فرز الاقتصاد المختلط: صعود وانهيار دول الرفاهية والتنمية في الأمريكيتين 

فرز الاقتصاد المختلط.jpg

إيمي سي أوفنر

عبدالرحمن بن علي الغافري

هناك قصص غير مروية من ضمنها قصص كيفية إنتاج البرامج الترفيهية والتنمية في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وكيفية تدميرها. بعد الحرب العالمية الثانية انتشر طوفان من المستشارين الأمريكيين (أمريكا اللاتينية)، كل بحلمه يسعى في بناء اقتصاد جديد، ينتشل العالم الثالث من الفقر. ذهب الجميع - رجال الأعمال والمهندسون والاقتصاديون والعمال - إلى الجنوب حاملين الإنجيل للحديث كل بحديثه وصوته. لكن هنالك في أمريكا اللاتينية سرعان ما انصدموا بحقائق واحتمالات غير متوقعة، ضمن الصفقة نفسها التي ذهبوا إليها من أجل الأحلام التي بنيت. في كولومبيا انتهى الأمر بمستشارين من أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة، إلى تطبيق الدولة اللامركزية، وخصخصة الوظائف العامة، وإطلاق برامج رعاية اجتماعية.

في الستينيات قاموا بإعادة بناء المشاريع بالبلاد، منها مشاريع الإسكان، والوديان، والأنهار والتعليم من خلال الجامعات. بالإضافة إلى أنهم خلقوا دروسا جديدة للولايات المتحدة نفسها. في يوم إطلاق إدارة جونسون الحرب على الفقر، وعدت عدة حركات اجتماعية أمريكية، وجمعية الأعمال، والوكالات الحكومية بإعادة الدروس الوطنية إلى الوطن، وفعلوا ذلك من خلال سياسة استخدام التقشف، والتعاقد الربحي من داخل دولة الرفاهية الخاصة بهم. بعد عقد، لم تكن هناك أي حركات يمينية صاعدة تسعى إلى خراب، أو تفكيك الدولة في منتصف القرن، بحاجة لأي فكرة جديدة، لقد تم إعادة نشر السياسة الموجودة ذاك الوقت تحديداً كما هي والبعد عن العنف.

 

هنا في هذا الكتاب، تصدت للأمر إيمي أوفنر وذهبت مع القراء إلى كولومبيا وإعادتهم؛ لتظهر التشابك المجتمعي الأمريكي، والوعود المتناقضة التي انتظروها آنذاك في منتصف القرن لبناء الدولة. هناك قصة جديدة غير مروية، مفادها هو كيفية تقديمها من صفقة جديدة، برمجت إلى المجتمع العظيم من خلال أمريكا اللاتينية، منها فرز" الاقتصاد المختلط" سردا جديدا مفاجئا لأصول النيوليبراية.

في الجزء الأول من الكتاب، تتحدث الكاتبة عن كيفية بناء دولة لا مركزية شكلت واقعا متميزا دائما في شكل حكم الأمريكيتين في زمن الكساد الكبير. تمت إعادة هيكلتها، وشكلها ونشرها من بعد الكساد كجزئين أساسيين أولا: وصفة تنموية في توسيع مسؤولية الدول الضعيفة، ولاحقا كأداة لتفكيك وزحزحة وظائف الدولة الراسخة. خلال حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، عمل الاقتصادي الكولومبي إدواردو ويزيز في منصب مدير نصف الكرة الغربية، لصندوق النقد الدولي، وهو الذي دفع من خلال برنامج التكيف الهيكلي في جميع أنحاء المنطقة. وبحلول التسعينيات، أصبح مستشارا للبنك الدولي، ولديه سلطة دولية تعنى باللامركزية في الدولة. وعملت آنذاك الشركات وأعادت قوتها في اللامركزية، مثل ترتيب الاقتصاد السياسي للمنطقة، والمصطلحات نفسها التي تمت مناقشتها في الاقتصاد السياسي. 

