فلسطين في الكتب المدرسية الإسرائيلية

فلسطين (2).jpg

نوريت بيليد-الحنان

عزالدين عناية*

تحوز الكتب المدرسية مكانة خاصة في تشكيل الوعي الجمعي لدى النشء، فهي إلى جانب الإعلام والثقافة والفنون تكوّن العناصر الأساسية التي تصوغ من خلالها الدولة الذاكرة الجمعية، والفاكرة المشتركة، والذوق العام. وعلى هذا الأساس تُمثّل الكتب التعليمية إحدى الدعائم التي تصاغ بفضلها الهوية الإسرائيلية سواء في أبعادها الفردية أو الجماعية. وإسرائيل، كما ترصد الباحثة والأستاذة الجامعية نوريت بيليد-الحنان، تراهن على هذا الرأسمال المعنوي المتشكل من التاريخ والذاكرة، والهوية، في صناعة الفرد والمجتمع.

في هذا المؤلَّف الذي توزّعَ على أربعة محاور أساسية: تمثل الفلسطينيين في النصوص المدرسية الإسرائيلية؛ وجغرافية العداء والعزل.. تحليل متعدد الأنماط؛ والمخزون التعليمي والرسائل الجلية والخفية؛ وسياقات إضفاء الشرعية بخصوص المجازر؛ ناهيك عن مقدمة وخاتمة، تعتمد الباحثة نوريت بيليد-الحنان على مجموعة من المؤلفات المدرسية، موزعة بحسب رواجها بين المدرّسين. نجد من ضمنها عشرة كتب مدرسية في مادة التاريخ، وستة في مادة الجغرافيا، وكتابا وحيدا في مادة التربية المدنية موجها إلى مختلف المدارس الثانوية الإسرائيلية واليهودية والعربية. والكتب المدرسية المعتمَدة في الدراسة يأتي جميعها منشورا خلال الفترة المتراوحة بين 1996 و 2009، أي بعد اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية.

نشير إلى أنَّ الباحثة نوريت بيليد-الحنان تدرّس في كلية علوم التربية في الجامعة العبرية بالقدس. نالت العديد من الجوائز بخصوص أبحاثها ذات المنزع التقدمي بخصوص حقوق الإنسان. وتتركز أبحاثها حول المسائل التربوية والحقوقية للشعب الفلسطيني.

 

يستمدّ بحث بيليد-الحنان أهميته من كون الكتب المدرسية المعالجَة تخاطب شريحة مجتمعية يافعة، تجد نفسها في سن الثامنة عشر مدعوة إلى أداء الخدمة العسكرية الإجبارية، بقصد تفعيل السياسة الإسرائيلية فيما يخص احتلال الأراضي الفلسطينية. فلا تستهدف هذه الدراسة المعمَّقة والموثَّقة وصف التعليم الإسرائيلي في مجمله؛ ولكنها تسلط الضوء بالأساس على مسألة عرض الكتب المدرسية لموضوعي فلسطين والفلسطينيين، وما تروجه من قناعات تستهدف أطفالا وشبانا هم مدعوون حالما يتمّون الثامنة عشرة إلى أداء الخدمة العسكرية وربما لاستعمال القوة.

نَعرف أنّ الكتب المدرسية تشكّل معينا ثريا تصوغ من خلاله الدولة نظرة مواطنيها للأحداث والوقائع، ومن ثم تُبلور رؤى وذكريات وتأويلات مشتركة بخصوص الحاضر والماضي والمستقبل. وتبعا لذلك الدور تحاول الدراسة التي بين أيدينا استعادة مضامين الكتب التعليمية، في مواد التاريخ والجغرافيا والتربية المدنية أساسا، معتمدة النصوص المكتوبة والمرئية التي تعرض "الآخرين"، أي الفلسطينيين، في مقابل اليهود الصهاينة. ونقصد بالفلسطينيين المواطنين في دولة إسرائيل وغير المواطنين، ممن يعيشون منذ العام 1967 تحت وطأة الاحتلال. وكما نعرف برغم نجاح إسرائيل في عرض نفسها في أعين العالم كديمقراطية متفردة في الشرق الأوسط، فإنَّ كثيرا من الباحثين والدارسين يتقاسمون النظر إليها كدولة ذات طابع "إثنوقراطي"، أي دولة محكومة بسلطة العرق والجماعة الإثنية. وهو ما يعني أن إسداء الحقوق، وممارسة السلطة، والتمتع بالثروة، لا يقوم وفق مفهوم المواطَنة، بل على أساس الانتماء العرقي. وفي الوقت الذي يتمتع فيه مواطنون يهود من بلدان أخرى بحقوق المواطَنة التامة، مع أنهم يعيشون خارج الحدود الرسمية للدولة، فإنَّ هذا الحق لا يحظى به العرب الذين يعيشون داخل حدود الدولة، ولا الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة المحرومون من حق الجنسية. وتماشيا مع مسعى إسرائيل في تشجيع التوسع الإثنوقراطي داخل الأراضي الفلسطينية تحاول الكتب المدرسية عرض هذا التمدد كممارسة تتطابق مع المواقف والمبادئ الصهيونية ومع حاجة إسرائيل إلى الأرض والأمن.

