دماغ الزواحف حول شعبية خطأ علمي

دماغ الزواحف.jpg

سباستيان لوميرل

سعيد بوكرامي

"إذا كنت عدوانيًا خلف مقود سيارتك، فهذا ليس خطأك، لأنَّ دماغ الزواحف هو المسؤول. إذا كنت تخاف من وحش بري، فإنَّ دماغ الزواحف هنا يعبر عن نفسه أيضًا. هذان مثالان على المعتقدات الشائعة بوجود جزء من دماغ الزواحف في دماغنا. اعتقاد هو في أفضل الأحوال خطأ علمي وفي أسوأ الأحوال، حقيقة مزيفة..." (سيباستيان لوميرل).

يعتبر كتاب عالم الاجتماع سيباستيان لوميرل شرحاً وافياً لكيفية شيوع وتكريس نظرية دماغ الزواحف التي تدعي تفسير سلوكاتنا الأولية ... على الرغم من طبيعتها الخاطئة. كيف استمر مفهوم دماغ الزواحف في التأثير على المثقفين والإعلام والثقافة الشعبية رغم تقادمه؟ وكيف التقط مفهوم علمي قديم من قبل ممثلين متعددين - فنانين وفلاسفة وصحفيين ومعاهد تنمية ذاتية- ووظف لأغراض إيديولوجية واقتصادية.

يوجه عالم الاجتماع سيباستيان لوميرل هذه الأسئلة من خلال تحقيق مفصل حول "دماغ الزواحف "الذي يُعد مثالاً لمفهوم علمي تم تصديره إلى الجسم الاجتماعي، والذي لا يزال غير موثوق به من وجهة نظر علمية، ولا يزال ينتقل من حالة المفهوم إلى الاستعارة الغامضة التي يمكن استعادتها دائمًا واستغلالها وفق صيرورة المجتمع وتطوره السلوكي والاجتماعي والثقافي.

كان عالم الأعصاب الأمريكي بول د. ماكلين في مطلع الستينيات أول من اقترح نظرية دماغ الزواحف أو ما يعرف بالدماغ الثلاثي الذي يتكون من  العقد القاعدية والجهاز النطاقي، والقشرة المخية الحديثة. ويندرج المفهوم ضمن جزء من نظرية عامة للدماغ تتعلق بجزء قديم جداً من إرثنا التطوري أي مجموعة من التصرفات "الأساسية": الغريزية، كالدفاع عن المنطقة، والسلوك العدواني وغيرها. في الواقع، وضع بول ماكلين عالم الأعصاب الأمريكي فكرة غريبة تقول بأن هناك تركيبا بدائيا وشرسا في دماغنا يجب علينا أن نحمي أنفسنا منه أو على الأقل أن نحتاط منه، كيفما كانت التنمية البشرية والاجتماعية. يوجد هذا الطرح المريب منذ الستينيات، وبقي حتى يومنا هذا، بينما طوى النسيان اسم مخترعه منذ فترة طويلة. نُسي لأنه، في حياته، وبعد التقدم السريع، استبعد مفهوم دماغ الزواحف من خلال التقدم العلمي الذي تحقق في علم الأعصاب والدماغ. في الحقيقة لم تُبنَ النظرية على تجارب صارمة، لأن الفكرة هي قبل كل شيء انعكاس لروح العصر وسياقاته. من الستينيات إلى الثمانينيات، تساءل الكثير من الناس عن مصادر العنف البشري. ثم استبدل بالتفاؤل السائد خلال الفترة السابقة نظرةً أكثر مأساوية للحالة البشرية، مصحوبة بمذهب الاختزال البيولوجي والتطوري. وقد عمل ما كلين  في هذا السياق المتسم بنقد النتشوية  والتشكيك في الفرويدية. وقد ساهم آرثر كويستلر، في وقت مبكر جدًا في جعل المفهوم معروفًا، فاستولت عليه تيارات سياسية مختلفة، المتشائمة منها والمتفائلة، فاستنتج منها البعض حتمية الطبيعة البشرية التي لا يمكن إصلاحها، والبعض الآخر شكك في قدرتنا على تعديلها. ومن بعد، أصبحت النظرية مفيدة، بل ومربحة "لمقاولي الروح المعنوية " وأتباع التنمية الذاتية. ومن هنا تكمن أهمية كتاب سباستيان لوميرل حول "دماغ الزواحف"، لأنه رغم خطأ النظرية من منظور علمي، إلا أنها  مازالت مفهوما مكتسبا يتم التلاعب به اجتماعيا، مستغلين قابلية المفهوم للتداول والتوظيف بحكم طابعه الاستعاري الغامض. 

