تكوين الفكر القومي العربي

تكوين الفكر.jpg

أنطونينو بلليتاري

عزالدين عناية *

يندرجُ هذا الكتاب ضمن الأعمال التاريخية السياسية التي تُتابع تَشكّل الفكر القومي العربي وتطوّراته. ويحاول المؤلِّف الإيطالي أنطونينو بلليتاري أستاذ تاريخ الدول العربية في جامعة باليرمو، تتبّع المسار التكويني لفكرة القومية العربية؛ من حيث منشئها وتطوّرها، وصولا إلى دراسة رموزها وأعلامها، اعتمادًا على الاقتباس من مؤلفات الكتّاب العرب المعنيين بالمسألة، وتحليل مقولاتهم بشأن العديد من القضايا.

ويُقرّ المؤلِّف أنّ عنوان كتابه يحاكي عنوان مؤلف المؤرخ العراقي عبد العزيز الدوري "التكوين التاريخي للأمة العربية"؛ إذ تهيمن قراءة الدوري ومقولاته، بشأن الفكر القومي، على المنهج الذي اعتمده أنطونينو بلليتاري في قراءة ظاهرة القومية العربية وعلى مجمل الطروحات التي نادت بها.

 

وفي مستهلّ الكتاب، يطرح بلليتاري جملة من الأسئلة المحورية، على غرار: هل القومية العربية هي معطى واقعي ثابت وجامد داخل التاريخ أم هي حصيلة تطوّرٌ في السياقات التاريخية؟ بما يعني أنها حصيلة تطوّر سياسي وثقافي. نجد الكاتب في المحور الأول المعنوَن بـ "الوعي العربي.. ملاحظات أولية" يعالج أسئلة البدايات: ما هو المكوَّن الجوهري للقومية اللغة أم العرق؟ ويستعرض رؤى مختلفة في ذلك بحسب مُنظّري القومية، ثم يعرّج على الإسلام متسائلا، هل هو مكوَّن حضاري وسياسي أم هو دافعٌ وسندٌ للغة والوحدة اللغوية؟ كما يَستحضر الكاتب دورَ عملية التثاقف مع الغرب في إذكاء الحسّ القومي لدى العرب، وفي اقتباس العديد من المحاور الإيديولوجية؛ حيث يعود إلى الأحداث الكبرى في مطلع القرن التاسع، مثل الاستعمار، وضعف الدولة العثمانية، وتحفّز الدول الأوروبية لتمديد مجالها الحيوي، ليستعين بتداعياتها وآثارها على إبراز أثرها القوي على الوعي العربي.

ويستدعي في هذا السياق ما كان لاحتلال الجزائر (1830) من دور حاسم في إحداث الرجّة في الكيان العربي، وتنبيهه إلى ما يعتمل حوله في الساحة السياسية العالمية. ثم يُبرز أنطونينو بلليتاري من جانب آخر، أنّ القومية العربية قد لاقت اهتمامًا ومتابعةً في إيطاليا، من جانب سياسيين بغرض رصد تحولات العالم العربي، وكذلك من جانب مؤسسات علمية، على غرار "معهد الشرق" في روما، هذا المعهد الذي شهد تطوره مع المدّ الفاشي ولا يزال ناشطا إلى اليوم.

ويُعنون الكاتب الفصل الثاني من مؤلفه بعنوان: "الفضاء القومي.. الوحدة والتجزئة"، ويعيد تاريخ تشكّل الدول العربية، لا سيما في أعقاب الثورة العربية والاستعمار، إلى تطوّر الحسّ الوطني الذي ترافق مع تطور المدّ القومي، وإن اختلفت المرجعيات لكلا المسارين الإيديولوجيين. كما يستحضر الكاتب ضمن تحليله حدث الوحدة/التجزئة من منظور رواد القومية العربية، والساسة، والفاعلين الاجتماعيين، ويتركز تحليله وقراءته للفكر القومي بالخصوص على مقولات ساطع الحصري، ومحمد عزة دروزة، وجورجي زيدان، وعبد الرحمان الكيالي.

