الجدار والجسر.. الخوف والفرصة في يقظة الاضطراب

الجدار والجسر.jpg

جلين هوبارد

محمد السالمي

دائمًا ما يدور الحديث في أروقة السياسة حول من هم الرابحون والخاسرون في هذا العالم الرأسمالي التنافسي؛ فعلى رغم ما جلبته التكنولوجيا والعولمة من قفزات مذهلة في العديد من مجالات الحياة، فإن تأثيرها على الوظائف والمجتمعات سبب الإحباط في ظل غياب عنصر الحماية. لذلك، فقد حاول السياسيون الشعبويون مراراً وتكراراً معالجة هذه القضية عبر إنشاء الجدران واتباع أسلوب الحمائية لعزل المجتمعات وإبعاد المنافسة. بينما يشير الخبير الاقتصادي جلين هوبارد في كتابه "الجدار والجسر" إلى أن اتباع سياسة الحمائية يؤخر التكيفات المطلوبة للتعامل مع العالم المتغير باستمرار؛ حيث إن هذه السياسة في الأساس متخلفة المظهر ومقدر لها الفشل في النهاية. وفي المقابل، يروج هوبارد في كتابه إلى فوائد الاقتصاد الحر واتباع سياسة بناء الجسور لدعم الناس على تجاوز التحولات التي لا مفر منها.

وللتعريف بالمؤلف، فإنَّ جلين هوبارد شغل منصب عميد كلية الاقتصاد والأعمال بجامعة كولومبيا، كما شغل منصب رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين لدى الرئيس جورج دبليو بوش.

 

وبعد الحرب العالمية الثانية، نمت التجارة الدولية بشكل بارز في النظام الاقتصادي الدولي، وذلك تزامنا مع تحرير التجارة وتقليل الحواجز المتعلقة بالمسافة نتيجة الثورة التكنولوجية. وفي الوقت نفسه، أدى دخول الصين والهند إلى الاقتصاد العالمي في أواخر السبعينيات وأوائل التسعينيات على التوالي إلى توسيع نطاق التجارة بشكل كبير وذلك مع نقل وسائل الإنتاج خارج الحدود الوطنية واتساع سلاسل التوريد. كما أدت الابتكارات في مجال التكنولوجيا إلى تضخيم المكاسب من التجارة بين الأسواق العالمية. فهذه الانهيارات في الجدران (العزوف عن أسلوب الحمائية) وارتفاع مستوى المكاسب تغنَّى بها القادة لتصوير الإنجازات. لكن قصة المكاسب هذه لم تكتمل؛ حيث أدت المنافسة التجارية العابرة للقارات إلى فقدان الوظائف وتهجير الصناعة إلى الخارج، ومع استجابة أصحاب القرار الضعيفة، نتج تفاقم انعدام الثقة في النخب المحلية والعالمية. 

وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أدَّى انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية إلى تسريع هذه الخسائر على الولايات المتحدة بشكل كبير. وتوضح التأثيرات القوية من دخول الصين والهند في الاقتصاد العالمي الحديث على عرض العمالة العالمي وأجور العمال ذوي المهارات المنخفضة والمتوسطة. ويتطرق هوبارد إلى فشل السياسة الاقتصادية في بناء الجسور لمطابقة المهارات بالفرص الجديدة والتخفيف من المخاطر التي يتحملها الأفراد بسبب القوى الخارجة عن إرادتهم.

وتفاقمتْ الاضطرابات الاجتماعية بشكل واضح نتيجة افتقار الساسة للتعامل مع ملفات التجارة الخارجية والتغيير التكنولوجي، إضافة للتعافي البطيء من الأزمة المالية العالمية في 2004م. ففي الولايات المتحدة، كان الإخفاق جليا في التعامل مع ملف الإسكان. وفي تناقض حاد، تم تسريع الإجراءات الحكومية لإنقاذ بنوك وول ستريت والتي هي أساس الأزمة المالية.

وبحلول انتخابات عام 2016، كانت منصات السياسة الاقتصادية الخاصة بالنخبة المشاركة في تلك الحملة بعيدة عن الاضطرابات الاقتصادية غير المعالجة والتي يعاني منها العديد من الأمريكيين. فعلى جانب الجمهورين، سيطر النقاش على الإصلاح الضريبي لدعم الاستثمار والإنتاجية، إلى جانب الدعم المستمر لتوسيع الاتفاقيات التجارية. أما الديمقراطيون، فقد سيطر التأمين الاجتماعي على مناقشاتهم، لكنه لم يكن له علاقة تذكر بالتوظيف والأجور لأولئك الذين خسروا في عملية التغيير التكنولوجي والعولمة، وشددوا بدلاً من ذلك على دعم الرعاية الصحية الأكبر في قانون الرعاية الميسرة دون الإشارة إلى الرعاية الاجتماعية المتعلقة بالعمل. بينما كان تركيز ترامب على ملفات الهجرة والتجارة، إضافة إلى شكوكه في النظام الاقتصادي الدولي الليبرالي، وهو ما يتناسب تماماً مع مناداة الجمهور المحبط. فعلى الرغم من معرفة أصحاب القرار بالوضع العام، فقد فشلوا في بناء الجسور لهذه الفرص التي من شأنها أن تعزز متوسط ​​النمو.

