الغُلاف، لنقد الحاضر

الغلاف لنقد الحاضر.png

مارشيللو فينيتسياني

فاتنة نوفل  

حقق كتاب "الغلاف" النجاحَ العام، ووصل إلى مراكز متقدمة في قائمة أفضل الكتب وتم تصنيفه ككتاب معاكس للتيار. يقدم لنا فيه المؤلف مارشيللو فينيتسياني، الفرصة لفهم آثار الوباء والعزل الناتج عنه على سلوكنا، وتداعياته النفسية والاجتماعية داخل العائلة والكائنات الحية الجماعية؛ ما يمكن اعتباره نزهة منطقية بين حماقات اليوم والمحرمات الحالية وتمرينا صارما في النقد في محاولة لعيش الحاضر وليس معاناته. يُعبّر الكاتب عن إدراكه المتنبّه لتناقضات الحاضر وإصراره على الوجود المُتَصَور لهذا الغلاف "الذي يغلف كل شيء ويحجب الرؤية والَنَفَس"؛ ليعطينا صورة ثابتة عن الحالة الوجودية المحفوفة بالمخاطر للإنسانية المُسْتبعَدة من رؤية شاملة للمستقبل، ومن دعم للأجيال، ومتابعة للظواهر الديموغرافية ومخاطر الاضطرابات المفاجئة للحياة على هذا الكوكب، والاغتراب الوجودي، وانتشار الكليشيهات وديماغوجية الآراء والأخبار المزيفة والدردشات والصور الذاتية المشتركة. وكهدف أخير هناك محاولة لتحريرنا من هذا الغلاف أراد من خلالها أن يخلصنا من حالتنا الوجودية ومن كل الحِيَل التي  تُفْرَض علينا بحجة هذا الظرف الذي نشعر بوجوده، ويدعو إلى التنصل من ذلك النوع من العنف الرمزي الذي وَجَّه حياتنا نحوه، وهومجهول لا يمكن السيطرة عليه بقوتنا وحدها. يمثل هذا الكتاب أيضاً نقدًا لامعًا ومتألقًا للحاضر؛ إذ يكاد يتحول إلى كتاب في علم الاجتماع والفلسفة لكيفية إدارة السلطة بكل مفاصِلِها وعُقَدِها في هذه الأزمة التاريخية دون أن تكون يد الإنسان هي المذنبة فيه.

يبدأ الكاتب من إدراكه لحالة القلق الوجودي التي تسود الحاضر، حيث يبدو أن حياتنا بأكملها قد حُسمت إلى درجة فقدان تاريخ وذاكرة الماضي وكأنها اختنقت من الانتشار اللامحدود للبنى الفوقية التي احتوتنا وأرشدتنا ومنعتنا. تنظر إلى الأعلى ولا ترى شيئًا ولا ترى بوضوح الأشياء التي يجب أن تراها؛ بدءًا من السماء والشمس والقمر والنجوم وكأنك فقدت المسافة والبصيرة؛ فتشعر كأنك تعيش تحت غطاء، مغمورًا في بطانيته الثقيلة التي لا تُرى ولكنها لا تسمح لك بالرؤية؛ لتفقد الإحساس بالحاضر والقدرة على تكوين رؤية عامة عن الواقع.  يبدو الأمر كما لو أننا تحت هذا الغلاف ونشعر بِثِقَله حتى لو لم يكن له ميزات ولا حدود، فهو لا يُوصف؛ يُخفي الجمال والعظمة والرمز والأسطورة والقُدْسية والعالم الحقيقي؛ ما نتج عنه إِضعاف واضح لممتلكات الأسرة وتغيير جذري في أنماط الحياة والعادات المتعلقة بالوباء والتي تُوحي بواقع مستقبلي مختلف تمامًا عن الماضي، كما هو موصوف في روايات بائسة مثل 1984 لِأورويل أو عالم هكسلي الجديد، ولكن مع نتائج غير متوقعة للسيطرة تتجاوز "الاستبداد الصيدلاني" واللقاحات الإلزامية و"التضحية بالإنسانية من أجل خير الإنسانية". سوف يُدرج هذا الوباء في التاريخ على أنه "الوقت الذي تقدمنا فيه ​​في السن فجأة" وعبرنا  حياة اجتماعية وثقافية وفنية صاخبة "movida" إلى "no-vida": أي حياة بدون علاقات مع عواطف محطمة، وسجناءَ فترة نقاهة دائمة، وعرضةً للاكتئاب، ومتفرجين بدلاً من المشاركة، لقد أنقذوا الصحة لكنهم أسقطوا "المواطنة" ما أدى إلى اختفاء الواقع والتقاليد والطبيعة وفَقْد كل شيء من الشكل العام والاتساق والذاكرة والرؤية، الجنسان يتقاطعان ويتغيران والاختلافات تتلاشى وتصبح موحدة وتلغي الطبيعة والواقع. 

