الضوابط الأخلاقية لتطبيقات النانوتكنولوجي في مجال الطب

النانوتكنولوجي والطب.jpg

أ.د. عادل عوض | أستاذ المنطق وفلسفة العلم – كلية الآداب – جامعة المنصورة

تمهيد

يحتل مصطلح طب النانو أكبر مكانة فى قائمة المصطلحات الطبية والدوائية حالياً، ويعد طب النانو أحدث صيحة فى التقدم الطبى لأنه يهدف إلى تخفيض إستهلاك الدواء والتقليل من أعراضه الجانبية كما أنه يهدف إلى التوصل إلى دواء غير تقليدى فى ظل التقدم التقنى السريع ،ويسد العيواب والثغرات دواء الموجودة فى الدوائية المستخدمة فى حياتنا الراهنة،فقد فرضت تقنية النانو التكنولوجيا وجودها وبقوة على المجتمع العلمي؛ وهذا يرجع لأنها التقنية الوحيدة القادرة على دمج العلوم الأساسية، وصهرها في بوتقة واحدة؛ وقد كان لذلك أبلغ الأثر في أن ترتبط بمعاني الإبداع والانفراد والتقدم العلمى، وأن تحمل في طياتها صفات الجودة والتميز والرفاهية للحياة الإنسانية. 

 

ولكن غالباً ما تكون لبعض هذه التطبيقات النانوية فى الطب نتائج غير مرحب بها ومن ثم تتطلب وضع ميثاق شرف أخلاقى يكون ضابطًا لتطبيقات النانو تكنولوجى فى المجال الطبى.  يقودنا هذا إلى التساؤل: ما المصطلح الدقيق للنانو تكنولوجيا؟ ما الاسهامات التى يقدمها النانو تكنولوجى فى مجال الأدوية؟ ما الأسس النظرية للمبادئ الأخلاقية فى مجال الطب؟وما طبيعة العلاقة بين النظريات الأخلاقية وتقنية النانو؟

مما يجعلنا تنساءل هل المبادئ الأربعة للأخلاق البيولوجية – احترام الأشخاص، عدم الإيذاء، الإحسان، العدالة – كافية؟ أما أنها لم تعد بأى حال من الأحوال الكلمة الأخيرة عن أخلاقيات التكنولوجيا النانوية. هذه الأسئلة سنحاول تقديم الإجابات فى هذه الورقة البحثية .

 

تحديد المصطلحات

يعد استخدام الأدوات ببراعة الإنجاز الذى يتوج رؤوس البشر ويميزهم عن الحيوانات،وعبر تاريخ الإنسانية كله، كان إتقان استخدام الأدوات هو ما حدد مصائرنا.

الآن، نحن على وشك إتقان استخدام نمط مختلف تماما من الأدوات، وهو أقوى بكثير من أي شيء شاهدناه من قبل.هذه المرة، سوف نصبح قادرين على التحكم في الذرات نفسها التي خلق منها كل شيء. وخلال هذا القرن، ربما نمتلك أهم أداة تخيلها بشر على مر العصور؛ تكنولوجيا النانو nanotechnology().

كان الحاسب الإلكتروني في أربعينيات القرن الماضي بحجم غرفة كبيرة. وفي أواخر السبعينيات أفسحت تلك الخردة العتيقة الطريق لصناعة حواسيب شخصية أسرع آلاف المرات ويمكن وضعها بيسر على المكتب. إن حواسيب اليوم أكثر قدرة آلاف المرات من الحواسيب الأولى، وحتي إنها أصغر وأكثر أناقة. أسرع وأصغر وأفضل؛ يبدو اتجاه الآلات الإلكترونية مستمرًا، ولكن إلى أين سيؤدي؟ بعض المتنبئين تصوروا مستقبلا يمكن فيه للبشرية بناء آلات على المستوى الذري. تلك الروبوتات ذات الحجم الجزيئي ستتلاعب بالجزيئات، حسب الفكرة لبناء آلات متناهية في الصغر يمكنها بناء آلات أخرى. وقد لقب حقل الآلات الأكثر ضآلة بــــ "تكنولوجيا النانو"()

كلمة النانو هي بادئة منحوتة من اللغة اليونانية القديمة وتعني «قزم Nanos) وفي مجال العلوم يعني النانو (جزءا من مليار جزءا من ألف مليون). فمثلا، نانو ثانية (Nanosecond، وحدة لقياس الزمن وتختصر لتصبح Nano Second)) تعني «واحدا على مليار من الثانية الواحدة». وبالمثل، يستخدم النانومتر Nanometer، الذي يختصر بالحروف اللاتينية إلى nm، كوحدة لقياس أطوال الأشياء الصغيرة جدا التي لا ترى إلا تحت المجهر (الميكروسكوب) الإلكتروني. وتستخدم هذه الوحدة للتعبير عن أبعاد أقطار ومقاییس ذرات وجزيئات المواد والمركبات والخلايا والجسيمات المجهرية مثل البكتيريا والفيروسات. والنانومتر الواحد يساوي جزءا من ألف مليون (مليار) جزء من المتر، أو بتعبير آخر، فإن المتر الواحد يحتوي على مليار جزء من النانومتر. وللمقارنة، فإن النانومتر الواحد يعادل قياس طول صف مكون من 13 ذرة من ذرات غاز الهيدروجين إذا ما تخيلنا أنها وضعت متراصة بعضها بجوار البعض().

نانو Nano ، كلمة صغيرة مكونة من أربعة حروف، تزايد شغف العالم بها في الآونة الأخيرة بعد أن أشرقت في سماء حياتنا اليومية منذ بداية هذا القرن. وقد أدت الاكتشافات الباهرة والتطبيقات التكنولوجية المختلفة والإنجازات المتعلقة بالنانو إلى سطوع نجمها يوما بعد يوم، وسنة بعد أخرى، فباتت أغنية نتغنى بها، بعد أن ظلت طويلا ضربا من ضروب الخيال أو مجرد حلم داعب خيال العلماء، وحرك أقلام مؤلفي قصص أفلام وروايات الخيال العلمي().

تعد تقنية النانو تكنولوجي من مجالات البحث الجديدة والنشطة والسريعة جدا، التي يقوم بدراستها عديد من العلماء في كل أنحاء العالم في مختبرات حكومية وتجارية وأكاديمية. ويؤكد عديد من العلماء العاملين في هذا المجال بأن النانو تكنولوجي سوف تحدث ثورة صناعية جديدة في المستقبل القريب في شتى مجالات الحياة، محدثة تحولات جذرية في الاقتصاد والتكنولوجيا().

إن تقنية «النانو التكنولوجي» مجال تطبیقی رحب، يشهد تسارعا ملحوظا ، ويقتحم بكل قوة جميع مجالات الحياة و يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في جميع الاحتياجات البشرية، حتى أنك لا تستطيع ملاحقة التطورات الحاصلة، أو متابعة الابتكارات المتتالية، أو الأبحاث الجارية، وحتى  (تذهلك التقارير العلمية التي تنشرها الصحف حول تطورتقنية النانو تكنولوجي) ، بل لقد أصبحت كلمة «النانو»، من الكلمات الرائجة والشائعة في وسائل الإعلام، و أضحى العلماء يجعلون التقنية النانوية من أهم وأكبر الفتوحات العلمية التي احرزها الإنسان في العصر الحاضر، حيث تعقد عليها الأمال في تطوير مناحي الحياة، ومساعدة البشرية على العيش بصورة أفضل، وتحقيق حياة أجمل، وهی في سبيل ذلك تسير في خطوات متسارعة نحو آفاق واعدة، وغد مشرق().

لذلك ربما لم تحظ أي تكنولوجيا سابقة باهتمام وترقب كمثل الذي حظيت به تكنولوجيا النانو التي تعد وبحق تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين؛لأن بمثابة الحل العملى للعديد من المشكلات ويساعد على التقدم والإنماء الاقتصادي المبني على العلم والمعرفة.

يقصد بعلم النانو Nanoscience ذلك العلم الذي يعتني بدراسة وتوصيف مواد النانو وتعيين خواصها وخصالها الكيميائية، الفيزيائية والميكانيكية مع دراسة الظواهر المرتبطة الناشئة عن تصغير أحجامها . وغني عن البيان أن تصغير أحجام المواد ومقاييسها إلى مستوى النانومتر ليس هدفا في حد ذاته، بل فلسفة علمية راقية وانقلاب نوعي وعلمي على كلاسيكيات وثوابت النظريات الفيزيائية والكيميائية، يهدف إلى إنتاج فئة جديدة من المواد تعرف باسم المواد النانوية لتتناسب خواصها المتميزة مع متطلبات التطبيقات التكنولوجية المتقدمة في هذا القرن وتعزيز الأداء على نحو فرید غير مسبوق().

بينما يبدو تعریف علم النانو أمرًا سهلًا، فإن وضع تعريف محدد لتكنولوجيا النانو (Nanotechnology) يعد أمرا أكثر صعوبة، وذلك نظرا لتشعبها ودخولها في المجالات التطبيقية المختلفة، حيث إن كلًا من هذه المجالات ينظر إلى هذه التكنولوجيا من وجهة النظر الخاصة به. وعامة، فإن تكنولوجيا النانو يمكن تعريفها بأنها تلك التكنولوجيا المتقدمة القائمة على تفهم ودراسة علم النانو والعلوم الأساسية الأخرى عقلانيا وإبداعيا مع توافر المقدرة التكنولوجية على تخليق المواد النانوية والتحكم في بنيتها عن طريق إعادة هيكلة وترتيب الذرات والجزيئات المكونة لها، مما يضمن الحصول على منتجات متميزة وفريدة توظف في التطبيقات المختلفة().

لا شك فى أن تقنية النانوسوف تدفع بالبشرية نحو عالم مثير ومذهل، ومن أبرز التوقعات المستقبلية لهذه التقنية هي إحداث سلسلة من الثورات والاكتشافات العلمية خلال العقدين القادمين وما سيرافقها من تغير هائل في كثير من ملامح الحياة في مجالات شتى؛ ولذا بدأ السباق المحموم في أبحاث وتطبيقات "النانو" على المستوى العالمي، ويتوقع أن تكون البحوث والتقنيات "النانوية" أكبر المشروعات العلمية في هذا القرن().

لم يجد مصطلح طب النانو Nanomedicine صعوبة في أن يحتل مكانة مهمة في قائمة المصطلحات الطبية والدوائية، وإذا ما أردنا أن نضع تعریفًادقيقًاومحددًا لهذا المصطلح لقلنا أنه مجموعة من التقنيات الطبية الحديثة النانو لتشمل كل ما يتعلق بالمجالات الطبية المختلفة التى تهدف إلى تحسين صحة الإنسان والحفاظ على سلامته().

تتنوع أساليب طب النانو من الاستخدام الطبي للمواد النانوية إلى أجهزة الاستشعار الحيوية للإلكترونيات النانوية وكذلك التطبيقات المستقبلية لتقنية النانو الجزيئية. وتتضمن مشكلات الطب النانوي الحالية عملية فهم القضايا المرتبطة بعلم السموم والتأثيرات البيئية للمواد النانوية().

منذ بزوغ الألفية الثالثة، قام طب النانو بتحقيق خطوات رائدة تقود العالم اليوم إلى ثورة طبية شاملة، تمثلت في تغيير كامل لمفاهيم طرق العلاج التقليدية وتطوير تقنيات التشخيص والكشف المبكر عن الأمراض والأورام. ومن الجدير بالذكر هنا، أنه خلال العقدين الماضيين، ونتيجة للتقدم السريع والمتقن في مجال بحوث تكنولوجيا النانو الحيوية حققت طفرات مثيرة تمثلت في ابتكار أنواع متقدمة من أجهزة التوصيف وظفت من أجل فهم وتحليل بنية وتركيب الحامض النووي DNA للإنسان والفيروسات على حد سواء. وأدى هذا بطبيعة الحال إلى معرفة سلوك الأمراض والفيروسات وميكانيكية حركتها وتنقلاتها داخل الجسم ومعرفة الطرق والحيل التي تسلكها لمهاجمة مكونات وجزيئات الخلايا الحية في أعضاء الجسم().

يهدف الطب النانوي إلى التوصل إلى مجموعة قيمة من الأدوات البحثية بالإضافة إلى الأجهزة المفيدة في العيادات العلاجية في المستقبل القريب. وتتوقع مبادرة التقنية النانوية القومية أن يتم التوصل إلى تطبيقات تجارية جديدة في مجال توصيل الدواء والتي قد تشتمل على أنظمة متقدمة التوصيل الدواء، بالإضافة إلى علاجات جديدة وكذلك التصوير الداخلي. كما أن واجهات التفاعل العصبية الإلكترونية والمجسات الأخرى المرتبطة بالإلكترونيات النانوية تمثل هدفا نشيطا آخراً للبحث في ذلك المجال. ويؤمن المجال التنبؤي لتقنية النانو الجزيئية بأن آلات إصلاح الخلية قد يكون لها القدرة على إحداث ثورة في مجال الطب والأدوية كذلك().

يعد «طب النانو» أحد أهم المجالات التطبيقية لتقنية النانو، بل وأعظمها على الإطلاق، يرجع ذلك لارتباطها المباشر بحياة الإنسان وصحته، فقد ساعد التطور الحديث في تقنيات النانو على تغيير القواعد الطبية المتبعة في منع الأمراض وتشخيصها وعلاجها، وأصبحنا نعيش عصر التقنية الطبية النانوية ، حيث تقدم تقنية النانو على سبيل المثال، طرقًا جديدة لحاملات الدواء داخل جسم الإنسان، تكون قادرة على استهداف خلايا مختلفة في الجسم، وكذلك مواجهة أكثر الأمراض فتكا بالإنسان مثل أمراض السرطان، والذي بدأت كثير من أبحاث النانو وتطبيقاته التجريبية في كثير من مراكز الأبحاث حول العالم. أما أجهزة الاستشعار الثانوية فباستطاعتها أن تزرع في الدماغ لتمكن المصاب بالشلل الرباعي من الحركة والسير.

من الواضح أن هذه التقنية قد غيرت من النظرة التقليدية في طرق المعالجة للأمراض، وفتحت آمالا عريضة لعلاج كثير من الأمراض، وهو ما جعل الباحثين يرون أن طب النانو هو طب المستقبل؛ ولهذا السبب تتسابق الدول وتتجه بصورة واضحة للأخذ بزمام هذه التقنية؛ نظرا لتطبيقاتها الطبية الواعدة ذات المردود الاقتصادي الكبير().

على الرغم من أن التكنولوجيا النانوية لا تزال مجالاً حديثة نسبية من مجالات البحث، فقد أمنت بالفعل مكانتها كواحدة من التكنولوجيات الرئيسة في القرن الحادي والعشرين. ونظرا للمكانة المحورية الحالية التي تشغلها هذه التكنولوجيا عبر مجموعة متنوعة من المجالات، فمن المرجح أن تكون التكنولوجيا النانوية ذات أثر فاعل سواء في إطار العلم أو خارجه، وسوف تتزايد فاعليتها أكثر في السنوات القادمة. وهناك قدر كبير من التفاؤل بشأن تطبيقات تكنولوجيا النانو في المستقبل مع زعم أنصار هذه التكنولوجيا أن تأثيرها على البيئة بالإضافة إلى صحة الناس وثرواتهم سوف يعادل التأثيرات المشتركة للإلكترونيات الدقيقة، التصوير الطبي، هندسة الكمبيوتر، والبوليمرات الاصطناعية في القرن العشرين.  

يعد الطب الحيوي أحد المجالات التي يمكن فيها للتكنولوجيا النانوية أن تحقق أكثر النتائج إثارة للإعجاب، مما يسهم في إدخال تحسينات كبيرة على التشخيص والعلاج على حد سواء، ومع ذلك، وكما هو الحال فى معظم التكنولوجيات الناشئة، فإن مسائل الآثار الأخلاقية للتكنولوجيا النانوية تنشأ حتماً().

 

إسهامات تكنولوجيا النانو فى مجال الأدوية

نظرا إلى أن تقنيات تكنولوجيا النانو تقوم في الأساس على التلاعب بذرات وجزيئات المادة، فقد أثار ذلك حفيظة كثيرين، ممن رأوا أن التاريخ يعود أدراجه مرة أخرى إلى الوراء، حين بزغ فجر التكنولوجيا الحيوية. وقد إزدادت الأمور صعوبة، خلال السنوات الخمس الأخيرة، حين تعانقت تقنيات تكنولوجيا النانو مع تقنيات التكنولوجيا الحيوية تحت مظلة «تكنولوجيا النانو الحيوية». فقد كان لهذا التداخل بين التكنولوجيتين آثار سلبية لدى البعض، لذا فقد رأوا الاستفادة من الدروس الماضية الخاصة بالتكنولوجيا الحيوية، خاصة أن تكنولوجيا النانو تمتلك تقنيات متعددة، أوسع بكثير من تلك التقنيات التي تمتلكها التكنولوجيا الحيوية. وهذا يعني - بالنسبة إليهم - زيادة اتساع رقعة الخطورة الأخلاقية المرتبطة بتكنولوجيا النانو، مما يفرض دق ناقوس الحظر، وحتمية التدخل السريع.

لاشك فى أن لكل تكنولوجيا جديدة وجهين: وجهاً "ناصعاً" يتمثل فى مجموعة الفوائد والمكاسب التى يمكن أن تعود علينا من جراء تطبيقاتها، ووجها "معتما" يمثل مجموعة من التحديات والمخاطر التى قد تحدث عند التطبيق الفعلى لها. ولعل تكنولوجيا إنتاج الوقود النووي واستخدامات الطاقة النووية السليمة، خير مثال يمكن استخدامه للدلالة على ذلك().

فرغم الفوائد العلمية الجملة للنانو تكنولوجى، إلا أن معارضيها يخشون من تحولها لسلاح مدمر ،فبينما تتنافس العديد من الدول لإستغلال النانو تكنولوجي فى العديد من مجالات الحياة، يتخوف بعض العلماء والخبراء وواضعى السياسات العلمية،من أن التعمق كثيرًا فى النانو تكنولوجى قد يعض مستقبل الحضارات البشرية للخطر،وبخاصة مع سيطرة الآلات الدقيقة على مقدرات الكون ،كما يرى البعض العلماء أن التأكيد من مخاطر أو سلامة النانو تكنولوجى البيئية والصحية قد يستغرق عدة سنوات .ولقد بدأت الحكومات ومؤسسات الأعمال تضخ مليارات الدولارات فى الأبحاث الهادفة لتحديد الآثار الصحية والبيئية المحتلة للنانو تكنولوجي، ولكن  يقول العلماء أن ما يتم إنفاقه لا يكفى للتأكد مما إذا كانت مواد النانو تشكل خطرًا على البيئة وصحة البشر().

من المعلوم أن علم الأدوية (Pharmacology) من العلوم التي تحتاج لدقة عالية ؛ لارتباطها ارتباطا مباشراً بصحة الإنسان، فوصول كمية كبيرة من الدواء إلى أعضاء الجسم غير مصابة تقلل من فاعلية الدواء وتؤدي إلى حدوث آثار جانبية غير مرغوب فيها، فعلى سبيل المثال نجد أن الوسائل التقليدية لمعالجة مرض السرطان كالعلاج الكيميائي والإشعاعي تؤدي إلى آثار جانبية كبيرة مع انخفاض فاعليتها في معاينة هذا المرض، وعليه فمن المهم أن يتم إيصال الأدوية المضادة للسرطان إلى الأجزاء المصابة بدقة متناهية جدا للحصول على أقصى فائدة ممكنه من الدواء().

في المستقبل، سوف تتمكن تكنولوجيا النانو من اكتشاف مستعمرات السرطان قبل فترة تتراوح بين سنوات وعقود من تحولها إلى أورام. وسيكون من الممكن استخدام جسيمات النانو التي تسري مع مجرى الدم في تدمير تلك الخلايا. وستستغل العلوم الأساسية التي يتم وضع مبادئها في وقتنا الحالي في هذا الأمر.هناك خطوة تتجاوز ابتكار الجسيم النانو، تتمثل في السيارة النانو، وهي عبارة عن جهاز يمكن بالفعل توجيهه أثناء سيره داخل الجسم. ففي حين يسمح لجسيم النانو بالسريان في حرية مع مجرى الدم، ستكون تلك السيارات النانو تشبه ذکور النحل التي تتحرك بالريموت كنترول والتي يمكن توجيهها وقيادتها().