إذا اعتبر المفهوم خاطئاً مبكرًا، وعفا عليه الزمن علميًا، فإن "دماغ الزواحف" رغم ذلك تمتع بحضور هائل، ويحاول هذا الكتاب إعادة تتبع مساره ضمن تحقيق يجمع بين دراسة صياغة المفهوم، وتحليل تداوله أو إعادة تحيينه - من ألفريد كويستلر إلى ميشيل أونفراي، مرورا بآلان ريسنيه – من طرف الإثنوغرافيا لتوظيفه في بعض الدوائر العلاجية التي تدعو إليه، حتى اليوم، بدعوى ضرورة العيش بشكل أفضل، وضرورة قبول "التمساح" المختبئ في دواخلنا.

لماذا وكيف انتشرت هذه النظرية الخاطئة؟ إن مفهوم "دماغ الزواحف" يجعل من الممكن إعادة النظر في مسألة نشر المعرفة في الثقافة، وبالتالي العلاقة بين العلم والمجتمع.

تهتم دراسات التواصل العلمي بشكل أساسي بنوعين من المجالات: المجالات الأكاديمية التي تنظم التبادل بين العلماء والمجالات الإعلامية التي تنظم التبادل بين الخبراء والجمهور. في كلتا الحالتين، فإن مجال البحث لديه يميل إلى خلق الجدل والصراع أي من الخلافات العلمية إلى الفضائح. في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ظهرت فجوة واضحة في هذه الأدبيات: كيف يترسخ "ما يعطي تأثيرًا وقوة لأفكار معينة" لدرجة تحوله إلى قيمة ثقافية "مبتذلة" أو بديهية ؟ من هذا المنظور، يطور سباستيان لوميرل برنامجًا بحثيًا حول البيولوجيا المعاصرة، مركزا على الاستخدامات الاجتماعية للمعرفة في علم الأحياء (علم الوراثة وعلم الحيوان وعلوم الأعصاب)، من خلال التركيز بشكل خاص على الاستمرارية الاجتماعية للمفاهيم الخاطئة: "لماذا وتحت أي ظروف تبقى بعض المعارف العلمية متداولة رغم تقادمها؟ (ص 209). ومن ثم فإن دراسة "دماغ الزواحف" هي مثال نموذجي. الهدف من هذه الدراسة هو تحليل نجاحها الثقافي عبر إعادة بناء الدائرة الاجتماعية الكاملة: منذ تشكل الفكرة في إطار نظرية في علم الأعصاب في الستينيات إلى الترسيخ الدائم في وسائل الإعلام والتنمية الذاتية، على الرغم من أنها مبتذلة علمياً.

في تساوق مع هذا الهدف، يسلك المؤلف منهجية تجمع البيانات التي تتكون من ثلاثة مصادر: المحفوظات العلمية للمكتبة الوطنية للطب (NLM) في الولايات المتحدة الأمريكية (بيثيسدا، ماريلاند) (ص 16)، (أوروبريس، فاكتيفا) (ص46- 145) والمشاركة في مؤتمرات التنمية الذاتية في 2015-2016 (ص .183 و ص 202). إن منهجية تحليل المحتوى بسيطة وفعالة: إذ تأتي نتيجة ملاحظات للبيانات وتحليلها من خلال "التحقيق" في الاستخدامات الدقيقة لتعبير "دماغ الزواحف" في سياقات الاتصال المختلفة (ص 71). تتمثل الفائدة المنهجية لتحليل هذه العملية في تجميع الوظيفة الشعرية للاستعارة في الانتقال من علم الأعصاب إلى الطب (يحدد "دماغ الزواحف" الغرائز والعدوانية) والتاريخ الاجتماعي لاستخدامات الاستعارة من قبل الوسطاء الذين يحققون وظيفة الوساطة (ص 10-14). وهكذا يعيد التحليل بناء خمسة متواليات من عملية تكوين وتلقي مفهوم "دماغ الزواحف".

