حتى يموت الجميع

يموت الجميع.png

ديامانت ساليهو

محمد المحفلي (باحث يمني مُقيم في السويد)

يتناول كتاب "حتى يموت الجميع" قضية مُثيرة للجدل، حيث يناقش صراع العصابات وهي واحدة من أهم القضايا التي تؤثر بشكل مُباشر على شكل الخارطة السياسية وتحالفاتها وتلقي بظلالها على مختلف الموضوعات الداخلية، فبحسب المؤلف هذا الصراع لا يتعلق فقط بالمتورطين فيه بشكل مباشر، بل يرتبط بالعديد من القضايا المجتمعية الرئيسية، مثل السياسة، والقوانين الجنائية والاجتماعية، والهجرة والاندماج، والرفاه والاقتصاد، ومن ثم تمتد إلى المستوى الإقليمي والدولي. 

مؤلف الكتاب هو الصحافي ديامانت ساليهو المتخصص في نقل أخبار الجريمة وتحليلها، بدءا من عمله في صحيفة إكسبريسن Expressen السويدية المحلية، ثم راديو السويد، فقد مكنه عمله من زيارة الكثير من مسارح الجريمة عبر السويد.  كما قادته خبرته الطويلة إلى تأليف هذا الكتاب منطلقا من هذه الخلفية، متتبعا القصص الشخصية لأفراد العصابات التي تتصارع فيما بينهما في العقد الأخير، وهي قصص تعود لأطفال لم يتجاوزوا العشرينات من عمرهم، بل لا تستمر حياتهم لأكثر من 24 عاما بحسب الكتاب. ويرافق هذه القصص امتداد لمحاولة تتبع خيوط هذا الصراع الذي يبدأ من الأحياء المعزولة في استوكهولم ومالمو وجوتنبرج، أو ما تسمى بالأحياء الضعيفة، حيث أغلب سكان تلك الأحياء من المهاجرين، ثم يشرع في سرد بعض الجرائم التي ارتكبوها، سواء جرائم السرقة والمخدرات والسطو، أو تلك التي تتعلق بالصراع الداخلي بين العصابات الذي تحول إلى سلسلة غير منتهية من القتل والانتقام، في حين أنهم كانوا قبل ذلك مجموعة من الأصدقاء المقربين. مستعرضا مسار الجريمة الذي بدأ بالانتقال من السويد إلى أوروبا، عبر نقل الأموال إلى أماكن أخرى مثل أسبانيا. وفي كل ذلك يحاول مناقشة الأسباب، والسياقات الاجتماعية والثقافية التي تؤثر وتتأثر بهذا الصراع.

أخذ الكاتب عنوانه "حتى يموت الجميع" من رد جعفر، أحد أفراد العصابة عندما سأله: إلى متى سوف يستمر هذا القتل فكان رده: "حتى يموت الجميع". مشيرا إلى أن هذا الصراع عبارة عن سلسلة من الانتقام والانتقام المضاد الذي لا يبدو له نهاية، فقد حصد حتى الآن ما يقرب من عشرين شخصا، أغلبهم أطفال أقل من 18 عاما، من المنتمين إلى تلك العصابات، وعددا آخر من المدنيين الذين لقوا حتفهم في هامش تلك المواجهات.

منهجية التأليف:

لم يظهر المؤلف بشكل تفصيلي منهجيته في الكتابة، ولكن يبدو أنه أراد أن يوصل القضية ويضعها على القارئ مع حفاظه على صبغتها الإنسانية المباشرة، في شكل سردي يجمع بين نقل ما يقوله الأشخاص من حكايتهم بشكل مباشر، وإضفاء الكثير من التفاصيل التي توصل إليها الكاتب، إما عبر خبرته في هذا المجال، أو عبر ما توصل إليه من معلومات من التقارير الإخبارية وغيرها من الوثائق المتاحة. لقد حاول الوصول إلى أفراد العصابات أنفسهم، وقابل بعضهم، والتقى بعائلات أفراد آخرين، وكذلك فعل مع أصدقائهم، ومع المسؤولين الحكوميين والمشرفين على دور الرعاية الاجتماعية والمدارس. وهذا الجهد يبدو واضحا بشكل فعال في ملاحقة كل ما يتصل بأفراد هذه العصابات، وتتبع الوسط الاجتماعي الذي كانوا يعيشون فيه أو ما زالوا يعيشون فيه، محاولا الإجابة عن بعض الأسئلة، مثل: ما هي العوامل التي جعلتهم يتحولون إلى الإجرام؟ ما هو دور العائلة وبقية المؤسسات؟ كيف حصل الصراع، وما هي الأسباب التي تجعله أكثر تعقيدا؟ 

ولأن الكتاب لم يتبن خطا واضحا لمنهجية الاشتغال، فقد يشعر القارئ -في أحيان كثيرة- أن ما يقرؤه هو كتاب سردي روائي أكثر من كونه كتابا يناقش قضية اجتماعية بهذه الخطورة، فهناك بعض الحشو الذي يقف فيه الكاتب عند مواضع معينة، ويبالغ في وصف مختلف التفاصيل الدقيقة التي تجعل الجمل تبدو أشبه ما تكون منقولة عن رواية، وفي بعض المواضع لا يقدم معلومات مهمة، إنما يوهم القارئ بأن شيئا ما سيحدث ومع ذلك لا يحدث شيء.