تسهم تقنية النانو في اكتشاف العقاقير Drug Discovery المختلفة، خاصة في مجال المضادات الحيوية ومضادات السرطان وغيرها ، وهي جزء من الحلول المتقدمة والجديدة لخفض زمن الاكتشاف والتطوير ، ومن الممكن أن تنخفض تكاليف التطوير المعتمدة على طرق التجريب والخطأ التقليدية في عملية اكتشاف الدواء، وقد إزداد عدد الأدوية المرشحة التي تم دراستها في السنوات العشر الماضية بمقدار 3 أضعاف من500 ألف مرکب دوائي إلى تقریبا 1,5 بليون مركب().قد تغير حسيمات النانو كل ذلك. فالعقاقير، مثل عقاقير العلاج الكيماوي، سوف توضع داخل جزيء مصنوع على شكل كبسولة. ثم يسمح بعد ذلك لجسم النانو بالدوران مع مجرى الدم، إلى أن يعثر على مقصده المحدد، وهناك يطلق العقاقير التي يحملها().ومن أهم الاكتشافات النانوية في مجال الأدوية():

١. النانوبیوتك 

يعد النانوبیوتك(Nanobiotics) البديل الجديد للمضادات الحيوية (Antibiotics)، ومن المتوقع أن يحدث النانو بيوتك ثورة غير مسبوقة في التصدي للكائنات الدقيقة وذلك وفق اعتماد مبدأ (Nanobiotics) بدلا من (Antibiotics). ففي جامعة (هانج بانج) في سيؤول استطاع الباحثون إدخال نانو الفضة إلى المضادات الحيوية، ومن المعروف أن الفضة قادرة على قتل 150 جرثومة ميکروبية دون أن تؤذي جسم الإنسان.

۲. مواد التعقيم والتطهير الطبي:

نجحت شركة Maeda Kougyou اليابانية باستخدام تقنية النانو ومادة التيتانيوم في إنتاج سائل شفاف عديم اللون والرائحة من أكسيد التيتانيوم (MVX) له مواصفات خاصة أمكن استخدامها في أعمال التعقيم، والقضاء على البكتريا، ومقاومة الروائح، وكذلك عدم تراكم الأتربة على الأسطح المدهونة بهذه المادة؛ وذلك عن طريق التفاعلات الضوئية الناتجة عن تعرض هذه المادة إلى أقل كمية من الضوء، بإنتاج ال (O-) وال (-OH) واللذان يحملان الإشارة السالبة التي تقتل البكتريا، وإزالة الروائح، والمواد العضوية العالقة بالأسطح لمدة تصل إلى خمس سنوات بالكفاءةنفسها.  وقد استخدم MVX في كبرى مستشفيات العالم لتعقيم غرف العمليات وغرف المرضى، وقد عالج عديد من حالات تلوث المستشفيات والأماكن المصابة بالجراثيم والأمراض المعدية().

3. آلات نانوية تصنع الدواء داخل جسمك:

في سبق علمي جديد تمكن فريق من الباحثين الدوليين من تطوير آلات نانوية قادرة على تصنيع مرکبات دوائية داخل جسم الإنسان. حيث تمكن العلماء من تصنيع كبسولة نانوية دقيقة ذات قدرة على الاستجابة لمؤثر خارجي من أجل بدء تصنيع جزيئات دوائية بروتينية داخلها بطريقة تحاكي الطريقة التي يتم تصنيع تلك البروتينات بها داخل الكائنات الحية. ويعد هذا السبق ثورة جديدة من شأنها إحداث طفرة تمكننا من تصنيع الدواء داخل جسم الإنسان.

يسهم التشخيص الطبي في الاكتشاف المبكر للمرض ، مما يجعل عملية العلاج أكثر نجاحا وأقل تكلفة، كما أنه يريح المريض نفسيا من متابعة العلاج لفترة طويلة. والآمال معقودة على دور تقنية النانو في تطور عملية التشخيص وقدرة الأطباء على معرفة أسباب الأمراض وطرق حدوثها مبكرة؛ وهو ما سينعكس بصورة إيجابية على حياة الإنسان وتقدم المجتمعات.

يتم في التطبيقات الطبية لتقنية النانو تحضير الجسيمات متناهية الصغر، والأجهزة المعتمدة عليها ؛ بحيث تتخاطب وتتفاعل مع الأنسجة والخلايا الحية على المستوى الجزيئي وليس على مستوى الخلايا بدقة عالية وتحكم وظيفي، مما يساعد في دفع عجلة التطور في تقنيات الأنظمة الحيوية، وتصبح الاختبارات الحيوية لقياس وجود او نشاط المواد المختبرة أسرع و أكثر دقة().

 

نهضة طب النانو

دعونا نبدأ بقلق مفاهيمي بسيط، وهو كيفية تحديد نطاق طب النانو على النحو الصحيح. وتطبيقات أخرى للتكنولوجيا النانوية تثير قضايا أخلاقية، ولكن وضع طب النانو مختلف إلى حد ما، في بعض الطرق على الأقل.

أولا ، لا يتعلق طب النانو دائما بمنتجات محددة، كما تم النظر في بعض هذه التطبيقات الأخرى. بل إن طب النانو يمكن أن يكون متعلقا بالتقنيات بطرق لم يتم النظر فيها إلى حد كبير في أماكن أخرى. وهذا يشكل تحدياً لبعض التصنيفات بمعنى أنه ليس هناك دوماً شيء محدد يمكن النظر إليه وتقييمه بوصفه تكنولوجيا نانوية (أو لا).

ثانيا، الأدب غير العلمي عن طب النانو، غير متطور للغاية. ففي سياق التكنولوجيا النانوية، حظي العالم النامي، البيئة، الخصوصية، التعزيز، والعسكرية، باهتمام علمي أكبر من اهتمام طب النانو، وهذا أمر غريب، لا سيما في حالات التعزيز والعسكرية، التي هي إلى حد ما أكثر مضاربة ومستقبلية من طب النانو().

على الرغم من أن تكنولوجيا النانو متعددة التخصصات وتشمل مجالات متنوعة من التكنولوجيا مثل الزراعة والبيئة والمعلومات والاتصالات والفضاء، فإن هذا البحث يتعلق بمجال الطب الحيوي، خاصة وهو يتسم بحساسية أخلاقية. وغني عن التعريف أن استبعاد المواد غير الطبية لا يشير إلى عدم وجود مسائل أخلاقية خارج مجال التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية().

أحد الاقتراحات يوضح أنه يمكن أن يكون طب النانو، على عكس بعض التطبيقات الأخرى للتكنولوجيا النانوية، لا يثير ببساطة أي مخاوف أخلاقية أو اجتماعية لم تظهر بالفعل في أشكال أخرى. ولكن هناك وجهة نظر أقرب إلى الادعاء بأن أياً من هذه الطلبات لا يثير أي مخاوف جديدة جوهرياً؛ فهي لا تغير إلا السياق الذي تتحقق فيه تلك المخاوف.هذا النوع من التشكك ليس لإلقاء الضوء على المشروع الحالي، الذي يمكن أن يكون حول توضيح تلك السياقات بدلا من محاولة تحفيز بعض النهج النظري الجديد تماما. ومع ذلك، فإن عدم التماثل بين المناقشة الأخلاقية لطب النانو والتطبيقات الأخرى للتكنولوجيا النانوية جدير بالإشارة إليه.

قدم باوا وجونسون بعض التعليقات العامة حول صناعة الأدوية التي تستحق الاهتمام، وخاصة كما هو مهم لكثير من الاستثمار الذي يتم في مجال طب النانو. وتسعى شركات الأدوية دوماً إلى زيادة معدل نجاح منتجاتها، بالإضافة إلى خفض تكاليف البحث والتطوير، بما في ذلك وقت التطوير().

يشكل تحويل عقار جديد إلى السوق مهمة شاقة للغاية: فقد تصل التكلفة الاقتصادية إلى 800 مليون دولار أميركي، وعادة ما يتراوح وقت التسويق بين 10 و15 عاما؛ كما أن مركبا واحدا فقط من كل 8000 التي تم فحصها في البداية من أجل تطوير الأدوية يمكن أن تكون في النهاية قابلة للاستخدام السريري النهائي.

فقد ارتفع الاستثمار السنوي في البحث والتطوير من قِبَل شركات الأدوية من مليار دولار في عام 1975 إلى 40 مليار دولار في عام 2003، رغم أن عدد الأدوية الجديدة المعتمدة سنوياً لم يزد على الإطلاق؛ وبقيت في الموافقات ثابتة نسبيا بين 20 و 30 في السنة().

تمثل الأدوية الجديدة ما يقرب من 25% فقط من الإنتاج، بينما تأتي نسبة 75% الأخرى من عمليات إعادة صياغة أو مزج العقاقير المعتمدة بالفعل. وبسبب هذه التكاليف المرتفعة، فإن ما يقرب من 30% فقط من الأدوية الجديدة تسترد تكاليف البحث والتطوير. وتتصاعد الضغوط الدولية على شركات الأدوية الأمريكية أيضاً، وخاصة مع زيادة الإنتاج في بلدان مثل الهند والصين، مقترنة بانتهاء بعض براءات الاختراع الأميركية.

لا شيء من هذا يُرثي مأزق شركات الأدوية. فأكبر هذه الشركات، لديها إيرادات سنوية تقترب من 50 مليار دولار، ولديها جميعاً أقل من 10 مليارات دولار في السنة في مجال البحث والتطوير. وحتى إذا ما أخذنا في الحسبان مجموع النفقات، فإن أرباح هذه الشركات الكبرى السنوية تتجاوز عشرة مليارات دولار أميركي. ولكن بطبيعة الحال، ترغب هذه الشركات دوماً في أن تصبح أكثر ربحية، وتقدم التكنولوجيا النانوية وعوداً في هذا الصدد().

 

يعد توصيل الدواء  Delivery Drug إلى الأنسجة أحد أولويات البحث في مجال طب النانو، حيث يعتمد على تصنيع مواد نانوية دقيقة تعمل على تحسين التوافر الحيوي للدواء (Bioavailability) ويعني ذلك تواجد جزيئات الدواء في المكان المستهدف من الجسم، حيث تعمل بأقصى فاعلية، وبالتالي ينخفض معدل استهلاك الدواء، والتقليل من أعراضه الجانبية، وكذلك التكلفة الإجمالية للعلاج. وهكذا سيكون من أهم واجبات طب النانو تصنيع أدوية جديدة ذات نفع أكثر وفائدة أكبر وتأثيرات جانبية أقل. ويتوقع علماء الصحة أن تصبح تقنية النانو جزءاً أصيلا من الممارسة الطبية اليومية، ولاسيما في مجال توصيل الدواء إلى الأجزاء المصابة().

حينما يفكر العلماء في مستقبل الدواء فإنهم يتخيلون شكلا مغايراً تماما عما ألفوه من أشكال الدواء التقليدية التي نعرفها ونستخدمها في حياتنا اليومية. ولعل ذلك يرجع إلى الوتيرة المتسارعة للتقدم العلمي في عديد من المجالات الجديدة التي ستؤثر بالضرورة على الدواء المستقبلي. وتعد تقنية النانو أحد أهم المجالات العلمية التي يعول عليها العلماء فى إحداث طفرات دوائية تغير من مفهوم التداوي والعلاج لكثير من الأمراض. وقد بدأت بوادر طب النانو في الظهور كأمل جديد ومستمر نحو صحة أفضل وحياة أطول لبني البشر.

إن دواء بهذه المواصفات هو غاية الأطباء والصيادلة في إيجاد دواء أكثر ذكاء يتلافي العيوب الموجودة في الأدوية المستخدمة في عصرنا هذا. وعلى الرغم من أن أمام تلك الآلات النانوية عدة سنوات تقصر أو تطول قبل أن تكون متاحة للاستخدام ، فإن هذا المفهوم الدوائي الجديد هو شرارة البدء لثورة من نوع آخر .. ثورة علمية دوائية للقضاء على الأمراض ولصحة أفضل لبني البشر().

لا تتيح التكنولوجيا النانوية إمكانية معالجة المسائل الصعبة [المذكورة سلفاً] فحسب، بل يمكنها أيضا أن توفر قيمة كبيرة للأدوية. ويمكن للتكنولوجيا النانوية أن تعزز عملية اكتشاف العقاقير عن طريق التصغير والأتمتة (تحويل الشئ إلي أوتوماتيكي)  والسرعة ودقة الفحص. وسيؤدي ذلك أيضا إلى خفض تكلفة اكتشاف العقاقير وتصميمها وتطويرها، وسيؤدي إلى الإسراع بإدخال منتجات جديدة فاعلة من حيث التكلفة إلى الأسواق. ويمكن لأجهزة تسلسل الحمض النووي غير المكلفة والأعلى خلال وضعها على أساس التكنولوجيا النانوية، أن توفر الوقت اللازم لاكتشاف الأدوية والتشخيص على حد سواء.

من الواضح إذن أن التقدم في مجال تكنولوجيا النانو يمثل فرصة عظيمة لصناعة الأدوية ككل. وكما هو متوقع، فإن شركات الأدوية تستثمر بالفعل في التكنولوجيا النانوية().

لقد توقع المحللون أن سوق التطبيقات الدوائية للتكنولوجيا النانوية سوف يقترب بحلول عام 2014 من 18 مليار دولار سنوياً، ويشير تقرير آخر إلى أن الطلب الأميركي على المنتجات الطبية التي تشتمل على التكنولوجيا النانوية سوف يزيد أكثر من 17% سنوياً إلى 53 مليار دولار في عام 2011 و110 مليار دولار في عام 2016، وقت كتابه هذه السطور.

القلق هنا هو أن كل هذا الاستثمار والاهتمام بالتقنية النانوية، وخاصة كما يُحفز بواسطة سباق لتأمين براءات اختراع مربحة، سوف يؤدي إلى إهمال القضايا الأخلاقية المهمة التي ينبغي استكشافها. ويشير باوا وجونسون إلى أن الوقت المناسب لمثل هذا التفكير ليس بمجرد وصول هذه التقنيات إلى الأسواق، بل قبل أن تبدأ في البحث والتطوير. وما دامت الاستثمارات كبيرة ومتنامية، وما دامت الكتابات الأخلاقية المتعلقة بطب النانو غير موجودة تقريبا، فإن هذه الحتمية قد انتهكت بالفعل().

إن القضايا الأخلاقية الرئيسة لابد وأن تتعلق بالسلامة، وخاصة السمية: فبعض هذه القضايا يتصل بالمواد النانوية التي تدخل في مجال الطب النانوي، والتي كانت غير مدروسة بشكل جيد حتى الآن، وخاصة مع تفاعلها مع الكائنات الحية المعقدة.ومن المرجح تماما أن تكون لبعض هذه التطبيقات نتائج غير مرحب بها عند مضيفيها، وبعضها على الأقل، قد لا يكون متوقعا قبل الموعد المحدد().

 

الأسس النظرية للمبادئ الأخلاقية فى مجال الطب

يمكن أن تكون المبادئ الأخلاقية المعرضة للخطر في مجال التكنولوجيا النانوية جزءا من مختلفالنظريات الأخلاقية. وفي حجتنا، نتبع النظرية الأخلاقية البيولوجية لمبادئ بوشامب وشيلدرسBeuchamp و Childress، لأنها تحتوي على أغلب المبادئ ذات الصلة بالموضوع. وفقاً لبوشامب وشيلدريس، هناك علاقة جدلية قائمة بين المبادئ الأخلاقية والمشاكل الأخلاقية الملموسة: فظهور مشاكل أخلاقية جديدة يثير تحليلاً نقدياً وربما إعادة صياغة للمبادئ الأخلاقية.

بسبب العلاقة الجدلية فإن إعادة الصياغة هذه قد تثير نظرة معدلة للمشاكل الأخلاقية الفعلية. وبهذه الطريقة فإن دراسة المشاكل الأخلاقية عملية، وليست تطبيقاً للمبادئ الأخلاقية الجامدة، وبالتالي، فمن المتفق عليه مع نظرية بوشامب وشيلدرس، استخدام المشاكل الأخلاقية العملية للتكنولوجيا النانوية كنقطة بداية لتحليل المبادئ الأخلاقية المعرضة للخطر في الحالة الفعلية. وقد يؤدي هذا التحليل إلى تعديل المبادئ الأخلاقية بسبب العلاقة الجدلية بين المبادئ والممارسة.

كان بوشامب وشيلدرس يعتقدان أن مبادئ نظريتهما (احترام الاستقلال، عدم الايذاء،الاحسان، العدالة) تجد الدعم عبر الثقافات المختلفة. ومن هنا فقد زعموا أن المبادئ تشكل جزءاً من الأخلاق المشتركة بين الثقافات. ومن ثم فإن هذه المبادئ، بما أنها عامة، لا تقتصر على أخلاقيات علم الأحياء().

الفكرة التي طرحوها ودافعوا عنها هي أن المبادئ الأربعة تغطي معظم الاعتبارات الأخلاقية التي ترتبط بممارسة الطب وتوفير الرعاية الصحية.ويمكن النظر إلى رأيهما بدلا من ذلك على أنه محاولة للمزج بين نوع الحدسية الأخلاقية من حال إلى أخرى، وهو النوع الذي ينطبق على المحترفين في أي مجال من المجالات، مع الصيغة الانتقائية التفكير الأخلاقي الأدبي(). وتلك المبادئ هى:

احترام الاستقلال الذاتي

إن مبدأ احترام الاختيارات المستقلة للأشخاص عميق في الأخلاق ولايقل عمقا عن أي مبدأ، ولكن تحديد طبيعته ونطاقه وقوته يتطلب تحليلا دقيقا. 

إن كلمة الاستقلال الذاتي، مستمدة من السيارات اليونانية ("الذات") والنوموس ("القاعدة" أو "الحكم" أو "القانون")، كانت تشير في الأصل إلى الحكم الذاتي لدول المدن المستقلة. ومنذ ذلك الحين، تم توسيع نطاق الحكم الذاتي ليشمل الأفراد. 

ويتصرف الفرد المستقل ذاتيا بحرية وفقا لخطة يختارها بنفسه، على غرار الطريقة التي تدير بها حكومة مستقلة أقاليمه اوتضع سياساتها. 

وعلى النقيض من ذلك، فإن الشخص الذي يتضاءل استقلاله الذاتي يتحكم فيه الآخرون إلى حد كبير أو لا يستطيع أن يتداول أو يتصرف على أساس رغباته وخططه. فعلى سبيل المثال، كثيرا ما يكون الأفراد والسجناء الذين يعانون من ضعف إدراكي أقل استقلال اذاتيا. فالعجز العقلي يحد من استقلالية الشخص الذي يعاني من إعاقة عقلية شديدة، كما أن السجن يحد من استقلالية السجين. هنا كشرطان عامان ضروريان للاستقلال الذاتي: الحرية الاستقلال عن التأثيرات المسيطرة، والقوة (القدرة على العمل الدولي). ومع ذلك، يوجد خلاف حول المعنى الدقيق لهذين الشرطين وحول ما إذا كانت هناك شروط إضافية مطلوبة للاستقلال الذاتي().

 

عدم الإيذاء

إن مبدأ عدم الإيذاء يجبرنا على الامتناع عن إلحاق الضرر بالآخرين. وفي أخلاقيات الطب كان هذا المبدأ كثيرا مايعامل على أنه مطابق فعلياً للمبدأ المعروف باسم Primum non" ":"nocere = do no harm وفوق كل شيء أو أولا] لاضرر().