 

يتابع الكاتب: هذا الغلاف يضطهدنا وكثافته تمنعنا من رؤية ما وراءه وقراءته من الداخل، فهو يقضي على أفكارنا وتَسَبّب في تدمير حريتنا؛ لأن الخوف من الموت والإصابة بالعدوى سيطر علينا جميعًا خلال الفترة الحادة لأزمة الوباء وانغمسنا في أحضان السلطة الصحية وطلبنا الحماية؛ كل ذلك أدى إلى دكتاتورية صحية وولادة لبروتوكولات يجب اتباعها أدت بنا جميعًا إلى حرمان أنفسنا من أي حس نقدي، وعَهِدنا بأنفسنا إلى النظام وجعلناه يتتبعنا ويحفظ ملفاتنا، لنفقد جميع أشكال الخصوصية لصالح رقابة محاكم التفتيش الجديدة التي تتبع نظام المراقبة العالمي وتتحكم في الحياة من خلال الطوارئ والأولوية المُطْلَقة للصحة وتسيطر على المعيشة بأي ثمن؛ وهو ما يتطلب منا بالتالي أن نكون أذكياء وعلى قيد الحياة ونتنفس بالكامل؛ لأننا لا نشعر بوزنه ولا يمكننا قياسه أو مقارنته، فهو مغلف ولا يُوصف. أنتَ داخله، لذا لا يمكنك تقييم عرضه وسُمْكِه واتساقه. هو ليس شخصًا طبيعيًا ولا لجنة أو حزبًا سياسيًا أو مأوى ماسونيًا أو قوة غامضة من أصل غير قانوني ولكن، نظرًا لأن  التقنية تغلبت على التفكير النقدي، فقد سيطرت عليه بشكل لا يمكن إصلاحه، فإن الغلاف يهيمن بإملاءاته وقواعده ويصبح كالفيروس، خوارزمية يجب اتباعها مثلما يتبع القطيع الراعي.

فرضوا علينا أدنى مظهر يمكن تَخَيُله في المستقبل؛ لنصبح ضحايا حاضر خانق يملؤنا بالقواعد ويحرمنا من الحرية الأساسية في التفكير النقدي؛ نحن نعيش في نوع من النسيان غير الممكن واللا محدد، يختلط فيه التداخل الحقيقي والافتراضي حتى يصبحا مشوشين، فقدنا فيه الرابطة المطمئنة بهويتنا التي تصبح متغيرة وعابرة، ويمكن تغييرها بفعل بسيط من الإرادة؛ 

