أنتيكامينوس

أنتيكامينوس.jpg

ألكسندر دوغين

فيكتوريا زاريتوفسكايا*


في عام 2014 أدرجت المجلة الأمريكية "فورين بوليسي" مؤلف هذا الكتاب الصادر حديثا في موسكو، الفيلسوف الروسي ورئيس قسم علم الاجتماع للعلاقات الدولية في جامعة موسكو الحكومية  ألكسندر دوغين ضمن قائمة أهم مئة مفكر في عصرنا. ينظر الكتاب في مسائل ذات طابع إشكالي، يحاول المؤلف من خلالها فهم المتغيرات الأساسية في الحضارة الحديثة وتحليل الأزمات العميقة في الأيديولوجيا والثقافة وعلم النفس والتنمية وذلك من منظور فلسفي.

 

ينطلق كاتب أنتيكامينوس (كامينوس كلمة يونانية تشير إلى من يقف حائلا لسيطرة الشر المطلقة) من فكرة أن الكثير من الناس اليوم يستخلصون استنتاجا مفاده أن البشرية تتحرك على مسار مختلف تمامًا مما كان ينبغي أن تسير عليه، وأن وعود التقدم في التنمية والازدهار العالمي قد تبين أنها خاطئة بل وغير قابلة للتحقيق. قبل مئة عام كان معظم الناس يتطلعون إلى المستقبل بتفاؤل وتوقعوا تغييرات نحو الأفضل، تغييرات كانت مضمونة إلى حد ما من خلال منطق التاريخ ذاته. اليوم يهيمن على المجتمعات مزاج مختلف تمامًا - إن لم يكن مروعًا بشكل مباشر، فهو على الأقل متشكك في القفزة التي ستضع البشرية في مسار الرقي والازدهار، وذلك على الرغم من استمرار التطور التقني بسرعته القصوى. ووفقًا لدوغين فإن هذا لا يؤثر بشكل مباشر على سعادة الإنسان ولا يضمن أي ارتقاء أخلاقي وروحي كما لا يعزز مفهوم العدالة في البنية الاجتماعية.

يتطرق ألكسندر دوغين إلى عالم الاجتماع البولندي بيوتر شتومكا، الذي يذكره في كتابه، ويدرج فكرته القائلة إن التقدم في العلوم الإنسانية انتهى عام 1945 لتحل محله الأزمات الدورية والكوارث التي ما برحت تمتد وتتسع. فإذا ما كان هنالك مفكرون قلائل في بداية القرن قد دقوا ناقوس الخطر بشأن مستقبل البشرية، مثل أوسفلد سبينغلر، الذي أعلن "تدهور الحضارة الغربية"، وفريدريك نيتشه، الذي أشار إلى صعود العدمية، فإن الشعور بدنو الكارثة أصبح شائعا في مختلف البيئات العالمية. "السلام الأبدي الموعود وتعزيز القيم الإنسانية والعدالة والازدهار المستمر والقضاء على الفقر والنهوض الأخلاقي للبشرية، الذي كان متوقعًا منذ حقبة زمنية قريبة أصبح بعيد المنال. التكنولوجيا تزاحم الحياة ومع ازدياد سرعتها تتفاقم الغربة في الحياة أما أحدث إنجازات العلوم فتستعمل لتحسين المجمعات العسكرية (...) كلما تحدثوا عن السلام والطمأنينة زاد عدد ضحايا العنف الدموي" (64-65).

 

يركّز الجزء الأول والرئيسي من الكتاب على موضوع نهاية العالم والنظر في شخصية المسيح الدجال والحقل الدلالي لنهاية العالم دون الإشارة إلى أي تقليد ديني معين، علما بأن شخصية المسيح الدجال تمتلك ارتباطا قويا بالمسيحية. يمكننا القول إن المؤلف لا ينظر إلى شخصية الدجال وحسب، ولكن أيضًا إلى نظائره في الديانات التقليدية، مما يقود إلى موضوع التقليد. وبالنسبة له، فالتقليد عبارة عن مصفوفة بنيوية تشترك فيها مختلف البيئات بينما يعارضها المجتمع الحديث والنموذج العلماني للعلم.

في هذا السياق يشير دوغين إلى أن هناك اتجاهًا في المسيحية الحديثة يعمل على إقصاء المسيح الدجال من وعي المسيحيين تمامًا. وهكذا يتم إخراج أهم لحظة تاريخية  للفرد المؤمن، حيث لا يعود الدين حينها تاريخيا ولا اجتماعيا، فظهور المسيح الدجال للمؤمنين هو لحظة أخيرة قبل نهاية العالم، وقبل المجيء الثاني للسيد المسيح، وبالتالي فالمسيح الدجال أداة لقياس الزمن المسيحي. "كثير من الأمور تعتمد على حساب الزمن كالموقف من المجتمع والعالم والتمسك بالدين (...) المسيحية بدون موضوع المسيح الدجال لا يمكن الاعتماد عليها، مما يعني أنها تفقد أهم أبعادها وتحول نفسها تدريجيًا إلى نوع من المحاكاة". 