قد تم تفسير مفهوم عدم الإيذاء بمفهومي الضرر والإصابة، ولكننا سنقتصر على الضرر. وهذا المصطلح له استخدام معیاري واستعمال غیر معیاري على حد سواء. "X تضرY" في بعض الأحيان تعني أن لا تضر Yأوتتعامل مع X ظلما، ولكن في بعض الأحيان يعني فقط أن فعل Xكان له تأثير سلبي على مصالحY . وفي الوقت الذي نستخدم فيه هذه المفاهيم، ينطوي الخطأ على انتهاك حقوق شخص ما، ولكن الضررلايعني بالضرورة هذا الانتهاك. ويتعرض الناس للأذى دون أن يتعرضوا للظلم بسبب إصابتهم بالمرض والكوارث الطبيعية وسوء الحظ وأفعال الآخرين التي وافق عليها الشخص المتضرر. مع ذلك، فإن مبدأ عدم الإيذاء مبدأ ظاهر ييتطلب تبرير الأفعال الضارة. وقد يأتي هذا التبرير من إثبات أن الأفعال الضارة لاتنتهك التزامات محددة بعدم الإيذاء أو أن الانتهاكات تفوق المبادئ والقواعد الأخلاقية الأخرى. بعض تعاريف الضرر واسعة جدا بحيث تشمل الانتكاسات على المصالح في السمعة، الممتلكات، الخصوصية، الحرية، أو في بعض الكتابات، عدم الراحة، الإهانة، والإزعاج. ولاتزال هذه المفاهيم الواسعة تميز بين الأضرار التافهة والأضرار الخطيرة بسبب حجم المصالح المتأثرة. وهناك روايات أخرى ذات تركيز أضيق ترى أن الضرر يقتصر على الانتكاسات التي تتعرض لها المصالح الجسدية والنفسية، مثل تلك المتعلقة بالصحة والبقاء على قيد الحياة ().

 

الإحسان

الافتراض الضمني للإحسان يدعم جميع المهن الطبية والرعاية الصحية وإعداداتها المؤسسية. على سبيل المثال، إن الاهتمام برفاهية المرضى وليس مجرد تجنب الأذى هو في صميم هدف الطب ومنطقه ومبرره. وبالمثل، فإن الطب الوقائي، الصحة العامة، والبحوث الطبية الحيوية تتبنى قيم الإحسان العام().

تختلف قواعد الإحسان بعدة طرق عن قواعد عدم الإيذاء. أن قواعد علم الإيذاء (۱) هي محظورات سلبية للعمل، (۲) يجب اتباعها بنزاهة، و(۳) توفر أسبابا أخلاقية للحظر القانوني لأشكال معينة من السلوك. على النقيض من ذلك، فإن قواعد الإحسان (۱) تقدم متطلبات إيجابية للعمل، (۲) لا يلزم اتباعها دائما بنزاهة، و(۳) بشكل عام لا توفر أسبابا للعقاب القانوني عندما يفشل الوكلاء في الالتزام بها. الشرط الثاني للالتزام المحايد يؤكد أننا محظورون أخلاقيا بموجب قواعد عدم الإيذاء من التسبب في ضرر لأي شخص. نحن ملزمون بالتصرف بشكل غير مؤذٍ تجاه جميع الأشخاص في جميع الأوقات (على الرغم من أن مبدأ عدم الإيذاء يتم تجاوزه أحيانا بشكل مبرر عندما يتعارض مع مبادئ أخرى). على نقيض ذلك, غالبا ماتسمح لنا التزامات الإحسان بمساعدة أوإفادة أولئك الذين تربطنا بهم علاقات خاصة عندما لانكون مطالبين بمساعدة أو إفادة أولئك الذين ليس لدينا مثل هذه العلاقة معهم. مع العائلة والأصدقاء وغيرهم من الذين نختارهم. ومعذلك، سوف تظهر أننا ملزمون باتباع بعض قواعد الإحسان بنزاهة، مثل تلك التي تتطلب جهودا لإنقاذ الغرباء عندما تشكل جهود الإنقاذ خطرا ضئيلا على المنقذ المحتمل().

 

العدالة

إن محاولات تحديد مبادئ العدالة في عديد من سياقات توزيع الرعاية الصحية وتدابير الصحة العامة في كثير من الأحيان تبدو أنها غيرحاسمة. ولايزال بناء نظرية موحدة للعدالة تجسد مفاهيمنا ومبادئ العدالة المتنوعة في أخلاقيات الطب الحيوي مثيرة للجدل ويصعب تحديده().

تشكل كل نظريات العدالة المشتركة شرطاً ضئيلاً ينسب إلى أرسطو: فلابد من معاملة المتساويين على قدم المساواة، ولابد من معاملة غير المتساوين على قدم المساواة. فلابد من مبدأ العدالة الرسمي هذا- الذي يسمى أحيانا مبدأ المساواة الرسمية - "رسمي" لأنه لايحدد أي جوانب معينة ينبغي أن يعامل فيها المتساوون على قدم المساواة، ولايوفرمعايير التحديد ما إذا كان شخصان أو أكثر متساوون في الواقع().

طبقاً لبوشامب وشيلدرس، فإن أي مبدأ لا يحتل مرتبة أعلى من غيره. وأما المبادئ التي يتم تنحيتها جانباً في وضع فعلي هو السياق الذي يعتمده بوشامب وشيلدرس، فقد اعتبروا أن المبادئ الأربعة السابقة ملزمة ظاهريا في المقام الأول (أي لابد من الوفاء بها ما لم تتعارض في مناسبة معينة مع مبادئ متساوية أو أقوى). وهذا النوع من المبادئ يكون دائما ملزما ما لم يكن هناك إلتزام أخلاقي منافس يطغى عليه أو يتجاوزه في ظروف معينة.

كتب بوشامب وشيلدرس: بعض الأفعال خطأ ظاهرياً وصواباً ظاهرياً، لأن معيارين أو أكثر يتعارضان في هذه الظروف. ثم يجب على الاشخاص أن يحددوا ما يتعين عليهم أن يفعلوه خلال إيجاد إلتزام فعلي أو مهيمن (على النقيض من الالتزام الظاهر). وعلى هذا فيتعين على الاشخاص أن يحددوا أفضل توازن بين الصواب والخطأ خلال تحديد التزاماتهم الفعلية في مثل هذه المواقف خلال دراسة وطأة كل من الالتزامات الظاهرية المتنافسة.

علق بوشامب وشيلدرس: "إن ما يتعين على الاشخاص أن يفعلوه هو في نهاية المطاف تحديد ما يتعين عليهم أن يفعلوه بكل الأشياء التي يتم النظر فيها"، ومن الأمثلة على تطبيق نظرية بوشامب وشيلدرس في مجال التكنولوجيا النانوية تقييم أخلاقي لاستخدام الروبوتات النانوية أو أجهزة استشعار النانو للكشف المبكر عن الأمراض وتقديم العوامل العلاجية().

توفر تلك الآلات النانوية عديد من الفرص الجديدة في عالم الدواء. فهي ستمكننا من الاستغناء عن توصيل الدواء إلى الجسم عبر الفم أو بالطرق الأخرى ، حيث أن الدواء سيتم تصنيعه داخل الجسم عبر تلك المصانع النانوية ..!! بالإضافة إلى هذا سيتمكن الأطباء من التحكم في إطلاق الدواء وقت الحاجة فقط عبر التأثير بمؤثر خارجي أو داخلي تستجيب له تلك الآلات النانوية لتقوم بتنفيذ الأوامر المبرمجة على أدائها وإنتاج الدواء المطلوب. کما تمكننا تلك الآلات من توصيل الدواء بشكل ذكي إلى الجزء المريض فقط من الجسم وعلى مستوی خلوي ، دون الحاجة إلى توسيع نطاق تأثير المركبات الدوائية على الجسم والإضرار بمناطق سليمة ؛ أي أن الدواء لن تكون له أي آثار جانبية تذكر().

تتلخص الرؤية في أن الروبوتات النانوية قد تكون قادرة على البحث عن أهداف داخل الجسم (على سبيل المثال ، خلية سرطانية) وتقديم العلاج. قد يكون العلاج الذي تقدمه الروبوتات النانوية علاج إطلاق عقار في منطقة محددة، وبالتالي تقليل الآثار الجانبية المحتملة للعلاج الدوائي المعمم علي الجسم كله (على سبيل المثال ، العلاج الكيميائي) .

تشمل آليات استهداف الروبوتات النانوية إمكانية اكتشاف التغيرات الفسيولوجية في بيئة هذه الروبوتات النانوية التي تؤدي إلى العلاج. ومن المرجح أن تشمل مثل هذه الآليات استخدام أجهزة الاستشعار الحيوي النانوية وغيرها من آليات الاستشعار أو الكشف، والتي قد تستخدم أيضاً كأدوات تشخيصية. ويمكن أن يستخدم النانو المستعمل كأداة تشخيصية أو موصل للعقاقير، على سبيل المثال، مستشعراً قادراً على اكتشاف التغيرات البيولوجية الناجمة عن تطور الأورام والتغيرات الناتجة عن زيادة إنتاج الإنزيمات البروتيوليتية أو فقدان التعبير. وبالتالي، فبدلاً من التدمير العشوائي في منطقة واسعة من الجسم، كما يحدث في العلاج الكيميائي، قد يتم توصيل العقاقير المستهدفة باستخدام الروبوتات النانوية بدقة فائقة إلى أعضاء وأنسجة وخلايا محددة().

الآن أصبح بإمكان العلماء التحكم بدقة في ترتيب ذرات أي مادة من هذه المواد، وهذا باختصار ما تقوم به التقنية النانوية، فالنانو تكنولوجي علم هجين يعتمد على التداخل بين مختلف العلوم الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية والميكانيكية والإلكترونية وعلوم المواد الهندسية وتقنية المعلومات، بهدف دراسة الهياكل البنائية للمادة، فالذرات والجزيئات تلتصق بعضها لأن أشكال بعضها يكون متممة للأشكال الأخرى، أو بسبب الشحنات المتجاذبة، تماما كالمغناطيس. فالذرة الموجبة الشحنة تلتصق بالذرة السالبة الشحنة. فإذا جمعت ملايين من هذه الذرات إلى بعضها بواسطة "آلات نانوية"، سيبدأ منتج محدد بأخذ شكله الخاص. إن هدف التقنية النانوية هو التعامل مع الذرات بشكل مفرد ووضعها في شكل محدد لتنتج البنية التي نريد().

يبدو أن إيصال العقاقير بشكل عام ليس بالأمر الهين، ويلزم إجراء كثير من البحوث في هذا المجال. وفي هذه الحالة الفعلية، ولإجراء تقييم أخلاقي، ينبغي الموازنة بين مخاطر عدم الإيذاء الناجمة عن "خروج" النانوبوتس عن السيطرة، والمنفعة المحتملة التي يحصل عليها علاج الأمراض الخطيرة، واحترام استقلالية المريض. ومن ثم فإن مبادئ عدم الايذاء والاحسان واحترام الاستقلال الذاتي تتعارض، ويجب على الاشخاص أن يحددوا بوعي المبادئ الظاهرة التي تُنحى جانبا في الحالة الفعلية ليختاروا ما هو أفضل().

في الطبعة الأخيرة من كتابهما "مبادئ أخلاقيات الطب الحيوي"، حدد كل من بوشامب وشيلدريس شروطاً لابد من الوفاء بها للسماح لأحد المبادئ الظاهرية أن يكون لها الأفضلية من مبدأ آخر. فضلاً عن ذلك فقد وصفوا كيفية تحديد المبادئ.

لقد طور البروفيسور البريطاني للأخلاقيات البيولوجية التطبيقية "بن مفام" طريقة عملية لتطبيق نظرية بوشامب وشيلدرس التي تسمى "مصفوفة أخلاقية". ويصف هذا النهج كيفية الانتقال من المستوى العام للمبادئ إلى مستوى الأسئلة العملية().

 

التنوع الأخلاقي والخلاف الأخلاقي

في بعض الأحيان، يختلف الأشخاص الواعون والأمناء أخلاقيا بشكل مفهوم حول الأولويات الأخلاقية في ظروف تضارب محتمل في المعايير. على سبيل المثال، حول ما إذا كان الكشف عن حالة مهددة للحياة للمريض مناسبا، وما إذا كانت القيم الدينية حول موت الدماغ لها مكان في أخلاقيات الطب الحيوي العلمانية، وما إذا كان ينبغي السماح للمراهقين الناضجين برفض العلاجات التي تحافظ على الحياة، وغيرها من القضايا، الخلاف لا يشير إلى الجهل الأخلاقي أو العيبا لأخلاقي. ونحن ببساطة نفتقر إلى طريقة واحدة موثوق بها تماما لحل عديد من الخلافات،على الرغم من أساليب التحديد والتوازن. وقد يستمر الخلاف بين الأشخاص الملتزمين أخلاقيا الذين يقدرون بشكل مناسب المطالب الأساسية التي تفرضها الأخلاق عليهم.

لكن تحليل المشاكل الأخلاقية الملموسة للتكنولوجيا النانوية يبين أن الاعتبارات الأخلاقية لاحترام الخصوصية والسلامة البشرية تشكل أيضاً أهمية فيما يتصل بالتكنولوجيا النانوية. ولذلك ، فإن النظرية الأخلاقية البيولوجية لـبوشامب وشيلدرس ربما ينبغي تكميلها بمبدأ احترام السلامة البشرية لزيادة المساعدة في هذا المجال.تماشياً مع هذا، أشار الفلاسفة الدنماركيون جاكوب ريندورف وبيتر كيمب إلى أن مبدأ احترام الاستقلال الذاتي ضيق للغاية بحيث لا يمكن حماية البشر فيما يتصل بالتنمية الطبية الحيوية والتكنولوجيا الحيوية. وشكلوا تحليلاً للثقافة القانونية الأوروبية الحالية لحقوق الإنسان، واحتجوا بأن مبدأ احترام الاستقلال الذاتي ينبغي أن يستكمل بمبادئ احترام الكرامة والنزاهة والضعف أمام فهم جوانب أكثر من الاستقلالية فيما يتعلق بحماية الإنسان().

يتطلب احترام الأشخاص، والذي يعنى الحاجة لمعاملة الأفراد كأحرار وحماية أولئك غير المستقلين ، الشخص المستقل أو الحر هو القادر علي إقرار أهدافه الشخصية والتصرف بناء علي ذلك"، عملية الموافقة المستنيرة تأتي من هذا المبدأ وتتضمن مواضيع الإفصاح الكامل حول دراسة موضوع البحث عن طريق محقق ، تأكيد المحقق أن المعلومات تم فهمها بواسطة الشخص الخاضع للبحث ، وأن مشاركته تطوعية().

على الرغم من أن نظرية بوشامب وشيلدرس بارزة في أخلاقيات علم الأحياء، إلا أنها بطبيعة الحال تخضع أيضاً لكثير من المناقشات الفلسفية. على سبيل المثال، في محاولة لانتقاد أخلاقيات علم الأحياء الفلسفية بشكل عام، ركز عالم الاجتماع البريطاني للعلوم والتكنولوجيا آدم م. هيدجيكو على نظرية أخلاقيات علم الأحياء لـ بوشامب وشيلدرس، وذلك لأن المبدأ هو الطريقة السائدة في ممارسة أخلاقيات علم الأحياء. واتهم هيدجيكو أخلاقيات علم الأحياء الفلسفية التقليدية بإعطاء دور مهيمن للفكر المثالي والعقلاني وبالميل إلى استبعاد العوامل الاجتماعية والثقافية. وهو ينتقد مبدأ استخدام المبادئ العالمية المجردة دون دليل تجريبي، والتركيز على تطوير وتبرير النظريات، وعدم إيلاء اهتمام يذكر للاستخدام العملي لتلك النظريات().

بسبب هذا الرفض للتوافق مع البحوث التجريبية في الطريقة التي يتم بها اتخاذ القرارات الأخلاقية بالفعل في الطب السريري، تواجه أخلاقيات علم الأحياء فجوة صعبة يجب سدها إذا أريد لها أن تظل نظاما مهماً وجاداً، وكبديل للمبدئية، دافع هيدجيكو عن موقف ما يسمى بأخلاقيات علم الأحياء الحرجة، التي تعود فيها نتائج البحوث التجريبية إلى تحدي الإطار النظري لأخلاقيات علم الأحياء بل وتقويضه.

يبدو أن هذا النقد لنظرية بوشامب وشيلدرس قائم على أسس سليمة. وكما سبقت الإشارة إليه أعلاه، ووفقاً لبوشامب وشيلدريس، فإن العلاقة الجدلية قائمة بين المبادئ الأخلاقية والمشاكل الأخلاقية: فظهور مشاكل أخلاقية جديدة يثير تحليلاً نقدياً وربما إعادة صياغة للمبادئ الأخلاقية. وبسبب العلاقة الجدلية، فإن إعادة الصياغة هذه قد تثير نظرة معدلة للمشاكل الأخلاقية الفعلية. وبالتالي فإن مبادئ بوشامب وشيلدرس ليست جامدة ولكنها قابلة للتغيير().

تعد واحدة من أهم النظريات وأكثرها فحصا في أخلاقيات الطب الحيوي هي نظرية برنارد جيرت، كما تطورت في أخلاقيات علم الأحياء مع كل من دانر كلوسر وتشارلز كولفر. يشير جيرت إلى نظريته الأخلاقية الأساسية كنظرية عن "الأخلاق كنظام عام". فالنظام الأخلاقي العام هو مؤسسة الأخلاق في العمل في حياتنا اليومية، في حين أن النظرية الأخلاقية التي تصف قواعد الأخلاق وتدافع عنها هي تفسير فلسفي. ويمكن التفكير في هذه النظرية بوصفها نظرية بنظام تنازلي من أعلى إلى أسفل، بمعنى أن العناصر الرئيسة للنظرية هي القواعد الأخلاقية العامة، والمثل الأخلاقية، والسمات ذات الصلة الأخلاقية للحالات، وإجراءات التعامل مع الصراعات وتقييم ما إذا كانت بعض الانتهاكات للقواعد الأخلاقية مبررة. يتم تصور الأخلاق في هذه النظرية كنظام عام للمعايير التي تنطبق على جميع الأشخاص في جميع الأماكن والأوقات.

بالإضافة في مقاله "الدفاع عن الأخلاق المشتركة"، أكد بوشامب على أهمية البحث التجريبي بشأن المبادئ الأخلاقية. ولتحسين نظرية المبادئ الأخلاقية البيولوجية خلال جعلها متوافقة مع الممارسة العملية، فإننا نجري حوار مع بوشامب، تحقيقاً تجريبياً نوعياً لاستخدام المبادئ الأربعة من قِبَل علماء الأحياء الجزيئية والأطباء في عملهم اليومي.

وفقا لـبوشامب وشيلدرس، ليس هناك انتقال مباشر من المبادئ إلى أحكام معينة. والمبادئ ليست سوى نقاط الانطلاق وهي بمثابة أدلة عامة لوضع معايير للسلوك المناسب. ويتعين على المبادئ أن تستكمل بحالات نموذجية من العمل الصحيح، البيانات التجريبية، الخبرة التنظيمية وما إلى ذلك().

أشار بوشامب وشيلدرس إلى أن الحقوق والفضائل والاستجابات العاطفية لا تقل أهمية عن مبادئ الحكم الأخلاقي. وبالتالي فإن الإشارة إلى المبادئ الأربعة ليست بأي حال من الأحوال الكلمة الأخيرة عن أخلاقيات التكنولوجيا النانوية. ونظراً لأننا لا نعرف ما الشكل الذي ستتخذه التكنولوجيا النانوية في المستقبل، وبالتالي ما أنواع القضايا الأخلاقية التي ستنشأ، فإننا واثقون من أن انفتاح نظرية بوشامب وشيلدريس يجعل من المناسب وضع تصوراً للقضايا الأخلاقية الناشئة في مجال التكنولوجيا النانوية، وبسبب العلاقة الجدلية بين النظرية والتطبيق، فإن ظهور مشاكل أخلاقية جديدة للتكنولوجيا النانوية قد يثير إعادة صياغة النظرية الأخلاقية، مما يجعلها متوافقة مع الممارسة المستقبلية للتكنولوجيا النانوية. ونحن مقتنعون بأن نظرية بوشامب وشيلدريس غير محددة، حساسة بما فيه الكفاية لدينامية مجال التكنولوجيا النانوية لمعالجة القضايا الأخلاقية الناشئة في هذا المجال معالجة كافية().

