فاكسرس: القصة من الداخل لتطعيم أكسفورد-أسترازينيكا، والسباق ضد فيروس كوفيد

فاكسرس.jpg

سارة جيلبرت وكاثرين چرين

طلال اليزيدي 

في 1 يناير 2020، قرأت سارة جيلبرت Sarah Gilbert أستاذة في علم اللقاحات بجامعة أكسفورد، مقالاً عن أربعة أشخاص في الصين يعانون من التهاب رئوي غريب. في غضون أسبوعين صممت هي وفريقها تطعيمًا ضد جرثومة مسببة لمرض جديد لم يشهده العالم من قبل. بعد أقل من 12 شهرًا تم نشر التطعيم في جميع أنحاء العالم لإنقاذ ملايين الأرواح من فيروس كوفيد-١٩ Covid-19. 

كتبت سارة قصتها في كتاب عُنْوِن بمصطلح جديد "فاكسرس" Vaxxers مصطلح يطلق على الناس المؤمنين بضرورة تعاطي التحصينات الطبية. في كتاب فاكسرس نسمع مباشرة من الأستاذة سارة جيلبرت وزميلتها الدكتورة كاثرين چريين Catherine Green وهما يكشفان عن القصة الداخلية لصنع لقاح أوكسفورد-أسترازنيكا Oxford-AstraZeneca والعمل الجاد وراء ذلك. في الكتاب تعرضان قصتهما في محاربة الجائحة مثل الناس العاديين في ظروف استثنائية ملتزمتين بالاحترازات الصحية وتتشاركان اللحظات المؤلمة في علاج عاصفة الجائحة. يدحض الكتاب الحقائق الزائفة عن التحصينات الطبية ويفصل الحقيقة عن الخيال؛  يشرح كيف صنعت الطبيبتان  تطعيمًا عالي الفعالية في وقت قياسي مع مراقبة أعين العالم ليقدما أملا في المستقبل. يدعونا كتاب فاكسرس إلى المختبرات الطبية لاستعراض كيف يمكن للعلم أن ينقذنا من هذا الوباء، وكيف يمكننا الاستعداد للجائحة التالية التي لا مفر منها.

 

الموضوع:

قليل من الناس في فترة تفشي وباء كوفيد-١٩ عاش حياة عمل أكثر اشتغالًا وكثافة في العمل من السيدة سارة جيلبرت وكاثرين جرين، العضوين الرئيسين في الفريق العلمي بجامعة أكسفورد اللتين طورتا تطعيمًا للعالم مع شركة صناعة الأدوية استرازينيكا AstraZeneca. ومن اللافت للنظر أنهما وجدتا وقتًا لكتابة كتاب عن رحلتهما في اكتشاف التطعيم على الرغم من عبء العمل الرسمي الهائل عليهما. يجب أن نكون ممتنين لهما على بذل هذا الجهد الإضافي المتمثل في كتاب يسرد القصة خلف اكتشاف التطعيم. يعد كتاب فاكسرس سردًا ممتازًا ومقروءًا لعامة القراء عن الحياة في معامل البيولوجيا حيث لا يصف فقط بحث التطعيم نفسه، ولكن أيضًا قضايا أخرى تنطبق على البحث العلمي بشكلٍ عام مثل الحصول على إمدادات للمواد والمعدات المخبرية ونشر النتائج، هذه القضايا الملازمة للبحث العلمي تجلت بالتحديد خلال فترة الوباء. كتبت المؤلفتان فصولًا متناوبة في الكتاب، متخذتين نهجًا زمنيًا واسع النطاق من يوم رأس السنة الجديدة 2020، عندما سمعت سارة جيلبرت عن الحالات الأولى لتفشي التهاب رئوي غامض في ووهان بالصين، حتى ربيع عام 2021. مع ربيع العام الجديد، تم إعطاء تطعيم أكسفورد-أسترازينيكا لمئات الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم وأنقذ أرواح عدة آلاف من الأشخاص من خلال الوقاية من كوفيد-١٩ القاتل. رغم إنجازهما تورطتا في الجدل حول مدى توفره وفعاليته وآثاره الجانبية.

 