يحاول دوغين إيجاد نظائر وظيفية للمسيح الدجال في مختلف الأديان والعقائد، مستدعيا الإسلام أكثر من مرة، ومشيرا إلى عمل  (Le Chemin de la Mecque. Paris, 1976) Muhammad Assadحيث يتفق مع هذا الباحث في أن العمى الجزئي للمسيح الدجال (الأعور الدجال) وقدرته على الرؤية والسمع عن بعد والطيران بسرعة فائقة وغيرها من المعجزات الميكانيكية المنتمية إلى الحضارة الحديثة تدلّ على أن الحضارة التقنية الحديثة ترى جانبًا واحدًا فقط من الحياة وهو التقدم المادي وتتجاهل تمامًا جانبها الروحي (11).

إن إحدى رسائل دوغين المفتاحية هي أن المسيحيين المعاصرين يواجهون صعوبات في الإيمان، ليس فقط لأنهم يعيشون في ثقافة معادية للمسيحية، ولكن أيضًا لأن "الإيمان يظهر لهم إما كشيء مجزأ أو كتجريد مفاهيمي. تفتقر المسيحية إلى الحياة، فهي ليست هامدة تمامًا ولكنها قليلة الحيوية. حياة المسيحيين شاحبة. لذلك نرى الكنائس نصف فارغة، ويساورنا الشك بوجود خطأ ما حين نراها ممتلئة"(37).

   يتتبع مؤلف الكتاب تاريخ الكنيسة ويصل إلى استنتاج مفاده أن الكنيسة في أوروبا تتحول من نظام مركزي للثقافة إلى مؤسسة اجتماعية أسوة بمؤسسات أخرى خالية من البعد السياسي، وبالتالي فقد تحولت الكنيسة إلى قطاع خاص. وحين نرى الكنيسة مشتبكة في حوار مع العلمانية نتوقع التنازل الذي ستقدمه وتراجعها المستمر عن مواقفها. ويذكر المؤلف أنه بين أعوام 1962-1965 وصلت التسوية بين الكنيسة والحداثة إلى ذروتها ففرغت الكاثوليكية من محتواها وتم كسرها بشكل لا رجعة فيه.

 

يتقدم الكتاب بتحليل أكثر شمولا للكنيسة الأرثوذكسية الروسية الشرقية ويؤكد على أن الملكية الأرثوذكسية في روسيا  ظلت مستمرة حتى بداية القرن الثامن عشر، بعد ذلك، وتحت تأثير الغرب، بدأت تفقد محتواها البيزنطي. "الانشقاق وإدراج التغييرات في الكتب الدينية وإصلاحات نيكون للكنيسة والابتكارات الغربية التي ساقها الإمبراطور بطرس الأكبر تمثل ضربة هائلة للتقاليد الأرثوذكسية. إن حيوية المسيحية الروسية تراجعت بشكل حاد (...) عشية الثورة البلشفية كانت المسيحية الروسية تمثل شكلاً تاريخيًا خاصًا لا يمتلك من الحياة المسيحية إلا النزر القليل. وهذا ما جعل القفزة الدراماتيكية الحادة نحو الإلحاد والمادية ممكنا (...) وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي جرى إلغاء الحظر الذي طوق الكنيسة. لم يكن ذلك بفضل المؤمنين إذ أدى غياب الضغط والقمع والفراغ الأيديولوجي إلى خلق ظروف مواتية لاستعادة رسمية لمكانة الدين، لكن هذا لم ولا يمكن أن يؤدي إلى تغييرات جذرية في الروح. بشكل عام لا يختلف موقف الكنيسة الأرثوذكسية الروسية الحديثة كثيرًا عن موقف الكنائس المسيحية الغربية. إنها مؤسسة اجتماعية هامشية ليس لها تأثير مباشر على السياسة المبنية بالكامل على أسس غربية علمانية ولا على التعليم أو الثقافة. لكن بشكل عام فإن بنية المجتمع الروسي الحديث أكثر قدامة مما هي عليه في الغرب وهذا يعطي فرصة للكنيسة والمسيحية. مع ذلك، ومرة أخرى، فإننا نتحدث عن القصور الذاتي وليس عن مظاهر نهضوية"(46-47).

 

