ماهابهاراتا: برمجية حرة

برمجية حرة.jpg

 كيه. سي. نارايانان

فيلابوراتو عبد الكبير

تُعد ملحمة "ماهابهاراتا" إحدى الملحمتين العظيمتين في الهند باللغة السانسكريتية. وثانيهما ملحمة "رامايانا". وكلاهما من الكتب المقدسة لدى الهندوس ولو لم يكن موضوعهما الأساسي مقصودا به الإرشاد الديني بالمعنى الدقيق للكلمة، كان "مهابهاراتا" من تأليف "فيدا فياسا"، أما "رامايانا فكان من تأليف "فالميكي". تم تأليفهما في شكل قصائد رائعة تحتوي على حكايات أسطورية شيقة تُعجب ذوق الجميع على اختلاف مشاربهم وضروبهم الدينية والفكرية. بالرغم من أن الفارق الزمني بين هاتين الملحمتين قد يصل إلى قرون عديدة، يوجد بينهما تشابه كبير فيما تدور سرديتهما حول التسابق على السلطة والحرب بين الإخوة في قبيلة واحدة، البطل في "رامايانا" هو "راما" ابن "داشارادها" ملك كوسالا وعاصمتها "ايودهيا". كان لـ "داشارادها" ثلاث زوجات، "كوساليا" "وكايكيي" و"سوميترا"، لما أعلن الملك رغبته في تنصيب راما ابنه من زوجته "كوساليا". تداخلت في هذا القرار زوجته الثانية "كاي كيي" حيث طالبت الملك بتحقيق رغبتيها المؤجلتين، كان قد وعدها الملك عند زواجها أن لها أن تطلب منه ما تريد من شيئين وأنه سيقوم بتحقيقهما حالا. فطلبت منه أوّلا إبعاد راما إلى الغابة لمدة أربعة عشرعاماً كما طلبت منه ثانياً تنصيب ابنه "باهراتا" على العرش بدلا من راما.

تجنبا من نكوث والده بالعهد اختار راما العيش مع زوجته "سيتا" وأخيه "لاكشمنا" في غابة. خلال حياتهم في الغابة اختطف "رافانا" ملك "لانكا" سيتا". فدارت بين راما ورافنا حرب واستعاد راما زوجته بمساعدة جيوش من القرود بقيادة ملكهم "سوغريفا". وفي حينه اكتملت المدة المحددة فعاد راما مع أسرته إلى أيودهيا". ينصاع راما لتشكيك شعبه بطهارة "سيتا" خلال حياتها في قصر "رافانا". فينبذها إلى الغابة. يُعتبر راما في ميثولوجيا الهندوسي ملكا عادلا ونموذجا في الشؤون الأخلاقية. ولكنه قد تعرض لانتقادات لاذعة في العصر الحاضر بسبب تعامله مع زوجته مما جعله رمزا للشوفيني الذكوري. وقد نشأت في العصور المتأخرة قراءات متنوعة لـ "رامايانا". 

مثل رامايانا نجد موضوع "ماهابهاراتا" أيضا يدور حول التنازع في حق الجلوس على العرش والحرب بين الإخوة في قبيلة واحدة. هي عبارة عن منافسات ونزاعات ومعارك شديدة اندلعت بين "الكورفاس" و"الباندفاس"، فرعان من أسرة واحدة. ينحدر "الكورفاس" من أبيهم المعروف باسم "دهريتاراشترا". كان "دهريتاراشترا" ضريرا فلم يحالفه الحظ في خلافة المُلك، فاعتلى العرش بدلا منه أخوه "باندهو" الذي انحدر منه "الباندفاس". نزل "باندهو" من العرش بعد فترة بعد أن طلق الدنيا وأصبح روحانيا فأخذ "دهريتاراشترا" زمام الملك. ومن ثم نشأت منافسات السلطة بين "الكورفاس" من أبناء "دهريتاراشترا"، وعددهم مائة، وأبناء عمهم "باندهو"، وعددهم خمسمائة. احتدمت مصالح الفريقين حتى بلغت إلى الأمور التي تتعلق بمن يرث العرش الملكي. وأخيرا احتدم الفريقان في ميدان "كوروكشيترا" واختتم بغلبة "الباندهفاس" على "الكورفاس".