بعدها تصف الكاتبة الشركات مثل " Cauca Valley Corporations (CVC)" التي أدت وعملت وظائف متميزة للدولة التنموية، مما أعطى الحكومة الوطنية نفوذا وسلطة غير مسبوقة لها. بسبب أن الشركات المستقلة كانت هي السلطة العامة، التي أدارت قانون الاصلاح الزراعي الكولومبي في عام 1961، لواحد من أغنى المناطق الزراعية اللاتينية، لم يكن هناك أي سياسة ترمز بقوة إلى الوعود بأي تنمية في منتصف القرن، ولم يعتمد أي منها بشكل أكثر منهجية على الوسطاء المحليين الذين دعمت مهاراتهم وعلاقاتهم كل المفاوضات الملكية.

لقد ترجمت المحكمة الجنائية المركزية خطابات القانون إلى حقائق على الأرض، وفسرتها وحددت مصيرها في وادي كاوكا لهدف الإصلاح الزراعي في كولومبيا الذي صيغ في أعقاب الثورة الكوبية، التي أظهرت بعدها للأمريكيين اللاتينين أن التنمية الرأسمالية يمكنها تحقيق إعادة توزيع الاقتصاد والعدالة المجتمعية.

ثم ناقشت الكاتبة المنازل الخاصة في أمريكا اللاتينية، وكان أكبر مشروع سكني تم بناؤه في أمريكا اللاتينية في إطار التحالف، من أجل التقدم، هو عبارة عن مشروع امتلاك المنازل الخاصة للأشخاص. نشأ سيوداد كينيدي، أو" مدينة كينيدي"، في ضواحي بوغوتا خلال أوائل الستينيات، وهو مجمع مترامي الأطراف من المنازل، والشقق الخاصة المصممة لإيواء 84000 شخص. وتم وعودهم بملكية الممتلكات الخاصة، أثار إعجاب جميع المشاركين في المشروع. بعدما يقرب من أربعة عقود، شرح أحد السكان الأصليين في Superblock 7 كيفية أصول الحي الذي يعيش فيه من خلال البحث عن إعلان في إحدى الصحف من عام 1962. أصبح سيوداد كينيدي نموذجا دوليا لـ "الإسكان بمساعدة الذات"، وهي سياسة مميزة للنزعة التنموية في منتصف القرن. تم نشر البرنامج في الاقتصاد المختلط في جميع أنحاء العالم، حيث كلف الحكومات بعدة مهام، مثل تمليك الأراضي، وتمديد قروض الرهن العقاري، وتوريد المواد، والإشراف على البناء، وهنا بنى المستفيدون المساكن وأصبحوا مالكي العقارات.   

 

 في الفصل الثاني ركزت الكاتبة على جون هانتر، وهو مواطن إلينوي يبلغ من العمر 39 عاما، ولقد تحدث كمدير أول لمركز البحوث الاقتصادية في كولومبيا وخاطب قراء إحدى المجلات الرائدة في كولومبيا للأبحاث الاقتصادية،" Revista del Banco de la República". كما تحدث عن الاقتصاد في أمريكا اللاتينية. بعد عام 1945، خصصت الجامعة الكولومبية برامج اقتصادية جديدة لم تكن أبدا موجودة. قبل ذلك كان هناك محامون ومهندسون ورجال أعمال وسياسيون ، لمعوا في صنع السياسة الاقتصادية الوطنية، وقاموا هم بدورات في تدريس الاقتصاد السياسي في كولومبيا. لكن أزمة الثلاثينيات أوجدت اعتبارا جديدا للخبرة الاقتصادية، كشكل متخصص من المعرفة، وشرع الكولومبيون في إنشاء نوع جديد من الاقتصاديين لتوجيه الدولة. كان اختراع الاقتصاد كنظام مستقل، في عملية من القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة ومعظم أوروبا، ظاهرة القرن العشرين في أمريكا اللاتينية، ولدت من رؤى جديدة للتنمية الوطنية، وتصدرها رجال مشهورون في مجال الأعمال والحكومة.