 

ولكن يعود السؤال: لماذا لم تفعل النخب في مجال الأعمال والسياسة والاقتصاد الكثير للتعامل مع هذه الاضطرابات القوية؟

ويُلقي أحد التفسيرات باللوم على النخب الاقتصادية "الأغنياء" أو "الشركات الكبيرة" لتقلص آفاق الطبقة العاملة؛ فالكثيرون ينادون بمبدأ عدم التدخل في الانفتاح وقوى السوق؛ لكونها تستوعب العولمة والتغير التكنولوجي. ولكنها في الحقيقة قيدت فرص العمل ومكاسب الأجور التي كان ينبغي أن يحصلوا عليها جنباً إلى جنب مع مكاسب الإنتاجية في السوق.

والتفسير الآخر يتعلق بمبدأ التعويض عن الإنتاجية. فعلى سبيل المثال، عند المقارنة في الإنتاجية بين العمال ذوي المهارات المنخفضة والمتوسطة مع المهارات العالية؛ بطبيعة الحال تكون مكاسب للعمال ذوي المهارات العالية أكبر لكونها معززة بطبيعتها من التجارة والتغير التكنولوجي والمعرفة. يشير مثل هذا التفسير إلى أن السؤال المهم هو ما إذا كانت الشركات الغنية أو الكبيرة لا تعوض العمال العاديين بشكل عادل مما يمكن أن تفعله السياسة العامة لتعزيز مهارات العمال لتمكينهم من أن يكونوا أكثر إنتاجية في المستقبل، أو بمعنى تكييف مهارات العمال مع الواقع المتغير بسرعة، وهذا التصور ما يدعو إليه الكتاب.

ومن المؤسف أنْ نرى انفصالا كبيرا بين تحليل الاقتصاديين وما يشهده العالم الحقيقي؛ حيث يصف التحليل الاقتصادي أن المكاسب الاقتصادية تزداد مع العولمة والتغير التكنولوجي على المدى المتوسط وأن المتضررين من هذا التغير سيتكيفون مع الواقع الاقتصادي. وهذا ما تصوره كتب الاقتصاد الكلي؛ حيث عادة ما تردَّد أن الاضطرابات في النهاية تجعلنا بشكل جماعي أفضل حالًا، وأن الرابحين يمكنهم في النهاية تعويض الخاسرين.

 

وواقعًّيا، الإشارة إلى الخاسرين على أنهم يسببون تكاليف انتقالية ليس مفيداً. وبالتالي، فهذه النظرة القاصرة تعمينا عن الاستجابة الفورية وتفوت الفرص المستقبلية في خضم هذا الاضطراب. فعلى سبيل المثال، لم يتم تصميم برامج تأمين اجتماعي خاص لسوق العمل في الولايات المتحدة. ويرى الكتاب أن المطلوب هو العمل على رؤية أكثر ثراءً للتأمين الاجتماعي، بحيث تكون هناك استجابة اقتصادية حقيقة للأفراد لكونهم يتحملون تكاليف المخاطر الناجمة عن الاضطرابات الخارجة عن سيطرتهم.

فمن الرابح؟.. صحيح أن رواد الأعمال ينتفعون من مزايا الانفتاح على التجارة أو التقدم التكنولوجي ويصبحون أغنياء في هذه العملية. فعلى سبيل المثال، أسماء مثل جيف بيزوس أو بيل جيتس وغيرهما، ستحضر إلى ذهننا مدى حجم الثورة المكتسبة، ولكن أرباحهم لا تنعكس إلا بنسبة ضئيلة على المجتمع. وفي المقابل، وخلاف هذه النظرة، يرى الكاتب أنَّ فئة الرابحين أوسع بكثير مما نتخيله. قد يؤدي اتباع سياسة بناء الجدار إلى مهاجمة هذه الفئة القليلة وجعلها أقل ثراءً، ولكن الأغلب سيفقدون المكافأة التي أنشأتها المجموعة الأولى والمتمثلة في المكاسب من الدخل والوظائف والاستهلاك.

ويمكن القول إنَّه ولكي يسود الرخاء، هناك حاجة إلى دعم شعبي واسع النطاق، إضافة للرغبة والإرادة للتغيير. على سبيل المثال، في سياق الوظائف يمكن التحضير للسياسة عبر تطوير المهارات ثم وضع أطر الحماية الاجتماعية لتخفيف الصدمات في حال حدوثها أثناء التحضير. وأيضا، من غير المنطقي مطالبة الفرد أو الشركة أو الصناعة التي تكسب بتعويض الكيانات الخاسرة؛ وبدلاً من ذلك، يجب أن تحافظ السياسة العامة على فرصة التنافس على نحو تصاعدي.

