الحروب التجارية هي حروب طبقية

الحروب التجارية.jpg

مايكل بيتيس وماثيو سي كلاين

محمد السالمي

 

تُفهم النزاعات التجارية عادة على أنها صراعات بين البلدان ذات المصالح الوطنية المتنافسة. 

كان العالم، قبل الوباء والآن، منقسمًا بسبب النزاع حول التجارة، وأبرزها الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين. ففي كتاب " الحروب التجارية هي حروب طبقية "، يوضح كل من ماثيو سي كلاين ومايكل بيتيس، أن النزاعات الدولية غالبًا ما تكون نتيجة لخيارات سياسية محلية لخدمة مصالح الأثرياء على حساب العمال والمتقاعدين. يتتبع الكتاب أصول الحروب التجارية التي نشهدها اليوم وذلك من خلال القرارات التي اتخذها السياسيون وكبار رجال الأعمال في الصين وأوروبا والولايات المتحدة على مدار الأعوام الماضية. حيث ازدهر الأثرياء في جميع أنحاء العالم، بينما لم يعد بإمكان العمال شراء ما ينتجون أو فقدوا وظائفهم. في هذا التحدي المثير للتفكير لوجهات النظر السائدة، يقدم المؤلفون سردًا متماسكًا يوضح كيف أن الحروب الطبقية التي ينجم عنها تزايد عدم المساواة تشكل تهديدًا للاقتصاد العالمي والسلام الدولي، وما الذي يمكننا فعله حيال ذلك.

وللتعريف بمؤلفي الكتاب، فماثيو سي كلاين، هو كاتب اقتصادي في Barron's بارونز. كما كتب سابقًا في الفايننشال تايمز وبلومبيرج والإيكونيميست. في المقابل، يشغل مايكل بيتيس منصب أستاذ المالية في جامعة بكين، كما عمل سابقاً كمستشار مالي في الموضوعات المتعلقة بالإدارة المالية لحكومتي المكسيك وكوريا الجنوبية.

من عنوان الكتاب، يقود الكثير منا إلى الافتراض أن النزاعات التجارية تقودها دول ضد دول أخرى. بينما يشير المؤلفان إلى أنَّ ذلك غير صحيح، بل علينا توجيه تفكيرنا للصراعات الطبقية داخل هذه البلدان.على سبيل المثال، لم تكن سياسات الحكومة الصينية لها تأثير سلبي على العمال الأمريكيين وحسب، بل هي كانت سيئة أيضًا على العمال في الصين. وبعبارة أخرى، بدلاً من التفكير بالصين مقابل الولايات المتحدة، من المُفيد جدًا التفكير في الأمر على أنه مجموعة كبيرة من الأشخاص في الصين مقابل مجموعة صغيرة داخل نفس الدولة. ومن نواحٍ عديدة، ينطبق هذا بصورة مماثلة في الولايات المتحدة. ولذلك، يمكن القول إن هناك تكاملا في المصالح بين العمال في الولايات المتحدة والصين وبين النخب في الولايات المتحدة والصين ضد العديد من الأشخاص الآخرين في بلادهم. 


يحاول كلاين وبيتيس إظهار أوجه القصور في العديد من طرق التفكير التقليدية حول التجارة والتمويل العالمي وذلك باستخدام سلسلة طويلة من البيانات. وإشارة إلى الاقتصادين الكلاسيكين، مثل آدم سميث وديفيد ريكاردو، فإنهم يرون أن التجارة تحددها المزايا النسبية للبلدان. وأن معظم التدفقات المالية العالمية، مرتبطة بالتمويل المباشر لتبادل السلع والخدمات. وعند رؤيتنا لذلك، فهي صغيرة للغاية في ذلك الوقت مقارنة بحجم الاقتصاد العالمي في الوقت الحاضر. ففي عام 1855 قدر كلاين وبيتيس، القيمة الإجمالية لجميع المطالبات المالية عبر الحدود بحوالي 16 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بينما تبلغ المطالبات المالية عبر الحدود الآن حوالي 400 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتبدو التجارة العالمية اليوم أقل وضوحًا من كونها منفعة اجتماعية. تحدث التدفقات المالية في الوقت الذي يسعى فيه المستثمرون إلى تحقيق عوائد على استثماراتهم، وتتشكل الاختلالات التجارية تحت ضغط السيولة المالية الكبيرة. ومن ثم يكافح السياسيون المحليون لتصحيح الاختلالات الاقتصادية المتجذرة داخل بلادهم.

