المرأة والتقنيات الإنجابية.. التنمية الاجتماعية والاقتصادية للتقنيات التي غيرت العالم

المرأة والتقنيات.png

أنيت بيرفوت وديريا غونغو

محمد بن علي الإسماعيلي*

يُقدِّم كتاب "المرأة والتقنيات الإنجابية: التنمية الاجتماعية والاقتصادية للتقنيات التي تغير العالم" دراسة اجتماعية وتاريخية لتطور تقنيات الإنجاب؛ إذ يركِّز على التطورات التكنولوجية الرئيسة من طريق عدسة الطب الحيوي مع إيلاء اهتمام خاص للجنس باستخدام الإخصاب؛ فإنه يفحص بشكل نقدي المجالات الرئيسة للتطورات الاجتماعية والتقنية ذات الصلة؛ هي: العلوم الإنجابية، وتحديد النسل، وتربية الحيوانات، وعلم الوراثة، والطب التناسلي؛ باستخدام إطار عمل نقدي لإلقاء الضوء على الخطابات السائدة.

ويسلط الكتاب الذي بين أيدينا للمؤلفتين: الباحثة أنيت بيرفوت متخصصة في دراسات العلوم والتكنولوجيا التي لها علاقة بتقنيات الإنجاب والهندسة الوراثية وعلم التشريح البشري والتصنيع والفكر الاجتماعي النسوي والثقافة البصرية، والباحثة ديريا غونغو إخصائية نفسية اجتماعية وثقافية ومستشارة متعددة الثقافات. يسلط الضوء على أمثلة المقاومة الاجتماعية، فضلاً عن الاستجابات المتناقضة لتقنيات الإنجاب الجديدة في أكثر من ثمانية فصول، كما تدرس المؤلفتان التاريخ الاجتماعي للتكاثر والنشاط الجنسي، وتقنيات الإنجاب من القديم إلى الحديث، والمناقشات في التقنيات الإنجابية الجديدة والهندسة الوراثية. وتولي النساء والتكنولوجيات الإنجابية اهتمامًا وثيقًا للترابط بين أعمال التكاثر وصناعات النسخ المتماثل، والتفاعل الاجتماعي للتكاثر -بما في ذلك التوازن الإنجابي- وما تشتغل عليه التقنيات نفسها.

 

وعلى هذا النحو، فإنَّ الكتاب يشكل قراءة أساسية للطلاب والباحثين في مجالات علم الاجتماع والدراسات الصحية ودراسات النوع الاجتماعي المهتمين بالحالة الراهنة للتكاثر البشري.

ويناقش الفصل الأول من الكتاب النظريات الإنجابية بين الماضي والحاضر، مبيناً التغيير الكبير الذي لحق بمفهوم التكاثر الجنسي مع مرور الوقت؛ تحديداً منذ القرن العشرين، الذي شكّل حقبة مهمة في نموذج تطوّر نظرية الممارسة الإنجابية؛ إذ لا يشير إلى اكتشاف جينوم بشري كامل (المعلومات الجينية الفريدة لكل إنسان) وترميزه، ولكن أيضًا تحقيق ما يقرب من 100% من وسائل منع الحمل البيوكيميائية الفعالة والحمل خارج الجسم. لقد قدَّمت الدراسات المتتابعة الكثير من الأبحاث عن التكاثر والنسخ الجيني لنقل الأجزاء التناسلية البشرية من جسم إلى آخر، وتجميد هذه الأجزاء وتخزينها وفحصها وتعديلها وراثيًا قبل وضعها في حيز التنفيذ؛ إذ لم يكن أي من هذا ممكنًا قبل التقدم العلمي. إلّا أنّ ذلك ليس دليلا مباشرا للتطوير والاكتشاف التقني، ولكنه يثير أسئلة متصاعدة في العلاقة بين التكاثر الجنسي ودور التقنية المعاصرة في توطيده وتطويره.

