الدخل الأساسي والأموال السيادية: بديل الأزمة الاقتصادية وسياسة التقشف

الدخل الأساسي والأموال السيادية.jpg

جيف كروكر

محمد السالمي


يتناقش  العديد من الاقتصاديين وصناع القرار حول فعالية النظام الاقتصادي الحالي؛ حيث إن  الأزمات والتقشف والديون الحكومية المفرطة والأجور المنخفضة، إضافة إلى الفقر وعدم المساواة تستدعي إعادة التفكير بشكل جذري في هندسة النظام الاقتصادي بحلة جديدة. إن أدوات التنظيم والتحفيز التي تعتمدها الدول مثل  الصرامة في التنظيم المصرفي، وسياسة التيسير الكمي، والتقشف لا تعطي النتائج المرجوة منها. كتاب "الدخل الأساسي والأموال السيادية" لجيف كروكر يشير  إلى أن السبب الرئيس لهذا الخلل يتمثل في أن  الدخل المكتسب للفرد قد انخفض بشكل كبير مقابل الناتج الاقتصادي؛ مما أدى إلى زيادات هائلة في ديون المستهلكين وهذا بدوره تسبب في الأزمة. لقد سعت الحكومات للحد من هذا العجز في الإنفاق من خلال سياسة التقشف الضارة اجتماعيا. وقد أتى استنتاجه هذا عبر تحليل دقيق للبيانات الاقتصادية طويلة الأجل. ويقول جيف إن الحل الأمثل يتمحور حول الدخل الأساسي الشامل، الممول من الأموال السيادية، والتي تمول أيضًا الإنفاق الحكومي الاجتماعي.

يُعد كتاب جيف كروكر مساهمة محفزة للغاية في مناقشة كيفية تحديد الدخل الأساسي وتمويله. ويفتح الكتاب مناقشة جادة حول دمج الدخل الأساسي الشامل مباشرة لحل الأزمات. وللتعريف بالمؤلف، يملك جيف خبرة تمتد لأكثر من 25 عاماً في الاستراتيجية الصناعية؛ حيث تخصص في التحليل الاستراتيجي لقطاعات الصناعة ذات المحتوى التكنولوجي العالي وأيضا تطوير الأعمال في مختلف دول العالم.

على مدار الأربعين سنة  الماضية، تناقصت كمية السلع والخدمات التي يستطيع العمال شراؤها من أجورهم كنسبة من اجمالي الإنتاج. وبالتالي، يتعين على الغالبية العظمى من العمال الحصول على دخل غير مكتسب لتكملة استهلاكهم الحالي، في شكل مزايا ومعاشات تقاعدية، والاعتماد بشكل متزايد على القروض. كما يجادل كروكر بأن النظام الحالي ليس مستدامًا سواء كان ذلك بسبب زيادة الأتمتة (التشغيل الآلي) التي تقلل من الحاجة إلى العمال، أو أن أصحاب الشركات يتمتعون بسلطة أكبر وبالتالي يكونون قادرين على حجب نسب أعلى من أرباح الشركة، والتي بدورها تقلل بشكل كبير من الاستهلاك المحتمل في المستقبل لمعظم الناس.

يوضح المؤلف كيف يتغير الإنفاق الاستهلاكي والدخل والناتج المحلي الإجمالي والديون الأسرية في سياق المملكة المتحدة. وعلى وجه الخصوص، يوضح أن إجمالي الإنفاق الاستهلاكي تجاوز الأجور المدفوعة في عام 1997، وأن ديون المستهلكين تراكمت لتمكينهم من الاستهلاك؛ حيث بلغ إجمالي ديون الأسرة السنوية الجديدة حوالي  166 مليار جنيه إسترليني في المملكة المتحدة في عام 2004. ويؤكد المؤلف أن هذه الديون تغذي عدم المساواة، لأسباب ليس أقلها أن الكثير منها تم تقديمه إلى الأسر ذات الدخل المنخفض بأسعار فائدة ممتازة. 


يقدم الكتاب ملخصًا للنظريات الاقتصادية السائدة منذ ثلاثينيات القرن العشرين، من كينز  إلى استخدام أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم، والذي يتضمن وجهات نظر مثيرة للاهتمام للاقتصاديين الرئيسيين. وبالإشارة للأزمة الاقتصادية في عام 2008، يرى كروكر أن السبب كان يتعلق بالطلب الضئيل للغاية الذي يكمله نمو ضخم في ديون المستهلكين، وهذا الاستنتاج يختلف مع التفسير السائد لدى العديد من الاقتصاديين الذين يرون التنظيم السيئ للقطاع المصرفي والديون هما لُب المشكلة. ويجادل كروكر بأن استجابات المصارف المركزية للتعامل مع الأزمة لم تساعد، فقد أدت سياسة التيسير الكمي إلى زيادة عدم المساواة، وزيادة التنظيم المصرفي إلى خنق النمو؛  وقد تسبب التقشف في معاناة كبيرة للناس، وكل ذلك لم يجعل النظام المالي أكثر استقرارًا. ويضيف كروكر أنه إذا كانت المشكلة في تشخيص الأزمة، فمن غير المرجح أن تعمل استجابات السياسة. 