 

يعود تاريخ تأليف "مهابهاراتا" على الأرجح إلى القرن الخامس قبل الميلاد تقريبا. ينسب تأليفه إلى "فياسا" إلا أنه يعتقد أن "فياسا" ليس شخصا واحدا بل مجموعة أشخاص أضافوا إليها حكايات ومقطوعات على مر العصور. يقول بعض الباحثين إن "مهابهاراتا" يساوي ضعفين من "الإلياذة" والأوديسية" الأسطورتين الإغريقيتين. يعتبر تشارلز إليت "مهابهاراتا" ملحمة أعظم من ملحمة "الإلياذة". وقد نقلها حرفيا في نظم إلى اللغة المالايالامية الشاعر الارتجالي الشهير "كونجي كوتان تامبوران" (1868 – 1913) عام 1906. أخذ لتكميل هذا العمل 874 يوما بينما أخذ "فياسان" لتكميل عمله 1095 يوما. واشتهر "كنوجي كوتان" بعد ذلك باسم "فياسا كيرالا". وفي عام 1968 قام كيه. "براكاشام" بإعداد نسخة لها في النثر، أخذت منه ثلاث سنوات. صدرت ترجمته في 40 مجلدا، كل مجلد يحتوي على 400 صفحة. تم تدشين المجلد الأخير في نيودلهي عام 1973. وممن ترجمها للأطفال الصحفية من الرعيل الأول "باروكوتي أمّا"، وقد قرأها هذا الكاتب حين كان طالبا في الابتدائية.

إن "ماها بهاراتا" بحر زاخر من لآلي الحكايات قلّما نجد له مثيلا في غيرها من الأساطير العالمية. ولذلك قيل عنها: "تجدون فيه ما لا يوجد في غيره ولا تجدون فيه ما يوجد في غيره". وقد استلهم منها كثير من الكتاب الهنود روائعهم، ومنهم الروائي في. أس. كهاندهيكار" صاحب رواية "ياياتي" التي يُناقش فيها ظاهرةَ الموت الغامضة وأسرار الحياة بأسلوب جذّاب يغلب فيه لون فلسفي. ومنهم "كيه. أم. مونشي" الذي ألف عددا من القصص مبنيةً على شخصيات في "ماهابهارتا". وثمة روايات أخرى في لغة مالايالام مثل " دعوني أنام الآن" لـ "بي. كيه. بالا كريشنان"، والدور الثاني" لـ أم. تي. فاسوديفان نايار، و"هيرانياكا شيبو " لـ أن. بي. محمد. وكذلك لهذه الأسطورة عدة قراءات مختلفة وتفسيرات متنوعة. هذه هي إحدى مزايا هذه الملحمة.

 يرى فيها بعض المؤرخين تصويرا للحروب بين "الدرافيديين" و"الآريين" في الألف الثاني قبل الميلاد. أعاد قراءتها الناقد الأديب في اللغة المالايالامية "كوتي كريشنا مارار" وهو ينزع منها ثوب القدسية. حاولت المؤرخة اليسارية المشهورة "روميلا تهابر" بالقيام ببحوث علمية عميقة. أما "فيندي دونيجار" عالمة الهنديات الشهيرة (Indologist) في جامعة شيكاجو في الولايات المتحدة فقد استنبطت من بين سطورها معلومات جديدة. ترى في "دهرما بوترا" في نهاية الحرب رغم فوزه المعركة نفس صورة الإمبراطور "أشوكا" الحزين حين وضعت حرب "كالينكا" أوزارها. وللكاتب المالايالامي الآخر "سونيل بي إيلاييدام" قراءة ماركسية لهذه الملحمة. وفي نهاية هذه السلسلة تأتي قراءة الصحفي المرموق كيه. سي. نارايانان تحت عنوان "ماها بهاراتا برمجية حرّة". حين كان يشتغل في مكتب صحافته في محافظة "كانور" كان يرتاد بعد دوامه الليلي إحدى المكتبات العامة في النهار. هناك وجد مرة ترجمة "ماهابهاراتا" لـ "كونجي كوتان تامبوران" المذكورة أعلاه. لما بدأ يقرأ إحدى مجلداتها أعجبته حكاياتها جدا. بعد فترة حصل على المجلدات المتبقية من أحد زملائه في العمل في "كوشين" حين التحق بمؤسسة صحافية أخرى. يقول المؤلف إنه عاش مع تلك المجلدات الستة يتنفسها أشهرا وسنوات. بعد دوامه الرسمي يقضي كل ليلة ساعتين في قرائتها حتى كمّلها بعد سنين عديدة. وفي عام 2011 لما زار ابنتَه المقيمة في الولايات المتحدة وجد كتاب Hindus: An Alternative Story  لـ "فيندينكار" المذكورة أعلاه. لما قرأها عاد مرة أخرى إلى "ماهابهاراتا" ليقرأها من البداية إلى النهاية على ضوء بحث الكاتبة الأمريكية "فيندينكار". وللتحقيق عند الالتباس اشترى ترجمتها الإنجليزية في عشرة مجلدات لـ "بيبيك ديبروي" الصادرة عن دار "بينغيين". وللتأكد من خلفياتها التاريخية اقتنى أيضا كتابين لكل من "روميلا تهابار" و"دي سي كوسامبي". فواضح أن المؤلف لم يدخر جهدا في الدقة والأمانة في هذه الدراسة.    