 

يتساءل كريستوف باومغارتنر عما إذا كان ظهور تكنولوجيا النانو يثير قضايا أخلاقية جديدة وفريدة، وما إذا كنا بحاجة إلى تحليل مسبق لهذه القضايا. في تحليلهيجيب بشكل سلبي واضح. ولا يبرر مجال التكنولوجيا النانوية إنشاء نظام جديد يسمى "أخلاقيات النانو".ويشير إلى أن جميع القضايا الرئيسة التي تثيرها تكنولوجيا النانو هي من خصائص مجالات التكنولوجيا الحيوية الأخرى، وبالتالي فإن تكنولوجيا النانو ليست سوى جزء من سلسلة متواصلة من التأملات التي بدأت بأنواع أخرى من التقدم التكنولوجي والعلمي().

لكن بسبب الطبيعة التمكنية والتحويلية للتكنولوجيا النانوية، يزعم باومغارتنر أننا نحتاج إلى تقييم شامل لآثارها الأخلاقية. وبالإضافة إلى ذلك، يشير إلى أن تحقيقنا النقدي ينبغي أن يتجاوز الإطار المنهجي والمفاهيمي لأخلاقيات الطب الحيوي. ويقتضي دمج التكنولوجيا الحيوية مع البيئة والطبيعة البشرية أن تشمل أفكارنا الأخلاقية أخلاقيات الطب الحيوي والأخلاق الاجتماعية والأخلاق البيئية.وكثيراً ما يُحتج بالمبدأ الوقائي كأداة لتقييم مخاطر التكنولوجيات الناشئة.

يتناول أرمين غرونوالد مسألة ما إذا كان ينبغي لنا أن نستخدم المبدأ الوقائي كأداة لتحليل إدارة المخاطر فيما يتصل بتكنولوجيا النانو. وهو يزعم أن تقييم المخاطر الكلاسيكية (أي مبدأ الوقاية) لا ينطبق على التكنولوجيا النانوية().

كما سبق ذكره، فإن تكنولوجيا النانو تتيح للإنسان إنتاج مواد ومصنعات جديدة خلال التلاعب بذرات المادة وإعادة ترتيبها بالشكل والحجم المناسبين لكي تظهر معهما صفات جديدة لم تكن متأصلة في المادة الأصلية. وقد أدى التحكم في هيكلة المواد المستخدمة كعقاقير طبية وتصغير أحجام حبيباتها إلى زيادة في قدرات وخواص تلك المواد، مما سمح لها بالتفاعل والتطبيق مع محتويات خلايا الأعضاء الحية. وليس ثمة تأكيد على أن الصفات الفريدة غير المألوفة التي اكتسبتها تلك المواد النانوية الحلقة قد أدت إلى طفرات كبيرة في طرق العلاج ووسائل الرعاية والمتابعة الصحية. كما كان لها أبلغ الأثر في تقديم كثير من الحلول الابتكارية مما فعل مجال الطب الوقائي، وعزز القدرات التقنية المستخدمة في التشخيص والكشف المبكر عن الداء().

يتطلب تطبيق مبدأ الوقاية أدلة علمية قوية (مقارنة باحتمال المخاطر) على التأثير الخطير للأجهزة النانوية. ولا تزال هذه البيانات مفقودة لأن الجسيمات النانوية والمواد النانوية لها خصائص مختلفة في الجدول النانوي، ومن الضروري إجراء المزيد من تقييم المخاطر. وبالنسبة لغرونوالد، فإنه ما لم نجمع البيانات اللازمة بشأن الأثر المحتمل للجسيمات النانوية على البيئة وصحة الإنسان، فإن مبدأ الوقاية لا يكفي لتقدير المخاطر.

يؤكد جوزيف بيت أن البراجماتية هي النظرية الأخلاقية الوحيدة المساعدة فيما يتصل بأخلاقيات التكنولوجيا النانوية (الحيوية). والسبب هو أن تطوير أي تكنولوجيا يرتبط دائما بتحسين الحالة البشرية.  ونحن نطور بعض التكنولوجيات التي تضع في اعتبارها مشاكل عملية محددة تعوق قدرتنا على تجربة الحياة الجيدة بشكل كامل. ومن ثم، يجادل جوزيف بيت بأن إدماج الشواغل العملية في إطار "الحياة الجيدة" لا يمكن أن يتم إلا بالإشارة إلى البراجماتية. وهي النظرية الأخلاقية الوحيدة التي تسمح برؤية أخلاقية تقنية للحياة البشرية().

يشير جي. ويتمان، فيلبس جي. لامبرت، أوسيف. دايسون وشو أكولا إلى أن التكنولوجيا النانوية تحمل عديد من التطبيقات الواعدة التي يمكن أن تغير وتحسن نوعية حياتنا ، ولكنهم يحذروننا من أنه دون الاحتياطات المناسبة يمكن أن تصبح التكنولوجيا النانوية مدمرة للبشر وبيئتهم. كما أنها تدعم تطويراً مسؤولاً للتكنولوجيا النانوية يكون مفتوحاً للتدقيق العام وصادقاً ولا يتخذ خطوات مختصرة فيما يتعلق بآثاره الأخلاقية. وهم يشيرون إلى أنه دون التأمل الكافي في تداعياتها الأخلاقية في العلوم الطبية الحيوية، ووجود جهاز قوي للتعامل بجدية مع المسؤوليات المترتبة على مثل هذه  العملية، فإن التكنولوجيا النانوية قد تصبح ضارة().

يرى عديد من الباحثين أن مستقبل الطب يتجه نحو تكنولوجيا النانو، فسيكون أكبر تأثير لتقنية النانو في المجال الطبي، حيث تعمل الأجهزة والمنتجات الدقيقة داخل جسم الإنسان لتشخيص وعلاج مختلف الأمراض، وبخاصة المستعصية منها، وتشير الدراسات والأبحاث المتزايدة والسريعة الحادثة حتى الآن إلى أن الفوائد الطبية والصحية للنانو تكنولوجي لا حصر لها، وستشهد نموا مضطردا لا يمكن لنا وصفه اليوم، فابحاث علاج السرطان والبحث الدقيق عن وجود خلاياه، تعد ما سوف يحل محل كل وسائل العلاج والفحوصات الطبية المتوفرة اليوم، كما أن استخدام النانو تكنولوجي في مجال الصيدلة سيكون واسعاً، بدءاً من طرق إنتاج الدواء ومروراً بوسائل حفظه، وانتهاء بكيفية إعطائه للمريض في صورة تتفوق بمراحل على الطرق المستخدمة حالياً، حيث سيمكن ربط الجسيمات النانوية دقيقة الحجم بقاعدة تستطيع التعرف على بصمة الحمض النووي لمسبب المرض، مما يمكن من الكشف عن المرض وتحديده بنسب لا تحتمل الخطأ. وكذلك توصيل الدواء لعضو معين في الجسم أو منطقة معينة في الجسم عن طريق ربط الدواء بالحسيمة دقيقة الحجم ويتم بعد ذلك توجيهها إلى المكان المستهدف في الجسم. ويفيد ذلك في علاج أنواع من الامراض السرطانية والتي يتم فيها حقن الأدوية الكيميائية في الجسم مما يؤدي إلى تأثر معظم اعضاء الجسم بالدواء وليس العضو المصاب فقط وهذا يؤدي إلى عديد من الأعراض الجانبية غير المرغوب فيها().

تعد كبسولات النانو" Nanocapsules و"روبوتات النانو" Nanorobots من أكثر الأمثلة البارزة في تقنيات النانو القادمة في المجال الطبي، حيث تقوم "كبسولات النانو" بدور الوكيل الذي ينقل الأدوية إلى الهدف في أجسامنا وتهاجم الفيروسات بدقة، وبنسبة 100 بالمئة، ودون آثار جانبية، ففي سرطان الكبد على سبيل المثال، يمكن لكبسولات النانو أن تحمل المواد المغناطيسية لتلتصق بالأورام ثم تولد الحرارة وتدمرها، لأن الخلايا السرطانية تدمر إذا تعرضت لدرجات حرارة عالية، كما أن المريض سوف يتناول سائلا يحوي "روبوتات ثانوية مبرمجة للهجوم وإعادة بناء البنية الجزيئية للخلايا السرطانية والفيروسات، فتصبح غير ضارة. بل توجد توقعات أنه سيكون باستطاعة الروبوتات النانوية" أن تبطي من الشيخوخة، فيزداد متوسط العمر المتوقع بشكل كبير، أيضاً يمكن أن تبرمج "الروبوتات النانوية" سنقوم بالعمليات الجراحية الحساسة().

 

السياسة العامة والتكنولوجيا النانوية الحيوية

أن أحد الأسباب الرئيسة لرفض الكائنات المعدلة وراثيا "GMOs"(*)هو الافتقار إلى الشفافية والمشاركة العامة. إن نشأة مجال التكنولوجيا النانوية خلقت "ثقافة إبستولوجية" محددة بين العلماء ، والتي تجد نظيرتها في "ثقافة إبستمولوجية" أخرى موجهة نحو انتقادها ــ ما يسميه بلدز وراينزبورو "نقد لسياسة التكنولوجيا".

من المثير للاهتمام أن بلو وراينزبورو يلاحظان أن هذه الحركات ليست مضادة للتكنولوجيا في حد ذاتها. ويدرك عديد من الناشطين الفوائد المحتملة لتكنولوجيات الاحتيال، ولكنهم يدركون أيضاً خطر السماح للصناعة والشركات بالسيطرة وحدها على هذه التكنولوجيات. قد يشكك المرء في صحة الممارسات أو الدوافع الكامنة وراء تصرفات الناشطين، إلا أن هذه الحركات المضادة تشير إلى قضية مهمة وهي أن المجتمع المدني لابد وأن يكون له دور أكثر أهمية ("المشاركة العامة العليا") فيما يتصل بتنظيم التقنيات الناشئة، وهو على وجه التحديد ما فشل المروجون لـ الكائنات المعدلة وراثيا "GMOs" في القيام به().

يدرس كريستوفر كيلتي الإسهام المميز الذي يمكن أن يقدمه علم الإنسان (وخاصة علم الإنسان الاجتماعي الثقافي) في دراسة تكنولوجيا النانو، ويحلل الأبحاث الحديثة التي أجراها علماء الأنثروبولوجيا حول الحد الأدنى من تكنولوجيا النانو، والبيئة، وصحة الإنسان. وعلى وجه الخصوص يزعم أن علم الإنسان يمكن أن يقدم إسهاماته، لأن التطور العلمي والتكنولوجي يشمل بالضرورة المخاوف الإنسانية (سلامة الإنسان والقيم وما إلى ذلك).

ينظر كينيث ديفيل إلى تنظيم التكنولوجيا الحيوية والنظام القانوني الحالي. وعلى وجه الخصوصيتساءل عن قدرة النظام القانوني الحالي على تنظيم التكنولوجيا الحيوية.بينما يعترف ديفيل بأن القوانين القائمة توفر ما يكفي من المعلومات لضمان الاستخدام الآمن للتكنولوجيا النانوية في العلوم الطبية الحيوية ، وإنه يجادل أيضاً بضرورة توفير ضمانات تنظيمية إضافية، على سبيل المثال، في الولايات المتحدة ، تتم الموافقة على العقاقير والأجهزة وتنظيمها من قِبَل إدارة الغذاء والدواء. غير أن "منتجات النانو الطبية" ليست عقاقير أو أدوات بل دمج الاثنين معا، وبالتالي فهي خارج نطاق اختصاص السلطة الفيدرالية().

من بين القضايا الأخرى التي سوف تتطلب المزيد من التنظيمات تعديل فترة تقييم القيود والمخاطر المترتبة على "المآسي النانوية" بسبب طبيعة الأجهزة النانوية (الحجم والحركة في جسم الإنسان) والدعوات التعسفية الرافضة. وفي الحالة اللاحقة، ورغم أن تكنولوجيا النانو سوف تثير قضايا معقدة وجديدة، فإن أغلب الحالات سوف تستخدم النظريات الحالية المتمثلة في إهمال (سوء السلوك الطبي) ومسؤولية المنتجات الطبية. غير أن كيفية إثبات المدعي أن الطبيب لم يستخدم معيار الرعاية المطلوب وتسبب في أضرار بسبب الإهمال ستكون أكثر تعقيدا فيما يتعلق بالتكنولوجيا النانوية. ونظرا للبعد الابتكاري للتكنولوجيا النانوية، فإن فكرة معيار الرعاية ستتغير تغيرا جذريا.

وباختصار، ستتطلب التكنولوجيات الابتكارية إدماج مجموعات جديدة من القوانين في اللوائح الحالية بحيث تعكس البعد التحويلي للتكنولوجيا النانوية.

 

القدرة البشرية وتقنية النانو الحيوية

لا تقتصر التغييرات المحتملة على الجوانب القانونية/التنظيمية ولكن في نهاية المطاف، يمكن أن يحدث التغير داخل أجسامنا. ومن بين أكثر التطبيقات جذرية للتكنولوجيا النانوية، تمثل القدرة البشرية أكثر القضايا إثارة للجدل. وفي حين أن فكرة تعزيز القدرات البشرية ليست جديدة في حد ذاتها، فإن التكنولوجيا الحالية تسمح لنا بدخول عصر سايبورج. ويمكن للمرء أن يتنبأ بذلك في السنوات القليلة القادمة. وسوف نشهد عددا متزايدا من التجارب التي تشمل مواضيع بشرية وآلات (تفاعل البشر والآلات، تفاعل العقل والحاسوب)().

على هذا النحو، يتوقع جورج خوشف هذه التطورات الجديدة في العلوم والتكنولوجيا. وهو بين المراحل الأولى من مناقشة التعزيز والمرحلة الحالية والأخيرة مختلفة من حيث العينية (في صميم الوجود البشري وبيئته) تطرح تحديات مختلفة غير معروفة حتى الآن. وبسبب اتساع نطاق هذه التحديات، التي تثير الشكوك في المناقشات الأخلاقية والسياسية السابقة بشأن التكنولوجيات الناشئة، ينبغي للمجتمع ككل أن يعزز "موارد ثقافية وفكرية" جديدة لتفكيرنا في هذه القضايا.

تشير إلين ميتشل إلى الآثار النفسية لطائفة من التطورات الطبية الحيوية النانوية الحقيقية والمحتملة، مع التركيز بشكل خاص على مجال التعزيز.تعرض مختلف التطبيقات الطبية الحيوية في الماضي والحاضر في مجال التكنولوجيا النانوية. وتلاحظ في تحليلها وجود فرق كبير بين التطورات التكنولوجية السابقة والحالية. وخلافاًللأمور السابقة بشأن استخدام التكنولوجيا وإساءة استخدامها، ينبغي أن تركز التحليلات الحالية على "الأغراض المقصودة، وانتشار التكنولوجيا ، وغزوها"().

تعترف ميتشل بالقوة التحويلية للتكنولوجيا الحالية. من هنا تزعم أن جهودنا لابد وأن تكون في المقام الأول على تأثير التكنولوجيا على البشر (الهوية والوظيفة) وبيئتهم، بدلاً من إساءة الاستخدام المحتملة. وهي تعرض على وجه التحديد ثلاثة مجالات محددة ذات صلة بالمناقشة المتعلقة بحقوق الإنسان:

(1) التعزيز: أداء السلطة التنفيذية (أنشطة الدماغ ذات الترتيب الأعلى مثل الحكم، والاهتمام، والتخطيط، وما إلى ذلك).

(2) التنظيم الذاتي: (الوظائف الجسدية أو المزاج أو السلوك أو الفكر أو الشعور أو العنف).

(3) القدرة على التأخر والقوة العامة للقدرة السلبية (عدم القدرة على مواجهة التأجيل).

وفقا لميتشل، فإن أجهزة النانو الجديدة أو العقاقير سوف تؤثر على هذه المجالات الثلاثة من علم النفس البشري. ويبدو أنها تشير إلى أن الاختلافات في الأفراد وتعقد العقل البشري يجعل من الصعب وضع نهج معياري للتحسينات البشرية().

 

الجوانب الفلسفية للتكنولوجيا النانوية

توفر تكنولوجيا النانو إمكانيات تقنية جديدة ومحتوي جديد للتطبيق خلال التلاعب بالبنية التركيبية على مقياس نانومتر (1 نانومتر = 10-9 متر).

ولحسم البحث في هذا المجال ، الذي يتخذ مكانا بين الفيزياء الجزيئية والكيمياء (أكثر من 0.1 إلى أقل من 10 نانومتر) والأبعاد في الفيزياء والكيمياء للمواد الصلبة (أكثر من 100 نانومتر إلى أقل من 100 ميكرومتر)، هي تطورات مجهرية جديدة  يمكن أن تحل القياسات البعيدة تحت الطول الموجي للضوء المرئي. كما أن الأقسام المهمة من البحوث العلمية الأساسية، مثل فيزياء الجسيمات أو فيزياء الأعصاب، لا يمكن أن تتحرك إلى الأمام دون ابتكارات تكنولوجية أساسية ، ولكن أهداف المجالات التي تستخدم فيها هذه التقنيات ترتبط بالمسائل الرئيسة التي يقوم عليها الفهم العلمي للطبيعة.

على النقيض من ذلك، تزدهر تكنولوجيا النانو بسبب تطبيقات جديدة جوهرية لابد من تحقيقها في ظل ضغوط الإبداع وفي ظل اقتصاد معولم. وقد حصلت العلوم النانوية والتكنولوجيا النانوية على الصعيد الدولي علي الدعم السياسي والمؤسسي والمادي، وعلي الرغم من أنه غير معروف حاليا كيف للامكانيات المتاحة أن تدرك الفهم الجديد للعلوم كعلوم تقنية().

إن مجال تكنولوجيا النانو قد استقطب عددا كبيرا من الشركات الصناعية الكبرى في العالم، اللاهثة وراء تحقيق مكاسب اقتصادية ضخمة لاستعادة أوضاعها المالية وتثبيت نفوذها في بورصات الأوراق المالية، التي أصابها الخمول والتردي نتيجة الكساد والركود اللذين خيما على عالمنا منذ فترة. وفي ضوء كل الدراسات الاقتصادية التي أجرتها كثير من الهيئات البحثية، الصناعية، وحكومات الدول الصناعية الكبرى، فإنه من المنتظر أن يمثل اقتصاد تكنولوجيا النانو قوة هائلة تفوق في حجم استثماراتها مجموع حجم الاستثمارات العالمية في كل الصناعات مجتمعة().

أعلنت دونا هاراواي, برونو لاتور وآخرون عقب كتاب "فلسفة التكنولوجيا" لمارتن هايدغر، في ضوء النتائج والألوان البصرية للأبحاث النانوية - المنطقية ، نحصل على نوعية جديدة: إن الحدود الحادة على ما يبدو بين البحوث البحتة والتطبيقية غير واضحة أكثر من أي وقت مضى.وتثير هذه النقطة التساؤل عما إذا كان بوسعنا أن نميز بشكل مشروع بين العلم والتكنولوجيا. ولذلك فإن الاهتمام الفلسفي بالبحث في مجال التكنولوجيا النانوية لا ينشأ فقط في الإشارة إلى قواعد أخلاقية ملموسة لاستخدام نتائجه، بل أيضاً من قابلية اكتشاف العمليات الفعلية لتحول فهم العلم وممارسته. وينبغي لنا أن نفكر في الإمكانات الابتكارية للتكنولوجيا النانوية من دون أخذها في سياق المخططات المثالية الإيجابية أو السلبية.

كثيراً ما يتم تمثيل "البداية إلى الكون النانوي" وتوصيفها بشكل قاطع باستحضار الصور والاستعارات التي تستخدم لتوضيح الرحلات الحديثة للاكتشاف والتقدم المحرز في السفر إلى الفضاء.