يتمثل ألكسندر دوغين في الجزء الثاني من الكتاب كمؤيد للمجتمع التقليدي الذي يختلف تمامًا في مواقفه الأساسية وأنظمة قيمه وبنيته الاجتماعية والسياسية عن المجتمع الحديث. وفيما يتعلق بافتقاد فكرة المجتمع التقليدي لشعبية واسعة، يستشهد دوغين بأفكار الفيلسوف الفرنسي الذي ينتمي إلى النصف الأول من القرن العشرين ريني غينون، مؤسس التقليدية المتكاملة ويقول: "إن الغالبية العظمى من البشر المعاصرين يعرّفون أنفسهم تلقائيًا بانتمائهم إلى المجتمع الحديث وذلك من دون تمحيص في الأمر. لذلك يشكل الفرد الحديث فكرته عن عالم التقاليد والمجتمع التقليدي بناءً على مبادئ خاطئة أصلا فهو ينظر إلى المجتمع التقليدي بشكل افتراضي على أنه شيء متخلف ومظلم، قائم على التحيزات والافتراضات غير العقلانية وباعتباره شيئًا غير علمي وغير متحضر بل متخلف بطبيعته. بعبارة أخرى يُنظر إلى المجتمع التقليدي على أنه المرحلة الأولى من التطور الذي يسبق المجتمع الحقيقي أي المجتمع الحديث. يعتمد هذا النهج على الاعتراف البديهي بأن العالم يتطور نحو الكمال - من الصغير إلى الكبير ومن الأسوأ إلى الأفضل ومن البسيط إلى المعقد، وأن التقدم يتحكم في مسار تاريخ العالم. إن كل هذا فرضية لا أكثر ولا أقل، فرضية قُيّض لها الانتصار ولكن ضمن صراع غير عادل مطلقا. من هنا جاء سوء فهم التقاليد وقيمتها، ومن ثم عبادة الأصنام فيما يتعلق بالمادة والتكنولوجيا والفردية والسلسلة اللانهائية من الآلات الأوتوماتيكية الجديدة. على المرء فقط أن يتخلى عن فهمه هذا للتقدم  وسوف ينفتح له العالم على ضوء مختلف. سوف يتضح له أن المجتمع التقليدي ليس تقويضًا للحداثة بل قائم على الخلود والقداسة والتسلسل الهرمي والتوجه إلى الله والروح وليس إلى الخبرة الحسية (...) أما نقيض ذلك فهو ارتقاء الضياع ووضعه في إطار قيمي ناهيك عن زرعه في كل مكان"(67).

هنا تجدر الإشارة إلى أن ريني غينون قد اعتنق الإسلام في مرحلة معينة من حياته واستقر في القاهرة  وأصبح شيخًا صوفيًا وقطع علاقاته مع الغرب والمجتمع الغربي قطعا بائنا. ومن خلال تجربته هذه ضرب مثالا على إمكانية الابتعاد عن العالم الحديث في الغرب والعثور على منزل روحي في الشرق.

 

 الجزء الأخير من الكتاب يتمحور حول رؤية المؤلف للمستقبل الذي يراه فوضويًا. يكتب قائلا: "من الصعب تخيل كيف ستتطور العلاقات بين مؤيد للعولمة ومن يرى نفسه في عالم ما بعد العولمة، مع ذلك فبمقدورنا منذ الآن توقع النقاط الرئيسية لواقع ما بعد العولمة بشكل عام". في رأيه فالعالم يسير نحو المجتمع المنغلق الذي ما انفك يبرز أمامنا. يزعم الباحث أن سيادة الدول والحكومات ستتعزز بلا شك، وسيصبح مفهوم الأمن والسلامة نعمة النعم لأي  شعب في أية دولة. يقول إن الحكومات الشرعية لن تقوم لها قائمة إلا إذا تمكنت من التعامل مع مهامها في إنقاذ الناس من الأوبئة والأوضاع الكارثية المصاحبة لها ثم تنظيم بنية سياسية واقتصادية وأيديولوجية قادرة على الدفاع عن مصالح هذا المجتمع المنغلق. "يجب أن يكون المجتمع المنغلق مكتفيًا بذاته، بمعنى أن عليه أن يكون مستقلًا عن الموردين الخارجيين ولا سيما في مسائل الغذاء والإنتاج الصناعي والنظام النقدي والقوة العسكرية" (355).

لا يساور المؤلف الشك في أن إستراتيجات التحالف دائما ما تكون ضمن أولويات الدول الحديثة: "الشيء الأكثر أهمية هو أن يكون لديك عدد كاف من الحلفاء الإستراتيجيين والمهمين من الناحية الجيوسياسية، يشكلون معًا كتلة قابلة للحياة. ينطبق هذا على الروابط الاقتصادية والمالية التي توسع حجم الأسواق المتاحة ولكن ليس على المستوى العالمي بل على النطاق الإقليمي (...) يمكن تخيل العالم السياسي في شكل مراكز عدة كبيرة وعدد آخر من المراكز الثانوية التي بمقدورها تلبية متطلبات الاكتفاء الذاتي. سيكون العالم مناظرا للإمبراطوريات التقليدية. هذا يعني نظامًا رأسيًا واحدًا للرقابة ومسؤولية الدولة ومؤسساتها الكاملة عن حياة المواطنين وصحتهم، إذ تتحمل الدولة المسؤولية عن تزويد السكان بالطعام مع ربط العملة الوطنية بالذهب أو السلع وليس بنظام الاحتياط العالمي ما يضمن معدلات عالية في تنمية الصناعات الوطنية"(356).

 

تفاصيل الكتاب:

الكتاب: أنتيكامينوس

المؤلف: ألكسندر دوغين.

الناشر: أكاديميتشيسكي برويكت/موسكو/2022

اللغة: الروسية

عدد الصفحات: 415

*أكاديمية ومستعربة روسية