10% ديمقراطية أقل: لماذا يجب الثقة بالنخب أكثر قليلاً، وبالعامة أقل قليلاً؟

less.jpg

غاريت جونز  

محمد السماك

حتى الأمس القريب كانت "الديمقراطية" في المجتمعات الغربية تُعتبر قدساً من الأقداس، ومقياساً لمدى تقدّم شعوب العالم المختلفة أو تأخرها، وحتى للحكم على الدول إذا كانت تستحق المساعدات أو لا تستحقها. أما اليوم فقد تغير الوضع أو هو في بداية التغيير .

هناك ثلاثة كتب تلتقي حول نظرية جديدة وجريئة واحدة، تقول : "إن ديمقراطية أقل (وليس أكثر) أفضل للاستقرار السياسي والاجتماعي".

أول هذه الكتب عنوانه : " 10 بالمائة ديمقراطية أقل: لماذا يجب الثقة بالنخب أكثر قليلاً وبالعامة أقل قليلاً ؟ "، وهو موضوع هذه المقالة .

أما الكتابان الآخران فهما ؛ الأول :" كيف تنتهي الديمقراطية How Democracy Ends"، ومؤلفه دافيد رونسينمان David Runcinman  . والثاني : "عصر الغضب Age Of Anger" ومؤلفه بانكاج ميسهرا Pankaj Mishra . ويعالجان الموضوع ذاته، ولكن من زوايا مختلفة .

 

لا بد في البداية من الإشارة إلى أن المؤلف هو أستاذ العلوم الاقتصادية في جامعة جورج ماسون في فرجينيا، وأن الناشر هو جامعة ستانفورد في كاليفورنيا وهي واحدة من أعرق الجامعات الأمريكية ومن أكثرها مصداقية.

تنطلق دراسة الدكتور جونز من أحداث اعتبرها في كتابه مؤشرات أساسية وتأسيسية :

استخدام الرئيس (الأمريكي) أجهزة الدولة لتهديم سمعة منافسه في الانتخابات الرئاسية.

اغتيال شخصيات وطنية معارضة في الفلبين.

تجريد أقلية دينية من انتمائها الوطني في الهند.

تهديد استقلالية القضاء في بولندا.

نهب الخزينة العامة في جنوب أفريقيا . (ويعاني لبنان أيضاً من هذه المشكلة) .

فالنظام الديمقراطي الذي وفّر ولفترات زمنية طويلة للدول الغنية مزيجاً من التفوق الأخلاقي والاستقرار السياسي، دخل الآن مرحلة الترنّح وإعادة النظر .. صحيح أنه لم يتهاوَ، ولكن يبدو أنه على قاب قوسين أو أدنى من الهاوية .

فالمؤشرات التي توقف أمامها المؤلف تشكل في نظره "أرضاً خصبة" وأسباباً موجبة لنقد الديمقراطية. وهو نقد ينطلق من سوء توظيفها، ومن سوء تفسيرها، وكذلك من سوء فهمها .

يتضمن تقرير أعدته جامعة كمبريدج –في المملكة المتحدة- حول مستقبل الديمقراطية، إشارة واضحة إلى "تراجع" حاد في العالم للديمقراطية وذلك منذ التسعينات من القرن الماضي. ويشمل هذا التراجع الولايات المتحدة الأميركية ودول جنوب أوروبا.

ويميز التقرير بين المبدأ والممارسة . ويقول إنه من حيث المبدأ لا أحد يرفض الديمقراطية أو يدينها .  ولكن سوء الممارسة هو الذي يشوّه معنى الديمقراطية ورسالتها .

 

وفي ضوء هذا الواقع، يرى المؤلف أن دولة مثل الاتحاد الروسي تفرك يديها جزلاً وهي ترى الديمقراطية –والليبرالية- تتهاوى كنظام سياسي – اجتماعي في المعسكر المعادي –أو على الأقل في المعسكر المنافس. ويقول إن النظام –الديمقراطي- كان أصح وأشد فعالية في النصف الأول من القرن العشرين . غير أن الحرب العالمية الثانية وجهت إليه طعنة شديدة . ويفسر هذه الطعنة كتاب آخر عنوانه : "عصر الغضب Age of Anger"، وفيه يؤكد المؤلف باسكاج ميسهرا أن المشكلة تتمثل في توسع الهوة بين نظام سياسي يعد بالمساواة، ونظام اقتصادي يؤدي إلى اللامساواة.