إن صورة الحرب الباردة -بوصفها الدافع وراء النزاع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي- وهي "الطيران إلى النجوم "لم تؤدى أمريكا دوراً اليوم، وإذا ما استثمرت أميركا واليابان والاتحاد الأوروبي مبالغ كبيرة في بحوث التكنولوجيا النانوية، فإن ذلك يرجع في المقام الأول إلى منافستها الاقتصادية، ويرتبط ارتباطا وثيقا بالعلاقة بين البحوث المنطقية النانوية والأسئلة الأكثر تحفيزا من الناحية النظرية().

إن البحث الرائج، تكنولوجيا النانو ـشكل العالم ذرة بذرة- الذي نشره المجلس الوطني للعلوم والتكنولوجيا في الولايات المتحدة ، يوضح لنا أننا نتعامل مع تكنولوجيا النانو خاصة بسبب الإمكانيات التقنية الجديدة للتصور والتلاعب وتطبيق الذرات والجزيئات في السياقات العملية. ويعتمد على المعرفة القائمة بشأن الكون النانوي في جوانب عديدة ، وتخرج رؤى نظرية جديدة عن البحوث المتعلقة بالتكنولوجيا النانوية.ويصبح هذا واضحاً أيضاً من حقيقة أن المسح الضوئي صورة مجهرية من الكون النانوي يتم تفسيرها بمعنى الواقعية البسيطة، وخلال أسئلة موجهة تقنياً مثل "كيف تمر الإلكترونات من خلال الجزيئات؟،أي خلالها تطبيق صور ملموسة للفيزياء الكلاسيكية على المستوى الجزيئي"().

إن نظرية الكم لا تقضي فقط بمنع الذرات من الاصطدام ببعضها بعضا، ونفاذها عبر بعضها بعضا، وإنما تربط بينها خلال جمعها معا في جزيئات. تخيل لبرهة أن الذرة تشبه مجموعة شمسية بالغة الصغر، حيث تدور الكواكب فيها حول الشمس. والآن، إذا اصطدم نظامان شمسیان مثل هذين ببعضهما، فإن كواكب كل منهما ستصطدم ببعضها بعضا أو تطير في جميع الاتجاهات، مسببة انهيار المجموعة الشمسية. إن المجموعات الشمسية لا تظل مستقرة مطلقا عند اصطدامها ببعضها، لذا فمن البديهي أن تنهار الذرات عند اصطدامها ببعضها بعضاً.

أما في الواقع، فعندما تقترب ذرتان من بعضهما بمسافة بالغة الصغر، فإنهما إما تبتعدان عن بعضهما أو تتحدان لتصنعا جزيئا مستقرا. والسبب الذي يمكن الذرات من تكوين جزيئات مستقرة أن الإلكترونات تقبل أن تتقاسمها ذرتان. وفي الأحوال الطبيعية، تبدو لنا فكرة اقتسام أحد الإلكترونات بين ذرتين شيئا منافيا للمنطق؛ إنها فكرة مستحيلة إذا كان الإلكترون يخضع لقوانين نيوتن البديهية. لكن بسبب مبدأ اللايقينcertainty principle لهایزنبرج Heisenberg، فإنك لا تعلم على وجه الدقة أين موقع الإلكترون بالضبط، وبدلا من ذلك، فإن الإلكترون موجود بصورة غير واضحة في موضع ما بين الذرتين، وهو ما يربط بينهما().

تصورات ميكانيكا الكم بطرق متعددة تؤدي إلى طرق جديدة من التفكير في مكانة الإنسان في الطبيعة، وفي رؤى تكنولوجيا النانو، أي دمج للإنسان في النظام الطبيعي يعد إهداراً. وفي الكونيات التقليدية، يتمثل دور الإنسان في أن يكون وسيطاً بين الكونيات الكلية والمتناهية الصغر، في حين يشير غلاف كتيب "علم الكون" إلى أنه غائب تماماً. 

تشكل علوم النانو والتكنولوجيا النانوية الآن الاختصاصات الرئيسة التي يمكن أن تتيحها فكرة جديدة عن الطبيعة، والتي تمتد من الجزيئات على مقياس النانومتر (10-9 متر) إلى المجرات التي تبعد عنا مليار سنة ضوئية (10-25 متر). في علم الكون، الانسان "بلا مكان" وهو قادر على النظر للفهم والتلاعب بكل شيء().

"لقد منحتنا تكنولوجيا النانو أدوات ستمكننا من اللعب بصندوق ألعاب الطبيعة التي لا نهاية لها؛ من ذرات وجزيئات. إن كل شيء من الذرات والجزيئات، ويبدو أن احتمالات إيجاد أشياء جديدة لا حدود لها الآن" ().

 

إن النظام العالمي العلمي النانوي تم تنظيمه من الصغير جدا إلى الكبير جدا ويتم تمثيله ، ذرة بذرة ، بوصفه نظاما معقدا ذا هيكل هرمي، والذي يجد أساسه عند النطاق النانوي: وسوف يتمكن الناس من اكتساب فهم غريزي مختلف في جوهره للعالم بوصفه هرما للأنظمة المعقدة المتأصلة في النانو.بالإشارة إلى الانعكاس الفلسفي لظواهر الكيمياء، يمكن التأكيد على مثل هذا الاستخدام المبهج لنموذج التنظيم الذاتي، ولكن هناك فرق كبير بين توجه البحوث النانوية نحو التطبيق وبين هذه الاعتبارات النظرية.

إن عنوان منشور NSTC ، التكنولوجيا النانوية ــ تشكيل العالم ذرة بذرة ، يوضح أن العالم في بؤرة تركيز الرؤى النانوية ليس هدفا معينا من الخبرة والانعكاس؛ وبدلا من ذلك ، يعد مادة للإمكانيات التكنولوجية الجديدة ، التي ينبغي تحويلها خلالها.ويستند هذا البرنامج إلى فكرة مفادها أنه لا توجد فروق أساسية بين العمليات الطبيعية والعمليات المخططة والمبتدأة تكنولوجياً: وأيا كانت التكنولوجيا النانوية، فإنها لا يمكن أن تنتهك الطبيعة لأنها تعمل مع مبادئ الطبيعة().

لا تتعارض مبادئ الفيزياء مع إمكانية التلاعب بالأشياء ذرة حسبما يري ريتشارد فينمان الذى كان يحلم بذلك اليوم الذي يتمكن فيه الفيزيائي من تصنيع أي جزيء، ذرة بذرة. وقد كان هذا الحلم يبدو مستحيلا في عام 1959، لكن جزءا منه صار الآن حقيقة واقعة().

يجب أن يؤدي التفكير الفلسفي في نماذج وأشياء البحوث في مجال التكنولوجيا النانوية إلى تحسين الطابع غير الكافي والمعقد لهذه التصورات الأحادية الجانب، وخضوعها لفهم أكثر توازنا وشمولية للطبيعة، ويمكن أن تجد فيها الخطط والإجراءات التقنية التي يتخذها الإنسان في ضوء النماذج التكنولوجية الجديدة مكانا أيضاً().

 

البحث عن الحالة الوجودية لمنتجات التكنولوجيا النانوية

يواجه النظر الفلسفي في العلوم النانوية والتكنولوجيا النانوية مسألة كيفية تحديد العلاقة بين العلم والتكنولوجيا في هذا المجال البحثي غير المتجانس.وفي الفلسفة الأرستقراطية ، نستطيع أن نجد الفرق التقليدي بين "الطبيعة" و"التكنولوجيا"، وهو الفرق الذي يؤدي إلى التساؤل عن الطابع الوجودي للمنتجات وعمليات التكنولوجيا النانوية.

إذا أخذنا على محمل الجد صورة التكنولوجيا النانوية التي يمكن فهمها على أنها تقليد للطبيعة يعمل كمهندس للنانو، فإن السؤال الوارد أعلاه يلغى بالنظر إلى الطبيعة التي تقضي أيضاً على جميع المشاكل الأخلاقية والمجتمعية التي يمكن تصورها والتي تتناول استخدام منتجات وعمليات التكنولوجيا النانوية. ومع ذلك، لا بد من التشديد بشكل حاسم على جانب واحد من هذا الفهم للطبيعة والعلاقة بين السؤال عن مكانة النانوتكنولوجي في فلسفة العلوم والتكنولوجيا وبين الفلسفة الكلية للطبيعة، ومن الواضح أن مفاهيم أرسطو لا يمكن نقلها فورا إلى العالم الحديث، الذي تحدده المعارف العلمية والممارسات التكنولوجية().

إن المصنوعات الفنية لا تؤدى دوراً مهيمناً في إطار علم الوجود القديم: فمن الممكن أن تتسم باختلافها الجوهري عن الأشياء الطبيعية. وفي العالم الحديث، وصلت النظم التكنولوجية إلى "ديناميكية ذاتية" وإلى استقلال ذاتي جديد تماماً ويؤدي إلى ابتعاد الناس عن هذه الأشياء وجعلها "طبيعة ثانية".

إن صياغة "الفلسفة الشعرية"، كما يطالب وولفغانج ويلاند، ربما طريقة مناسبة لتعكس خصوصية هذه الديناميكيات التكنولوجية - العصبية، التي تميز نفسها بشكل كبير عن الديناميكيات الطبيعية.يبدو أن هذه الديناميكيات التكنولوجية لا يمكن أن تنسب تماما إلى نوايا الإنسان في التخطيط والبناء والتطبيق. ولهذا الغرض، لا يبدو من المفيد المقارنة على نحو تاريخي بين "العلم/المعرفة" و"علم التكنولوجيا/الفن" بمفاهيمنا عن "العلم" و"التكنولوجيا". حتى لو كانت ظواهر الكيمياء من نواح عديدة هي نواتج لفن التركيب الكميائي، والكيمياء التركيبية تستخدم اللاموضوعية لصفات المادة وهي غير قادرة على تشكيل عالم مفتوح تماما وحر من الاحتمالات القابلة للتحديد().

الفرق الأرسطووي بين الفيزياء والتكنولوجيا، في الواقع، على أساس مصادر مختلفة للحركة والتغيير، لم يعد يناسب الفهم الطبيعي العالمي للطبيعة. ومع ذلك، فإن هذا الاختلاف لا يزال يمثل مبدأ خصبا للفلسفة الطبيعية في الاعتبار الأساسي لمسألة ديناميكية ذاتية ومقاومة، كما في النظريات العلمية للتنظيم الذاتي التي تقترح أن المفهوم الإبداعي الحديث للمادة يتيح إمكانية ربط الطبيعة المتحركة والجامدة ببعضها البعض وتكييف الفكرة القديمة للفيزيائي العام للمعرفة العلمية الحديثة().

من غير الممكن في العصر الحديث تحديد العلاقة بين الأشياء الطبيعية والتقنية أو الكائنات على أوسع نطاق خلال هذه العلاقة التبعية السهلة ، كما كان الحال لأرسطو وغيره من الفلاسفة القدماء. ولكن درجة ميكنة بيئتنا الاجتماعية وتكنولوجيتها ، التي تكثفها المنتجات والعمليات النانوية، وصعوبة التمييز على المستوى المفاهيمي بين الأشياء الطبيعية والتقنية ينبغي ألا تؤدي إلى قبول غير نقدي للتطورات التكنولوجية والاجتماعية المناسبة. حتى لو أصبح جسم الإنسان اليوم مقترنا بشكل متزايد بالأشياء التكنولوجية، وعالم من المجتمعات الصناعية الحديثة، كما يقول برونو لاتور، ككون من الأجسام الهجينة، فأنا لا أرى في هذا الصدد أي سبب لطمس الفروق الأساسية بين الشخص وإنتاجاته التقنية من جهة ، والديناميكيات الطبيعية والتقنية من جهة أخرى().

كثير من مواضيع العلوم الحديثة وأغراضها مثل "ثقب الأوزون" و "تأثير الاحتباس الحراري" و"التلقيح داخل المعمل" و "فأر السرطان" و "BSE" أو "الإيدز" لا يمكن إسنادها بشكل أكثر بساطة أو وضوحا إلى مجال أو آخر من مجالات العلوم، على سبيل المثال العلوم الثقافية أو الطبيعية أو التكنولوجية. ويعزى ذلك جزئياً إلى أنها تعد على الأقل ذات تأثير بشري، وجزئياً إلى أنها تنتج عن تلاعب تقني منطقي محدد وترتبط بعديد من الآثار المختلفة جداً على الطبيعة والتكنولوجيا والثقافة.ويمكن وصف كثير من المعارف العلمية النانوية والممارسات التكنولوجية النانوية والتمثيلات العلمية الشائعة للعلوم النانوية والتكنولوجيا النانوية بأنها "أجسام هجينة"().

إن المزج بين المجالين الطبيعي والاجتماعي، كما يحاول لاتور أن يوضح مفهومه للجسم الهجين أو شبه الهجين ، هو بالتأكيد ظاهرة مهمة وجديدة لا يمكن أن تهتم بمناطق التخصصات المبسطة. غير أن الأولوية ذات الطابع الديناميكي الذاتي التي لا يمكن اختزالها تماما في تحديد القوانين المادية الأساسية، لا ينقصها وجود الأجسام الهجينة. ويؤدي تعقيد النظم التكنولوجية والعلاقات الاجتماعية إلى أنها يمكن أن تتحرر من السيطرة الشديدة على الموضوع وحكمه، وتتحمل في هذا الصدد "ديناميكية الذات" بوصفها "طبيعة ثانية". ومع ذلك ، فإنها تبقى، في نهاية المطاف في واحدة أو أخرى، لا تزال متصلة بمجال طبيعي عام وهو الفيزياء الارسطية().

السؤال عما إذا كانت هذه المخاوف الأخلاقية جديدة أو محددة للتكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية يتم الإجابة عنه بحذر بالنفي: فأغلب الأسئلة التي تعد ذات صلة أخلاقية في سياق التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية تتم مناقشتها بالفعل في عديد من مجالات الأخلاقيات التطبيقية. ومع ذلك، فإن بعض هذه القضايا الأخلاقية تبرزها على وجه التحديد تكنولوجيا النانو الطبية الحيوية. وأخيراً، تتضمن هذه المادة اعتبارات تتعلق بالمتطلبات الأساسية لإجراء تحقيق أخلاقي شامل في التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية، وتقدم حججاً لإدراج مشاريع ذات رؤية في تحليل الجوانب الأخلاقية للتكنولوجيا النانوية.

إن عرض هذه القضية ليس مجرد قضية تحديد المشاكل الأخلاقية التي تولدها تكنولوجيا النانو والاستجابة لها، بل إنها أيضا قضية الشروع في إجراء تحقيق في التحديات التي قد يخلقها الميدان بالنسبة للأخلاقيات ككل().

ليس الغرض إجراء تحقيق شامل في المسائل الأخلاقية المحيطة بالتكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية، ولن تحاول صياغة مجموعة نهائية من المعايير والمبادئ الأخلاقية كدليل لتطبيقات تكنولوجيا النانو.بل إن الهدف الأكثر تواضعاً -والأكثر أهمية في نهاية المطاف- يتلخص في الاستجابة للقراءات المحتملة للعنوان والنظر في المسائل الأخلاقية الناشئة عن التكنولوجيا النانوية وما إذا كان ينبغي اعتبار هذه المسائل جديدة أو فريدة من نوعها في إطار النقاش الأخلاقي الأوسع نطاقا. سوف نبدأ بتسمية بعض التطبيقات الفعلية و(الحالية) للتكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية وسنتناول فيما بعد ست مجموعات من القضايا الأخلاقية التي تولدها التكنولوجيا النانوية وأخيرا، سنرى ما إذا كان هناك أي شواغل أخلاقية جديدة أو محددة للتكنولوجيا النانوية. وسيشمل ذلك تقييماً للمتطلبات اللازمة لإجراء تحقيق أخلاقي شامل في التكنولوجيا النانوية().

 

المبادئ الأخلاقية في مجال التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية

في عام 2003، نشرت مجموعة كندية من علماء الأخلاقيات واحدة من أول المقالات التي تتناول صراحة الآثار الأخلاقية المترتبة على التكنولوجيا النانوية، وأشاروا إلى وجود فجوة كبيرة بين التطور السريع للتكنولوجيا النانوية في مجالات مختلفة، بما في ذلك الطب الحيوي من جهة والافتقار الواضح إلى التحريات الأخلاقية ذات الصلة من جهة أخرى. وعلى حد تعبيرهم: "كلما قفزت العلوم إلى الأمام، تخلفت الأخلاقيات عن الركب().

تتعرض تكنولوجيا النانو، ومنذ فترة، لعاصفة من الانتقادات والاتهامات، تذكرنا بما تعرضت له التكنولوجيا الحيوية - البيوتكنولوجي - من جدل حين أظهرت مقدرتها الفائقة على التلاعب في ترتيب جينات الحمض النووي، وإنتاج محاصيل زراعية متميزة، عن طريق تقنية التعديل الجيني الوراثي. ومثلت الاعتراضات في تلك الفترة تخوفا من أن تنتهج التكنولوجيا الحيوية مستقبلا، المنهج نفسه، أو تسير على الخط البحثي عينه بتعديل جينات الحمض النووي في الإنسان والكائنات الحية الأخرى.

أثارت مثل هذه الشكوك بتلك الحقبة السابقة، حفيظة رجال الدين من الديانات المختلفة ومن المذاهب كافة، فأمطروها – أي التكنولوجيا الحيوية - بوابل من الاتهامات، وألصقوا بها كثيرا من الإدانات والانتقادات الدينية العنيفة، وكأن عجلة التاريخ تعود بنفسها إلى عصور أوروبا المظلمة إبان القرون الوسطى.

لذا، فقد واجهت التكنولوجيا الحيوية عقبات ضخمة، تمثلت في انقسام المجتمع المدني تجاهها، ما بين رفض وقبول، الأمر الذي أدى بالمنظمات الدولية وحكومات الدول المعنية - المنتجة أو المستهلكة والعلماء المتخصصين، وأفراد المجتمعات المدنية في كل أرجاء العالم، لأن يجتمعوا ويتناقشوا في اجتماعات مطولة، من أجل وضع المعايير الدولية والأطر البحثية الملزمة، خلال سن مجموعة من القوانين الأخلاقية الصارمة، وذلك لضمان عدم جموح إبداعات علماء التخصص إلى آفاق بحثية أخرى. ويرى كثيرون أن تلك المناقشات الجدلية، قد حرمت البشرية لعهد طويل من جني ثمار التكنولوجيا الحيوية، وكبحت جماح الإبداعات العلمية للباحثين، الرامية إلى تحسين صحة الإنسان خلال تعظيم موارد غذائه وتطويرها.

لا يمكن التنبؤ بالتطورات المستقبلية في مجالات محددة، ومن المرجح أن تأتي التكنولوجيا النانوية بمفاجآت - بعضها مفيد وبعضها إشكالي أو حتى ضار- في المجالات العلمية أو التكنولوجية والمناقشات الأخلاقية المقابلة(). ويمكن حصر هذه المبادئ فيما يلي:

 

الخصوصية والتحكم 

من المحتمل أن تؤدي التطورات التكنولوجية النانوية في مجال التشخيص الطبي إلى تفاقم المشاكل الحالية المرتبطة بالتقييم الأخلاقي لتكنولوجيات كالتكنولوجيات البيولوجية والاختبارات الجينية والطب الشخصي. وليس من الصعب أن نرى أن الأجهزة والإجراءات النانوية سوف تجعل المعلومات الشخصية (الوراثية على سبيل المثال) سهلة وسريعة ورخيصة الثمن. ولا يمكن استخدام مثل هذه المعلومات لاستخلاص الاستنتاجات المتعلقة بالصحة فحسب، بل وأيضاً بشأن أسلوب الحياة، أو الأصل البيولوجي (الأبوين)، أو "المصير الجيني" للفرد، والقضايا الأخلاقية ذات الصلة في هذا السياق واضحة تماما().

إن توافر الاختبارات المتاحة التي من الممكن أن تحصل على المعلومات الشخصية خارج نطاق العلاقة الرسمية بين المريض والطبيب تعمل على زيادة السبل المؤدية إلى إساءة استخدام الاختبارات الطبية. وسيكون من الممكن والسهل نسبيا الحصول على بيانات بيولوجية من الاشخاص، باستخدام مجموعات الاختبار المتصلة بالنانو، دون الحصول علي موافقتهم أولا، غير أن إساءة الاستعمال لا تعني بالضرورة التصرف دون موافقة الشخص المختبر. ويثير الاختبار الطبي الحيوي (وخاصة الوراثي) مشاكل أخلاقية حتى قبل أن يقترب من مجال اساءة الاستخدام().