يهتم الفصل الأول بنشأة الفكرة وتطورها النظري بين عامي 1949 و1970. التي كانت فترة فوران متعدد التخصصات، حيث كان الانتقال من العمل المخبري إلى الممارسة ضعيف التنظيم، لا سيما في مجال الصحة العقلية. وهكذا فإن الطبيب بول د ماكلين( 1913- 2007) اهتم بفيزيولوجيا العواطف من التجارب على الحيوانات وتجربته السريرية في الطب النفسي. وقد سعى من منظور تطوري إلى استنتاج وجود وحدة دماغية بين الثدييات جميعها. ثم قام بعزل مكون دماغي قديم، أي بدائي، واعتبره المسؤول عن السلوكات الغريزية والبدائية لدى الحيوان والإنسان. وفي الستينيات، كانت واحدة من الطبقات الثلاث لمفهومه للدماغ كـ "دوافع" تدعم أبحاثه حول العنف والسلوك المنحرف.

يصف الفصل  الثاني الظروف الاجتماعية التي رسخت الفكرة في نظام رمزي يتكون من خلفية مرجعية ثقافية تأسست على صيغ مجازية. أولاً، على المدى الطويل، تعطي فلسفة العقل الكلاسيكية (في العصور القديمة والعصور الوسطى) مكانة سلبية للعواطف. مما يجعل الاستفادة منها عزيزة المنال عكس مؤرخي الفلسفة. ثم إن التحليل النفسي الفرويدي، الذي يربط بين الجنسانية والعدوان، يدعم خطاب القلق في الثقافة البدائية والاستشراقية. وأخيرًا، تركز هذه الأنثروبولوجيا المتشائمة على المناقشات المعاصرة في الستينيات والسبعينيات، مثل تلك المتعلقة بالأسرة ونقد التغيير الاجتماعي.

يُكمل الفصل الثالث هذا التحليل لاستخدامات الأنثروبولوجيا المتشائمة بناءً على الظروف الاجتماعية لتقبل الفكرة بين عامي 1960 و 1980 في الولايات المتحدة وفرنسا، من خلال دراسة الجدل حول استعداد الإنسان للعنف. بعد ماكلين، فإن وسطاء فكرته كانوا من المتعهدين والأخلاقيين المشهورين في وسائل الإعلام يروجون لـ "الفكر المعقد" ويحشدون الإصدارات التحريرية المتنافسة في المجال السياسي، مثل ("اليمين الجديد" و"مجموعة العشرة"): ونذكر منهم كاتب المقالات آرثر كوسلر، وعالم الفلك كارل ساغان و الطبيب النفسي للأطفال بيير دوبراي ريتزن والطبيب العسكري هنري لابوري وعالم الاجتماع إدغار موران.

يحلل الفصل الرابع كيفية تلقي وسائل الإعلام الفرنسية لنظرية ماكلين ومعلقيه في الصحافة والأفلام. يُبين المؤلف بدقة "السلسلة الماكرة لانتقال المفهوم " (ص 131) إلى مبدأ "ولادة الشعور المشترك للزواحف" (ص. 143) بين عامي 1980 و 2020. في هذا السياق الصحفي، فإن فكرة "دماغ الزواحف" هي استعارة أخلاقية لغريزة البقاء أو الدوافع. هذا الإطار الذي تخصص فيه ميشال أونفراي باستخداماته الجدلية للمجاز في وسائل الإعلام (ص 154-155). لكن سياق التدخلات النفسية والاجتماعية (بما في ذلك التطور الذاتي) هو الذي يحظى بالتداول الشائع، من خلال عكس دلالاته الأخلاقية، وبذلك يفسح التشاؤم الشائع مجالا فسيحا للتفاؤل العلاجي المصطنع.