يسوغ الكاتب دافعه لتأليف الكتاب برغبته في معرفة الأسباب التي تجعل الشباب يختارون التوجه إلى عالم الجريمة في هذه المناطق المنعزلة اجتماعيا، بدلا من البحث عن عمل أو مواصلة التعليم، مع البحث عن الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي جعلت الأوضاع تصل إلى هذه المرحلة من الموت المستمر. ولكن يمكن القول إن هناك سياقات اجتماعية وسياسية، قد تكون مقصودة أو غير مقصودة تغذي مثل هذه الكتابات التي يعتمد عليها اليمين بشقية المتطرف والمعتدل، الذي يربط بشكل مباشر بين الجريمة والمهاجرين، حيث يتم توظيف مثل هذه الكتابات أو التقارير لصالح هذه السردية. 

وعلى الرغم من محاولة الكاتب تتبع الأسباب الموضوعية لانتشار مثل هذه الجرائم في بنية المجتمع السويدي، ومؤسساته الرسمية، فإن هناك الكثير من التفاصيل التي تظهر للقارئ السويدي تجذر الأسباب الثقافية بشكل عميق في بيئة هذه المجتمعات المعزولة هي الفاعل الأكبر في هذه التحولات الخطيرة نحو اختيار حياة الجريمة.

المناطق المعزولة والضعيفة في المجتمع السويدي:

يلاحق الكتاب عالم الجريمة المنظمة في السويد، وبشكل خاص الصراع داخل عالم العصابات الذي يشكل الأطفال أغلب المنتمين إليه، ولكن هذا العالم يبدأ وينتشر في أحياء محددة مثل حي رينكبي ويرفا في العاصمة أستوكهولم. وهذان الحيان يغلب عليهما السكان من خلفيات مهاجرة، حيث تجمعوا من مناطق مختلفة ليشكلوا الأغلبية في تلك الأحياء التي تحولت بفعل هذا التغيير الديموغرافي إلى أحياء معزولة، أو ضعيفة يغلب عليها الفقر، والبطالة، ويتسرب أطفالها من المدارس، ليصبحوا بعد ذلك أعضاء فاعلين في العصابات الناشطة في تهريب المخدرات والسلاح وبيعهما، والسرقة، والسطو المسلح، وغير ذلك من الأعمال المجرمة بالقانون.

هذا النموذج من الأحياء يمتد عبر المدن الكبيرة في السويد مثل حي أنجيريد في مدينة جوتنبرج غرب السويد، وحي روزنجورد في مدينة مالمو إلى أقصى الجنوب. والجامع المشترك بين هذه الأحياء هو أنها مناطق ذات كثافة سكانية عالية تكتظ بالمهاجرين، وتنتشر فيها الجريمة المنظمة حيث تولد العصابات ثم تتنافس فيما بينها لتؤدي إلى صراع مميت بين أفرادها.

ويؤكد الكاتب أن الأمر لا يتعلق بصراع العصابات في هذه المناطق فحسب، بل إن الكثير من أبناء وبنات تلك الأحياء قد انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية داعش، منذ ما بعد العام 2013. فانعزال هذه الأحياء لا يصنع عالم العصابات فحسب بل يؤدي إلى انضمام الكثير منهم إلى جماعات متشددة أيديولوجيا تؤثر بعد ذلك على أمن البلد والمنطقة بشكل عام.

الهجرة والاندماج البعد المحلي والدولي:

كما أشرت سابقا، تتداخل هذه القضية في بعدها الإقليمي والدولي، لا سيما توظيف اليمين المتطرف لمثل هذه الأحداث في صناعة خطاب معاد للهجرة والأجانب بشكل عام. وفي هذا السياق يشير المؤلف إلى تناول الرئيس الأمريكي السابق للسويد بوصفها نموذجا لانتشار الجريمة بسبب المهاجرين، ففي فبراير 2017 قال في خطاب أمام حشد من مؤيديه إن أمريكا لا تريد أن تصبح مثل بعض مدن فرنسا وإيطاليا والسويد، حيث يزعم أن الهجرة وسياسة الأبواب المفتوحة كانت السبب أمام زيادة نسبة الجريمة في هذه البلدان. 