 ليلامس الكاتب أقوى نقطة في شدة انتقاده للغلاف وهو: إزالة الماضي والتاريخ والذاكرة والثقافة ما يؤدي إلى التقارب نحو فِكْر واحد ومكرر، وهو تداعيات العولمة التي تطرد الموارد العبقرية وتستبدل التقاليد بالابتكار الذي يتدلى في الفراغ بدون جذور؛ مما يُفضي إلى السطحية التي  تؤدي إلى شكل من أشكال البربرية الكوكبية، والانغلاق اليوم ضد كل الأمس والغد وإلى الأبد. حيث تقود المعركة ضد الكلاسيكيات، ضد الثقافة الإنسانية والجذور الأدبية والفنية والفلسفية والدينية التي تقوم عليها الحضارة، بالضبط حيث تقودنا الرأسمالية العالمية الجديدة التي سيتم من خلالها التخلص من كل ما هو موروث للإنسان من حضارة وإنسانية وعلم الأحياء والطبيعة والتقاليد. يجب تشويه الإنسانية ويجب استبدال الطبيعة؛ إنها ليست مسألة انتقام ضد التقدم أو السرد البائس، ولكنها عملية انتقاد للتحول الوجودي للإنسان، وقد تنبأ بها بالفعل الفيلسوف الألماني مارتن هايدر في القرن العشرين من هيمنة التفكير المحسوب على الفكر النقدي والحر، والتخلي عن استمرارية التاريخ مع ظهور التكنوقراطية الشاملة بكل تغطرس. إذا نظرنا عن كثب إلى المسار الذي بدأ جزئيًّا بالفعل، والذي يمكن أن يصبح واسع الانتشار ومُبَسَّطا ومُخْتَصرا من فقدان التفكير المتباين كسلاح للحرية والتحرر من العديد من الأغلفة التي تغطي حياتنا، ليتم استبدال الإبداع بمسارات وخوارزميات محددة مسبقًا مثل التزمت الجديد الذي يدفع نحو الإنسانية اللاجنسية، وكذلك تزايد نمو النرجسية المرضية في تأكيد على الذات الوحيدة في عالم يزداد فيه الشعور بالوحدة. فالمجتمع النرجسي هو تأكيد على الذات المنعزلة؛ هو عالم يزداد فيه الشعور بالوحدة لأولئك الذين يحبون أنفسهم فوق كل شيء ويعيشون من خلال رؤيتهم الخاصة ويُقَيّمون الآخرين من خلال المظهر أكثر من أصالة الكينونة؛ ما ينتج عنه محادثات وعلاقات يتم فيها الخلط بين الصواب والخطأ مثل وجهات النظر. هو عالم أحادي المرآة، يحبذ الأحاديات المنعزلة ويختبرها باعتبارها تباعدًا وجوديًا مطلوبًا لتصبح العلاقات قصيرة وحماسية ومريبة ومشبوهة، وتصبح الهوية بعيدة المنال وغير مفهومة. 

 

حتى الماضي والأماكن تختفي، بما في ذلك أماكن العمل في مجتمع غير محدد بأرض، لتستمر العبودية بملاحقتنا إلى المنزل والعمل منه، ولتدرك بعدها أنك تخسر العالم وتضغط على نفسك في صورة شخصية دائمة؛ لأن هذا الغلاف يفضل الرأس النرجسية الانفرادية والجماعية.

لا يمكن ثَقْبْ هذا الغلاف، فنحن أمام طريق مسدود لا يوجد له بديل إلا التفكير النقدي لاستعادة حريتنا وليس لدينا أي سلاح آخر ولا قوة أخرى غير قدرتنا على فهمه. الذكاء هو السيف الذي ينقذ، أو على الأقل يخترق ذلك الغلاف. يتابع فينيتسياني قائلاً: لا يوجد مُذْنب أو زُمرة من المذنبين لننسب إليه كل شيء، ولا يوجد تصميم أو مركز يقرر المصير بواسطة التخطيط الشائن لمؤامرة كبرى شريرة لحكم العالم.

يمكن الإشارة إلى المسؤوليات المحددة والتواطؤ على نطاق أوسع، وليس هناك نقص في العوامل والوكلاء؛ لكن لا يوجد عدو وشر مطلق كالذي كان يُطلق عليه ذات مرة الشيطان؛ فالترتيب الحالي لا ينبع من طاغية، إنه لا يُوصَف؛ وبالتالي لا يمكن إخضاعه لأنه منتشر مثل الخوارزمية كالفيروس؛ فالغلاف هنا يشبه الحجاب الحاجز، بطانة تمنعك من الرؤية والسمع واللمس والشم والتذوق. 

يُعرِّف فينيتسياني النسخة الأيديولوجية من الغلاف والتي تُحَدد كيف يجب أن يتصرف كل شخص: بأنه "مَشَهد تقويم مطْبق على العقل والتاريخ والحياة" ونشر الحقيقة يصبح كأطراف اصطناعية وسلع استهلاكية؛ لأن "الفكر الوحيد هو الامتداد العقلي لمراكز التسوق".