بعدها تطرقت الكاتبة لشخصية رينالدو سكاربيتا، الذي جادل أن المدراء هم رجال جلبوا لمعالجة المشاكل البعيدة، وواسعة النطاق لمجتمعات ما بعد الحروب. عرفت المعرفة الإدارية للعالم أنها مخلوقة من الشركة الحديثة، تم تشكيلها وفقا لمتطلباتها، لكنها الآن أصبحت بمثابة تقنية عالمية، وتطبيقاتها لا حدود لها. حكومة سكاربيتا أعلنت هنا عن أشخاص كانوا "يديرون الشؤون العامة" من ضمنها التاريخ الطويل لرجال الأعمال، والاقتصاديين الذين قارنوا شركة الرأسمالية بالدولة والإدارة الحكومية. كانت ادعاءاتها شبيهة بتلك التي أطلقها الاقتصاديون في أمريكا اللاتينية لأنفسهم، وجعلوا المنافسة المهنية التي يواجهها الاقتصاديون من المديرين، الذين قاموا بالتدريس والدراسة في نفس البرامج الجامعية. أدت محاولة ما بعد الحرب لتشكيل مهنة اقتصادية جديدة، وهي جيل يزداد وعيا ذاتيا من رجال الأعمال، الذين رفضوا رواية الاقتصاديين عنهم، باعتبارهم أسيادا مهتمين بأنفسهم بشكل ضيق في أرضية المحل والمكاتب المنزوية.

هنا تسرد الكاتبة رجوع ديفيد ليلينثال للجمهور الأمريكي، حينما واجه رجال الأعمال وصاغوا لتنفيذ السياسة المحلية لأزمة شرعية خطيرة، وألقى ليلينثال نصيبه مع المديرين التنفيذيين للشركات، الذين يسعون بشدة للحصول على مكان في المجتمع العظيم. إن المديرين التنفيذين للشركات التي ربحت عقودا مبكرة بعد الحرب، وحصلت على أرباح من التنمية في الدولة، والجيش، والسياسة الهندية التي جلبت منظرا جديدا لمطالبات المتمردين بما تسمى بالعدالة المجتمعية، وإجراءات الدولة وسيطرتها داخليا. كان ليلينثال ينتمي إلى مجموعة من بناة المؤسسات المجتمعية، والمعلمين، والإستراتيجيين السياسيين الذين نقلوا هذا الدرس من العالم المزعوم "المتخلف" إلى جمعيات الأعمال المحلية، والمجالس الاستشارية الحكومية، وبرامج العمل المجتمعي في الستينيات. فيما يتعلق بهؤلاء الرجال، تم حل الأسئلة الكبرى التي تطرح حول دور القطاع الخاص في الحياة العامة، بحلول الوقت الذي بدأت فيه الحرب على الفقر، وبدا أن المجتمع العظيم فرصة لتعزيز مكاسبهم عبر المجالات المحلية والدولية.

بعدها تحدثت الكاتبة عن دون تيرنر الذي تصور جهازا منزليا جديدا، وأوضح أنه عبر العالمين الأول والثالث، "يبدو أن مفهوم استقلالية الساكن يقدم أحد الآمال القليلة لتحسين الإسكان على نطاق واسع". وتتحدث أيضا عن حرب القضاء على الفقر، وموت تيريز وأن أكثر من 26000 ألف أسرة أمريكية بنت منازلها باستخدام قرض "FmHA " تحت قسم 502. ظلت المساعدة الذاتية برنامجا صغيرا، لكنها نمت منذ الستينيات، حيث بلغت في عام 1996، 1514 قرضا جديدا بلغ مجموعها أكثر من 100 مليون دولار. في عام 1995، صنفت إدارة كلينتون شركات المساعدة الذاتية على أنها "شريك في الحلم الأمريكي" كجزء من إستراتيجيتها الوطنية لملكية المنازل. سياسة ولدت جنبا إلى جنب مع الإسكان العام في أيام التوسعه لدولة الرفاهية، والتي ازدهرت الآن تحت راية سياسة الطريق الثالث. يصف هذا الفصل إدواردو ويزنر كخبير اقتصادي في صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. خلال تلك السنوات، اكتسب سمعة سيئة للتفاوض بشأن برامج التكيف الهيكلي عبر أمريكا اللاتينية، كما دافع عن أشكال جديدة من اللامركزية أدت إلى تفكيك الدول التنموية. لم يكن ويسنر دخيلا منشقا عن عملية بناء الدولة التنموية، كان نتاجا لها.