وعلى غرار أفكار النظرية النقدية الحديثة، يصف المؤلف  العجز الحكومي بأنه أمر طبيعي، وليس له أي تأثير سلبي على الناتج المحلي الإجمالي، وأن التقشف هي سياسة خاطئة تتسبب في الكثير من المشقة. ويضيف بأن الكثير من الدين الحكومي هو دائم لأنه لن يتم سداده أبدًا، ولذلك فهو مشابه في طبيعته للمال السيادي. وفي الواقع، يمكن القول إن إصدار الحكومة لسند دائم بدون فائدة له نفس خصائص الإصدار الحكومي للأموال السيادية (مثل الأوراق النقدية). وفي المقابل، فإن إصدار الحكومة للسندات له جانب سلبي يتمثل في أن السياسيين قلقون بشأن حجم "العجز" و"الدين الحكومي" ، والذي لن يحدث إذا تم إصدار أموال سيادية خالية من الديون .


يقترح الكتاب حلاً متمثلا في الدخل الأساسي الشامل، ويعني تقديم مبلغ ثابت تدفعه الحكومة دون استطلاع الموارد المالية للأفراد، والذي سيعمل بدوره على تعزيز الطلب من خلال منح الناس دخلاً أساسياً دون الحاجة إلى تراكم ديون شخصية عليهم، وهناك العديد من الدول التي اعتمدت هذا التوجه مثل سويسرا، وفنلندا وهولندا. 

يتميز نظام الدخل الأساسي الشامل بالعديد من المزايا، كونه يهدف إلى منع وجود تواجد أسر تحت خط الفقر، وبإمكانه جعل الجميع يعيش على مستوي قاعدي من الدخل المؤمّن. بالإضافة إلى ذلك، فإن الدخل الأساسي الشامل هو أقل تكلفة إدارية مقارنة بأي نظام رعاية اجتماعية؛ لأنه يحتوي على معدل قبول تلقائي، مقارنة بمزايا الرعاية الاجتماعية الحالية.  والأهم من ذلك أن الدخل الأساسي يحافظ على استمراريته ولا ينلغي بحجة الحصول على وظيفة أو البطالة فهو شامل وغير مشروط لجميع المواطنين.

وكما هو معلوم فإن الدخل الأساسي الشامل يتم تمويله بخليط من المصادر مثل زيادة الضرائب أو التخفيض في مجالات أخرى من الإنفاق الحكومي، بما في ذلك تقليل أو إلغاء مزايا الرعاية الاجتماعية الحالية. ولكن يوضح كروكر أيضًا أنه سيكون من الصعب تمويل الدخل الأساسي من هذه المصادر بحيث سيكون إما صغيرا جدًا ولا يكون ذا مغزى، أو مرتفعًا جدًا ولا يمكن تحمله. وبالتالي، هناك حاجة إلى مفهوم تمويل أكثر شمويلية لتحقيق الدخل الأساسي الشامل للحد من عدم المساواة.

في الوقت الحاضر، يتم تمويل الإنفاق الحكومي وإنشاء الأموال عن طريق بيع السندات الحكومية بفائدة. يؤدي هذا إلى تراكم الدين العام، والذي يساوي أو يزيد عن الناتج المحلي الإجمالي السنوي في العديد من الاقتصاديات، وبالتالي لا يمكن سداده في الواقع. ومع ذلك ، فإن تكلفة الفائدة على هذا الدين كبيرة، حيث تصل إلى 39 مليار جنيه إسترليني سنويًا في المملكة المتحدة. ولذلك فإن الفرضية الدقيقة هي أن الاقتصادات المتقدمة تتطلب درجة معينة من الدخل الأساسي الشامل الممول من الأموال السيادية. على هذا النحو ، سيتم تمويل الدخل الأساسي الشامل بالضرورة من أموال سيادية ذات فوائد صفرية. هناك العديد من المناصرين  لمقترح الدخل الأساسي الشامل، حيث يرون أن هناك العديد من الإيجابيات تتمثل بمساهمته في خفض معدلات الفقر، والحفاظ على كرامة الناس بصورة أكبر، كما أنه من شأنه تيسير عملية التحوّل المهني بالنسبة إلى العمّال الذين فقدوا وظائفهم نتيجة التطور التكنولوجي؛ ليتمكنوا من إعادة تأهيل أنفسهم للقيام بوظائف مختلفة. وبالنظر إلى الدخل الأساسي الشامل، فإنه في حال إقراره سيحلّ محلّ معظم أو  جميع أنظمة الرعاية القديمة التي تقدمها الحكومات، وبالتالي لا ينبغي أن تكون تكلفته باهظة عليها.