ثم ينتقل في الفصل الثالث ليعالج مسألة الولاء للخلافة العثمانية، ومظاهر الوعي العربي المتنامي، وما خلّفته تلك الأوضاع من تجاذبات ومواقف تبلغ حدّ التضارب والتناقض أحيانا. ويستعيد بلليتاري المواقف المتنوعة من حضور الدولة العثمانية، على مستوى سياسي وديني وثقافي، في فضاء عربي شبه موحد على مستوى اللسان، وعلى مستوى الثقافة، وعلى مستوى الدين، واختلاف الرؤى والتقديرات بين المشرق والمغرب في ذلك. ويستحضر بشأن ذلك قراءة رواد النهضة للوجود العثماني، مردفا ذلك بحديث عن أزمة دولة الخلافة في أواخر عهدها وأثرها على البلاد العربية، لكنه لا يغفل عمّا لعبته الخلافة العثمانية من حائل أمام مطامع الدول الأوروبية في فترات كانت تتطلّع فيها للغزو والاستعمار. ثم في الفصل الرابع المعنون بـ"الفضاء الحضاري.. تغيرات بشأن الإسلام والعروبة"، يطرح الكاتب نظرة علماء الدين والفقهاء للقومية، وكذلك مواقف المؤسسات الدينية في المغرب والمشرق، وفقد أتى التحليل مفصّلا وغطّى جوانب مهمّة في النظر إلى القومية والخلافة العثمانية في آن.

 

وفي الفصل الخامس المعنون بـ"العلاقة بين فكرة القومية العربية والتحليل الاجتماعي"، يتركز الحديث حول عبد الرحمن الكواكبي والمسألة الاجتماعية. ويقتبس بلليتاري جملة من آراء الكواكبي الواردة في مؤلفاته ويعيد عرضها وتحليلها وفق منهج نقدي. في حين الفصل السادس، الذي يمسح ثلث الكتاب تقريبا، فهو يتناول شخصيات ونصوص مجموعة من الكتّاب يرى المؤلف أنهم مهّدوا بأفكارهم وأَلهموا الفكر القومي، وهم على التوالي: عبد الرحمن الكواكبي، أمين الريحاني، عبد الحميد بن باديس، محمد كرد علي، عبد الرحمان الكيالي، منير الشريف، علال الفاسي.

ومقارنة بغيره من الأعمال التي تناولت ظهور القومية العربية، لا يعبِّر كتاب "تكوين الفكر القومي العربي" عن جدية في الطرح أثناء تناول الحدث القومي والفكر القومي، وهو لا يزيد على استعراض لآراء جملة من الكتّاب القوميين والمناصرين للفكر القومي. حيث تغلب على الكتاب سمة استعادة مواقف الشخصيات المؤثّرة في مسار تَشكُّل الفكر القومي أكثر منها تحليل تلك الآراء أو مناقشتها. فليست هناك منهجية واضحة في الكتاب، بل يطغى التداخل على مضامين المحاور والاستعادة لها في عديد المواضع؛ إذ يبدو الكتاب وكأنه دروس متناثرة ملقاة على طلاب بدون خيط رابط، وهو ما يلوح من خلال طابع التجميع والعرض. وحتى الشخصيات الواردة في الفصل الأخير -الذي حاز ثلث الكتاب- فهي لا تبدو متناوَلة بالعمق والشمول الكافيين، سواء كان في أعمالها، أو في مؤلفاتها، أو في أنشطتها، أو في مسارها السياسي، بل تبدو الصفحات المخصَّصة لكلّ عَلَم من تلك الأعلام مجرد تعريفات بأصحابها لا غير، لِما تفتقر إليه من عمق في تحليل أفكارهم أو استعراض طروحاتهم. وهو ما يجعل الكتاب يأتي بمثابة المدخل في دراسة فكرة القومية العربية.

وعلى هذا الأساس، فالكتاب من حيث القيمة العلمية والإضافة المعرفية هو متوسّط القيمة، لما تخلّله من نقص في بعض فصوله، وكذلك لغياب التحليل المعمَّق للوقائع التي تناولها، والأفكار الكبرى التي تضمنّها، حيث يطغى على الكتاب طابع التجميع والاستعادة للأحداث دون ربط واضح بينها، على غرار ما تناوله بشأن علاقة الدين بالعروبة، وعلاقة الإسلام بالبناء السياسي المنشود. فهناك عرض تاريخي سردي يخلو من التحليل المعمَّق لمسألة في غاية الخطورة. وتبعا لذلك أرى تباينا بين ما عرضه الكاتب وبين ما أفصحَ عنه في مستهلّ كتابه، من تقصّده دراسة ما سماه "تكوين الفكر القومي العربي- الأصول التاريخية الثقافية والعناصر المكونة".