 الدافع الملهم للمؤلفتين في كتابة (فاكسرس) هو طمأنة الأشخاص المترددين بشأن التطعيم بأن فوائده تتفوق بكثير على مخاطره، وأن البرنامج المتسارع لتطوير تطعيم لكوفيد-١٩ لم يقطع الزوايا ولم يختصر العملية القانونية لتصنيع التطعيمات، والتطعيم هذا لا يعرض السلامة الصحية للخطر. تفتتح كاثرين جرين الكتاب بوصف لقاء في أغسطس الماضي جمعها صدفة مع إحدى المتشككات من النساء بنجاعة التطعيم بجوار عربة بيتزا خلال عطلة في سنودونيا، مقاطعة جبلية في شمال ويلز. تقول المرأة المتشككة على طريقة سرد كاثرين "أشعر بالقلق لأننا لا نعرف ما الذي يضعونه في هذه التطعيمات من الزئبق والمواد الكيميائية السامة الأخرى". "أنا لا أثق بهم " قالت المرأة لكاثرين. ردًا على ذلك، في الكتاب وصفت كاثرين جرين بالضبط كيف صنع فريق أكسفورد التطعيم بما في ذلك قائمة كاملة من المكونات الرئيسية في التطعيم (بدون الزئبق). كتبت جرين أن تلك اللحظة كانت مفصلية دفعتها لكتابة كتاب (فاكسرس)، وعلمت بعد تلك اللحظة أنها بحاجة إلى الخروج من المختبرات الطبية وشرح تفاصيل التطعيم. كتبت جرين عن الفائدة المنعكسة من تعاطي التطعيم: "لم تتم كتابة النهاية بعد للجائحة لكننا قطعنا شوطًا طويلاً نحو التغلب على هذا الفيروس، وأود أن يعرف الناس كيف وصلنا حقًا إلى هنا وماذا سيحدث بعد ذلك، كيف نخرج من هذه الفوضى وكيف نستعد للفيروس التالي الذي لا مفر منه “. أوضحت جيلبرت وجرين أن السرعة في إنتاج التطعيم توفرت بفعل نظامٍ صممه فريق البحث بجامعة أكسفورد يمكن تكييفه لتوفير الحماية ضد الفيروسات المختلفة قبل ظهور كوفيد.  هذا النظام تمكن من إنتاج تطعيمات فعالة ضد الإيبولا والالتهاب الرئوي الحاد الشرق أوسطي ويمكن تكييفه بسرعة لتصميم تطعيم للفيروس المسؤول عن كوفيد.

 

 النظام عبارة عن فيروس غدّي adenovirus لا علاقة له بالفيروس التاجي coronavirus المسؤول عن كوفيد، الفيروس الغدّي يسبب أعراضًا خفيفة شبيهة بالبرد في الشمبانزي، ولكنه لا يصيب الناس عادةً.  تم تعديل هذا الفيروس وراثيا لمنع تكاثره في جسم الإنسان. أضيف إلى هذا النظام المتعدد الأغراض المكون أساسيًا من فيروس غدّي معدل وراثيًا مجموعة من الجينات التي ترشد الخلايا لصنع أي بروتينات معادية التي بدورها تثير الجهاز المناعي البشري لتوليد أفضل استجابة وقائية. عند استخدام هذا النظام لصنع تطعيم لكوفيد أضيف إلى الفيروس الغدي المعدل وراثيًا جينات "البروتينات الشائكة" التي يستخدمها الفيروس لدخول الخلايا البشرية. فالتطعيم لا يحتوي على فيروس كوفيد بل أجزاء رئيسة من بروتينات كوفيد تساعد جهاز المناعة على تكوين حصانة ضد العدوى بالفيروس. على الرغم من أن العديد من غير العلماء الذين تابعوا أخبار كوفيد خلال فترة الوباء كانوا على دراية بنظام إنتاج التطعيم على نطاق واسع، فإن كتاب (فاكسرس) يضيف المزيد من المعلومات التي من شأنها إثراء القراء من العامة غير العلماء الذين يرغبون في معرفة المزيد؛ فلم يتم شرح إنتاج اللقاح بشكل أكثر وضوحًا من كتاب (فاكسرس).

 

الكتاب ناقش تقنية بيولوجية دقيقة في ترجمة ال DNA إلى بروتين تعرف "بتحسين شفرة الكودون".  تقرأ الشفرة الجينية الأحرف الأربعة (A وC وG وT) من الحمض النووي في مجموعات من ثلاثة (كودون) لتكوين 20 من الأحماض الأمينية التي تشكل اللبنات الأساسية لبناء البروتينات. لكن الغزارة في الكود يوفر إرشادات بديلة لمعظم الأحماض الأمينية. على سبيل المثال، الكود المشفر إلى الحمض الأميني ليسين هو AAA أو AAG.  استفاد فريق أكسفورد من ذلك لإعادة كتابة جينات فيروس كوفيد الأصلية بكودات ثلاثية مختلفة تصنع نفس البروتينات، ولكن بطريقة مُحسَّنة لإنتاج كميات أكبر داخل الخلايا البشرية، وبالتالي إعطاء كل جرعة من اللقاح تأثيرًا أكبر.   