يبدأ التصدع في المنظومة الاقتصادية من خلال توزيع الدخل. فكلما زادت الأسرة ثراء، زاد دخلها الذي تستطيع توفيره. وبالتالي، يمكن للأماكن ذات التوزيعات الثابتة نسبيًا للدخل أن تدعم الكثير من الاستهلاك المحلي، مما يعزز حجم مبيعات الشركات المحلية ويشجعها على زيادة الاستثمار. ومن ناحية أخرى، ففي البلدان غير المتكافئة، تتراكم مدخرات الأثرياء، وينخفض ​​الاستثمار المحلي، لأن المستهلكين الذين يعانون من ضائقة مالية يجعلون السوق غير جذاب للنمو. وفي نطاق الاقتصاد العالمي المفتوح وغير المنظم إلى حد كبير، يكون المنفذ الوحيد هي الصين، وذلك عبر التصدير أو إغراق فوائضها إلى الخارج. وهذا يسمح للاقتصاد المحلي الصيني بالاستمرار في العمل بكامل طاقته حتى أثناء إيذاء البلدان التي يتم إغراق منتجاتها فيها. مثلاً، إذا قامت دولة بإلقاء فائض إمدادات الحديد الرخيص على دولة أخرى، فإنَّ ذلك من شأنه أن يقوض إنتاج الصلب في البلد المستهدف.

كان لدى ألمانيا نفس الاستجابة السياسية خاصة بعد إعادة التوحيد مع ألمانيا الشرقية السابقة حيث سعت في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى معالجة مشاكل البطالة المرتفعة المزمنة عن طريق خفض أجور العمال وإضعاف شبكة الأمان الاجتماعي. يجادل المسؤولون الألمان بأن هذا أعاد القدرة التنافسية للشركات، وحوّلها إلى قوى تصدير عملاقة ومحركات لخلق فرص العمل. في المقابل، يروي كلاين وبيتيس قصة مختلفة، أدى هذا التوجه إلى الضغط على العمال وإضعاف الاستهلاك المحلي وزيادة أرباح الشركات، ووضع المزيد من الأموال في أيدي الألمان الأثرياء. وتدفق فائض الإنتاج إلى الخارج. كما غادرت مدخرات الأثرياء إلى جنوب أوروبا وساهموا في تضخيم الفقاعات المالية. يجادل المؤلفون بأنه لو فعلت ألمانيا المزيد لتعزيز الإنفاق في الداخل، من خلال الاستثمار في البنية التحتية التي تشتد الحاجة إليها، لكان أداء العمال الألمان أفضل بكثير ولربما كانت أزمة منطقة اليورو أقل تدميراً بكثير.

 

كما يروي المؤلفان قصة مماثلة عن الصين، أدت الأهداف السياسية غير المتوافقة وعجز الحكومة عن معالجة تزايد عدم المساواة إلى فائض تجاري كبير ومستمر، وإلى العديد من الشركاء التجاريين الغاضبين. أنتج النظام المالي في الصين تحويلاً هائلاً ومستدامًا من الشعب الصيني إلى كبار المصنعين ومطوري البنية التحتية ومطوري العقارات والحكومات الإقليمية والبلدية . بلغت قيمة التحويل حوالي 5 ٪ من إجمالي الناتج المحلي الصيني سنويا ابتدأ من عام 2000. مع وفرة هذا المال، ليس من المستغرب أن الكيانات التي تتمتع بامتياز في الحصول على القروض شرعت في فورة استثمارية ضخمة، غالبًا مع القليل من الاهتمام بجودة المشاريع التي تم تمويلها .

ولاريب أنَّ مستويات المعيشة قد ارتفعت بشكل كبير في الصين على مدى العقود القليلة الماضية. من جهة أخرى، يرى المؤلفان أن نموذج التنمية الذي قدمه الحزب الشيوعي ابتداءً من أوائل التسعينيات، أوجد طبقة راسخة من الأشخاص الذين انتهى بهم الأمر إلى الاستفادة بشكل كبير. سواء كانوا من مطوري العقارات أو من المسؤولين الحكوميين أو أنواع أخرى من رجال الأعمال التنفيذيين. فهؤلاء الأشخاص، وبسبب الثروة التي تم جنيها، لديهم حافز قوي للغاية لعدم تغيير النظام. ويؤكد المؤلفان، وعلى عكس التصورات التي لدينا حول كون الصين نوعًا من النظام المركزي للغاية، فهي في الواقع ليست كذلك. ففي الصين، يتم إدارة الكثير من السياسات على المستوى الإقليمي أو شبه المحلي، والمقاطعات هي بحجم الدول الأوروبية، إن لم تكن أكبر. ولذلك، من الصعب نسبيًا أن يحصل هذا التمركز، و بالتالي هناك مقايضات عليهم القيام بها لتوزيع النفوذ. قد يكون لدى السلطة بعض الأولويات والأولويات الأخرى تصبح ثانوية وهذا في كثير من الأحيان يجعل حتى الأشخاص في القمة، يدركون عدم استدامة هذا النموذج. 