وعلى الرغم من محاولة الكاتب الغوص عميقا في أبعاد الظاهرة، فإن الكتاب يصب بشكل مباشر في صالح صنع خطاب معاد للأجانب في السويد، لا سيما الجالية العربية التي قد تصل أعدادها بحسب بعض التقديرات إلى أكثر من نصف مليون شخص. فقد اشتغل الكاتب على إبراز الهوية العربية لهذه العصابات من خلال حشد الأسماء العربية التي ذكرها، مع العبارات والألفاظ المستعملة في كثير من المواضع. وبالمثل أيضا مع الجالية الصومالية التي يمتلئ الكتاب بكل تجلياتها السلبية لتبدو الجالية العربية والصومالية بأنها مرتبطة بشكل كامل بعالم الجريمة، مع أنه يشير بشكل خفيف إلى وجود جنسيات أخرى في العصابات، مثل الجنسيات البولندية، أو الأفريقية، لكنها عموما تصب في خانة الهجرة. ونجد أنه يستعمل أحكاما تعميمية تصم المجتمع الصومالي بأنه أنتج جيلا من المجرمين، حيث يقول: "إن أولئك الذين فروا من بلدانهم من أجل أن يجدوا حياة أفضل أنتجوا جيلا جديدا لم يعد مرتبطا بمجتمعهم الأصلي في الصومال، في حين فشلوا في الاندماج في المجتمع الجديد وظهر جيل جديد من الصوماليين سواء كانوا في أوروبا أو أمريكا أو كندا منخرط في عصابات يقتل بعضها بعضا" (ص: 141).

  صراع العصابات وصراع الهويات:

بعيدا عن الأغراض التي يمكن أن يوظف في سياقها محتوى هذا الكتاب، فإن ما هو واضح هو وجود صراع ثقافي في إطار المنتمين لهذه العصابات، وكذلك للبيئة التي تنمو فيها. لقد فشلت بعض العائلات المهاجرة من أن تندمج في المجتمع الجديد، وفي الوقت نفسه لم تستطع أن تحافظ بشكل جيد على شكل هويتها الأصلية، وفي ظل هذا الصراع الثقافي العميق يجد الجيل الجديد نفسه مشتتا بين هويتن لا ينتمي إلى أي منهما.

يظهر الكتاب الكثير من تلك القيم الثقافية الدخيلة على المجتمع السويدي، مثل ثقافة الانتقام، وهي الثقافة التي تغذي صراع العصابات، حيث لا هدف لذلك القتل إلا الانتقام. وكذلك محاولة بعض الآباء تعليم أبنائهم ثقافة الانتقام حتى لو كان من أطفال أصغر منهم، وهو الأمر الذي يرويه الكاتب في قصة الشاب خالد القادم من خلفية عربية حيث إن دخوله عالم الجريمة بدأ عندما دفعه والده وهو في سن التاسعة إلى أن يذهب وينتقم بالضرب من ابن جارهم لأنه اعتدى عليه (ص: 32).

تراخي القانون:

يثير الكتاب مشكلة على ارتباط وثيق بالجريمة المنظمة، وهي مشكلة ضعف القانون. ومن ذلك تراخي الأجهزة الأمنية عن ملاحقة المجرمين مع ما يصاحب ذلك من بيروقراطية واسعة. وعدم وجود عقوبات رادعة للمجرمين، حيث يتيح قانون العقوبات السويدي تخفيف العقوبة على من هم دون سن الثامنة عشر، حتى في جرائم القتل، إذ يتم الاكتفاء باحتجازهم لفترة قصيرة فيما تسمى دور رعاية الشباب، وهذا له دور مباشر في استفحال الجريمة واستقطاب صغار السن لارتكابها بحماية هذه القوانين الضعيفة. 

ويسري اعتقاد واسع النطاق أن الشرطة تمارس التراخي المتعمد أمام صراع العصابات، حيث ينقل الكاتب عن متحدث باسم الشرطة في إحدى البرامج الحوارية قوله إنه يتمسك بزعمه ويدعي أن الشرطة غالبًا ما تسمح للعصابات الإجرامية التي تتعامل مع الأولاد المهاجرين أن تحل نفسها بنفسها، مستخدمة كلمة تعني "قتل التطهير" بمعنى أن تترك العصابات لتقتل بعضها بعضا، بغض النظر عن أية اعتبارات قانونية أو أخلاقية، حتى لو كان المتصارعون من صغار السن. غير أن هذه الفلسفة ربما تتغير، فقد لوحظ مؤخرا أن صراع العصابات بدأ ينتقل إلى الاعتداء على الشرطة، بالإضافة إلى الحوادث الجانبية الكثيرة التي تنتج عن صراع العصابات المميت في الشوارع والمناطق المفتوحة.