لقد خلصت أفكارهما إلى أنَّ تفسير التكاثر البشري عُدَّ تبادلًا بيولوجيًا بين الرجال والنساء؛ إلا أن التطور التقني في هذا المجال أحدث تحوّلا كبيرا منذ سعي الحضارة اليونانية القديمة إلى عصر النهضة الأوروبية لحل لغز التكاثر البشري تجريبيًا؛ فقد أدت الممارسات الدؤوبة في علم التشريح البشري -جنبًا إلى جنب مع التحسينات في التقنيات المرئية، خاصة المجهر في القرن السابع عشر- إلى تقريب الفهم الواضح لنظريات التكاثر البشري إلى الكيفية التي نحن بصددها اليوم، هي: أولاً من حيث المكونات التناسلية: الخصيتين، والمبيضين، والحيوانات المنوية، ثم أخيرًا البويضة، إلى أن ظهر اكتشاف الأنظمة الأساسية لعمل هذه الأجزاء، بما في ذلك التغذية والتواصل (الدم، ثم الخلايا)، والتنشيط (الأعصاب، ثم الهرمونات)، والوراثة (الجينات) بيولوجيّاً من كلا الوالدين. فيما أشارت النظريات إلى التطور المبكر والحديث الحاصل معاً في عملية التكاثر؛ وقد تميّزت الأديان الرئيسة في ذلك الوقت باعتبار المعتقدات الذكورية صميم الحياة الاجتماعية التي تؤثر بشكل كبير على إدارة التكاثر البشري، رغم أن السعي العلمي المبكر لشرح الجوانب الدنيوية للتكاثر البشري المرتبط بالأرض في سياق أنظمة تلك المعتقدات لم يفلت من تأثيرها.

لقد أصبَح الحمل والولادة جزءًا مهمًّا من الممارسة الطبية التي يتم التعامل معها على أنها مصدر قلق طبي أكثر من كونها جزءًا روتينيًّا من حياة الإنسان؛ لذا اتجهت المؤلفتان لدراسة عملية المعالجة الطبية الحديثة للحمل والولادة. دون أن نغفل عن أن الفلاسفة الطبيعيين، ثم العلماء المعاصرين والممارسين الطبيين فيما بعد، تجادلوا على مر السنين في معنى ووظيفة واستمرار التكاثر البشري.. فعادة، تأتي رعاية النساء من قبل نساء أخريات في أثناء الحمل وفي أثناء الولادة وفي الأشهر التي تأتي بعدها. وقد كن على دراية ومعرفة بهذه الوظيفة؛ وينقلن خبراتهن إلى نساء أخريات -باعتبار أنهن مجهزات بالمعرفة والخبرة المتوارثة عبر القرون- إذ تم تزويدهن بالمعرفة بالعلاجات العشبية، وتقنيات المساعدة في الولادة وإدارة جسم الإنسان.

ورغم أنَّه جاء تقديم مفهوم وأولويات الطب الحديث على أنه فائدة يجب أن يتمتع بها جميع السكان، فإن حالات الحمل الصحية والولادات الآمنة لجميع المواطنين تعد مؤشرات مهمة للتقدم الاجتماعي في وقتنا هذا. كما أن تقديم الرعاية الصحية، بما في ذلك الإنجاب المحيط، يندرج بشدة تحت وسائل المؤشرات الاقتصادية للدول، ويختلف بين مجموعات سكانية محددة داخل الدول وبين ما يسمى بالدول المتقدمة والنامية. وعلى الرغم من أن الهدف الأساسي المعلن للطب الحديث هو رفاهية الأفراد، بيد أنّ التاريخ البربري للعناية الطبية المبكرة في القرن التاسع عشر بالسكان العبيد الذين هم من أصل إفريقي، يوضح كيف تحدد الفائدة المالية للممارسة الطبية (التي تشمل في هذه الحالة مالكي العبيد والأطباء الطموحين والاقتصاد الأمريكي). وفي سياق تقصِّي المؤلفتين للرعاية الطبية للنساء أثناء فترة الحمل والولادة، وجدتا أن الفئات المهمشة من النسوة لم تجد تلك العناية اللازمة؛ بسبب احتكار الرجال البِيْض وسيطرتهم على مهنة الطب وممارساتها؛ ضاربين عرض الحائط بالمبادئ المعاصرة للعلم.

 

إنَّ السيطرة الاجتماعية على التكاثر معقدة، فهي تنبض باستمرار في ظل الطبيعة والفطرة البشرية، بيد أن الحماية الحكومية والعالمية ومتابعتها لهذا الموضوع تعزز عدم المساواة القائمة بين الأشخاص المتميزين بالعرق والجنس والدخل والمعتقد الديني... وما إلى ذلك. في الوقت نفسه، تقيّد السكان غير المرغوب فيهم - عادة يتم وصفهم بأنهم غير منتجين اقتصاديًا، ويشكلون تهديدًا للبيئة والسلامة العالمية، أو غالبًا ما يكونون من أصحاب البشرة السمراء أو السود، ويؤثرون بشكل طبيعي على الثروة الاقتصادية العالمية، ومعدلات الاستهلاك والتعليم العالي. ومع ذلك، يتشبث الناس بتأكيد قدرتهم على الإنجاب رغم تلك العوائق.