وتَظهر أهمية التعليم في الرهان على خَلق كيان موحد للمجتمع الإسرائيلي، مع أن حشودا من المواطنين ساقتهم عوامل تاريخية إلى أرض فلسطين ولا تجمع بينهم لغة، أو ثقافة، أو تاريخ موحد. يغدون بفضل التعليم، والأدب، والإعلام، كتلة موحدة، وتربطهم ذاكرة مشتركة وهوية متجانسة، كل ذلك بفضل الإسهام الكبير للكتب التعليمية ولدور النظام المدرسي في صنع تلك الوحدة. ولذلك تبقى من بين المهام الرئيسة المنوطة بالكتب المدرسية في إسرائيل وهي نَسج رواية تربط الطلاب اليهود بأصولهم العميقة في أرض إسرائيل. فتحاول الكتب المدرسية عرض اليهود بمثابة أهليين أصيلين، عادوا إلى بلدهم الأصل وإلى موطنهم الأثير. وبحسب الخطاب الإسرائيلي المصنَّع، يتحدر هؤلاء اليهود الغربيون المعاصرون، الذين باتوا "أهليين"، مباشرة من يهود التوراة ومن ثَمّ هم أبناء إسرائيل الشرعيون.

 

لا يُشكّل الكتاب الحالي عمل مؤرِّخة بل نتاج محلّلة للخطاب. فلا تسعى الباحثة نوريت بيليد-الحنان إلى تفحّص المعلومات والأخبار والروايات، الواردة في الكتب المدرسية، بل تهدف بالأساس إلى تحليل الخطابات، أو لنقل الرواية الضمنية والخلفيات السيميائية. فلا تقوم الرسالة الإيديولوجية التي تود دولة إسرائيل إبلاغها إلى المتلقي، المتعلّم، على الصرامة المنطقية ولا على إشراك الطلاب في إنجاز البحث التاريخي لبلوغ تلك القناعات، ولكن تهدف بالأساس إلى صياغة هوية جماعية صلبة أيا كانت الأسس التي تقوم عليها. وبالتالي تهدف المضامين الصادرة عن الرواية الرسمية إلى خلق هوية مشتركة، وولاء جماعي، وإن تبيّنَ خطأ تلك الرواية علميّا، إذ يبقى المقصد أهمّ من المضمون. ومع أن التعليم في إسرائيل، كما يُفترَض أن يكون، وكما يُصرَّح به، هو تعليم وطني شامل لسائر شعب إسرائيل ومواطنيها، فهو في واقع الأمر لا يتضمن محاور أو روايات على صلة بجموع الشعب الفلسطيني الحاضر على أرض فلسطين، سواء كانوا مواطنين في دولة إسرائيل أو لم يكونوا. فلا يظهر في النصوص المعالَجة أي أثر لتقديم رواية ديمقراطية متقاسَمة بين مواطني إسرائيل بشأن تواريخهم وذاكراتهم وحاضرهم ومستقبلهم. وحتى موضوع السلام حين يُعرَض، ضمن السياق التربوي، فهو لا يُعرَض كمقصد جوهري بل كهدنة مؤقتة أو كحل مفروض، ومن ثَمّ لا يحضر كفرصة لبناء وجود طبيعي.

فالجميع، إسرائيليون وفلسطينيون، هم مطالَبون بتقبّل الرواية الصهيونية وتشربها. ومما لا يخفى أن الفلسفة التعليمية الصهيونية الحاضرة في النظام التعليمي الإسرائيلي تقوم على الرواية التوراتية، تسندها المقارَبة الأثرية اليهودية الإسرائيلية التي تحاول منح حجية علمية للرواية التوراتية مدعية أن السيطرة والتملك العبريين لفلسطين يعود إلى تاريخ قديم، وعلى هذا الأساس يُجمِّد النظام التعليمي الإسرائيلي النظرة التاريخية لفلسطين. هناك ادعاء استمرارية يهيمن على النظر للتاريخ اليهودي في فلسطين، يستلهم مقوماته من تصورات ذات طابع قداسي. فاليهود، وفق الفلسفة التعليمية الصهيونية، يشكلون أمة طبيعية منذ فجر التاريخ، رغم أنهم في واقع الأمر يتحدرون من شتى أصقاع الأرض، وليس هناك ما يوحد بينهم سوى انتماء ديني هلامي، وإن كان الدين يُمارَس أو يُفهَم بأشكال متغايرة بحسب الإثنيات والثقافات والحضارات التي وفد منها اليهود، تبلغ حدّ التباين والتضارب أحيانا. مع ذلك تسعى الفلسفة التعليمية إلى خلق "ماض عملي"، كما يرى جيمس وارتش، يمكن توظيفه في أهداف محددة في الحاضر.