 

 العالم الذي يمكن اعتباره مثاليا وأفضل للجميع لا يتعلق فقط بموضوعات الاحتباس الحراري أو المناخ أو مصادر الطاقة أو إعادة التَحّول البيئي، وهنا يغتنم الكاتب الفرصة للحديث  بشكل حاد عن الطفرات الأكثر تعقيدًا، والتي تتعلق بالأخلاق والمعنويات والحق والحقيقة والجمال والممكن: مثل التفكير في العالم الافتراضي الذي يُقَوض العالم الحقيقي والتقاليد المُتَأصلة والذاكرة المحذوفة تحت مسمى "قدوم" مهيمن للتكنولوجيا (على سبيل المثال من خلال الرقمنة المنتشرة)، والاستبدال الصامت للقِيَم، والمرور من داخل العقل البشري إلى الذكاء الاصطناعي والبرمجيات كأطراف تكميلية في عمليات "اتخاذ القرار" أو "حل المشكلة". "المشروع العالمي هو الهروب من الطبيعة البشرية واستبدال الحقيقي بالافتراضي والإنسان إلى ما وراء الإنسان"، والقضاء على أي معرفة لا تهدف إلى غرض عملي ونفعي، وإخضاع الجميل للمفيدـ وإرساء أسبقية الظروف الاقتصادية على الظروف الثقافية؛ للوصول إلى المستهلك العالمي المُجَرَّد من الجذور والانتماء؛ ليجد نفسه في صراع هائل بين الكميات وعلاقات القوة. والغلاف هنا هو الوصف الأيديولوجي السياسي الصحيح الذي يصف كيف يجب أن يتصرف الجميع.

عندما تتصفح الكتاب ستلاحظ حكمة كتابته؛ فهو يتحدث عن أشياء كثيرة، على سبيل المثال عن الاختلاف بين الطبيعة والبيئة، وكذلك أزمة المسيحية التي تمر بها حيث يقول: "إن كل شيء بات ينحصر في الإسعافات الأولية للمهاجرين الفقراء، ومحبة الآخر، خاصة إذا كان قادماً من بعيد؛ يُطلب من خلالها من عالم صغير أن يحمل عالماً كبيرا على أكتافه، مع العِلْم أنه سينهار تحت ثقله الذي لا يُطاق دون طرح المزيد من المشاكل، مثل النمو السكاني الهائل أو الآثار العملية للغزو المهول للسكان الذين يرون الغرب كنقطة إنعاش ولكن ليس كحضارة للتحول والاندماج فيها؛ فالمسيحية كمنظمة غير حكومية لا يمكن أن تَقْتَصر على الأعمال الخيرية للمسيحيين والمواطنين وعلى الصَدَقة التي يجب أن تُوَجه للمرضى والمُعْدَمين وأن تنحصر في الضيافة و المساعدة الاجتماعية والإنسانية ورعاية النقابات؛ لتصبح روحانية بديلة مصطنعة ألغتها الأنانية الوظيفية للإنسان لتبقى مجرد مكان  للترحيب والمطالب الاجتماعية، إلى حد فقدان كل آثار الإيمان في الحياة الآخرة". مواضيع معقدة ودقيقة لمن يعيش الإيمان كرسالة.

كتاب فينيتسياني يتعمق في الحاضر ويفعل ذلك بنظرة ذكية وثاقبة: إن الإشارة إلى إستخدام التفكير النقدي كأداة لإلغاء أي تمثيل للغطاء الخانق أمر مهم، إنه في الأساس إيمان كريم بالإنسان، وفي عوالم مختلفة يستطيع أن يسكن فيها بحرية حتى الآن.

 

تفاصيل الكتاب:

العنوان: الغلاف، لنقد الحاضر

المؤلف: مارشيللو فينيتسياني

دار النشر: مارسيليو سودي

بلد الاصدار: إيطاليا

لغة الكتاب: الإيطالية

تاريخ الاصدار: فبراير 2022

عدد الصفحات: 304

أخبار ذات صلة