وقد أفرزتْ تلك الإرهاصات عددا من الظواهر غير الطبيعية؛ مثل: توجه النساء إلى التلقيح الذاتي، وتوجُّه النساء والرجال مثليي الجنس إلى تحطيم القدرات الإنجابية الفطرية؛ لمساعدة بعضهم بعضا على تكوين عائلات خارج النسق المغاير، والانتقال بحذر بين التقاليد والعادات. وقد تمكن عدد من الأطباء من مساعدة النساء في السيطرة على إنجابهن رغم العقوبات القانونية المفروضة؛ بداعي أنّ العلاج الطبي الحديث للحصول على أفضل ما يخدم الحوامل ويخدم أطفالهن، لا يتم فيه دائمًا التحكم في التكاثر من طريق تمرير القوانين، بل ولا تحمي جميع القوانين الحقوق الإنجابية لجميع الأشخاص، إذ لا تبدو العدالة الإنجابية كما هي في كل مكان، وليست هي ذاتها للجميع.

 

وتشير الدراسات إلى أنَّ السنوات الخمسين الماضية لها تأثير مهم على التنشئة الاجتماعية بين الجنس والتكاثر، خاصة في الدول المتقدمة. أولاً: تمكن الطب الحديث من منع التكاثر من الناحية التكنولوجية؛ وذلك مع ظهور وسائل منع الحمل الفعالة والمتاحة على نطاق واسع، خاصة حبوب منع الحمل. أما على المستوى البصري، فكان هناك تحرير لمتطلبات الحد من ممارسة الجنس بين الجنسين للزواج، تبعه إلغاء تجريم المثلية الجنسية والتحرك نحو إزالة وصمة العار ومناهضة التمييز ضد غيرية الجنس. وبحلول الألفية الجديدة، برزت اعتبارات لسياقات إنجابية جديدة، مثال ذلك: خدمة الأشخاص المثليين في تأكيد جنسهم ومساعدة العائلات غير المغايرة جنسيًّا على إنجاب الأطفال، كما طوّر هذا النظام أيضًا معايير جديدة للأنوثة التي تتم إدارتها بطريقة علاجية دوائية حديثة (تعليق الخصوبة وانخفاض الحيض واستمرار النشاط الجنسي حتى سن الشيخوخة). بينما ظهرت تقنيات الإنجاب الجديدة في المشهد وسط كل هذا، كذلك الطب المساعد على الإنجاب وإنشاء نظام جديد يسمى: النسخ المتماثل.

لقد أدَّت الدوافع الطبية لعلاج مشكلات العقم ومسبباته إلى إضفاء الطابع الخارجي على المفهوم البشري والسماح بتوزيع الأمشاج والأجنة البشرية؛ وذلك في عصر تقنيات التكاثر الجديدة من التلاعب المتطور ذي الدوافع التجارية للتكاثر في الحيوانات التي تغذي صناعات اللحوم والألبان. وهذا الذي دفع الخبراء والمختصين إلى الممارسة الطبية بهدف التلقيح الصناعي والهندسة الوراثية. ومع احتمال السيطرة على الأمراض المروعة المرتبطة وراثيًا، كان العائق الآخر هو معدلات النجاح الأولية المنخفضة بالممارسة التجريبية لتحسين التقنيات الجراحية والصيدلانية الأكثر كفاءة والأسهل تحكمًا في الممارسات المساعدة المتبعة للحمل. وقد اتبعت الهندسة الوراثية والوعود المصاحبة لها التلقيح الاصطناعي والتقنيات الملحقة به طوال الوقت، كما استمرت الهندسة الجيولوجية في جذب تكهنات واهتمام المترقبين للتطورات الأخرى في تقنيات التلاعب الجيني. وفي الوقت نفسه، نجد أن شركات الأدوية تمتلك نصيبًا مثيرًا للإعجاب في ممارسة الإنجاب المساعد، وتحقق أرباحًا كبيرة من العيادات ومنافذ بيع الأدوية المطلوبة المشاركة في الإجراءات. وتشير الدراسات طويلة المدى إلى التأثيرات المحتملة على صحة الأطفال المولودين من الإجراءات المتبعة في عوامل المساعدة تقنياً على الحمل إلى ارتفاع مستويات الشذوذ الجنسي.