 

إذً لماذا سمُيت برمجيّة حرة (Free Software)؟ يجيب الكاتب على هذا السؤال لأن "ماها بهاراتا" من المنتجات التي ليس لأحد في العالم حق ليملكها كما أن بإمكان الجميع إعادة قراءتها وتصويرها من جديد. يمكنكم نقلها إلى أي لغة تريدونها كما يمكنكم تلخيصها كيفما تشاؤون. وبإمكانكم تقديمها  في شكل مسرحي أو في صورة. وهذه الملحمة العجيبة تنتشرعلى ستة آلاف صفحة في أكثر من مائة ألف مقطع. ظلت تتشكل على أشكال شتى خلال القرون الماضية كما ورد ذكرها سابقا. إذًا بأي تسمية أخرى نسميها إلاّ بوصفها حرة؟ يسأل الكاتب. يراها الكاتب برمجية جاهزة حرة، ومن خلال هذا المنظور يقرأ هذه الملحمة العظيمة قراءة جديدة باكتشافات ملحوظة.

 يُقسِّمها ثلاثة أقسام، القسم الأول تحت عنوان "أشوكا"، والثاني تحت عنوان "كريشنا" والثالث تحت عنوان " ماهابهاراتا لا نهاية لها". توجد في القسم الأول الذي يبدأ بعنوان "الروحانيون الزهاد" وينتهي بعنوان النمس و"أشوكا" مناقشات حول خمسة وعشرين موضوعا. والقسم الثاني المُعَنون بـ"كريشنا" يحتوي على اثنين وعشرين فصلا تدور حول مصير الحرب، والدورِ الذي لعب فيها "كريشنا" الذي يعتقد الهندوس أنه قديس قد حلّ فيه الإله، ووردت أيضا في هذا القسم خلفية الكتاب المقدس الهندوسي "بهاجافال جيتا" المنبثق من "ماهابهاراتا" ذاته. والقسم الثالث تحت عنوان "ماهابهاراتا حكايات لا تنتهي" نقرأ فيه نتائج قراءته عن هذه الملحمة، وذِكر نسخها المختلفة المحلية واللغوية مفصّلا. وفي الختام يحاول الكاتب أن يُؤكِّد على أن ملحمة ماهابهاراتا في الحقيقة عمل جماهيري ساهم فيه كثير من الكُتّاب على مر الأزمنة وأنها مثل "فيكي بيديا" تماما في عصرنا الحاضر. والتحليلات التي يقوم بها المؤلف خلال دراسة هذه الملحمة من منظوره الخاص تفتح آفاقا جديدة أمام القراء، يرى أن مؤلفها "فياسان" قد حاول أن يُشير من بين سطور نصه الأصلي إلى تناقضات في حياة الإنسان حتى في حياة من يعتقد الناس أنهم قدِّيسون. يفكك الكاتب ما ورد في النص الأصلي ويلتقط الضمني في سطورها باستخدام مشرطه البحثي. لا تكفي مساحة الكلمات لسرد جميع التحليلات في دراسته، بل نكتفي قدر ما يسمح به المجال هنا بما ورد في فصل "بهاجافال جيتا" فقط مثلا لا حصرا.