لم تفلح هذه الفلسفة التعليمية دائما في خلق مشترك ثقافي بشأن الهوية. وتقول الباحثة نوريت بيليد-الحنان في شأن درس "التعددية الثقافية والعنصرية في إسرائيل" الذي تقدّمه للطلاب، إن تعريف الطلاب الإسرائيليين لأنفسهم على مستوى الهوية عادة ما يأتي على النحو الآتي: أنا يهودي، إسرائيلي، صهيوني. وأما في ما يخص الطلاب العرب فيتمحور الجواب حول كونهم عربا أو فلسطينيين يحملون بطاقة هوية إسرائيلية، فالتغاير جوهري بين الثنائي.

 

تشير الباحثة إلى وجود محاور مصادَرة في فلسفة التعليم الإسرائيلية، فعلى سبيل المثال تدرك السلطات الإسرائيلية، ولا سيما منها التعليمية، أنّ الاعتراف بالنكبة الفلسطينية هو مدعاة إلى إلغاء إسرائيل كدولة يهودية، وبما يبرر الثورة والانتفاضة للمواطنين الفلسطينيين. وهي في واقع الأمر سياسة تعليمية تميز الأنظمة "الإثنوقراطية" التي تصوغ روايات تاريخية تهيمن فيها النظرة الإثنية المركزية، وتبدو فيها الهيمنة على الأرض مشروعة ويظهر فيها الآخر بمثابة التهديد.

ووفق ما رسمته الكاتبة يعالج الكتاب أيضا الشكل الذي تَحضَر به إسرائيل أو تُعرَض، وكذلك الشكل الذي يَغِيب به الفلسطيني أو يُطمَس، في مدارس إسرائيل. حيث يعتمد البحث على النص المكتوب والمرئي فضلا عن رصد الخطاب الذي يشرعن لإبعاد الفلسطيني وعزله، وإلى حد مطاردته وقتله، سواء كان مواطنا أو غير ذلك. وفي تحليل الباحثة السيميائي للنصوص ترتئي أن المختارات التعليمية ليست محايدة، وتنطوي دائما على مضمون إيديولوجي. وعلى هذا الأساس تتضمن النصوص روايات على صلة بذكريات شبه مقدسة، قائمة على رؤية بطولية ودرامية، وهي روايات تعمل على عرض الأحداث من منظور واحد يستبعد الطروحات النقيضة، بما يجعل المعروض يتمتع بخاصية النموذج الأمثل. فمقصد النصوص هو العمل على بناء هوية جماعية متماسكة، تلغي من مسارها كل ما من شأنه أن يعكر صفو هذه الوحدة أو يمس من قداستها، ولذلك هي نصوص منتقاة بعناية وليست منفتحة لكافة الطروحات. كما أنها تسعى إلى إنتاج قراءة عملية للماضي لا قراءة علمية، يتقدم فيها الغرض على العلم. نلحظ هذا، كما تقول الباحثة، في النهج العام للكتب المدرسية الذي لا يتغير وإن تغيرت الحكومات بين يمين ويسار. حيث تتميز المؤلفات جميعها بتوظيف الماضي لصالح الحاضر، أي مباركة التوسع الاستيطاني الجاري في إسرائيل.

يبيّن هذا البحث القيّم لنوريت بيليد-الحنان أن مختلف النصوص التي شملها البحث، في التاريخ والجغرافيا والتربية المدنية، هي قائمة على منهج موحَّد في عرض الحقائق، بما يشبه "الوصاية على الحقيقة" بشأن الذاكرة الجماعية القائمة على الحقيقة المدنية التي تمثلها الدولة. وعلى هذا الأساس تعرض الكتب المدرسية الإسرائيلية "حقائق خالدة" سواء في ما تعلق باليهود، بوصفها حقائق تراجيدية على صلة بالاضطهاد ووضع الضحية، أو ما تعلق بغير اليهود أي بالعرب. حيث يظهر الفلسطيني في الطرف المقابل للإسرائيلي ذي ملمح عدواني، أي بخلاف الإسرائيلي الضحية والمدافع عن الأرض بشكل دائم. ذلك ما يعبّر عنه القول الشائع مع كل فصح جديد: "مع كل عام جديد ينهضون مجددا بقصد تدميرنا".