وإن أبدى المؤلف استعادة في ثنايا مؤلفه للجدل بين الخطّ القومي ذي النزعة الدينية، مُركزا بالأساس على رؤية قسطنطين زريق في تناوله مسألة القومية ومفهوم الإسلام؛ باعتباره عربيا مسيحيا. وعلاوة على، استعادة مسائل شبيهة كمفهوم القطرية، ومفهوم الأمة، ومسألة الطائفية، وتعدّد اللّغات داخل المجتمعات العربية، فقد غلب السرد التاريخي دون التعمق في أبعاد تلك القضايا وما لها من أثر واضح على السياق القومي العام.

لم يتعرّض الكاتب إلى مساهمة الساسة العرب، بعد رحيل الاستعمار، في إذكاء الجدل حول موضوع القومية، وإنما قصر جلّ اهتمامه على الطروحات النظرية كما ارتأى، مبرّرا ذلك برغبته في البقاء في حيز الأفكار والمفكرين. وهو خيار منهجي ارتآه المؤلف، غير أنّه أفقد الكتاب عنصرًا مهمًّا في علاقة الساسة بموضوع القومية، في وقت لعب فيه كثير من الحكام دورا بارزا في التحشيد للقومية أو معارضتها ومحاصرتها، بسبب اختلافات الرؤى والمواقف الإيديولوجية.

 

لقد ورد المنهج العام الذي اختاره الكاتب في عرض فلسفة القومية العربية مختزَلا ضمن فصول الكتاب بشكل واضح، وهو ما طبع المؤلَّف بسمة السطحية والتسرع، وما جعل تناول أحداث ووقائع مفصلية في التاريخ العربي الحديث تأتي بشكل مبسَّط ومختزَل. ولعلّ ذلك عائد إلى أنّ صاحب الكتاب آثر أن يكونَ عمله محاولة لإلقاء نظرة عامة ومبسّطة لواقعة معقدّة، رغم ما يلوح من إلمامه الجيّد بقضايا التاريخ العربي الحديث. إذ تتركز اهتمامات الكاتب في مؤلفاته المنشورة سابقا على التاريخ الحديث للعالم العربي ولا سيما منه التاريخ السياسي. حيث يُعدّ مؤلَّفه "مقدمة في دراسة تاريخ العالم العربي المعاصر" الصادر سنة 2018، الخطة الموسّعة التي تناولَ من خلالها قضايا العالم العربي، وهو ما يجعل الكتاب الحالي الذي نتناول عرضه، بمثابة تركيز على إحدى القضايا المطروحة في كتابه السابق الذكر، وإن لم تأت بالعمق والشمول المنتظَر. صحيح يدرس الكاتب التاريخَ السياسيَّ الحديث للعالم العربي، وقد سبق له أن أصدر مؤلفات أخرى لا تمت بصلة للتاريخ العربي، وهو ما يضعنا أمام افتقاد خيط ناظم بين مختلف أعماله المنشورة حتى يمكن الحديث عن مشروع فلسفي أو فكري أو ثقافي موحَّد يتميز به الكاتب. يكشف أنطونينو بلليتاري، سواء من خلال مؤلفه الذي نستعرضه أو من خلال المؤلفات الأخرى، عن إلمام بالعربية. وهو في هذه الحالة أفضل بكثير من مجايِليه وزملائه الذين يُدرّسون القضايا السياسية العربية دون إلمام بالعربية. ويَكشف ورود الكثير من المصادر العربية واستحضار مضامينها في النص الذي نستعرضه، اقتباسا وإيرادا، عن مستوى مقبول في العربية وإلمام بالمصادر العربية في الموضوع. إذ تَغلب على القسم الأكبر من المراجع  في كتاب "تكوين الفكر القومي العربي" المراجع العربية، وقد وردت أحيانا في لغات أجنبية أو بالعربية مباشرة. هذا بالإضافة إلى تضمّن الكتاب قائمة من المؤلفات الغربية في الشأن، معظمها مدوَّنة بالإنجليزية. وضمن تلك القائمة من المراجع تمّ الاعتماد في الكتاب على سلسلة من المؤلفات العربية ذات الصلة بموضوع القومية، وهي في الحقيقة مصادر مهمّة، ويقارب عددها نصف المراجع (66 مرجعا ومصدرا)، راجعها المؤلف واستعان بها عند تأليف كتابه. ولعلّها الميزة الأبرز لدى هذا الكاتب مقارنة بغيره من الكتّاب الإيطاليين الذين يتناولون قضايا العالم العربي السياسية والاجتماعية في غياب المراجع العربية.