 

في المقابل، وواقعيًّا، كيف سيستجيب معظم البشر للمال المجّاني؟ يرى المعارضون أن اعتماد الدخل الأساسي الشامل يعد دخلًا سهلًا لأفراد المجتمع العاطلين والذين لا يشاركون بالتنمية، في حين سيتعيَّن على البقية من العمّال المجتهدين دفع ضرائب مرتفعة بشكل غير مقبول لإعالة هؤلاء؛ أي بالأحرى سيكون مكافأة للكسل. وعلى عكس هذا التصور، في ألمانيا تم تجربة الدخل الأساسي الشامل على شريحة كبيرة من الناس، وتشير النتائج، أنه على الرغم من المخاوف من ميل الناس إلى الكسل بسبب هذه السياسة، إلا أن لها أثراً صغيراً إيجابياً في تولي المشاركين للوظائف وكذلك في تعزيز الصحة العقلية. ويرى البعض أن هذه التجربة  والدراسات المماثلة، لا تندرج فعلاً تحت بند الدخل الأساسي الشامل؛ لأنَّها قصيرة المدى. هذه المدفوعات تستمر فقط لسنة أو سنتين، وانعدام الاستمرارية يغيِّر بشكلٍ أساسي الطريقة التي يستجيب بها الناس؛ حيث تستند معظم القرارات المالية، والقرارات الأخرى المتعلِّقة بالعمل، إلى التوقُّعات الخاصة بالدخل مدى الحياة، وليس على أساس دفع النقد الإضافي لفترة قصيرة.

قد تكون توصيات كروكر مقنعة للبعض، ولكنها وباعتماد أساسيات الاقتصاد ستؤدي إلى تضخم في الأسعار، إضافة إلى أن تطبيقها في سياق الدول النامية مستبعد نوعا ما. وهناك حجة أخرى ضد اقتراح كروكر وهي أنه إذا أصدرت الحكومة المزيد من الأموال دون زيادة الضرائب على الشركات أو الأفراد، فإن هذه الأموال ستتدفق ببساطة من عامة السكان إلى الشركات على شكل أرباح، وبالتالي سيكون لهذا تأثير في زيادة عدم المساواة. ولهذا، فإن جعل المنح المالية متوقِّفة على سياق الدخل أو العمر أو الوضع المعيشي يظلُّ بديلاً أفضل. فأول الأمر؛ يعدُّ أرخص بكثير لأنَّك لست مضطراً لتقديم المال للعديد من الأشخاص الذين لا يحتاجون إليه، كما  أنَّ المال المضمون تساوي قيمته أكثر بكثير من الدخل الذي يتمُّ دفعه لبعض الوقت فقط. وكلما زادت الأموال التي نمنحها للناس، كان تأثيرها أكبر على سلوكهم.

على الرغم من الانتقادات والاقتراحات التي عرضها كروكر في كتابه، ستظل المواضيع المطروحة محفزة للتفكير، وتقدم حججًا كبيرة بقصد بناء طرق بديلة لتنظيم اقتصادنا ورفع مستوى الرفاهية. قد لا نوافق على ذلك كله، ولكن تعتبر التشخيصات المقدمة في هذا الكتاب أساسية لفهم المشكلات الاقتصادية التي نعيشها وتحديا للتفسير التقليدي للأزمة الاقتصادية ومبررات سياسة التقشف. على الرغم أن الكتاب يثير بعض الجدل فإنه تم تضمينه في قائمة الفايننشال تايمز لعام 2021، ويفتح  مجالا واسعاً لمزيد من الدراسات حول الموضوع.

 

تفاصيل الكتاب:

اسم الكتاب: الدخل الأساسي والأموال السيادية: بديل الأزمة الاقتصادية وسياسة التقشف

المؤلف:   جيف كروكر (Geoff Crocker)

الناشر: Palgrave Pivot

سنة النشر: 2021 

اللغة:  الإنجليزية

عدد الصفحات: 111 صفحة