 

تُبرز الباحثة حضور رسالة أخرى ثابتة في النصوص المدرسية، وهي الرسالة الاستعمارية، إذ يَظهر اليهود الإسرائيليون في صورة تنويرية يحفزهم نشر التقدم؛ في حين يلوح العرب بمثابة البدائيين يقتضي الوازع الخُلقي والواجب المدني "تحضيرهم". يأتي ذلك لغرض دفع الفلسطيني داخل إسرائيل إلى إتقان المهن العصرية، وتعلم المعارف الحديثة، وبالتالي ليشغل دورا متحضرا في المجتمع الإسرائيلي العصري. ولا تغفل تلك الرؤية العنصرية عن إبلاغ رسالة تربوية إلى الطالب الإسرائيلي أن سياق التعلم لدى الفلسطيني بطيء بفعل ماضيه "المتخلف"، بَيْد أن احتكاكه بالإسرائيلي في المدن الإسرائيلية أو في الكيبوتزات سوف يجعله "يتحضر" ويتعلم.

وعلى هذا الأساس تلقِّن الكتب التعليمية التلميذ الإسرائيلي الرواية المهيمنة بدل منهج البحث الموضوعي المطلوب في المواد التاريخية والجغرافية والمدنية. لتتميز مضامين المؤلفات بطابع سلطوي يغيب منه المنهج الحواري. وضمن هذا الشحن المقصود، عادة ما تمرّ الرواية الفلسطينية في كثير من المحاور بصمت أو تُروى بحذر. والكتب المدرسية التي لا تراعي هذه التعليمات، لا تفوز بإقرار السلطة التربوية أو اعترافها، ولذلك تهيمن الرواية الصهيونية على النصوص فيمثِّل فيها الفلسطيني عقبة أمام التحول الإيجابي، مما يقتضي الحال إزاحته أو هزيمته أو القضاء عليه، وعلى هذا الأساس لا يمكن للتاريخ الفلسطيني، ولا للرواية الفلسطينية، ولا للحقائق الفلسطينية أن تحضر. تبعا لهذا التمشي تحظى النصوص التعليمية في إسرائيل بالقبول، حين تستعيد رواية الدولة، وإن عارضت الرواية الواردة من الأرشيف الإسرائيلي ما هو مروَّج رسميا، فهي عادة ما تأتي انتقائية ومتعلقة بحالات حصرية.

ما من شك، كما تبرز الباحثة، أن النصوص التعليمية تنطوي على عرض مسيَّس يهدف إلى تخليد السيطرة وتأبيدها، وعلى هذا الأساس تعرض الخرائطُ الجغرافية إسرائيلَ الكبرى وتُقدَّم للطالب مرفقة بمقاطع توراتية تستعيد الوعد الإلهي لإبراهيم، أو المسعى الإسرائيلي لاجتياح الأرض المقدسة عبر التاريخ. بموجب ذلك المنهج تحاول النصوص تغييب الآخر الفلسطيني تغييبا حازما من الذاكرة التاريخية، ليتحول الإسرائيلي القادم من خارج فلسطين إلى أهلي وأصيل في الأرض المقدسة.

 

هناك ما تسميه الكاتبة "الصمت التاريخي" و"الصمت الجغرافي" على صلة بالفلسطيني في الكتاب المدرسي الإسرائيلي. والحال أن الرواية التربوية والتعليمية لا تكتفي بالصمت؛ بل تحاول أحيانا اعتماد الطمس للجغرافيا والتاريخ من خلال القلب والاستبدال للمسميات والأحداث والروايات. هي بالأساس عملية تهويد راديكالية يقوم عليها النظام التعليمي الإسرائيلي بخصوص فلسطين. فلا تزال الطروحات التربوية معتمدة أساسا على الرواية المغرضة التي تعرض التاريخ من منظور واحد. ثمة رواية مقصودة يعرضها الكتاب المدرسي، أنه على مدى ألفي سنة غاب فيها اليهود عن فلسطين، ينبغي أن تبقى الأرض يهودية، وذلك ضمن رؤية جامدة للتاريخ لا تولي أحداثه المكتظة اعتبارا، هذه بحق مركزية عرقية مغرقة في الانحصار.

 

تفاصيل الكتاب:

الكتاب: فلسطين في الكتب المدرسية الإسرائيلية.

المؤلفة: نوريت بيليد-الحنان.

الناشر: غروبو آبيلي (تورينو- إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2021.

عدد الصفحات: 288ص.

أخبار ذات صلة