل والعدالة في الإسلام، محاضرات الموسم الثقافي لعام 19972، 1973 (أبو ظبي، الشؤون الثقافية، ص 360.

(19)ـ عبد الرحمٰن خليفة، في علم السياسية الإسلامي (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1990) ص 185.

(20) ـ راجع في ذلك: فتحي عبد الكريم، الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 322.


 

(21) ـ إبراهيم دسوقي أباظة، عبد العزيز الغنام، تاريخ الفكر السياسي (بيروت، دار النجاح، 1973) ص 218.

(22)ـ Harmon M. Judd, Political Thought From Plato to The Present (N.Y.: Mcgrow Hill Book Co., 1964), p. 21, et.

(23) ـ راجع في ذلك: Gettell'n, History of Political Thight by Lousence C. Wan Ian (London: George Allen and Uniwin Ltd., 1956), p. 57 et.

حورية مجاهد، الفكر السياسي من أفلاطون إلى محمد عبده (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1986).

جورج سبابن، تطور الفكر السياسي، ج 1، ترجمة: جلال العروسي (القاهرة دار المعارف، 1971).

(24) ـ Custis M., The Great Political Theorien, Vol. 1 (New York: Avon Books, 1973) p: 113.

(25) ـ Rousseau, Social Contract (Oxford: University Press, 1948), p. 60).

(26) ـ أرسطو، السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1979) ص 23 وما بعدها.

وكذلك: أميرة حلمي مطر، الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس (القاهرة، دار المعارف، 1986) ص 160 وما بعدها.

(27) ـ سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام (بيروت، دار الشروق، 1978) ص 101 وما بعدها.

(28) ـ محمد فاروق النبهان، نظام الحكم في الإسلام (جامعة الكويت، 1974) ص 186.

(29) ـ يوسف القرضاوي، عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية (القاهرة مكتبة وهبة، 2004) ص 73.

(30) ـ المرجع نفسه، الموضع نفسه.

 

(31) ـ. محمد عبده، تفسر المنار، ج 10 (القاهرة، مطبعة المنار، 1325 هـ) ص 71.

(32) ـ المرجع نفسه، الموضع نفسه.

(33) ـ يوسف القرضاوي، عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص 75.

(34) ـ يوسف القرضاوي، عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص 75.

(35) ـ مع أن المفكر الإسلامي الكبير الشيخ عبد الوهاب خلاف يرى أن رسول الله ژ كان ينهى عن الشيء لمصحة تقضي تحريمه، ثم يبيحه بعد ذلك إذا تبدلت الحال وصارت المصلحة في إباحته.

عبد الوهاب خلاف، السياسة الشرعية (القاهرة: دار الأنصار، 1977) ص 8.

(36) ـ يوسف القرضاوي، الخصائص العامة للإسلام (القاهرة: مكتبة وهبة، 2003) ص 209 - 211.

(37) ـ صابر طعيمة، الإسلام والثورة الاجتماعية (القاهرة: مكتبة القاهرة الحديثة، 1970) ص 303.

(38) ـ ابن هشام، السيرة النبوية، ج 3، (تحقيق: مصطفى السقا، عبد الحفيظ شلبي (القاهرة: مكتبة الحلبي، 1969) ص 331.

(39) ـ يوسف القرضاوي، الخصائص العامة للإسلام، مرجع سابق، ص 212.

(40) ـ ورد نص هذه الوثيقة في:

ابن هشام، السيرة النبوية، ج 1، تحقيق: مصطفى السقا، عبد الحفيظ شلبي (القاهرة: مكتبة الحلبي، 1969) ص 501 - 504.

ـ محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة طـ 2 (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1956) ص 15 - 21.

 

(41) ـ محمد سليم العوا، في النظام السياسي للدولة الإسلامية (القاهرة: المكتب المصري الحديث، 1983) ص 62.

(42) ـ فتحي عبد الكريم الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 136.

(43) ـ (م/25).

(44) ـ محمد سليم العوا، في النظام السياسي للدولة الإسلامية، مرجع سابق، ص 63.

(45) ـ (م/47).

(46) ـ فتحي عبد الكريم، الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 138.

(47) ـ محمد عبد المعز نصر، في الفكر السياسي العربي والمجتمع (القاهرة: مطابع الأهرام التجارية، 1969) ص 88.

(48) ـ المرجع نفسه، ص 89.

(49) ـ رواه مسلم في صحيحة عن السيدة عائشة.

(50) ـ عبد الحميد متولي، أزمة الفكر السياسي الإسلامي في العصر الحديث، مرجع سابق، 119.