أما المؤلف غاريت جونز فإنه يلقي في كتابه باللائمة على الناخبين الذين يختارون قياداتهم –أو الذين يختارون هذا النوع من القادة- فهو يقارب الفلسفة الديمقراطية من زاوية اقتصادية (علماً بأنه هو نفسه عالم اقتصادي وأستاذ لهذه المادة) ويعتبرها نظاماً للإنتاج ؛ وأن إنتاجها يتمثل في إدارة الحكم، كما يتمثل في تحسين الإنتاج وتطويره معاً . 

من هنا فإن نظريته التي تقوم على أساس "10 بالمائة دميقراطية أقل" تهدف بنظره إلى تحقيق نتائج مختلفة أفضل (وربما أسوأ) للدول وللشعوب.

يعترف المؤلف بأمرين أساسيين؛ الأمر الأول هو أن وقوع المجاعة أو انفجار المذابح الأهلية (الصراعات الداخلية) أمر نادر في المجتمعات الديمقراطية؛ أما الأمر الثاني فهو أن المجتمعات الأخرى (غير الديمقراطية) عندما تتحول إلى الديمقراطية، فإنها تنمو بوتيرة أسرع ويزداد دخلها الفردي على المدى البعيد بنسبة تصل إلى عشرين بالمائة.

ويرى المؤلف أن الديمقراطية ليست "كالعذرية"؛ ذلك أن الدول قد تكون قليلة الديمقراطية أو كثيرتها . ولا توجد في عصرنا دولة مثالية في ديمقراطيتها (حتى سويسرا) بالشكل الذي كانت عليه أثينا اليونانية القديمة . ففي أثينا تلك، جرى سحب الجيش الأثيني من جبهة القتال ضد إسبارطة بموجب استفتاء شعبي عام. وليس بموجب قرار اتخذته السلطة منفردة وأملته على القيادة العسكرية  !!..

 

فالديمقراطيات كلها، يؤكد المؤلف، تفرض قيوداً محددة على المشاركة الشعبية في عملية اتخاذ القرار. هذه القيود تتمّ إما عن طريق الممثلين المنتخبين، أو عن طريق مسؤولين مختارين.

هنا يصيغ المؤلف نظريته الجريئة التي يقول فيها : إن انتخابات أقل،  ومسافات أوسع بين الناخبين وأصحاب القرار يؤديان إلى حكم أفضل. وتشكل هذه النظرية العمود الفقري للكتاب. وتدور الفصول المتعددة منه حولها، شرحاً وتبريراً .

من البديهي ملاحظة المسافة الفكرية بين واقع الديمقراطية كما تمارَس في العديد من الدول (وخاصة في الدول الغربية وأميركا)، وبين الصورة الجديدة التي يطرحها المؤلف. وتبريراً لهذه النظرية يقول إن كل الديمقراطيات تحدّ من المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات العامة، وإن هذا التحديد وهذه القيود  أعطت نتائج عملية جيدة.  حتى أنه يقترح (بموجب نظريته) الالتزام بالمزيد من هذه القيود الضابطة للانفلاش الديمقراطي .

ويشير المؤلف إلى أن ذلك لا يقتصر إيجاباً على النواحي السياسية فقط، بل إنه ينعكس إيجاباً أيضاً على الاقتصاد، وتالياً على التنمية؛ فالوقائع أثبتت "أن التجارة الحرة تزداد ازدهاراً كلما بعدت عن الديمقراطية".

وفي هذا الشأن أكد المؤلف على النظرية التالية ؛ وهي أنه في أجواء الانتخابات العامة وتحت تأثيرها، ينكفئ السياسيون عن اتخاذ أو عن تأييد أي قرار يتعلق بحرية التجارة؛ ويريد بذلك أن يشير إلى أن مصالحهم الانتخابية الاسترضائية للناخبين، تحتلّ خلال فترة الانتخابات سلّم الأولويات حتى ولو لم يكن ذلك الاسترضاء في مصلحة الاقتصاد الوطني على المدى البعيد .