وأثبتتْ التدفقات العالمية الإنجابية أنَّ لائحة التقنيات الإنجابية الجديدة والهندسة الوراثية من الصعب مراقبتها قانونًا؛ لذا يتطلب من الدول أن تتفاعل بمجرد تحديد التدفق الضار المحتمل. ويوضح تاريخ تشريعات العلاج ببدائل النيكوتين كيف أنها تميل إلى متابعة التطور العلمي والتنفيذ التكنولوجي والتفاعل معه. وهناك أيضًا لازمة شائعة الآن مفادها أن العمل المحفوف بالمخاطر في العلاج ببدائل النيكوتين والهندسة الوراثية للأجنة البشرية المزروعة مسبقًا يستحق الفوائد الطبية الموعودة، بما في ذلك العمل على العقم، على الرغم من قلة الإدراك لتلك الفوائد (يظل أعلى معدل نجاح لعمليات التلقيح الاصطناعي بنسبة تصل إلى 25٪). كما أنّ احتمالية وجود أجزاء وأجنة بشرية وأجنة أطفال أنابيب اختبارات خارجية قابلة للتحويل؛ وهذا التحوّل أوصل المتخصصين الآن إلى نقطة قبول اجتماعي؛ لذا يتم الآن إجراء عمليات التلقيح الاصطناعي بشكل روتيني ومتاح في جميع أنحاء العالم. كل ذلك مقابل سعر مرتفع نسبيًا، كما يمتد القبول المتزايد للعلاج ببدائل النيكوتين إلى الهندسة الوراثية البشرية بما في ذلك التلاعب بالأجنة. وقد عُدَّ هذا مقبولا في الموازنة بين المخاطر والفوائد. وهذه ليست مسألة تكاثر فحسب، بل أيضًا مسألة استنساخ تم بشأنها إطلاق العنان لقدرة الخلايا الجذعية، وكشف النقاب عن ألغاز بويضة المرأة؛ لذلك يتطلب الموضوع اهتمامًا علميًا عالميّا يستفيد من العلوم الوراثية البشرية والهندسة الإنجابية.

وبمجرد ظهور العلاج ببدائل النيكوتين، كونه شيئا يمكن للممارسة الطبية تناوله، تحدثت أصوات منتقدة للمشكلات المستمرة المتعلقة بإضفاء الطابع الطبي على الإنجاب، خاصة بالنسبة للنساء. وشمل ذلك مستوى التجريب والتدخل في التناسل الأنثوي الذي يمكن أن يسبب ضررًا فرديًا، والمسائل المتعلقة بحقوق الوصول إلى التقنيات المتعلق بأوجه عدم المساواة الهيكلية القائمة على الطبقية والعرق والعولمة، والأرباح الكبيرة على استخدام الهرمونات التناسلية، وعقود تأجير الأرحام، وجمع الأمشاج والأجنة البشرية وتخزينها ونقلها. وهناك أرباح لا يمكن تصورها في تسخير قوة علم الوراثة.

إنّ المُطَالِع لرموز ومنحوتات ما قبل التاريخ المتقنة عبر الأفكار الأولى المسجلة بشأن التكاثر، ومراحل الصعود والهبوط في فهم هذا النشاط الأساس والغامض لتلك المرأة التي تعد لدى المجتمع الذكوري أدنى منزلة من الرجل من حيث معنى الإنجاب، سيجد أنَّ الطب انتقل من تفتيت أجزاء جسم المرأة وميكانيكيته وهندسته... هذه الأنثى التي انتفخ جسدها ووضعت الطفل، إلى أن بدأت النساء في التعرض لبدائل فحص النيكوتين للجنس والتكاثر والتطور التكنولوجي.

 

تفاصيل الكتاب:

الكتاب: المرأة والتقنيات الإنجابية.. التنمية الاجتماعية والاقتصادية للتقنيات التي غيّرت العالم

الكاتب: أنيت بيرفوت وديريا غونغو

الناشر: روتليدج، دار نشر بريطانية مُتعددة الجنسيات - 2022

عدد الصفحات: 154 صفحة

*كاتب وباحث عماني

أخبار ذات صلة