 

(51) ـ ابن عبد البر، الدور في اختصار الغازي والسير (طبعة القاهرة: 1966) ص 113.

(52) ـ عبد الحميد متولي، مبادئ نظام الحكم في الإسلام، مرجع سابق، ص 242.

(53) ـ عمر شريف، نظام الحكم والإرادة في الدولة الإسلامية (القاهرة: دار الاتحاد العربي للطباعة، 1985) ص 76.

(54) ـ محمد الخضر حسن، نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم (تونس دار المغرب العربي، 1925: 205).

(55) ـ محمد سليم العوا، في النظام السياسي للدولة الإسلامية، مرجع سابق، ص 71.

(56) ـ راجع في ذلك:

ـ
الطبري تاريخ الرسل والملوك، وتحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ج 3 (القاهرة دار المعارف، 1962ص 218).

ـ
ابن خلدون، المقدمة، تحقيق وتعليق: علي عبد الواحد وافي (القاهرة: لجنه البيان العربي، 1966) ص 162

ـ
محمد فتحي عثمان، من أصول الفكر السياسي في الإسلام، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1979، ص 345.

ـ
محمد حسين هيكل، الصديق أبو بكر، ط 2 (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1360هـ، صفحات: 70 - 71.

ـ ابن هشام السيرة النبوية، مرجع سابق، ج 4، ص 661.

(57) ـ المرجع السابق نفسه، الموضع نفسه.

(58)ـ محمد ضياء الدين الريس، النظريات السياسية الإسلامية (القاهرة: مكتبة دار التراث، 1979، ص 177.

(59) ـ عبد الحميد متولي، أزمة الفكر السياسي الإسلامي في العصر الحديث، مرجع سابق، ص 121.

(60) ـ أحمد أمين، فجر الإسلام (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية 1959) ص 237.

 

(61) ـ راجع هذه الاتفاقية في محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة، ط 2 (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1956)، ص 302 ـ محمد عبد المعز نصر، في الفكر السياسي العربي والمجتمع (القاهرة: مطابع الأهرام التجارية، 1969)، ص 302.

(62) ـ يوسف القرضاوي، الخصائص العامة للإسلام، مرجع سابق، ص 211.

(63) ـ المغني، ج 9، ص 236، ونقلاً عن، يوسف القرضاوي، المرجع نفسه، الموضع نفسه.

(64) ـ مصطفى أبو زيد فهمي، فن الحكم في الإسلام (القاهرة: المكتب المصري الحديث، بدون) ص 128.

(65) ـ خالد محمد خالد، وداعاً عثمان (القاهرة: دار المعارف، 1967)، ص 141.

(66) ـ المرجع نفسه، ص 143.

(67)٭   وإن كان أبو بكر ƒ قد قام بجمع القرآن في مصحف واحد، مخافة أن يموت أشياخ القراء خاصة بعد حروب الردة.

(68)٭٭  مثل قضية زبية الأسد وقضية شرب الخمر التي رجع فيها عن رأيه الذي أشار به على سيدنا عمر ƒ من قبل، أخذاً بالتخفيف، راجع في ذلك.

محمد أحمد سراج، الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق (الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، 1997م ص) 101 ومال بعدها.

صبحي عبده سعيد، الإسلام وحقوق الإنسان (القاهرة: دار النهضة العربية، 200، ص61، وما بعدها.

(69)٭   نص الرسالة كاملة في: صابر طعمية، الإسلام والثورة الاجتماعية (القاهرة، مكتبة القاهرة الحديثة، 1970)، ص 303 وما بعدها.

 المرجع نفسه، ص 298.

(70) ـ ابن القيم، أعلام الموقع عن رب العالمين، ج 3 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1991) ص 11.

 

(71) ـ المرجع نفسه، ص 18.

(72) ـ ابن تيمية السياسية الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تحقيق وتعليق: محمد إبراهيم البنا ومحمد أحمد عاشور (القاهرة، دار الشعب)، 1971 إلى ص 185.

(73) ـ ابن خلدون، المقدمة، ج 1، ص 340.

(74) ـ محمد عبده، تفسير المنار، ج 5، ط (القاهرة: ، مطبعة المنار، 1325هـ)، ص 189.

(75) ـ عبد العاطي محمد أحمد، الفكر السياسي للإمام محمد عبده (القاهرة): الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1978)، ص 198.

(76) ـ محمد عمارة، الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج 1 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1972)، ص 310.

(77) ـ محمد عبده، تفسير المنار، مرجع سابق، ص 186.

أخبار ذات صلة