 

ومنذ كتاب "ثروة الأمم" لآدم سميث، وضع الاقتصاديون أنَّ هدف النظام يتمثل في تحسين الاستهلاك أي إنتاج السلع والخدمات بأقل تكلفة ممكنة وجعلها في أيدي الأفراد الذين يريدون منهم تحسين ظروفهم المعيشية. أما دور العمل في سرد الكتب الاقتصادية الجامعية، هو فقط كيف يكسب الأفراد الأموال لشراء السلع والخدمات.

... العمل مهم للغاية، ولكن لا تزال قوة المستهلك هي التي تقيس التطورات في مستويات المعيشة وتوفر مقياساً للتقدم الاقتصادي بمرور الوقت. ومن ثمَّ فإنَّ تصور الفاعلين الاقتصاديين بشكل أساسي من خلال أدوارهم كمستهلكين يلقي الضوء على الوسائل لتحسين مستويات المعيشة، والطرق التي تمكن صانعي السياسات من تحقيق النمو الاقتصادي. أما تصور الفاعلين الاقتصاديين أدوارهم كمنتجين هو في جوهره حجة للركود وليس لكسب المزيد.

وعلى مدى عقود، خلص الاقتصاديون إلى أنَّ النمو يحول الاقتصادات من الزراعة إلى التصنيع إلى الخدمات. وبالتالي، يمكن استنتاج أن جميع الاقتصاديات المتقدمة هي في الأساس قائمة على قطاع الخدمات. وبالنظر إلى هذا الواقع، فإن البديل المتمثل في بناء جسر لتأهيل العمال للمهن غير الصناعية التقليدية، يقدم حلاً أفضل على المدى الطويل للمشاركة الاقتصادية وطريقة أفضل للتفكير في كيفية حمايتهم. وبدلاً من بناء جدران الحماية، نحتاج إلى تركيز متجدد على إعداد الأفراد لاقتصاد اليوم والمستقبل، وتوفير التأمين الاجتماعي للأشخاص الذين يتخلفون عن الركب.

وللخوض في توصيات الكتاب، ينادي هوبارد بتوسيع الدعم الفردي لأولئك الذين من المحتمل أن يستمر فقدان وظائفهم لفترة طويلة. في حين أن الولايات المتحدة لديها برامج تأمين اجتماعي قوية لكبار السن، فإن التأمين الاجتماعي ضد فقدان الوظيفة خلال سنوات عمل الفرد متواضع ومصمم لاقتصاد يكون فيه الانتقال من وظيفة إلى أخرى أمراً سهلاً وخاليًا من القلق. تدرك مثل هذه المخططات أن التركيز الحالي على التأمين ضد البطالة والتسريح المؤقت للعمال لا يتماشى مع الاقتصاد الذي يتطلب انتقالات أكبر بكثير وإعادة تشكيل المهارات. من المؤكد أن إعداد ملايين العمال الذين فقدوا وظائفهم في الوباء للعودة مرة أخرى سيتطلب دعما تدريبيا شاملا.

 

وفي الختام، وبالنظر لتجارب الدول، فهي عادة ما تميل إلى اتخاذ السياسات كردة فعل للتعامل مع الاضطرابات، واتباع أسلوب الحمائية كونه يعمل كمسكن سريع للتهدئة. وبالتأمل في توصيات الكتاب، والسياق التشريعي والتنظيري للولايات المتحدة فمن الصعوبة بمكان أن نراه قريباً في أروقة السياسة. في المقابل، يعطي الكتاب أبعاداً مهمة للدول النامية في رسم خارطتها الاقتصادية بما يتناسب مع التركيبة الاجتماعية والديموغرافية للسكان.

وهذا الكتاب يُعطي مجموعة من الأفكار العملية لإعادة تنظير وترتيب الأولويات الاقتصادية وإعادة لمّ الشمل لعدد أكبر من الناس ويمثل تحولًا في طريقة تفكير السياسة الاقتصادية؛ فعلى الرغم من أنَّ الانفتاح على التجارة والتغيير التكنولوجي يولد فوائد اقتصادية إجمالية كبيرة، لا يمكننا أن نأخذها على أنها سمات ثابتة لاقتصاد السوق؛ وإنما يجب أن يركز الانفتاح الجديد على تقليل الحواجز أمام التجارة والابتكار وضمان قيام الرابحين بتعويض الخاسرين. لكن التعويض ليس شيكاً من الرابح إلى الخاسر، ولكنه مبدأ أساسي يقضي بصيغة دعم الاستعداد للتحول والتأمين الاجتماعي. وعلى الرغم من أن غيلين هوبارد قد تعرض لانتقادات بسبب أبحاثة السابقة المتعلقة بإلغاء القيود خلال الأزمة المصرفية لعام 2008م، حاز الكتاب على استحسان النقاد وتم تضمينه في قائمة الفايننشال تايمز لعام 2022م.

 

تفاصيل الكتاب :

الكتاب: الجدار والجسر.. الخوف والفرصة في يقظة الاضطراب

الكاتب: Glenn Hubbard 

الناشر: Yale University Press- 2022

عدد الصفحات: 248 صفحة

أخبار ذات صلة