 

في الختام ركزت الكاتبة على عناصر الاقتصاد المختلط، التي فرزت وتم تسويتها من خلال النزاعات التي قامت في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وأعيد تعريفها على أنها سمة من العصور التاريخ المختلفة. نتيجة لذلك، تنتشر بقايا الاقتصاد المختلط في جميع أنحاء العالم، ويُعاد تسميتها بشكل عام ويتم استقالتها من الناحية السياسية. أيضا تصف الكاتبة ظهور دول في منتصف القرن وكيف تراجعت، كما أنها تزيح النيوليبرالية بصفتها نقطة النهاية الوحيدة التي يمكن تصورها للاقتصاد السياسي في القرن العشرين. تعرض الكاتبة في هذا الفصل ملامح الاقتصادات المختلطة باعتبارها سوابق معادية. كانت دول الرفاهية والتنمية تشكل تناقضات بشكل عميق، وتوفر موارد استثنائية لأولئك الذين يحلمون بالديمقراطية الاجتماعية. لقد ولّدوا أشكالا متعددة من اللامركزية، والتفويض الخاص، وإلغاء الضوابط، والتقشف، وقد تم نسيانها جميعا تقريبا؛ لأن صانعي الدولة اللاحقين استحوذوا على تلك الممارسات، ووضعوها في غايات جديدة، وكتبوا لها سلاسل أنساب جديدة، ووصفوها بأنها ليبرالية جديدة.

بالختام يعد هذا الكتاب قراءة أساسية لمؤرخي التنمية والسياسة العامة في الأمريكتين في القرن العشرين. وسيهتم المؤرخون الزراعيون بشكل خاص بتحليل أوفنر لإصلاح الأراضي في كولومبيا، في أوائل الستينيات من القرن الماضي، والأسئلة التي يثيرها هذا حول طبيعة الإصلاح الزراعي في سياقات أخرى. ولا سيما أهدافها الاقتصادية والاجتماعية المتضاربة في كثير من الأحيان. ولماذا يجب أن يهتم المؤرخون الاقتصاديون؟ يقدم الكتاب الكثير من النظريات، ولكن يعطي القليل جدا من التاريخ. قد يكون هناك سببان: أولا، أولئك الذين يهتمون بالعلاقة بين الفقر والصدمات والأزمات، والذين لا تعيقهم النماذج الرياضية المعقدة، من المحتمل أن يجدوا هذا الكتاب الجدير بالقراءة لمجموعة واسعة من آليات الفقر التي يناقشها، والعديد من حالاته - لمحات عامة عن الأدبيات المتزايدة بسرعة حول البحوث والسياسات المتعلقة بمكافحة الفقر. ثانيا، وهذي نقطة أوسع، يوضح فيها الكتاب كيف يعتمد عالم الفقر على السياق في الواقع. بهذا المعنى، فإن الكثير من النظريات تقرأ مثل التاريخ.

 

تفاصيل الكتاب:

عنوان الكتاب: فرز الاقتصاد المختلط: صعود وإنهيار دول الرفاهية والتنمية في الأمريكتين 

المؤلف: البروفيسور إيمي سي أوفنر

سنة النشر: 2021 م

دار النشر: مطبعة جامعة برينستون

عدد الصفحات: 400 صفحة

اللغة: الإنجليزية