هذا وقد تضمّن الكتاب فهرسا بأسماء الأعلام، إضافة إلى جردٍ بأهمّ الأحداث التاريخية على مدى الصفحات (15-23)، ولكن الكتاب خلا من سائر أنواع الفهارس الأخرى سواء كانت للمصطلحات أو ما شابهها.

والشيء اللافت في تناول موضوع تكوين الفكر القومي العربي مع الكاتب أنطونينو بلليتاري، هو خلوّه من نزعة المركزية الغربية التي غالبا ما تطفو لدى الكتّاب الغربيين عند تناول مثل هذه المواضيع السياسية. لكن ما يلوح جليا في كتابه هو غياب أي نزعة نقدية للتعاطي الغربي مع النهضة العربية، ومع القومية عامة، وهو ما وقف حائلا في بعض الأحيان دون بلوغ أهداف الكتاب المرجوة.

 

أقدِّر أن المنهج الذي اعتمده الكاتب في مؤلفه غير موفّق، وغير ملائم في تناول الظاهرة القومية في البلاد العربية. فلا يكفي أن نعرض المواقف والمقولات للإحاطة بموضوع شائك. ففي عرضه اعتمد الكاتب التبسيط اللغوي، ولعلّ ذلك كان عن قصد بغرض إيصال المعلومة بيسر إلى القراء غير المتخصّصين أو إلى الطلاب المبتدئين أيضا. هناك نقل للمصطلحات التي رافقت منشأ القومية العربية وتطورها إلى اللغة الإيطالية، توخّى فيها الكاتب التفسير والشرح وذكّر دائما بحمولتها السياسية.

ومن جانب آخر، نشير إلى أنّ دار "فرانكو أنجيلي" للنشر التي تولت طبع الكتاب هي من الدور المعروفة في إيطاليا بانشغالها بالقضايا السياسية والقانونية. وإن كنتُ لم أرصد بعدُ اهتماما إعلاميا أو أكاديميا بالمؤلف، نظرا لجدّة صدور الكتاب. ربما يلحظ القارئ الغياب التام للجداول والخرائط في موضوع يستحقّ توظيفا لهذه الأدوات. حيث اعتمد صاحب الكتاب على اقتباس مقولات المفكرين العرب بشأن موضوع القومية وقام بتحليلها، ولم يكلّف نفسه عناء بلورة خلاصة من شأنها أن توظّف أدوات الإيصال الحديثة.

بقي أن نشير إلى أنَّ هناك بعض الثغرات في الكتاب أثناء استعراض المؤلف لمختلف العناصر التي شكلت الفكر القومي العربي، مثل: غياب الترابط وتعدّد التكرار، علاوة على ندرة التحليل والنقد، قد قلّصت من قيمة الكتاب كمرجعية في هذا الحقل. وهو ما يجعل الكتاب متوسط القيمة العلمية والمعرفية. قد يكون الكتاب مدخلا لدراسة الظاهرة القومية في البلاد العربية، ولكن لا أتصوّرُ أنه سيضيف شيئا لمنهج دراسة هذه الظاهرة، فلم نلاحظ مثلا مقارنة جادة بين ظاهرة القومية العربية والفكر القومي العربي من جانب، والظاهرة القومية في أي من بلدان أوروبا من جانب آخر، فطابع الاختزال يطغى على محاور الكتاب.

 

تفاصيل الكتاب:

الكتاب: تكوين الفكر القومي العربي

الكاتب: أنطونينو بلليتاري

الناشر: منشورات فرانكو أنجيلي، (ميلانو) - باللغة الإيطالية.

سنة النشر: 2022.

عدد الصفحات: 199 صفحة.

أكاديمي تونسي مقيم بروما- إيطاليا

أخبار ذات صلة