لهذا السبب يركز الفصل الخامس والأخير على تحليل محتوى الخطاب السائد (التربوي بشكل أساسي) والمتمثل في التدريبات المعاصرة في مجال التنمية الذاتية، ونجده في اثنين من المعاهد الباريسية التي تروج لعلم النفس الإيجابي لمعرفة غرائز المرء والتحكم فيها. هذا الخطاب السلوكي هو في الواقع نسخة جديدة من نظرية "دماغ الزواحف" تم تحيينها وفق الميولات "الواقعية" للفكرة الأولية، وبشكل متناقض ومشكوك فيه تجاه "أبحاث" التحليل النفسي، على وجه الخصوص؛ إذ صارت تروج وتباع وصفات خطابية للهروب من الانزعاج الشخصي وتحرير النفس، ما على المرء إلا أن يتصالح مع نفسه، أي مع جسده، من خلال الإصغاء إلى الحياة الغريزية، وهو مرهون بـ "الديناميات الحيوية" (ص 188). تنطبق هذه المعرفة أيضًا على التسيير و الإدارة وطب الأطفال (ص 196-197). يختتم الفصل بالأسباب الثلاثة الرئيسية لشعبية الاستعارة في هذا المجال وهي: إضفاء الشرعية على الخطابات، والامتلاك التربوي للممارسات، ونشر مفهوم العزاء و السلوى: لتغيير الذات بدلاً من تغيير العالم.

تلخص الخاتمة مساهمة التحليل في إبراز أن استعارة "دماغ الزواحف" تعتمد على سياقها: ضمن نظرية محددة، وضمن سياق تعليمي قائم على معرفة الجمهور، وضمن سياق بلاغي يهدف إلى تشكيل طبائع الناس. ومع ذلك، يبدو هذا التصنيف على الفور مصطنعًا. في الواقع، هذه السياقات الثلاثة هي مواقف بلاغية يتم فيها التلاعب بالروح (موقف المتحدث)، والعواطف (تعبئة المشاعر) والمنطق (بنية الجدل بما في ذلك الاستعارات). يشمل الخطاب المواقف الاجتماعية، وأي وضع اجتماعي ينطوي على استخدام أدوات بلاغية.

لذلك لا توجد مخاطرة في  "نظرية النص" (ص 218) أو حتى "إزالة السياق" باستخدام أدوات يُنظر إليها على أنها أدوات "أدبية". وهكذا، يبين الفصل الثاني بوضوح الاهتمام بربط استعارة دماغ الزواحف بالأوضاع الخطابية التي تمت دراستها من خلال تحليل التلقي في تاريخ الفلسفة. وبذلك من الممكن أن نذهب أبعد من ذلك في هذا السياق النصي: من جهة، لأن مشكلة الشر وأسئلة اللاهوت قد خضعت لعلم الأحياء منذ القرن السابع عشر (من قبل الديكارتي ماليبرانش) مما أدى في القرن التاسع عشر إلى تبني الفكرة المغرضة عن الانحطاط. من جهة أخرى نجد ظهور حركة الإمكانات البشرية، بحيث يعتبر كويسلر، وسيطًا قويًا لفكرة الإمكانات الطبيعية للدماغ البشري. يمكن العثور على كل هذه العلاقات المتناسلة على وجه التحديد في مجموعة متنوعة كبيرة من المواقف الاجتماعية. 

إنَّ معرفة أفضل بالأدوات الخطابية ومظاهرها البلاغية، وعلم الاجتماع أيضاً، يمكنان المجتمع من التزود بوسائل كفيلة بتحليل الخطاب وتفكيكه وفهم مقاصده. ومع ذلك، فمن غير المجدي السعي إلى نزع العاطفة من خلال المنطق؛ لأن الوضع البلاغي لا يفكك إلا من الداخل. وربما لهذا السبب نجت استعارة "دماغ الزواحف" خاصة والاستعارة بصفة عامة من الزوال أو النقد، واستمرت في التداول والتكريس والاستغلال على المستوى الإعلامي والاقتصادي والسياسي.

 

الكتاب: دماغ الزواحف: حول شعبية خطأ علمي

المؤلف: سيباستيان لوميرل

الناشر: منشورات العلوم السياسية وعلم الاجتماع. باريس. فرنسا

سنة النشر: 2021

عدد الصفحات: 224ص

اللغة: الفرنسية