أما في سياق الولايات المتحدة، فهي حالة شاذة. يفرض الدور العالمي للعملة الأمريكية ضغوطًا شديدة على الدول الأخرى لتجميع الدولار وكذلك الأصول المقومة بالدولار. ونتيجة لذلك، أصبحت الولايات المتحدة أرضًا جاذبة للسلع الفائضة من البلدان الأخرى بالإضافة إلى فائض مدخراتها. وبالتالي، أصبحت الضغوطات التي تفرضها هذه التطورات على الاقتصاد الأمريكي والسياسة الأمريكية واضحة للغاية على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية. وإذا لم تتمكن الحكومات من إيجاد طرق لإصلاح النظام النقدي العالمي وتوزيع مكاسب النمو بشكل أكثر إنصافًا، فإن الأزمات المالية والخلافات التجارية اليوم قد تكون مجرد مقدمة لانهيار أكثر عمقًا في المستقبل. كما يشير الكتاب إلى أنه لن يكون من الممكن للواردات أن تحل محل الإنتاج الأمريكي وأن يستمر الأمريكيون في استهلاك تلك الواردات ما لم يكن هناك أيضًا مبلغ مماثل من الديون لتمويل ذلك الإنفاق الذي يزيد عن الدخل.

وفي الختام، يجادل كلاين وبيتيس أنه لإنهاء الحروب التجارية يجب أن نبدأ بإنهاء الحروب الطبقية. وهذا يتطلب أنظمة وإصلاحات محلية ودولية. في حين أن القبول بأن إنهاء الاختلالات في التجارة العالمية والنظام المالي يتطلب تنظيمًا محليًا وتعاونًا دوليًا، يبدو أنَّ العلاج المقترح لهما من الصعب تحقيقه ومن المحتمل أن يكون غير فعال. 

 

الفرضية الشاملة للكتاب هي أن تدفقات رأس المال تسهم في التدفقات التجارية. وببساطة، يتطلب العجز التجاري في الولايات المتحدة تدفق رأس المال، بينما يتطلب الفائض التجاري في الصين تدفق رأس المال إلى الخارج. يستخدم المؤلفان الأسس المحاسبية لإثبات وجهة نظرهم. ومع ذلك، فإن الأسس المحاسبية لا تحدد السببية كون العناصر الأخرى ليست ثابتة. على سبيل المثال، تؤدي الزيادة في الإنفاق الحكومي، مع تساوي الأشياء الأخرى إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي، لكن الأشياء الأخرى لا تظل متساوية حيث يمكن خفض الاستهلاك أو الاستثمار أو الصادرات في نفس الوقت.

يقدم المؤلفون حجة مباشرة للغاية مفادها أن الصين يجب أن تخفض صادراتها، والتي تملأ جيوب كبار الحزب الشيوعي والنخبة الصناعية على حساب العمال. كما يجب أن يتحول الاقتصاد بدوره نحو الاستهلاك المحلي من خلال سياسة الأجور الأعلى وشبكة أمان اجتماعي أقوى. كل هذا منطقي، لكن سياسة شبكة الأمان الاجتماعي ذات الأجور المرتفعة معادية للولايات المتحدة المعرضة للعجز التجاري. 

قام ماثيو كلاين ومايكل بيتيس بتضمين الكثير في هذا الكتاب وتقديم تحليل رائع ودقيق للقوى المحلية والعالمية التي تشكل الحروب التجارية اليوم. يفتح كتابهم مساحة فكرية قيّمة ويمهد الطريق لنقاش أوسع بكثير. كما حاز الكتاب على استحسان النقاد، وتم تضمينه في قائمة الفايننشال تايمز لهذا العام.

 

تفاصيل الكتاب:

اسم الكتاب: الحروب التجارية هي حروب طبقية: كيف يؤدي تزايد عدم المساواة إلى تشويه الاقتصاد العالمي وتهديد السلام الدولي

المؤلف: مايكل بيتيس وماثيو سي كلاين

الناشر: Yale University Press

سنة النشر: 2020

اللغة: الإنجليزية

عدد الصفحات: 288 صفحة