ويقارن الكاتب بصورة غير مباشرة فعالية القانون السويدي مع جارتها الدنمارك ليبين الفرق في قوة القانون. يصل الكاتب إلى إظهار هذه الفرق وهو ينقل بالتفاصيل محاكمة إحدى العصابات السويدية التي ارتكبت جريمة قتل في الدنمارك، انتهت بالحكم بالسجن المؤبد على محمد علي زعيم عصابة دورية الموت واثنين آخرين بالسجن المؤبد، فيما خففت الحكم على شخصين آخرين أصغر من 18 عاماً من السجن 20 عاماً إلى 16 عاماً. ويعمل القانون الدنماركي فيما يسمى مضاعفة العقوبة إذا كانت الجريمة مرتبطة بعمل العصابات، وهذا عكس السويد تماما، حيث أقصى عقوبة لغير البالغين في عملية القتل هو السجن أربع سنوات في دار الرعاية.

تدرك العصابات الثغرات في القانون، بسبب ما يمنحه القانون السويدي من عراقيل أمام وضع عقوبات رادعة مثل عدم القدرة على احتجاز الأطفال اقل من سن 18 إلا لأسباب خاصة، إضافة إلى الإعفاءات والتسهيلات والخصم من العقوبة فتعمل على تجنيد الأطفال لعلمها أن القانون غير حازم في معاقبة غير البالغين، وعند إلقاء القبض عليهم فإن صمت المجرمين عند التحقيق حتى لو كان هناك قرائن على الجريمة، يجعل القاضي يشعر بالإحباط ويتم إطلاق سراح المتهم في النهاية.

معضلة انحراف الأطفال:

تكشف القصص التي يستعرضها الكتاب الأسباب الكامنة وراء انحراف الأطفال إلى عالم الجريمة، صحيح أن تلك الأسباب لم تناقش بشكل تفصيلي، ولكنها تبدو بوصفها ظواهر تحتاج إلى المزيد من الدراسة والتعمق من أجل فهمها ومحاولة السيطرة عليها، فالأطفال الذين ينشؤون في تلك البيئات المعزولة غالبا ما يكون الفقر هو أول الأسباب لديهم، مع عدم وجود أماكن للترفيه، وفي الوقت نفسه يوجد تراخي من قبل المؤسسات المسؤولة عن الأطفال الذين تبدو عليهم ملامح السلوك العدواني أو الإجرام المحتمل. بالإضافة إلى أن مؤسسات الخدمات الاجتماعية لم تستطع أن تفعل لأولئك الذين تم وضعهم في بيت الشباب شيئا حيث لا توجد استراتيجية واضحة للتعامل مع جرائم الأحداث.

هذا الفشل في المؤسسات الرسمية يقابله أيضا فشل في العائلات، حيث تنتشر الخلافات الأسرية وتفكك الأسر، وغالبا ما ترتبط قصص هؤلاء الأطفال المجرمين بمشاكل أسرية داخلية، وكذلك العلاقة غير الجيدة بين العائلات ومؤسسة الخدمة الاجتماعية، إذ يسري الخوف من سحب الأطفال، بالإضافة إلى الدور السلبي للمسجد ومؤسسات المجتمع المحلي التي لم تستطع تدارك انحراف الأطفال باتجاه الجريمة المنظمة.

موسيقى العنف:

يتناول الكتاب بشيء من التفصيل موسيقى الراب التي يؤديها بعض الشخصيات المنتمية إلى عالم الجريمة، منهم ياسين الذي يقبع الآن في السجن، أما الآخر فإنه يرتدي قناعا، فلا يعرف من هو. انتشرت أغانيهم وصار لها ملايين المتابعين في الفضاء الالكتروني، بل إن موسيقاهم تم بثها في راديو السويد، في ظل نقاشات حادة من الجدل الأخلاقي المتعلق بالترويج لموسيقى الإجرام.

تسجل كلمات بعض تلك الأغاني حياة المجرمين، بل إنه يشك أن بعضها تحمل رسائل إجرامية ضمنية، كما أنها مليئة بمفردات العنف والحشيش والمخدرات، وفي الوقت نفسه تتشكل هذه اللغة من لغة خليط بين اللغة السويدية ولغات المهاجرين المختلفة تسمى أحيانا (لغة رينكبي) نسبة إلى حي رينكبي، مما يجعلها لغة هجينة لا تنتمي إلى اللغة السويدية إلا في هويتها العامة، بما يجعلها تعبيرا عن مجتمع العصابات الهجين الذين لم تعرف له هوية محددة حتى اللحظة.

 

الكتاب: حتى يموت الجميع

المؤلف: ديامانت ساليهو

الناشر: Mondial, Stockholm

اللغة: السويدية

عدد الصفحات: 354