حتى وقت قريب كان هناك توافق واسع في الآراء على أن هذه الاختبارات ينبغي أن تركز على الاضطرابات التي يمكن منعها أو معالجتها بفاعلية. ويبدو أن نقطة البداية هذه آخذة في الظهور أكثر فأكثر تحت الضغط ويتأثر النقاش باتساع الفجوة بين إمكانيات الكشف السهل نسبيا والمبكر عن البيانات الكيميائية الحيوية بواسطة تكنولوجيا النانو الطبية الحيوية وتوافر العلاجات.وعادة ما تكون المشاركة في الاختبارات الطبية ملزمة بالموافقة الواعية. غير أن "الموافقة الواعية" مهددة ويمكن أن تصبح مبدأ حسن النية، ولكن لا يمكن تطبيقه إذا تعذر تحويل عدد كبير من البيانات الطبية الحيوية واحتمالات الإحصاءات إلى معلومات ذات مغزى بالنسبة للمشاركين في الاختبار().

تعنى الموافقة المعلنة قبول الشخص موضوع البحث بعد تفسير طبيعة الغرض من التجربة والخطورة التى قد يتعرض لها جسدياً وعقلياً، ولكى تكون هذه الموافقة سليمة يجب أن تكون حرة ودون إكراه، أما الموافقة التفويضية: فهي التي تعطي بواسطة الوصي الشرعي للطفل ، القادر ، أو الشخص غير المؤهل().

بالإضافة إلى ذلك يمكن الحصول على المعلومات الطبية الحيوية عن غير قصد؛ فعلى سبيل المثال، يمكن الحصول عن غير قصد على معلومات عن الاضطرابات التي لا يرغب الناس في اختبارها.

كيف ينبغي التعامل مع هذه المعلومات التي يحتمل أن تكون مهمة؟ هل يتمتع المرضى بأي "حق في عدم المعرفة"، إذا كانت هناك بيانات تشير إلى وجود تصرف وراثي لمرض معين؟ ومن المؤكد أن مثل هذه الأسئلة ليست محددة للتكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية، بل إنها ليست مرتبطة بها ارتباطاً جوهرياً: فالفحوص التشخيصية القائمة على النانو ليست إشكالية من الناحية الأخلاقية في حد ذاتها. ومع ذلك فإن مشكلة الخصوصية الموصوفة هنا يجب أن تؤخذ في الحسبان في كل مناقشة للمسائل الأخلاقية للتكنولوجيا النانوية الطبية().

يعد احترام الكرامة الإنسانية احترام لخصوصية الإنسان واستقلاله في اتخاذ القرارات، وتنعكس استقلالية البشر في حقهم للقبول أو الرضى، وللحفاظ على كرامة الأشخاص، فإن هؤلاء الذين لا يستطيعون إعطاء قبولهم من الواجب إعطاءهم العناية اللازمة، ومن الواجب احترام نقدهم أو طعونهم، ولأن البشر خلفاء الله على الأرض، فليس لأحد منهم سيادة على الآخر ، هكذا يتم دعم مبادئ العدالة والإنصاف والمساواة وعدم التفرقة و عدم توجيه وصمة العار لأحد وهذا ينطبق على الأجيال الحالية وأجيال المستقبل ، والبيئة بكل مكوناتها لها أيضا قيمة فطرية، حيث أنها من خلق الله، ولذلك فإن من الواجب حمايتها من أجل القيمة الفطرية التي تمتلكها، وليس فقط من اجل أجيال المستقبل().

لن تؤدي التطورات التي تشجعها التكنولوجيا النانوية إلا إلى زيادة تفاقم المشاكل الموجودة بالفعل في مجالات "التشخيص قبل التكنولوجيا النانوية" (الوراثية) والطب الفردي.ويجب أيضا ألا يغيب عن البال أن الوصول إلى المعلومات كثيرا ما ينطوي على علاقات مع السلطة التي تتحكم فيها. وفيما يتعلق بالتطورات الطبية الحيوية في مجال مجال تقنيات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، والعلم المعرفي NBIC""، هناك أيضا خلافات تحيط بالأجهزة والزراعات التي لا تكتفي بجعل المعلومات الشخصية متاحة، ولكن تعمل كجهاز إرسال للبيانات التي يمكن توصيلها معا.وفي هذا السياق، تمثل المراقبة والتلاعب الكلمتين الرئيستين للمسائل الأخلاقية التي قد تنشأ.  ويشير جيمس مور وجون ويكيرت إلى أن الزراعات النانوية (التي تخدم الغرض من الحصول على المعلومات البيولوجية الشخصية) قد تحول السيطرة على جسم الفرد وظواهره العقلية إلى الآخرين. وبالنسبة لهم ، "ليس تخمين" أنه مع مجيء غزوات التكنولوجيا النانوية للخصوصية سوف تزداد السيطرة غير المبررة على الآخرين"().

 

الألية البشرية والقضايا الأنثروبولوجية. 

تعد التكنولوجيا النانوية الطبية مرايا ونماذج مؤيدة لاتجاه يحبذ التقدم التكنولوجي في مجال الطب الحيوي ويثير عديد من الأسئلة الفلسفية.والتقدم المحرز في مجال التشخيص الطبي ليس مهماً فحسب، بل ضروريا أيضا، لما نعده دواء فاعلاً.غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن من الصواب إجراء مراقبة دائمة إلى حد ما للجسم البشري،بما في ذلك "الرصد عن بُعد" لمنع جميع الانحرافات عن القواعد الكيميائية الحيوية.ويمكن أن تصبح ممارسات كهذه متاحة بسهولة خلال استخدام الأجهزة النانوية().

إن علماء أخلاقيات وفلاسفة ولاهوتيين، مهتمون على سبيل المثال بالمفاهيم السائدةفي مجالات الصحة، المرض، الطب ، والعلاقة بين المريض والطبيب التي توجه التطوراتالطبية الحيوية، وبالمفاهيم الذاتية الأنثروبولوجية التي تقوم عليها جهودنا في مجال البحثوالتطوير في مجال التكنولوجيات الطبية الحيوية.ويكشف تحليل النصوص مثل التقارير الواردة من المبادرة الوطنية لتقنية النانو في الولايات المتحدة عن افتراض "الجدوى التكنولوجية" التي تتحول في بعض الأحيان - وخاصة في مجال تقنية النانو الطبية الحيوية- إلي أوهام كاملة في "بيان تقننة النانو" .وينطبق هذا حتى إذا امتنعنا عن الإشارة إلى مشاريع واضحة الرؤية، مثل فكرة K. إريك دريكسلر عن النانوروبوتس أو المجمعات الجزيئية الذاتية التكرار القادرة على استنساخ أي جسم خلال أخذ الذرات من بيئته وترتيبها ذرة بذرة لتجميع الجسم().

كيفية تصورنا للقضايا والتحديات على المستوى النظري بل وحتى الخطابي تؤثر تأثيرا قويا على كيفية اقتراب البحث والتطوير من محتوى التكنولوجيات الطبية ومن ثم مستقبلها، وعلى وجه الخصوص في الطب الحيوي النانوي، وفيما يتعلق بتفاعل الآلات البشرية القائمة على التكنولوجيا النانوية، تنشأ أسئلة ليست أخلاقية صراحة، بل يجب معالجتها على مستوى فلسفي وأنثروبولوجي أكثر جوهرية. ويفترض الباحثون في مجال تقنيات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، والعلم المعرفي NBIC""(*)(ويستثمرون جهوداً كبيرة في هذا المجال) فكرة مفادها أنه في الوقت المناسب يمكن تنفيذ المزيد والمزيد من وظائف الجسم البشري بواسطة المزروعات التكنولوجية().

من الممكن بالفعل التعرف على نزعة البحث والتطوير، والتي قد تؤدي إلى نقطة (افتراضية حالياً) حيث يتم عكس مسار التطور المعروف في المناقشة حول الذكاء الاصطناعي. وفي حين أن المناقشات الفلسفية حول الذكاء الاصطناعي تركز عادة على موضوع "إضفاء الطابع الإنساني" المحتمل على الآلة، فإن هذه ليست المسألة هنا، بل العكس، أي ميكنة البشر، ويمكن أن يحدث ذلك في نهاية المطاف خلال عمليات زرع الأعضاء الاصطناعية وغيرها من التكنولوجيات الطبية الحيوية المتعاقبة. في حين اعتادت التقاليد الفلسفية واللاهوتية على التفكير في مفهوم الإنسان خلال تعريف الحدود إلى الله من جانب والحيوانات من جانب آخر، فإن التحدي الحالي يتلخص في تحديد الحدود بين الإنسان والآلة، والحدود التي تفصل بينهما تقليدياً تتعرض لضغوط متزايدة من كلا الجانبين، بل لقد ذهب سميث إلى حد طرح سؤال "كم من النانو الاصطناعي سيجعل المرء غير إنسان ؟"().

ما يتبين من هذه الأسئلة أن إمكانية إدخال تقنيات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، والعلم المعرفي NBIC"" في الطب الحيوي تحثنا على اعتماد منظورات أنثروبولوجية جديدة، وعلينا أن نتساءل عما إذا كان التمييز عن عالم التكنولوجيا لا يزال جزءا مهماً يعرفنا على أننا بشر. مثل هذه الأسئلة الأنثروبولوجية ترتبط ارتباطا وثيقا مع الأسئلة الأخلاقية صراحة. فهل يؤدي دمج الإنسان والآلة خلال التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية إلى تعريض استقلال الناس وإنسانيتهم للخطر، أم أنه على العكس من ذلك يقويهما؟ وهل يمكن اعتبار هذه التدخلات الآلية مقبولة أخلاقيا؟ على سبيل المثال، من الصعب معرفة كيف يمكن لزرع الخلايا النووية في الدماغ البشري أن يؤثر على الظواهر العقلية، مثل الأفكار والمشاعر. وإذا ما أصبح الزرع ضرورياً للقدرة على العمل، أو للمشاعر والمزاج، على النحو المتصور في بعض مشروعات الطب الحيوي النانوي، فستكون هناك تداعيات مهمة على المفهوم الفلسفي للمسؤولية.

في سياق القانون والولاية القضائية، تتسم هذه المسائل بالأهمية بالنسبة للمساءلة والمسؤولية. وفي ظل هذه الخلفية من المسائل الأنثروبولوجية والأخلاقية، لا بد من مواجهة مسائل؛ من نريد أن نكون وما نريد أن نكون قادرين على السيطرة عليه. ويعد التحسين من أكثر التطورات إلحاحا في مجال الطب الحيوي التي تتصل بكلتا هاتين المسألتين().

 

من الطب إلى التكنولوجيا البشرية:

فيما يتعلق بصفة خاصة بالتطورات الطويلة الأجل للتكنولوجيا النانوية، وفي سياق تقارب تقنيات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، والعلم المعرفي NBIC"" ، كثيرا ما تهدف مشاريع التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية إلى تحسين الأداء البدني والعقلي والحسي للناس().

يشكل استخدام الجسيمات متناهية الصغر في الأنظمة الحيوية فرصة كبيرة للتطبيقات الطبية، يسهم صغر حجمها في تخطيها للحواجز الحيوية، ويمكن الاستفادة من هذه الخصائص على مستوى مقياس النانو في تحسين علاج الأمراض، وذلك بأن يتم ربط الدواء بهذه الجسيمات، أو استخدام هذه الجسيمات كحامل ( Carrier ) يحمل الدواء داخله لينطلق عند وصوله إلى المكان المحدد ، ومن ثم يتخلص الجسم منه عند تحقق العلاج واستجابة العضو أو النسيج المصاب للعلاج.

هناك مزيج جديد واعد للأحيائي واللاأحيائي بشكل خاص؛ وتسعى المشاريع الطموحة في مجال تقنيات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، والعلم المعرفي NBIC"" إلى تحقيق هدف الآلات البشرية القادرة على تجاوز القدرات البشرية الحالية بكثير. وهذه التطورات التي تهدف إلى تحسين قدرات "العاملين عادة" والبشر الأصحاء عموما، بالتالي لا تهدف إلى علاج الأمراض أو استعادة القدرات المفقودة جزئيا أو كليا، تشير إليها عبارة "تعزيز". 

غير أنه لا يترتب على ذلك بالضرورة أن كل شكل من أشكال التحسين غير العلاجي للأداء البشري ينطوي على إشكالية أخلاقية. بل على العكس من ذلك ، فحتى مفهوم التحسين غير العلاجي يمكن التشكيك فيه لأنه - ظاهريا- ما الفرق بين تحسين القدرات البشرية عن طريق "التحسين غير العلاجي" القائم على النانو من جهة، وزيادة القدرات خلال التعليم أو الممارسة من جهة أخرى؟ ومع ذلك فإن  التمييز بين الممارسات الطبية العلاجية والتعزيز غير العلاجي أمر معقول بلا شك؛ بل إنه يثبت ضرورته عند مواجهة الحاجة إلى تنظيم وتنفيذ نظم فاعلة وعادلة للرعاية الصحية وسياسات التأمين الصحي().

 

وفي سياق التحسين، يمكن تحديد مجموعتين على الأقل من المسائل الأخلاقية.

المجموعة الأولى، هناك أمور تتعلق بأشكال معينة من التحسين غير العلاجي، والتي تعد إشكالية أخلاقية في حد ذاتها. وفي هذا السياق ، تتوقف الحجج الرافضة للتحسين على مفاهيم مثل افتراض (أو ادعاء) التصنع للتحسينات المصطنعة للقدرات البشرية وموقف التحكم والسيطرة على الطبيعة  و"الرجال الذين يؤدون دور الله". تعد هذه الأمور المتعلقة بـ "الخطأ الأخلاقي الجوهري" في التحسين ذات أهمية خاصة في مجال دمج الإنسان والآلة.والمجموعة الثانية من المسائل الأخلاقية لا ترتبط ارتباطا مباشرا بالتحسين في حد ذاته، بل بالبحوث المتعلقة بالتكنولوجيات المحسنة بالنظر إلى مسائل العدالة والمساواة والحرية والإكراه والأولويات في مجال البحث والتطوير في المجال الطبي الحيوي().

ينبغي التمييز بين هاتين المجموعتين من المسائل الأخلاقية ولكن يجب ألا يفصل كل منهما عن الآخر. ثمة من يعترف بأن الاثنين متشابكين بشكل لا يتجزأ مع بعضها البعض. وإذا ما أثمرت مثل هذه المفاهيم ستكون هناك عواقب كبيرة على فهمنا للطب والمرض والإعاقة و"الحالة الطبيعية"، وأي منها يعد حيوياً للحفاظ على النسيج المتماسك للمجتمع؟ وفي سياق الطب التناسلي والتشخيص قبل الولادة، يمكننا أن نرى بالفعل أن عديد من الناس يواجهون ضغوطا مجتمعية متزايدة لتوحيد البشر، سواء أجسامهم أو قدراتهم.هذا "الإكراه الصريح والدقيق" على حد تعبير ليون كاس، ناتج عن كل من الصور الخاصة لما يشكل إنساناً صالحاً أو حتى مثالياً (كثيراً ما يتأثر بالمصالح الاقتصادية)، وتوافر تقنيات طبية بيولوجية محددة (والتي يتم تطويرها مرة أخرى بواسطة صناعة طبية بيولوجية مدفوعة بالسوق)().

من المعقول افتراض أن الضغط الاجتماعي الضمني على استخدام هذه التقنيات من أجل الامتثال لصور أو مُثُل عليا معينة لن يزداد إلا بزيادة توافر التحسينات التي يمكن أن توفرها تقنيات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، والعلم المعرفي NBIC"". وهذا يؤدي إلى السؤال الخطير للغاية حول ما إذا كان بوسع الناس أن "يختاروا" الخروج من المجتمع الذي تم فيه تحول القطاع الطبي إلي صناعة أنثروبولوجية.

إذا تحققت الرؤى الفاضلة (حالياً) لتحسين الأداء البشري خلال تقنيات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، والعلم المعرفي NBIC""، فإن السيناريوهات مثل تصور ألان بوكانان وغيره ما يسمى" الشيوعية الوراثية " تصبح معقولة ويمكن تصورها.لأنه يبدو من الممكن أن تختار مجموعات مختلفة السعي وراء "تعزيز الذات" لتحسين النسل وفقا لأفكارها الخاصة للإنسان المثالي والحياة الجيدة، وبالتالي تتطور في اتجاهات متباينة من الأفراد أو الجماعات الأخرى().

لم يعد بمقدورنا أن نفترض أنه سيكون هناك وريثاً واحداً لما يعد طبيعة بشرية. ويجب أن ننظر في إمكانية أن تتبع مجموعات مختلفة من البشر في مرحلة ما في المستقبل مسارات متباينة للتنمية خلال استخدام التكنولوجيا الوراثية. وإذا ما حدث هذا فلسوف تكون هناك مجموعات مختلفة من الكائنات، لكل منها "طبيعتها" الخاصة بها، والتي ترتبط ببعضها البعض فقط خلال سلف مشترك (الجنس البشري)، تماماً كما هي الحال الآن، فهناك أنواع مختلفة من الحيوانات التي تطورت خلال الطفرات العشوائية والانتقاء الطبيعي().

إن قراءة عديد من التقارير الخيالية بشأن تقنيات الطب الحيوي النانوي يمكن أن تعطي انطباعاً مفاده أن ما اعتبره بوكانان وزملاؤه من المؤلفين نتيجة مجتمعية (افتراضية في الوقت الحاضر) للتطور الوراثي من الممكن أن يصبح أكثر احتمالاً خلال تقارب التكنولوجيا النانوية مع التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات والعلوم الإدراكية.في حين أن المسائل الأخلاقية المطروحة هنا ليست صعبة التصور، فقد حدد هابرماس إحدى القضايا التي يحتمل أن تكون أكثر خطورة. ويشير إلى أن مثل هذا السيناريو من شأنه أن يعرض وحدة الطبيعة البشرية للخطر بوصفها الأساس الذي يستند إليه كل الناس في الاعتراف المتبادل فيما بينهم كأفراد متساوين ومستقلين.

إن التفاوتات الاجتماعية وحتى المفاهيمية فيما يتصل بقضايا مثل الحقوق الأخلاقية بين مختلف أحفاد البشر (كما نستخدم مصطلح اليوم) سوف تكون النتيجة تلقائية تقريباً. وسيناريوهات كهذه مثالية، ولا ترتبط ارتباطا جوهريا بتقنية النانو().

 

براءات الاختراع 

كما هو الحال في جميع التكنولوجيات الجديدة تقريبا، هناك سباق للحصول على براءات اختراع رئيسة، والتي تؤثر عمليا على جميع مجالات التكنولوجيا، بما في ذلك الطب الحيوي.

الواقع أن حماية الملكية الفكرية خلال براءات الاختراع بشأن التطورات في التكنولوجيا النانوية (على وجه الخصوص) سوف تثير جدلاً أخلاقياً حيوياً ومثيراً للجدل، وخاصة في مجال التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية().