وضرب المؤلف مثلاً آخر في الولايات المتحدة حيث أن كل المناصب في الدولة يتم ملؤها بالانتخاب . ولكنه لاحظ أن القضاة المنتخبين يصدرون أحكاماً أسوأ لأنهم يهتمون بتأمين قاعدة انتخابية تمكّنهم من العودة إلى مواقعهم عن طريق إعادة انتخابهم؛ فالاسترضاء يكون على حساب العدالة . وكذلك الأمر بالنسبة لمسؤولي الضرائب الذين يؤثرون ضمان إعادة انتخابهم على تحصيل كامل حق الدولة. ويقول إن هذا الأمر هو الذي أدى مثلاً إلى إفلاس "مقاطعة أورانج" في كاليفورنيا –وهي من المناطق التي تعيش فيها مجموعة من الأثرياء ورجال الأعمال الكبار-.

ومن هنا يؤكد المؤلف على نظريته التي يقول فيها إن الحكم الرشيد والصالح يتطلب فرض مسافة أوسع بين الحاكم والناخب ؛ كما يتطلب انتخابات أقل. وخلافاً لهذه النظرية فإن سويسرا مثلاً تلجأ إلى الاستفتاء العام لدى مواجهتها أي قضية جديدة، اجتماعية كانت أو سياسية أو اقتصادية. ويكاد لا يمر عام إلا ويدعى السويسريون إلى الاستفتاء حول قضية طارئة. ذلك أن هذه الدولة المتعددة الأجناس والقوميات والأديان، تعتمد نظاماً فدرالياً، تتمتع بموجبه كل مقاطعة بنوع من الحكم الذاتي الواسع . ولذلك تلجأ سويسرا إلى الاستفتاء العام لاتخاذ موقف موحد من أي قضية مشتركة وتتعلق بكل المقاطعات .

من هنا السؤال: إذا كان صحيحاً أن قليلاً من الديمقراطية هو أفضل من كثيرها، فما هي الآلية لإدارة الدولة الحديثة ؟

يجيب المؤلف على هذا السؤال باقتراح نظام "ابيستوكراسي Epistocracy " أي حكم الأذكياء الخبراء وأصحاب المعارف والاختصاصات .

وفي أساس نظريته كما يوضحها في كتابه، فإن الديمقراطية هي "نظام اقتصادي". غير أن للديمقراطية بعداً أخلاقياً؛ وأن هذا البُعد يترجم القاعدة الدينية بأن الناس جميعاً متساوون أمام الله خالقهم جميعاً، وأن هذه المساواة تترجم على الأرض (أي ديمقراطياً) في صندوق الاقتراع !!.

وفي المجتمعات الغربية يستمد الحكم شرعيته من هذا الصندوق، إلا أن هذه التجربة كما قام بتشريحها مؤلف الكتاب، أثبتت بالوقائع أنها أبعد ما تكون عن المثالية. ويقدم مثلاً على ذلك الاتحاد الأوروبي . ويقول إن الاتحاد يتخذ قراراته بصورة ديمقراطية يشترك فيها ممثلو الدول الأعضاء جميعاً. مع ذلك انسحبت منه المملكة المتحدة، وهي أحد أكبر وأهم أعضائه لأنها وجدت نفسها في حالة انفصال عن "مؤسسة" الاتحاد .. صحيح أن القرارات كانت تتخذ بالتصويت، إلا أن هذه العملية الديمقراطية لم تكن تلتقي في نتائجها مع المصالح القومية البريطانية دائماً .. فكان الانسحاب .

لذلك يرى الكاتب أن شرعية الحكم تقاس في مدى قدرة الحاكم على النجاح في حفظ سلامة وأمن ومصالح المجتمع وفي مدى قدرته على تحقيق النمو والازدهار المنشودين؛ ذلك أن المهم في الحسابات الأخيرة هو أن تبحر السفينة، وليس المهم لون الشراع أو شكله .

 

تفاصيل الكتاب:

عنوان الكتاب : 10% ديمقراطية أقل: لماذا يجب الثقة بالنخب أكثر قليلاً، وبالعامة أقل قليلاً ؟

 المؤلف : غاريت جونز Garett Jones

الناشر : جامعة ستانفورد للصحافة Stanford University Press

عدد الصفحات : 248

أخبار ذات صلة