 

 بحلول نهاية يناير 2020، قبل وقت طويل من إعلان منظمة الصحة العالمية عن انتشار جائحة كوفيد قرر الفريق تعليق جميع الأعمال الأخرى تقريبًا وتطوير تطعيم لكوفيد بتنفيذ إجراءات تطوير التطعيم بطريقة متوازية يتم إجراؤها عادةً بشكل متتال، والانتقال إلى المرحلة التالية قبل اكتمال جميع الاختبارات في المرحلة السابقة؛ لتسهيل الإجراءات المتعلقة بإنتاج التطعيم. علقت جرين على إجراءات تطوير التطعيم السريعة "إن الخطر في عملية إنتاج التطعيم ليست المنتج النهائي، أو اللقاح نفسه، لكن الخطر الحقيقي في إهدار وقتنا وجهدنا وأموالنا في حالة استمرار الجائحة". وقالت ردًّا على شكوك معاكسة في ظهور التطعيم متأخرًا عن المهلة المرجوة "الدفعة الأولى من التطعيم كانت جاهزة كما كنا نأمل بحلول 17 مارس وكان اللقاح جاهزًا للتجارب السريرية بحلول 22 أبريل، أي قبل وقت طويل مما كنا نأمله في الأصل".

 

 تظهر المؤلفتان القليل من المودة لوسائل الإعلام؛ كتبتا بصريح العبارة في كتابهما أن وسائل الإعلام كانت تطارد فريق بحث أكسفورد بحثًا عن إجابات. كتبت جيلبرت عن تجربتها مع وسائل الإعلام في أواخر عام 2020: "لقد سئمت جدًا من التحدث إلى وسائل الإعلام بلا نهاية، وكان علي دائمًا أن أكون الشخص البالغ في كل مقابلة" كانت سارة جيلبرت، بصفتها أستاذًا في علم اللقاحات وقائدة علمية لبرنامج لقاح أكسفورد دائمًا في دائرة الضوء الإعلامي أكثر من كاثرين جرين المسؤولة عن التصنيع. أكدت المقالات العديدة حول رغبة سارة القوية في حماية خصوصياتها الشخصية على الرغم من تمادي وسائل الإعلام. يستمر موقف سارة في الخصوصية خلال كتاب (فاكسرس)، على الرغم من ظهور المزيد في ثنايا الكتاب حول حياة سارة جيلبرت المنزلية مع شريكها طويل الأمد روب وأبناء في سن المدرسة. في الكتاب تندب سارة جيلبرت الطريقة التي يحرمها عبء العمل المكثف من وقت عائلتها، وكتبت كاثرين جرين بشكل مؤثر عن التقاطع الصعب بين العمل والحياة المنزلية بصفتها الأم الوحيدة لابنتها إيلي البالغة من العمر تسع سنوات، ووصفت مشاعرها العرضية عن عبء العمل.

 

 الكتاب حتميًا كتب بطريقة انتقائية لجهود فريق بحث جامعة أكسفورد. وأكثر ما يؤسف له هو إغفال الكتاب لزاوية التعاملات والتسويات المالية مع شركة الإنتاج استرازينيكا. فهناك القليل من النقاش في ثنايا الكتاب عن التعاملات مع استرازانيكا ومجموعة من الشركات الأصغر العاملة في تسويق التطعيم؛ فيجب أن تكون سارة جيلبرت على علم بهذه الترتيبات. وهي أحد مؤسسي شركة فاكسيتك Vaccitech، وهي الشركة التابعة لجامعة أوكسفورد التي رخصت الملكية الفكرية وراء "تطعيم أكسفورد". وفقًا لتقرير مع لجنة الأوراق المالية والبورصة الأمريكية قبل إدراج الشركة في بورصة ناسداك Nasdaq في عام 2021، كانت سارة جيلبرت مديرا غير تنفيذي للشركة حتى سبتمبر الماضي. على الرغم من منصب سارة أحد كتاب الكتاب في شركة vaccitech إلا أنها تلقت إشارات عابرة في الكتاب. لا يوجد ذكر أيضا للعديد من الأشخاص الذين لعبوا أدوارًا رئيسية في طرح التطعيم، بما في ذلك جون بيل John Bell (أستاذ الطب في جامعة أكسفورد) الذي لعب دورًا بارزًا في إنتاج التطعيم، وكيت بكنغهام Kate Bingham (رئيس فريق عمل اللقاحات التابع للحكومة البريطانية) وميني بانغالوس Mene Pangalos  (رئيس أبحاث المستحضرات الصيدلانية الحيوية في استرازانيكا).

 

 على الرغم مما ينقص الكتاب إلا أن القصة المتضمنة في الكتاب جيدة جدًا لدرجة أن الكتاب سيُقرأ لفترة طويلة بعد انتهاء الوباء، باعتباره سردًا حيًا لبحث في طور التنفيذ والطريقة التي يستجيب بها الأفراد في مواجهة الطوارئ العلمية.

 

 

تفاصيل الكتاب:

الكتاب: فاكسرس: القصة من الداخل لتطعيم أكسفورد-أسترازينيكا، والسباق ضد فيروس كوفيد

المؤلف:  سارة جيلبرت وكاثرين چرين

الناشر: Hodder & Stoughton

سنة النشر: ٨ يوليو ٢٠٢١

لغة النشر: الإنجليزي 

الصفحات: ٣٥٢ 

أخبار ذات صلة