كان من الطبيعي أن يؤدي انفراد نجم تكنولوجيا النانو بالسطوع في سماء العلم والتكنولوجيا، وحرص زعماء دول العالم في الحفاظ على بريقه ولمعانه بضخهم مخصصات مالية كبيرة لإدارة وتعزيز البرامج البحثية النانوية، إلى جذب فئات مختلفة ومتناقضة من البشر إلى فلكه، من جميع الاتجاهات والميول والثقافات والتخصصات. فلقد جذب نجم تكنولوجيا النانو إليه كثيرا من المناصرين والمؤيدين من أبناء التخصص، الذين بحدسهم العلمي المتميز وسنوات خبرتهم الطويلة، يرون أن تلك التكنولوجيا تمثل الملاذ الأخير للبشرية في الخلاص من همومها ومشاكلها التي عجزت التكنولوجيات الأخرى عن إيجاد حلول عملية لها. وقد ساءت البعض من خارج التخصص رؤية هذا النجم وهو يستأثر بهذا القدر الضخم من الاهتمام الحكومي والشعبي والإعلامي في كل دول العالم. لذا، فقد صور لهم قرب أفول تخصصاتهم المهمة، وهم بهذا التصور لم يدركوا طبيعة تكنولوجيا النانو المبنية على التعاون والمشاركة البحثية. وقد تبنى فريق منهم حركة لمناهضة تطبيقات تكنولوجيا النانو ومكافحة توظيفها في المجالات المختلفة، محاولين برجمهم لها بسمات وصفات غريبة عليها وعلى فلسفتها، أن يثيروا سخطواستياء رجل الشارع، وأن يكسبوا تأييده، خاصة بعد أن نسبوا إليها بعدا غير أخلاقي، لم تكن تهدف إليه على الإطلاق. وقد تفرع عن هذا الفريق، جماعة رأت أن تجني مكاسب شخصية عن طريق اقتحامها لهذا المجال، مدعية أحقيتها وأهليتها في ذلك وبين شد وجذب، ومبدع ومتسلق، أوعالم ومبتدئ، وصانع ومستهلك، مضت سفينة النانو، ببحاريها المتخصصين، تصول وتجول في بحار ومحيطات التطبيقات المختلفة().

تجري بالفعل مناقشة ما إذا كانت الحجج التقليدية لحماية حقوق الملكية الفكرية صالحة لتطورات نانوية معينة أم لا، فمنح براءات الاختراع بشأن التطورات المهمة في مجالات البحوث الواسعة يمكن أن يجعل العلماء يعتمدون على أصحاب براءات الاختراع. ويمكن لهذه التبعية أن تعرقل عملية البحث والتطوير بدلا من إنعاشها وتدعيمها، وهو أحد الأغراض الرئيسة لنظام براءات الاختراع.

تعطي براءة الاختراع لصاحب البراءة حق مقصور له على اختراعه لمدة ما، وصاحب البراءة له الحق القانوني في إيقاف أي إنتاج يخص البراءة وأي خرق لذلك من قبل أي شخص أو مؤسسة وجب على صاحب البراءة مقاضاة من خالفها().

تتعلق هذه المشكلة بشكل خاص بالتخصصات الجديدة والناشئة مثل التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية؛ وتبين الدروس المستفادة في مجالات مثل التكنولوجيا الحيوية والمستحضرات الصيدلانية أن التطبيق المباشر غير المتغير لنظام براءات الاختراع الكلاسيكي يسهم في تعزيز أوجه عدم المساواة، وكثيرا ما يخلق فرصا أولية غير عادلة بين فرق البحوث في الشركات الكبرى والمؤسسات الصغيرة والجامعات.

تنشأ مشاكل خاصة في مجال التكنولوجيا النانوية حيث تكون للمكونات البيولوجية وظائف أساسية لتطور معين. فهل يجب أن تكون المنتجات التي تدمج الإنسان والآلة مؤهلة للحصول على براءة اختراع مثل الاختراعات الميكانيكية البحتة؟ أم أن حقيقة أنه يتعين على المرء أن يستخدم المكونات الطبيعية غير المصنوعة من التكنولوجيا، مقترنة بالاعتبارات الأخلاقية السالفة الذكر المتعلقة بالعدالة وحرية البحث، تستلزم وجود نظام خاص لحماية الملكية الفكرية في مجال التكنولوجيا النانوية؟().

في إطار هذه المسائل، يصبح إجراء مناقشة أخلاقية بشأن إمكانية الحصول على براءة اختراع للتطورات في مجال التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية أمراً أساسياً، وهو أمر يمكن مقارنته بالفعل بالنقاش الحالي بشأن إمكانية الحصول على براءة اختراع التطورات التكنولوجية الأحيائية.
وحتى إذا لم تكن هذه الشواغل محددة للتكنولوجيا النانوية، فمن المؤكد أن هناك خصائص للتقدم في مجال التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية تثير الشكوك بشأن ما إذا كان نظام براءات الاختراع التقليدي وسيلة كافية لمكافأة عمل الباحثين وحماية الملكية الفكرية().

يتوقع المراقبون أن تشعل النانو تكنولوجي سلسلة من الثورات الصناعية والاكتشافات العلمية الواعدة، التي ستغير أوجه الحياة تغييراً جذرياً خلال العقدين القادمين. ولهذا فهناك الآن سباق محموماً على مستوى العالم - وبخاصة في الدول المتقدمة – في حال أبحاث و تطبيقات النانو تكنولوجي غير المسبوقة التي تفوق الخيال العلمي في كثير من الأحيان، والتي ستفتح آفاقا جديدة واعدة أمام مستقبل البشرية. فقد بدأت تقنية النانو تكنولوجي تقتحم كافة مناحي الحياة، فمن البحث العلمي والطبي، إلى الصناعات الثقيلة والمعدات العسكرية والدروع، وتعد النانو تكنولوجي بتطورات وتطبيقات هائلة في عديد من المجالات الصناعية والزراعية والتجارية والطبية والعسكرية، وغيرها، حيث يتم حاليا تطوير تطبيقات للنانو تكنولوجي في جميع الصناعات تقريبا، بما فيها صناعة الالكترونيات وتكنولوجيا المعلومات، وتطوير المواد، والنقل والمواصلات، والطب والصحة، وغيرها. وقد بدأ المواطن العادي يشعر في الآونة الأخيرة بتطبيقاتها في السلع والمنتجات المستخدمة في الحياة اليومية().

إن التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية مدفوعة بقوة بالسوق، وهي تكنولوجيا جديدة وناشئة، وأخيراً وليس آخراً هي تكنولوجيا تمكينية، لا تجعل التقدم في الأجهزة والتكنولوجيات القائمة أمراً ممكناً فحسب، بل إنها تفتح مجالات تكنولوجية جديدة تماماً. وعلى هذا فإن منح براءات الاختراع بشأن التطورات الأساسية للتكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية قد يكون بمثابة منع الوصول إلى مجالات جديدة من البحوث الطبية الحيوية، بدلاً من فتح إمكانيات جديدة().

 

العدالة في الوصول والفرص ــ الفجوة النانوية 

من بين أهم التحديات الأخلاقية التي تنشأ عن التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية القضايا المتعلقة بإمكانية الوصول إلى التطورات في مجال التكنولوجيا النانوية ومشاكل العدالة والمساواة والمشاركة. ومن المرجح أن تكون عديد من التطورات التي تدمج التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية باهظة الثمن.  ولذلك ، فإن مجموعة صغيرة نسبيا فقط هي التي يمكنها الوصول إليها. ويكاد يكون من المؤكد أن يؤدي ذلك إلى عدم المساواة الاجتماعية التي تنطوي على مشاكل أخلاقية.أما القادرون على الاستفادة من التطورات في مجال التكنولوجيا النانوية فسيكون تحت تصرفهم أجهزة وإجراءات تشخيصية وعلاجية أفضل في حين سيظل آخرون مستبعدين من هذه التطورات().

في الواقع هناك قضايا كثيرة، وهواجس مختلفة ومتعددة، بعضها حقيقي وأكثرها مبالغ فيه . أن الخطر الحقيقي الذي يمكن أن نتأثر به كدول نامية من جراء تطبيقات تكنولوجيا النانو، هو التخلف عن ركبها، كما حدث سابقا في التكنولوجيات الأخرى التي تخلفنا عن اللحاق بها .  وأن الخطر الحقيقي الذي سوف تواجهه الشعوب الفقيرة والنامية، هو خطر اقتصادي في المقام الأول . إن التزايد المطرد في حجم المبيعات والمنتجات النانوية، لأمر مقلق نظرا لأن تلك المنتجات الاستهلاكية تجد سوقا ضخمة لها في مجتماعاتنا العربية، وهذا يعني استنزاف المال العربي وإهداره . والخوف من مجيء ذلك اليوم القريب، الذي تتحول فيه العقاقير والأدوية الفاعلة إلى منتجات نانوية، لا يستطيع شراءها إلا كل قادر، وبذلك تترسخ في العالم مفاهيم غير أخلاقية، فيصبح العلاج من الأمراض الفتاكة والمزمنة حقا للغني، أما المرضى من الفقراء فعليهم التحلي بالصبر وتعاطي العقاقير التقليدية().

من المتوقع أن يكون للتكنولوجيا النانوية القدرة على جعل التحسينات النوعية للتقنيات الطبية القائمة ممكنة، بالإضافة إلى تحويل المجالات التكنولوجية بأكملها مثل تكنولوجيا الطب الحيوي. ويمكن أن يسفر تطوير التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية عن سيناريو تتباين فيه تجارب وفرص المجموعات المختلفة وتنفصل إلى حد كبير عن بعضها البعض. ليس من الصعب أن نرى لماذا كانت الفجوة الرقمية بمثابة نموذج مفاهيمي لهذا الفصل، ولقد تم بالفعل صياغة هذه الفجوة بين الأغنياء والفقراء على النحو المناسب "الفجوة النانوية"، وهذا يطرح مشاكل أساسية للعدالة على الصعيدين الإقليمي والعالمي، والفرص العادلة، والمشاركة داخل المجتمع وبين المجتمعات المختلفة على حد سواء().

بما أن البحث والتطوير في مجال التكنولوجيا النانوية في مجال الطب يتطلب بنية تحتية تكنولوجية متطورة ومتمايزة إلى حد كبير، وذلك في المقام الأول في البلدان الصناعية، فمن المرجح أن تؤدي "الفجوة النانوية" إلى زيادة الفجوة القائمة بين المجتمعات المتقدمة تكنولوجياً وتلك الأقل تطوراً في هذا الصدد. وعلى النقيض من الفجوة الرقمية، قد لا يقتصر نطاق وعمق الفجوة النانوية بالضرورة على البيئة الخارجية؛ بل إن  التكسير الوهمي الحالي للطبيعة البشرية ، يمكن أن يشكل أيضا انقساما من هذا القبيل. غير أنه لا يوجد توافق في الآراء بشأن ما إذا كانت التكنولوجيا النانوية بوجه عام، والطب النانوي بوجه خاص، ستسهم حقاً في تكثيف أوجه التفاوت والتبعية الحالية بين المجتمعات المتطورة بشكل مختلف().

في حين يخشى عديد من المؤلفين أن يؤدي التقدم السريع في مجال التكنولوجيا النانوية إلى تأجيج الفجوة النانوية، فإن مجموعة من علماء أخلاقيات علم الأحياء في كندا يؤكدون على عكس ذلك تماما بوصفها نتيجة مجدية. ويزعمون أن البلدان النامية يمكن أن تكون المستفيد الرئيس من التكنولوجيا النانوية وأن التكنولوجيا النانوية يمكن، إذا ما حظيت بالدعم الكافي، أن تقلل الفجوة بين البلدان الصناعية والبلدان النامية. وبناءً على ذلك، يدعو هؤلاء المؤلفون إلى مناقشة القضايا الاجتماعية والأخلاقية لتكنولوجيا النانو التي لا تركز في المقام الأول على المخاطر والجوانب الإشكالية من الناحية الأخلاقية للتكنولوجيا النانوية، بل على فوائدها المحتملة().

 

التكرار الذاتي: مشكلة "grey goo"(*)

إن القضية الأخلاقية الأخيرة في مجال تكنولوجيا النانو هي واحدة من أكثر المشاكل شعبية في مجال تكنولوجيا النانو ــ ما يسمى بمشكلة "grey goo". وقد حدد كيه. إريك دريكسلر هذه المشكلة لأول مرة، الأمر الذي أدى إلى زيادة إمكانية خروج المركبات الجزيئية عن نطاق السيطرة().

نشر بحث في عدد 28 تموز/ يوليو عام 2005 في دورية "نيتشر" Nature العلمية البريطانية الشهيرة، تمكن فريق بحثي بقيادة البروفيسور "رام ساسیسکهاران Ram Sasisekharan من قسم الهندسة الحيوية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT في الولايات المتحدة، و باستخدام ثلاثة علوم محتمعة هي بيولوجيا السرطان، الصيدلة والهندسة، من وضع تصميم لغواصات نانوية متناهية الصغر عبارة عن "قنبلة ذكية" Smart Bomb مجهزة بأسلحة طبية لتدمير الخلايا السرطانية عبارة عن عبوة متناهية في الصغر، أطلق عليها اسم "خلايا نانوية" Nanocell قطرها يساوي جزءا من مليون من المليمتر، يمكن ادخالها إلى الورم السرطان وإغلاق منافذ الخروج، ومن ثم إفراغ حمولتها من المركبات الكيميائية القاتلة في داخل الورم، ومن دون ايذاء لخلايا الجسم السليمة. وقد نجح الباحثون في التجارب الأولية على سرطان الجلد والرئة لدى الفئران في المختبرات. حيث صنعوا غواصات بالونية متناهية الصغر وبحجم خلايا الجسم الطبيعية، ويتكون غلافها الخارجي من مواد كيميائية دوائية تعمل على قفل الأوعية الدموية الصغيرة التي تغذي الأورام السرطانية وتمنع نمو المزيد منها، فيختنق الورم نتيجة لفعل هذه المواد عبر منع مصادر العناصر الضرورية لحياته ونموه خلال الأوعية الدموية، وبعد ذوبان هذه المواد المكونة للقشرة الخارجية لخلايا النانو وانتهاء مهمتها تظهر الطبقة الداخلية لها، والمكونة من مواد الكيميائية للفتك بالخلايا السرطانية المحبوسة بعد قفل منافذ الأوعية الدموية. وقد تمت عملية تصنيع خلايا النانو وفق حسابات علمية دقيقة ومعقدة مبنية على تقدير خصائص المواد الكيميائية عند هذا المستوى من الكتلة والحجم، وخصائص المواد الأخرى التي تلتصق بما داخل بناء هيكل خلايا النانو الي تتحكم في عملية ذوبان مركبات الدواء نانوية متناهية الصغر Swarm of nanomachines ذاتية الاستنساخ، تتمكن من الإفلات من المختبرات وتمدد البشرية، و تحول كل شئ في طريقها إلى مادة لزجة تسمى "جوو الرمادي" Grey Goo().

تحدث "إريك دريكسلر"، في كتابه "محركات الخلق أو التكوين" عام 1986، عن هذا "الجو الرمادي"، حيث ذكر أنه عبارة عن آلة متقدمة تكنولوجياً دقيقة الحجم، تستطيع استنساخ نفسها كما تفعل الكائنات الحية الدقيقة، كما تصور أن هذه الآلات الدقيقة ستتحول إلى جحافل من التجمعات الآلية الصغيرة تقتلع أي شئ في طريقها وتبيد كل أشكال الحياة على وجه الأرض().

إذا خرج التكرار الذاتي للنانوروبوتات عن نطاق السيطرة، فإن دريكسلر يحذر من أن كل شيء في بيئتهم -والذي سوف يزداد نطاقه مع عدد النانوروبوتات الذاتية التكرارـ سوف يكون مورداً محتملاً لإنتاج النانوروبوتات الجديدة.  وعلى هذا فإن المحيط الحيوي سوف يتحول (من الناحية النظرية) إلى غبار من "الجراي جو" في غضون أيام.

إن مشكلة "gray goo" ليست مخصصة بأي حال من الأحوال للتكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية، والمشاكل المعرضة للخطر واضحة إلى حد ما، وذلك لأن "goo" الذي لا يمكن السيطرة عليه والمستهلك للبيئة من الواضح أنه غير مرغوب فيه لأسباب تتعلق بالمصلحة الذاتية. وعلى الرغم من هذه الادعاءات، هناك عديد من الشكوك العملية بشأن حتى الإمكانية النظرية لتجميع الجزيئات وحقيقة التهديد للـ "gray goo"().

معظم العلماء الذين على دراية بتقنية النانو ينكرون الإمكانية المادية للنانوروبوتس وحتى K. إريك دريكسلر اتفق مع فريق عمل الجمعية الملكية والأكاديمية الملكية للهندسة على أن "هذه [the grey goo problem] ليست ما ينبغي أن نقلق بشأنه". ومع ذلك، تستحق هذه المسألة أن نذكرها هنا بسبب أسبقيتها في المناقشة العامة بشأن التكنولوجيا النانوية().

 

التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية: تحدي جديد للانعكاس الأخلاقي ؟

كيف ينبغي أن نتناول تقييم المسائل الأخلاقية السالفة الذكر المتعلقة بالتكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية؟ هل نحتاج إلى تحقيق أخلاقي منفصل لهذه التكنولوجيا الناشئة، بما في ذلك التطورات الناجمة عن التقارب بين التكنولوجيات المختلفة مثل التكنولوجيا النانوية، التكنولوجيا الحيوية، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والعلوم الإدراكية؟

من الواضح أن التكنولوجيا النانوية تثير بالتأكيد أسئلة أخلاقية مهمة، تتطلب إجاباتها تأملاً أخلاقياً شاملاً متعدد التخصصات. وهناك قضايا تتحدى المعتقدات الأخلاقية الراسخة، والقيم والمفاهيم المعرضة للخطر تتجاوز مجرد اتخاذ القرارات الطبية. ومن ثم فإن التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية وتكنولوجيات NBIC "التكنولوجيا النانوية، التكنولوجيا الحيوية، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والعلوم الإدراكية" هي بالتأكيد أشياء صالحة للتحقيق والتقييم الأخلاقيين().

لكن هل هي فريدة من نوعها؟ هل هناك شيء محدد يضطرنا أن ندعو إلى فرع جديد ومحدد للأخلاقيات التطبيقية وإلى صياغة عبارات مثل "أخلاقيات النانو"؟ وهذا يعني ضمنا على الأقل الادعاء بأن هناك حاجة إلى نوع جديد من الأخلاقيات، يختلف عما تم استخدامه للتحقيق في الجوانب الأخلاقية في مجالات مثل التكنولوجيا الحيوية، والطب التناسلي، وعلم الأحياء الدوائية. وجميع المسائل الأخلاقية تقريبا التي تناولها الفرع أعلاه هي مواضيع كانت ذات صلة بالأخلاقيات الطبية الحيوية قبل وقت طويل من تطوير التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية. وهذا يشير إلى أنه عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا النانوية "لا يوجد شيء جديد تحت شمس التأمل الأخلاقي".

إن مثل هذا الاستنتاج يعني ضمناً أن التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية والتقارب بين تكنولوجيات NBIC " التكنولوجيا النانوية، والتكنولوجيا الحيوية، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والعلوم الإدراكية"  ليس إلا عنصراً من عناصر الطب الحيوي، وأنه لا يوجد أي شيء محدد بشأنها يتطلب طريقة مستقلة للتحقيق الأخلاقي مليئة بالمبادئ والمعايير الأخلاقية الجديدة().

هناك بعض الأدلة لدعم هذه الأطروحة، ولكن بعض الملاحظات أو الشروط  ضرورية. وتتعلق هذه الشروط ببعض السمات المميزة التي تميز التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية على المستويين العلمي والتكنولوجي.

تحقق تكنولوجيا النانو تقدماً كبيراً بل وحتى استخدامات جديدة للمنتجات والإجراءات المعروفة، بما في ذلك دمج مختلف التكنولوجيات التي كانت تطبيقاتها الطبية الحيوية متميزة من قبل عن بعضها البعض.كما أنها تعد تكنولوجيا تحويلية، قادرة على تغيير مجالات التكنولوجيا والمجتمع بأكمله على حد سواء. وهاتين السمتين بارزتان بالنسبة لمتطلبات إجراء تحقيق أخلاقي شامل للتكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية. ويمكن للتكنولوجيا النانوية أن تفرض بعض القضايا التي لا توجد حالياً إلا في عالم الخيال أو الفرضية على جدول أعمال أخلاقيات الطب الحيوي بوصفها مشاكل حقيقية. كما يمكن للتكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية أن تيسر تقارب مختلف المسائل الأخلاقية في نقاش واحد().