 يُعدّ "بهاجفال جيتا" جزءا من "ماهابهاراتا" بثمانية عشر فصلا. وهو عبارة عن مواعظ يلقيها "كريشنا" على "ارجونا" أحد مهرة الرماة من إخوة "باندهافا". تُقلِق نفس "أرجونا" شكوك وهواجس عن محاربة بني عمومته "الكورفاس". ففي قلب ميدان المعركة تغلب على فكرة "أرجونا" عبثية المغانم والأفراح التي يحصل عليها في نهاية حرب طاحنة مع أقرب الأقرباء؛ فيحاول كريشنا لإقناعه أن عمله عمل عادل لا بأس فيه بل هو واجب من واجبات طبقة "كشاتريا" التي ينتمي إليها، وأن الانسحاب من ميدان المعركة عمل غير لائق لمن ينتمي "للآريين". يتحدث كريشنا في هذا الشأن متفلسلفا حيث يقول إننا إذْ نقتل أحدا لا نقتل أحدا في الحقيقة؛ لأن الإنسان حين يموت أو يُقتل لا ينعدم من وجوده إلا جسده أما روحه فتبقى أبد الأبد، إنما تُبدِّل الروح من خلال الموت ملابسها المهترية فقط. 

 

يرى الكاتب في محتويات "بهاجافالجيتا" تأثير الصراع الفكر البوذي والفكر"البراهمني"، ولذلك نشأ النزاع عن تشخيص طبيعة هذا الكتاب. هل هو عنفيّ الطبيعة أم سِلميّ الطبيعة. ومن الظريف أن "بهاجافال جيتا" كان مصدر استلهامٍ لدى غاندي السلميّ مثلما كان مصدر وقود كراهية لدى "جودسيه" المتطرف العنفيّ الذي قام باغتيال غاندي. كلاهما كانا يعتبرانه كتابا مقدسا. لكن غاندي كتب له تفسيرا تحت عنوان "أناساكتي يوجا" وهو يُؤوِّل الصراع فيه صراعا بين الخير والشر. أمّا "كوروكشيترا"، ميدان المعركة، المذكور في "ماهابهاراتا" في نظر غاندي فليس إلا نفس الإنسان التي يجري فيها ذاك الصراع بين الخير والشر. ومن الكُتّاب من فسر محتويات "بهاجافال جيتا" تفسيرا ماركسيا مثل الكاتب المُنِّظر الماركسي السابق في كيرالا كيه. فينو في كتابه الموسوم بـ "بهاجافال جيتا" والماركسية". ومن الجدير بالذكر أن هذا الكتاب كان من الكتب المفضلة لدى الفيزيائي الأمريكي روبرت أوبنهايمر، أبو القنبلة الذرية  والمدير العلمي لمشروع مانهاتن لتصنيع السلاح النووي في الحرب العالمية. عندما جرى اختبار الانفجار في نيو مكسيكو اقتبس أوبانهايمر من "بهاجافال جيتا" قائلا "إذا أضاء شعاع ألف شمس في السماء فسيكون ذلك مثل تألق الله تعالى.....أصبحتُ الآن الموتَ مدمِّرَ العالم".

ويشير الكاتب "نارايانا" إلى أن جوهر هذه الملحمة هو الحزن وحرمان القيم اللذين كثيرا ما يغلبان على حياة الإنسان. ويمكننا أن نرى"فياسا" يحاول من خلال سردياته أن يُثبِّت أن الحرب لا يخرج منها أحد منتصرا في النهاية. وفي إحدى مشاهدها الأخيرة نرى "فياسا" يسأل رافعا يديه "لماذا لا يتبع شره الإنسان للمال وشهوته الجنسية القيمَ والأخلاقَ؟" وإن كانت ملحمة "ماهابهاراتا" تاريخَ حرب جرت في الهند غابرَ الزمان فهي تحتوي أيضا رسالة ضد الحرب. الحرب إنّما تهدم صروح العقل والمنطق والقيم. تاريخ الحرب تاريخ إفلاس العقل والمنطق، يهلك الزرع والضرع، لا يستجيب لها إلا من لا يرى أبعد من أنفه، يكسر ظهره بسيفه ويحفر قبره بظلفه. ومع هذا أرى أن أنقل هنا قول المخرج السينمائي الفرنسي جان لوك جودار(Godard): " إن الأحزان والكوارث تولد منها الروائع العظيمة، ولكن عليكم أن لا تطلبوا الأحزان والكوارث لكي تولد منها الروائع العظيمة." فـ "ماهابهاراتا" ملحمة عظيمة ولدتها كوارث حرب طاحنة، ولكنها تحمل رسالة ضد الحروب.

 

تفاصيل الكتاب:

عنوان الكتاب: ماهابهاراتا: برمجية حرّة

المؤلف: كيه. سي. نارايانان

اللغة: ملايالام

عدد الصفحات: 558 ، سنة النشر: 2021 

الناشر: DC Books, Kottayam

أخبار ذات صلة