في ظل هذه الخلفية من المعقول ،بل وربما من الضروري، أن يتجاوز التحقيق الأخلاقي للتكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية الإطار المنهجي والمفاهيمي لأخلاقيات الطب الحيوي. وهذا صحيح بشكل خاص إذا كان مفهوم أخلاقيات الطب الحيوي يركز بقوة على منظور موجه نحو الفرد وعلى مسائل مثل الوضع الأخلاقي لكائنات معينة، وسلامة المريض وتقرير مصيره، وعلاقة المريض بالطبيب. وهذه كلها صحيحة وضرورية، ولكن من الواضح أن إجراء دراسة شاملة للجوانب الأخلاقية للتكنولوجيا النانوية لا يتطلب دمج وجهات نظر مختلفة مثل الأخلاقيات الاجتماعية (بما في ذلك مسائل العدالة في الفرص و "الإكراه الصريح والخفيف" فيما يتعلق بالخيارات الطبية الحيوية) فقط ولكن أيضا قضايا ليست أخلاقية صراحة للوهلة الأولى، مثل علم الإنسان الفلسفي واللاهوتي. كما أن دمج الهياكل البيولوجية والتكنولوجية بواسطة التكنولوجيا النانوية قد يجعل تضمين المفاهيم، والتمييزات، والمعايير التي وضعت في مجال الأخلاقيات البيئية أمراً ملائماً().

بالإضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أن إحدى أهم المسائل في مناقشة التكنولوجيات البعيدة المدى والعابرة للتكوين، مثل التكنولوجيا النانوية وتكنولوجيات NBIC ، تتعلق بطابع الأسئلة التي نطرحها. هل نناقش المسائل الأخلاقية بمفهوم "معياري قوي"، مشيرا إلى الحقوق والواجبات الأخلاقية، أم ينبغي أن نرد على الأسئلة المتعلقة بأفكارنا ورؤيتنا لإنسان صالح؟ وربما تحتاج كل من هاتين الفئتين من الأسئلة إلى التفكير؛ بل إنها ترتبط ارتباطا وثيقا ببعضها البعض ولكن يجب تحديدها من أجل تقديم إجابات موثوقة ودقيقة.

إن التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية والتقارب بين وتكنولوجيات NBIC "التكنولوجيا النانوية، والتكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والعلوم الإدراكية"  يبشران بفتح آفاق جديدة للطب وللممارسات التي تبدو طبية، ولكنها قد تختلف عنها في رؤاها التوجيهية().

حتى إذا كان المرء يشارك "لوري زولوث" في الرأي القائل بأن الظروف الإنسانية ليست معروفة بالمعاناة ولكن بالأحرى معروفة بالتعافي، فإن السؤال عما إذا كانت هناك رؤى طبية حيوية معينة ينبغي أن تعد مثالية بالمعنى المرغوب فيه، أو ليست مثالية نوعا ما، لا يزال يحتاج الإجابة عنه. وتوجه هذه الرؤى تطوير التكنولوجيات التي كانت حتى هذه المرحلة تهدف في الغالب إلى شفاء أو استعادة الوظائف الجسدية أو القدرات الحسية المفقودة.

يبدو أن ظهور التكنولوجيا النانوية، بل وحتى المزيد من التقارب بين تقنيات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، والعلم المعرفي NBIC""، من شأنه أن يجعل التطورات في متناول اليد من الممكنوالتي بدورها تجعل التحسينات الكبيرة والتغيرات في الأداء البشري أمراً ممكناً، على الأقل وفقاً لمزاعم ممثلي مبادرات هذه البلدان. ومن المهم أن نرى أن هذه التطورات لا ترتبط بالصدفة بتكنولوجيات معينة().

الطبي الحيوي مكون معياري قوي، لا سيما في المجتمع القائم على السوق ورأس المال. وتقدم الرؤى الطبية الحيوية الفردية دوافع واتجاهات معينة لمشاريع بحثية محددة وجهود إنمائية في مجال التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية. ومن الممكن أن تؤدي التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية، ولا سيما التقارب بين تقنيات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، والعلم المعرفي NBIC"" إلى تطورات تتعدي الحدود، مثل الانتقال من العلاج إلى التطور غير العلاجي والحدود الفاصلة بين الطب والأنثروبولوجيا().

يدعي لوري زولوث أن الطب ليس عن العالم كما نجده، ولكن حول العالم، كما نتصور أنه يمكن أن يكون. ولا جدال في أن هناك بعض الحكمة في هذا الرأي. ولكن علينا أن نلقي نظرة فاحصة ودراسة طبيعة الطبيعة التي ترتبط بالطب في رأي زولوث. ويجب علينا قبل كل شيء أن نحقق ونقيم مدى صوابه وشرعيته. في هذا السياق ، يجب ألا يقتصر التحقيق الأخلاقي للتكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية والتقارب بين تقنيات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، والعلم المعرفي NBIC"" على تعزيز قبول الجمهور ومنع انحراف الطب النانوي عن مساره، وهو توقع يمكن تحديده في بعض المواد والتقارير التي تشير إلى ضرورة التفكير في الجوانب الأخلاقية والقانونية والاجتماعية للتكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية.

لابد من إجراء تقييم أخلاقي شامل لأية تكنولوجيا مع الأخذ في الاعتبار جميع المنظورات المعنية بالتكنولوجيا المعنية هنا، وينبغي التحقيق في جميع المسائل المهمة المطروحة بحثا دقيقا ونقديا.ينطبق ذلك بالقدر نفسه على الجوانب ذات الرؤية القوية، قد يكون من المرجح تماماً ألا يكون من الممكن أبداً إنتاج روبوتات أو أجهزة نانوية ذاتية التكرار تمكننا من التواصل المباشر مع أجهزة الكمبيوتر، ولكن أيضا قد يكون من غير المسؤول أن نولي أي اهتمام على الإطلاق لمثل هذه "الإمكانيات"، كما يشير نيكولا أغار بوضوح في سياق الهندسة الوراثية().

كثيراً ما يخلط العلم بين أفضل التنبؤات، ولا ينبغي لنا أن نخاطر بأن نجد أنفسنا غير مستعدين لما يعادل هيروشيما. ومن الأفضل أن تكون هناك مبادئ تغطي الحالات المستحيلة بدلا من عدم وجود مبادئ للحالات التي تقع علينا فجأة. هناك حجة ثانية تدعو إلى تضمين البحث الأخلاقي في الجوانب المثالية والخيالية فقط من التكنولوجيا النانوية الطبية الحيوية: فهي تشكل جزءاً أساسياً من عملية البحث والتطوير في مجال التكنولوجيا النانوية ذاتها. حتى إذا كانت هناك أدلة مقنعة على أنها ليست، ولن تكون أبدا ، "إمكانيات حقيقية"، فإنها لا تزال ذات تأثير نشط بوصفها "إمكانيات".

تؤثر رؤى الروبوتات النانوية في مجرى الدم، والآلات الجزيئية الذاتية التكرار أو تحسين الأداء البشري وشبكات الدماغ والآلة القائمة على التقارب بين تقنيات تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، والعلم المعرفي NBIC"" ، تأثيراً عميقاً على إدراك الجمهور للتكنولوجيا النانوية، فضلاً عن سياسات التمويل المادي().

 

تعقيب

يعد علم النانو فرع من فروع العلم الحديث الذى يجمع بطبيعته دراسة الخواص المواد وخصائها الكيميائية،والفيريائية،والميكانيكية،وبين طرق الاستفادة منها. يجعلنا ندرك أننا بحاحة ماسة لرؤية فلسفية تعى التعامل المنظم مع العلوم التكنولوجية الحديثة.

الثورة العلمية التى احداثها النانو تكنولوجيا فى العديد المجالات أو بالتحديد فى المجال الطبى تؤكد على أن النظرية القديمة التى تجعل كل علم دائرة مغلقة على ذاته لم يصبح لها مكانًا، فاليوم أصبح التكامل بين العلوم ونظرياته هو المعيار الأول لأنتاج أبحاث علمية جيدة تتناسب مع التطور اليومى الذى يعيشه الإنسان.

يثبت النانو تكنولوجيا أن العقل البشرى أمامه العديد من العلوم والنظريات التى تحتاج إلى إعادة النظر فيها .فمع كل مرحلة علمية متطورة يدرك الإنسان أن معارفه محدودة ولم يزال أمامه العديد من الأنجازات التى لم يصل فيه إلى نهاية المقام أو لكلمة الاخيرة.

رغم أن النانو تكنولوجى مثله مثل أى أنجاز عملى يحتوى على الجانب السلبى والأيجابى،إلا أنه لم يزال أمامنا متسع من الوقت لمزيد من التجارب حتى يمكننا القول أن الجانب السلبى هوالأكثر طغيان فى طبيعته؛ لأن القول بهذا يجعلنا نتقف عن المسيرة التقديمية التى فتح لنا النانو تكنولوجيا.

حياة الأنسان بكل معانيها هى القيمة الأعلى فى العالم الكونى ؛لأن كل الانجازات التى أشرنا إليها فى البحث كانت من أجلها ومن أجل المحافظة عليها ولدعم وجودها .

علينا أعادة النظر فى النظريات الأخلاقية القديمة التى تؤمن بوجود الصراع بين التقدم التكنولوجى وبين المبادئ الأخلاقية ؛لأن هذا غير صحيح فتطور العلوم التكنولوجية يحتاج فى المقابل إلى تطور فى النظريات الاخلاقية مما يحقق الاندماج والتوافق بين الإنسان وثورته العلمية وبين مبادئه الاخلاقية ،فالهدف واحد هو حياة أنسانية أفضل للجميع .

المبادئ الاخلاقية الأربعة للأخلاق البيولوجية التى بدأنا منها معالجة الأطار الأخلاقى،لم تعد مناسبة للثورة العلمية التى تحدث مع كل تقدم عملى مثل النانو تكنولوجيا ولهذا نحتاج إلى مبادئ اخلاقية جديدة تتاسب مع روح العصر المتطور ومع التطلعات البشرية التى تعلو من قيمة المجتمع البشرى .فكما أن لكل عصر انجازاته يحتاج أيضًا إلى ميثاق اخلاقى متجدد يتكامل مع التقدم العلمى كتلك التى أشرنا إليها فى البحث  .

 

المراجع:

( ) ميتشيو كاكو: فيزياء المستحيل، ترجمة طارق راشد عليان، الرياض، 2010، ص336.

( ) مايكل بيهى: حافة التطور، ترجمة زيد الهبري، محمد القاضى، مركز براهين للأبحاث والدراسات، 2019، ص307.

( ) المرجع نفسه، ص17-18.

( ) محمد شريف الإسكندرانى: تكنولوجيا النانو، عالم المعرفة (374)، الكويت، 2010، ص7.

( ) منير نايفة: مقدمته لكتاب صفات سلامة، النانو تكنولوجى، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2009، ص9.

( ) أحمد عوف محمد عبد الرحمن: طب النانو، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 2013،ص13.

( ) المرجع نفسه، ص25.

( ) المرجع نفسه، ص25.

( ) أحمد عوف محمد عبد الرحمن: ص136.

( )Freitas RA Jr."What is Nanomedicine?". Nanomedicine: Nanotech. Biol. Med. 1. (1) 2-9 doi:10.1016/j.nano.2004.11.003. PMID 17292052

( )أحمد عوف: ص33.

( )محمد شريف الاسكندرانى: ص90.

( )أحمد عوف: ص33.

( ) المرجع نفسه، ص43.

( )Christoph Baumgartner, Bionanotechnology: A New Challenge for Ethical Reflection?P.67.

( ) محمد شريف الاسكندرانى: ص284.

( )منير نايفة : ص 185.

( )أحمد عوف: ص45.

( ) ميتشيو كاكو: ص358.

( )أحمد عوف: ص50.

( ) ميتشيو كاكو: ص359.

( ) أحمد عوف: ص50-51.

( )California Molecular Electronics Corporation (CALMEC). Available at: http://www.calmec.com”. Accessed Sep 26, 2000. 

( )Dynan W. ETALL: Understanding & Reengineering Nucleoprotein Machines To Care human Disease. J. Nanomedecine. Feb. vol 2008: 3-no:1.

نقلاً عن أحمد عوف: ص53.

( ) Target Article, Fritz Allhoff, The Coming Era of Nanomedicine.

( ) Christoph Bangs, P. 68.

( ) Target Article, Fritz Allhoff.

( ) Ibid.

( )Ibid.

( ) أحمد عوف: ص44.

( )المرجع السابق: ص44-52.

( )Target Article.

( )Ibid, P.

( )Ibid, P.

( )Ibid, P.

( ) هينا هابرى وماتى هايري: الفلسفة التطبيقية فى القرن الواحد والعشرين، ضمن كتاب مستقبل الفلسفة فى القرن الواحد والعشرين، تحرير عالم المعرفة (301)، الكويت، 2004.

( )Principles of Biomedical Ethics by Tom L. Beauchamp, James F. Childress (z-lib.org) P.1 of principle, P.77.

( )Ibid, P.1 of principle, P. 116.

( )Ibid, P.3 of principle, P. 118.

( )Ibid, P.1 of principle, P. 160.

( )Ibid, P.2 of principle, P. 161.

( )Ibid, P.1 of principle, P. 196.

( )Ibid, P.2 of principle, P. 197.

( )Target Article.

( ) أحمد عوف: ص52.

( )Target Article.

( ) صفات سلامة، ص13.

( )Target Article.

( )Ibid, P.

( )Tom L. Beauchamp, James F. Childress, P. 20.

( )Wigodsky, H. Human as Research subject, in Birth to Death, ed Iomaswa, D.C.Cambridge in Press, 1996, P. 265.

( )Target Article, Ebbesen et al.

( )Ibid.

( )Ibid.

( )Ibid.

( )Fabrice Jotterand Emerging Conceptual, Ethical and Policy Issues in Bionanotechnology,  P.6.

( )Ibid.P. 7.

( )Ibid. P.7.

( ) محمد شريف الاسكندرانى، ص191.

( ) Target Article.

( ) صفات سلامة، ص142.

( ) المرجع نفسه، ص143.

إن الكائنات المحورة وراثيا (GMO) هي كائنات حية تم التلاعب بمادتها الوراثية بشكل اصطناعي في مختبر من خلال الهندسة الوراثية وهذا يخلق مجموعة من جينات النباتات والحيوانات والبكتيريا والفيروسات التي لاتحدث في الطبيعة أومن خلال طرق التكاثر التقليدية. ويتم استخدام التكنولوجيات الجديدة الآن لتطوير صفات أخرى بشكل اصطناعي في النباتات، وخلق كائنات جديدة باستخدام علم الأحياء الاصطناعي.

وعلى الرغم من وعود صناعة التكنولوجيا الحيوية، لايوجد دليل على أن أياً من GMO الموجودة حاليا في السوق تقدم مزيداً من الإنتاج، أو تحمل الجفاف، أوالتغذية المعززة، أوأي فائدة أخرى للمستهلكين.

See: Article, (Julia M. Diaz, genetically modified organism.)

https://www.briannica.com/cuntributure/Julia.M-Diaz/6478

( )Fabrice, P. 9.

( )Ibid, P. 9.

( )Ibid, P. 9.

( )Ibid, P. 10.

( )Ibid, P.10.

( )Anderson wouke, The World View of Nanotechnology Philosophical Reflections. In Fabrice Jotterand (Ed.). Emerging Conceptual, Ethical and Policy Issues in Bionanotechnology P. 13.

( ) محمد شريف الاسكندرانى، ص274.

( )Anderson wouke, P. 14.

( )Ibid, P. 14.

( ) ميتشيو كاكو، ص345

( )Anderson wouke, P.14.

( )ميتشيو كاكو: ص335.

( )Anderson wouke, P. 15.

( )ميتشيو كاكو: ص335، 346.

( )Anderson wouke, P. 16.

( )Ibid. P. 20.

( )Ibid. P. 21.

( )Ibid. P. 21.

( )Ibid.P. 21.

( )Ibid. P. 22.

( )Ibid. P. 22. 

( )Christople Baumgartrer, Bionanotechnology: A New Challenge for Ethical Reflection? In Fabrice Jotterand (Ed.). Emerging Conceptual, Ethical and Policy Issues in Bionanotechnology, P. 67.

( )Ibid. P. 68.

( )Ibid. P. 70.

( )Ibid. P. 71.

( )Christople Baumgartner, P. 71.

( ) Ibid. P. 71.

( ) Ibid. P. 71.

( )Ocampo, Perla D. Stantos: human experimentation and medical ethics, council for international organization of medical sciences, Geneva, 1982, P. 90.

( ) Christoph Baumgartner. P. 72.

( )Mason J.K, and Smith, RAMC call: law and medical ethics, Butter Worthy, London, Dublin, Edinburgh, 1994, P.6. 

( ) Christple Baumgartner. P.72.

( ) Ibid. P.72.

( ) Ibid. P. 72.

في الآونة الأخيرة كانت وجهات النظر متفائلة بشأن التقارب بين التكنولوجيا النانوية، والتكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا المعلومات، العلوم الإدراكية، الطريقة التي يمكن وينبغي بها استخدام ما يسمى هذا التقارب NBIC لتعزيز الأداء البشري.

ويقال إن مشروع "تقارب التكنولوجيات من أجل تحسين الأداء البشري" يمثل شيئا جديدا حقا وفريدا تماما.

See: Article, Ret, Gordija, Converting NBIC Technologies for Improving Human Pecformance. A Critical Assesment of the Novelty and the Prospecta of the project.

Httpe://www.researchgnte/publication:660741_Converting_NBIC_Technologies_for_Improving_Human_Performance_A_Critical_ Assesment _of_ the_ Novelty _and_ the_ Prospecta_ of_ the_ project.

( ) Ibid. P.73.

( ) Ibid. P. 73.

( ) Ibid. P. 74.

( ) أحمد عوف، ص45.

( )Chrastoph Baumgartner, P. 74.

( ) Ibid. P. 74. 

( ) Ibid. P. 75.

( ) Ibid. P. 75.

( ) Ibid. P. 75.

( ) Ibid. P.75.

( ) Ibid. P.75.

( )محمد شريف الاسكندرانى، ص274.

( )Hart, Tin and Fazzani, Lind, Intellectual Property law, Editor Cremona Marise, First Edition Macmillan, Great Britain, 1997, P.7.

( ) Ibid. P. 7.

( ) Ibid. P. 7.

( )صفات سلامة: ص73.

( ) Christoph Baumgartner.P. 77.

( ) Ibid. P.77.

( )محمد شريف الاسكندرانى، ص296.

( )Christoph Baumgartner.P. 77.

( ) Ibid. P. 77.

( ) Ibid. P. 77.

عبارة عن سيناريو كارثي عالمي افتراضي ينطوي على تكنولوجيا النانو الجزيئية حيث تستهلك الآلات الخارجة عن السيطرة ذاتية التكرار كلالكتلة الحيوية على الأرض في حين تبني المزيد من نفسها، وهو السيناريو الذي أطلق عليه اسم ecophagy والفكرة الأصلية التي اُفترضت هي أن الآلات صممت لتكون لديها هذه القدرة، في حين افترضت البعض أن الآلات قد تكتسب هذه القدرة عن طريق الصدفة. الآلات ذاتية التكرار من مجموعة macroscopic وصفت في الأصل من قبل عالم الرياضيات جون فوننيومان، ويشارإليها أحيانا باسم آلاتفوننيومان.

وقد صيغ مصطلح grey goo من قبل رائد تكنولوجيا النانو إريك دريكسلر في كتابه 1986 محركات الخلق.

See: Article, (Grey Goo is a Small Issue, Center For Responsible Nanotechnology, DESEMBER, 2009)

http://cmanu.org/BD-Goo.htm.

( ) Ibid. P.77. 

( ) صفات سلامة، ص147.

( ) المرجع نفسه، ص148.

( )المرجع نفسه، ص148.

( )Christoph Baumgartner. P. 78.

( ) Ibid. P. 78.

( ) Ibid. P. 78.

( ) Ibid. P. 78.

( ) Ibid. P. 79.

( ) Ibid. P. 79.

( ) Ibid. P. 79.

( ) Ibid. P. 80.

( ) Ibid. P. 80.

( ) Ibid. P. 81.

أخبار ذات صلة